اخر الروايات

رواية الغضب الاسود الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية الغضب الاسود الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم الكاتبة كوين اسمهان


الفصل 23|صرخة السيد


                                              
   جلست ماريغولد إلى طاولة الفطور الصباحي تجترُّ أحداث أمس مبتسمة، يقودُها بالها الخالي من أي هم إلى الشعور بقوة عجيبة، قبل ساعات فقط كانت مهزوزة الأعماق، مفطورة القلب على غاليتها إيريكا، لكن وجود سند معها خفف ألمها، مساندة هارولان لها أحيت فيها الأمل للإستمرار، و ملازمته لها طيلة تلك الجنازة أكدت لها أنها ليست مهجورة في هذا العالم، حضنه بدَّدَ خوفها من الوحدة! رغم أنها لم تعرف بعد كيف لحضن رجل أن يشيع فيها كل هذا الأمان؟ و كيف ليديه اللتين ربتتا على ظهرها و شدتاها لصدره أن تمنحاها كل هذه القوة؟ لقد احتضنها أوليفر حين رحل والدها للأبد، و أخبرها أنه موجود أيضا، لكنها لم تشعر بالأمان، و لم تمنحها كلماته أدنى قوة، بل ملأتها بالقلق من مستقبل مجهول، و الشيء الوحيد الذي جعلها تتماسك و تسافر برفقته هو... الذكريات التي لم تمت في قلبها!

+


   كانت الأنوار قد عادت إلى المزرعة مع بزوغ الفجر، و العاصفة هدأت و خبا هديرها، و الرياح القويَّة جمعت هبَّاتها العنيفة لتجمح بها بعيدًا، عدا المطر الذي فرض نفسه هناك، و تمسك بكينغلاند كأنها توسلته ليرويها أكثر. حلقت ساري حول الطاولة لتجمع الأطباق و الفناجين و رأسها يطوف بها، فيما كان لِيو يسأل ماريغولد بعينيه الواسعتين:

+


"ماذا سنزرع اليوم صديقتي؟".

+


   أجابته معتذرة و هي تراقبُ ساري في ذات الوقت:

+


"لا شيء! لن نعمل في الحدائق اليوم".

+


   عبس الطفل و لوى شفتيه، فسارعت إلى الاستطراد موضحة:

+


"لن ننجح في زراعة شيء مع هذا المطر الغزير، لذا سنأخذُ إجازة، و سنفعلُ ما يحلو لنا".

+


   لمعت عيناه بحبور، سيكون يوما بديعا إذن، هكذا فكر و هو يعدد على أصابعه الصغيرة الأشياء التي سيستمتعان بها، ألعاب... قصص... تلوين... و ماذا أيضا؟ استعجلته ماريغولد مقاطعة أفكاره، و طلبت منه أن يسبقها نحو غرفته و ينتظرها هناك ليرسما معا، فأطاعها فورا، بينما اهتمت هي باستنطاق ساري عما يجري معها، ساعدتها في جمع الأواني بعد احتجاج الخادمة الطويل، ثم جلستا في جناح الخدم، و تحديدا بالغرفة التي تشغلها ساري، ضمَّت هذه ركبتيها لبعضهما، و نكست رأسها و أصابعها المتشنجة تقبض على الفراش بيأس، كشخص لن يكفيه عزاء الكون كله إزاء مصيبته، راحت ماريغولد تمشطها بعينيها منتظرة كلمة، كلمة فقط تشرح بها ذبولها مؤخرًا! مدت يدها و رفعت بها ذقن الخادمة مستسفرة بلطف:

+


"أسري لي بما يشغلكِ، المرأة لا تذبلُ إلا بسبب قلبها! السببُ رجل، هل أنا محقة؟".

4


   انكمش فم ساري، و فاضت دموعها فورا، لتنفجر باكية في حضن ماريغولد، و استمرت كذلك تنتفض بيأس لدقائق طويلة كادت تشبه الساعات، حتى لملمت نفسها، و أعلنت أخيرا بصوت مرتعش:

+


"لقد حطمتُ نفسي آنستي! دمرتُ حياتي، و لا أعرف كيف سأستمرُّ بعد هذا... أنا... أنا...!".

1


   و عادت للنحيب مجددا بعدما ضاعت منها الكلمات، التي رتبتها بجهد لا يعرفه سواها، تأملتها ماريغولد بتفهم، و قالت معالجة شعرها الأحمر الذي تبعثر حول وجهها الشاحب:

+



                                      

                
"هوني عليكِ عزيزتي! و لا داعي للألقاب بيننا، ما دمتِ ستفضفضين لي... فاستعملي اسمي مجردًا! هيا ساري... افتحي لي قلبكِ، و شاركيني حمله الثقيل، ربما نجدُ معا حلا ينهي ذبولك، و حتى إن لم نفعل، ستُريحكِ الفضفضة صدقيني!".

+


   نظرت ساري إلى وجه ماريغولد مترددة، لكنها في اللحظة التالية تشجعت، و عثرت على الكلمات المفقودة ما إن لمحت القوة و العاطفة تطوفان عينيها، وثقت بها، و تاقت لبوحٍ يخفف عنها بعض الألم الذي يتضاعف داخلها يوما عن يوم! أجل! هذه فرصتها، ستعترف، ستبوح بسرها الفضيع، و ستتخلصُ من الحِمل! و في كلمات قليلة أعلنت مصيبتها واضعة رأسها بين يديها:

+


"أنا حامل!".

26


   تفاجأت ماريغولد بما سمعته، لقد توقعت أي شيء إلا هذا، و من حالة ساري، أيقنت بقية القصة دون أن تتحدث بها صاحبة الشأن حتى، لم يكن من الصعب على عقلها استنتاج ذلك، لا ريب أن والد الطفل يتهرَّبُ من مسؤوليته! نقمت عليه ماريغولد دون أن تعرف حتى من يكون، و حزَّ في نفسها ما قالته ساري تاليا بصوت متهدج:

+


"تلك الليلة... أعني ليلة الحفل... في بيته... آه! ليتني لم أستسلم له! ليتني لم أرَهُ أفضل رجل في العالم وقتها! ليتني قاومت ذلك الغباء! لو فعلت... لما كان هذا حالي، لكان ريك جونسون يركض خلفي لا يتجاهلني كما يفعل الآن!".

1


   تحركت بعصبية و تابعت و هي تضغط على بطنها:

+


"خدعني بكذبة الزواج... رسم لي حلما جميلا... و تبين أن نهاية الحلم الساذج صفعة موجعة مزقتني! ماريغولد...".

+


   أمسكت يدها و استطردت بروح مخذولة:

+


"لقد نظر في عيني بكل بساطة و قال أنه كان يمرح! و حين علِمَ بأمر الحمل طلب مني بكل جسارة أن أجهضه! أقتليه! هذا ما قاله، آه! لا أصدق كيف أمكنه قول ذلك؟".

9


   تصاعد الغضب داخل ماريغولد، المرح! ذلك الخنزير الوسيم يعتبرُ كسر قلب ٱنثى و التخلي عن طفل لا ذنب له مرحًا؟ زمَّت شفتيها و ضمت يدي الخادمة بين راحتيها المواسيتين و قالت محذرة:

+


"إياكِ ساري! إياكِ أن ترتكبي هذا الذنب! لا تفرطي في فلذة كبدكِ من أجل أي كان، و لو كان والده! لم أعش هذا من قبل... لكن حدس الٱنثى داخلي يؤكد لي أن الأمومة أجمل هدية من السماء! لذا ارفعي رأسكِ و حاربي لتعيشي أنتِ و طفلكِ بكرامة! أما عن السيد جونسون فلا بدَّ أن يقوَّم تفكيره الخاطئ شخصٌ ما!".

5


   حركت ساري رأسها بغير حيلة مردفة:

+


"أساسا لا أحد يعرفُ بالأمر!".

+


"أنا أعرف، و لا يتطلب الأمر إلا أن تخبريني أين يتواجد السيد جونسون في مثل هذا الوقت؟".

+


   ردَّت ماريغولد بثبات و هي تتجه نحو الباب، فسارعت ساري لمنعها مما تفكر فيه قلقة:

+


"ماذا؟ ستحدثينه أنتِ؟ لا! لن أقبل أن تتدخلي بهذا و تتأذي بسببي!".

+



        
          

                
   طمأنتها ماريغولد قبل أن تمسك مقبض الباب مصممة:

+


"أعرف ما الذي أقوم به، و لا أحد سيمسُّه أذًى، فكفي دموعكِ و قلقكِ، و أجيبي سؤالي، ثم كوني فقط بخير من أجل الطفل!".

+


   زفرت ساري مستسلمة، و منحتها الجواب المنتظر، لتغادر ماريغولد و في جوفها يحتشدُ كلام قاسٍ تنوي أن تمطر به ذلك الرجل اللامسؤول، حتى أنها لم تلحظ سيدني التي مرَّت بها مُلقية التحية الصباحية دون أن تنال منها اعتبارًا، رفعت سيدني حاجبيها لوهلة، ثم تابعت طريقها متمتمة بغرابة: «عجيب! الآنسة موران تبدو على وشك شنِّ الحرب! لم أرها هكذا من قبل».


+


جمع أندرو ماكليان القطيع الذي حان دوره للرعي اليوم، و راح يغدو و يجئ فوق صهوة فرسه «ريتان» معددا الأبقار و الثيران، ليتضح له أنه العدد المطلوب، ثم طالع القائد جونسون منتظرا إشارة الإنطلاق نحو المروج، و كان ريك منهمكا في تفقد محرك السيارة الاستطلاعية التي ترافق القطيع عادة، و الذي توقف عن العمل فجأة، نفض يديه و أنزل غطاء المحرك مصرحا بسخرية:

1


"سْكوت! أخرج السيارة الأخرى، هذا المحرك البائس كالنساء تماما، جميل لكن لا نفع يرجى منه!".

21


   لم يتحرك «سْكوت وارد» مفضلا الوقوف فاغر الفم كالأخرق، و لا تزحزحت نظرة الدهشة عن وجه أندرو، فاتجه ريك ببصره الحائر إلى حيث ينظران خلفه، و ازدرد ريقه بصعوبة و هو يرى ماريغولد مقبلة عليهم، بأنوثتها الجذابة، و قوامها الرشيق، أخذ الثلاثة يتأملونها كل بطريقته، فسْكوت رآها تلك المتمردة المجنونة التي تحدت سيدهم، و أندرو نظر إليها كفتاة بريئة أذنب في حقها، أما ريك فقد كانت بالنسبة له الٱنثى الوحيدة التي أشعلت نيرانه و لم يصل إليها! لكن... تبا! ها هي ذي هنا تأتيه بنفسها، و قد تكون هذه هي فرصته التي لن تعوض ليتمكن منها!

9


   أومأت ماريغولد للثلاثة باحترام، و سألت أندرو ملاطفة:

+


"مرحبا! كيف حال ذراعك الآن؟".

+


   استيقظ أندرو من حلم يقظته، و أردف محمرَّ الوجه:

+


"ٱبلي جيدا، شكرا لسؤالكِ آنستي، إنه أمر شائع الحدوث للرجال هنا، تعودنا على قرون الثيران الحادة! و للصراحة هي أرحمُ من لسعة سوط السيد كينغ، لو نجح «أوسو» في الهرب يومها، لنلنا عقابا أقسى من طعنة كهذه!".

2


   تبادلا ضحكة خاطفة، لكن سرعان ما تجمدت شفاه ماريغولد عندما التفتت ناحية ريك، ركزت على مهمتها، و سيَّرت جلَّ أفكارها صوب هدفها المنشود من محادثته، و كم كان ريك مأخوذا باللحظة حين اكتشف أنها تدنو منه، و شفتاها المغريتان تحملان شيئا يخصه هو! حسنا، لم يكن يتوقع هذا، لكن يبدو أن الحظ بدأ يحالفه اليوم. انتزع قبعته في احترام مبالغ فيه، و حاول التأثير فيها بعينيه الزرقاوين الساحرتين، لكن سحرهما لم ينفع مع ٱنثى عميقة و راقية مثل ماريغولد، امرأة لا تقف على الأسطح الجميلة، بل تفضل الغوص إلى الأعماق التي تكتنز الحقائق!

+



        
          

                
"مرحبا آنسة موران! أتواجهكِ مشكلة ما؟ أنا جاهز لتقديم المساعدة".

+


   حدجته بنظرة حادة، و حاولت خفض صوتها معقبة:

+


"إن كنتَ كذلك حقا! فلِمَ تبخلُ بها على ساري؟".

+


   ٱصيبَ بطعنة في مكان ما، لكنه لم يكن قلبه حتما، لا يوحي منظره أنه ممن يملكون قلوبا تتألم، ادَّعى ريك أنه يتفحص السيارة ثانية فقط ليهرب بعينيه، و تمتم مراوغا:

+


"أنا... لا أفهم مقصدكِ آنستي!".

+


"بل تفهمني جيدا سيد جونسون، كيف تشعرُ الآن و أنت تتصرف كشخص جبان!".

+


   لم يعجبه ما تفوهت به، و سرَّها هي أنه عاد بعينيه إليها، بالطبع! لا يوجد رجل على وجه البسيطة يدع إهانة كهذه تمرُّ بسلام، قال هذه المرة بحدة مماثلة:

+


"ما الداعي لهذا القول؟ ما الذي بدر مني لأوصم بالجُبن؟".

+


"تلاعبك بفتاة أحبتك، و استباحتكَ براءتها، و تخليك عنها و عن طفلك الذي حكمتَ عليه بالموت قبل أن يرى النور حتى! أليست أسبابا كافية لتستحق ما وصفتكَ به؟".

+


أشارت إلى القطيع مردفة بصوت يتكسَّرُ على مسمعه، كتكسُّر الأمواج الصقيعية على شُطآن القطب:

+


"حتى ذلك الثور... يعرفُ كيف يكون أبًا حقيقيا أفضل منك، بل إن وحوش الغابة ترفضُ أن تتخلى عن قطعة منها!".

+


   تجهم وجه ريك و امتقع، و خُيِّل إليه أن من حظه عدم سماع الرجال بهذه الإهانة التي كالتها له، و غاب عن باله في غمرة استيائه أن أندرو يتمتع -كما عُرِفَ دائما- بسمع قوي! و كان كل تفكيره يدور حول كيفية إخضاع هذه المرأة لسحره، و معاقبتها على إهانته بضربة واحدة! و لم يكترث إطلاقا لما وصفته من عظمة الزواج، و إجلالها للأسرة و إنجاب الأبناء، فلتتحرك شفتاها هكذا طويلا! قريبا ستكون بين يديه أيضا، و سيرى وقتها ما ستقوله من سخافات لعينة!

9


"آنسة موران! ما حدث بيني و بين ساري كان نتاج ثمالة في الحفل ليس أكثر!".

+


   عرفت من نظراته أنه يزيف الحقيقة، لو كان هذا حقيقة ما حدث لقالت ساري ذلك، فكرت من جديد، و أردفت مشمئزة من مبرره السخيف:

+


"عذرٌ أقبح من ذنب! أيا كان حالك حينها، كل ذلك تحصيل حاصل، أنت تنتظرُ مولودا يحق له أن يحيا و يسعد بين أبوين متحابين، لذا لست بحاجة لأذكرك أن أستراليا بلدٌ لا تضيعُ فيه حقوق فتاة مستضعفة!".

+


   ضاقت عيناه، و اهتز متسائلا:

+


"أهذا تهديد آنسة موران؟".

+


   ابتسمت بثقة لأنها نجحت في إخافته بالقانون، و سمعت نفسها تعقب بقوة:

+


"إنما هو تذكيرٌ صغيرٌ بأن القانون سيكون في صف ساري و الطفل!".

+


   ساري! ساري! ساري! سُحقا لساري! إنه لا يريد سماع اسمها ثانية، و لا يهمه أمرها، و لا حتى أمر الشيء الذي يُدعى طفله! لماذا سيهتم؟ لم تكن أكثر من متعة عابرة بالنسبة له! حتى الزواج الذي جرى على لسانه، لم يكن إلا حجة جيدة ليبلغ مُراده! هكذا كانت حياته مع النساء دائما، هنَّ كُنَّ و لا يزلنَ فواكه شهية في نظره، يقطفُ هذه ليكتفي بقضمة واحدة، ثم يلقيها جانبا معرجا نحو أخرى، و هكذا دواليك، ريك جونسون لا يقتنعُ بفاكهة واحدة لمدى الحياة، لكن سُحقا! ما أبعد هذه التي أمامه الآن! اقتنع أنها فاكهة لا يسهلُ بلوغها، فكيف بقضمها! و عمل عقله الماكر بسرعة باحثا عن سبيل إليها، لتهمس له شياطينه بذلك على الفور، أتته فكرة من الجحيم، أمثالها يملكنَ رحمة حمقاء حتما، و هذا ما جاء بها كل هذه المسافة فقط لتعلي راية الحق، إنها قوية و جريئة بشكل يغريه أكثر، لكنها للأسف حمقاء و بقلب طيب و عواطف سخيفة كغيرها من النساء! ابتسم ريك لأفكاره الممتعة، و تنهد.

7



        
          

                
"حسنا آنستي!".

+


   أحنى كتفيه في حركة استسلام، و أضاف بخبث عرف كيف يخفيه:

+


"لا تأخذي ما قلته قبل قليل على محمل الجد، أنا فقط... لم أخطط لزواج فوري... و لأكون أبا بهذه السرعة أيضا! في مطلق الأحوال لستُ بمعرض الزواج حاليا، ها أنتِ ترين أنني مجرد عامل هنا، و الزواج يتطلبُ الكثير... خاصة الذي يبدأ بالأطفال".

+


   حدست ماريغولد شيئا غريبا، لكنها بدأت ترى في عينيه نوعا من الندم و القلق، و هذا دفعها لتطمئن نسبيا، و تقنعه قائلة بلطفها المعهود:

+


"إن كان حبك لها صادقا، فلن يهمك أي شيء آخر، لا أعتقدُ أن ساري تبحث عن أمير ثري و زواج أسطوري، إنها روح طيبة لا تبحث إلا عن الحب الحقيقي، عن رجل حقيقي! ككل النساء!".

+


   أجل! إنها كغيرها من النساء تماما! عاطفية! ساذجة! حمقاء! كلتاهما كذلك! إلى أي سخافة يستمع الآن بحق السماء؟ أشهر ذراعيه كأنه يعترف بهزيمته أمامها، و قال ممنيا نفسه بالحصول عليها مهما كلفه الثمن:

+


"أخشى أنني لن أستطيع مواصلة هذا الحديث أكثر، كما تلاحظين، أنا مُناطٌ بمهام الآن، لكن ما رأيكِ أن نتابع ذلك لاحقا؟".

+


   و قبل أن يتسنى لها الرد، سارع للإضافة بابتسامته الجذابة:

+


"سأنتظركِ عند الإصطبلات ليلاً!".

15


   استغربت ماريغولد ذلك متسائلة بعينين ضيقتين:
"لماذا تريدُ أن تجتمع بي أنا هناك؟ حريٌّ بك أن تلتقي ساري و تعتذر منها!".

+


   أعمل عقله أكثر، و كم كان جيدا في الكذب و المراوغة، لذا كان يتحدثُ بالترَّهات مهنئا نفسه على مستواه الرفيع في الخداع:

+


"آه! يستحيلُ ذلك، أنتِ لا تعرفين ساري جيدا، إنها أسوء من القُصَّرِ حين يتعلق الأمر بغضبها، و لا أظن أنها ستغفرُ لي بسهولة، لذا...".

+


   تابع و هو يميلُ برأسه، قبل أن يمنح الرجال إشارة الإنطلاق التي طال انتظارها:

+


"سيفيدني أن أتناقش في الموضوع أولا مع امرأة ناضجة مثلك آنستي! ثم إن الإصطبلات مكان جيد بالنسبة لموضوع حساس كهذا، فلا أحد هناك ليلاً!".

+


   ارتعش شيء داخلها، شيء رفض الفكرة، حذرها، صرخ بها ألا توافق، لكن اللعنة... لقد حركت رأسها إيجابا، و منحت ذلك الراعي الخبيث ابتسامة ضيقة لم تلامس عينيها! و بينما كان أندرو يسوق فرسه مارًّا بها، رمقها بنظرة غريبة، كأنما حملت نظرته شيفرة ما عجزت عن تحليلها، كأنه بعث لها برسالة لم تُجِد قراءتها! و كان أن راقبتهم يبتعدون ثلاثتهم بالقطيع و السيارة، تاركين خلفهم ضبابا حولها و أسئلة في عقلها!

5


   لم تنجح طمأنة ماريغولد لساري في جلب السعادة إلى وجهها الشاحب، راحت الخادمة تؤدي مهامها بجسد خالٍ من الحياة، و عندما أخذت القهوة و الكعك بعد الظهر إلى الحُراس و فريق النقل، كان غاري ويبر طوال تلك اللحظات يتابعها بعينين عاشقتين، بينما تتهاترُ أعماقه بسؤال واحد: «لماذا هي تعيسة إلى هذا الحد؟»، تناول منها جيف تيرنر أغراض القهوة، و طفق يوزع الأكواب و الكعك على رفاقه، أما غاري فقد رفض تناول نصيبه، و تنازل عنه لهوجو، و ظل يلاحقها بنظراته و هي تقفل راجعة أدراجها نحو البيت... حتى التهمت الأشجار جسدها المنهك و ظلها المرتعش!

12



        
          

                
   في ذلك الوقت، سألت ماريغولد لِيو معجبة برسمه الذي أهداه لها:

+


"من تكون هذه المرأة التي رسمتها يا عزيزي؟".

+


   ارتسمت ابتسامته الجميلة على ثغره فورا، و أجاب ببراءة:

+


"السيدة لوريل! أنا لم أرها من قبل، و كان من المستحيل أن أسألك كيف تبدو، لأنها مفاجأة، لهذا تسللتُ هذا الصباح إلى غرفة خالي و سألته عنها!".

+


   ترقرقت عينا ماريغولد بالدموع عندما سمعت ذلك، و سألته مجددا مناضلة رغبة البكاء:

+


"و كيف وصفها خالك؟".

+


   لمس الطفل ذقنه مستذكرًا الكلمات التي قالها هارولان له، ثم كررها مقلدا طريقته في الحديث، و كأنه لم يستوعب أبعاد ما سمعه بعد:

+


"قال أنها دافئة مثلكِ!".

2


   تحركت أعطافها، و جاشت بها المشاعر لتلك العبارة المقتضبة، لقد قال القليل و الكثير في آن واحد، و لكن كيف؟ كيف تسنى له أن يلمس دفء إيريكا بلقاء واحد؟ ألهذا السبب قرر مساعدتها و عرضها على أمهر جراح سمعيات؟ هل تأثر بدفئها الذي تملكه هي أيضا؟ هل بدأ يدرك أنه بحاجة لهذا الدفء بدل بروده القاسي؟ ماذا عن دفئها هي؟ متى تغلغل بها و بات يعرف أعماقها إلى هذا الحد؟ أم لأنها نشرت بعض البهجة حوله... فرأى أن هذا هو الدفء؟

+


 استطرد لِيو محدقا برسمه:

+


"أضفتُ ورودًا بين يديها بناءً على إشارته، في النهاية هو قال أنها مثلكِ، و أنتِ جميلةٌ جدا، لذا جعلتها كذلك أيضا!".

+


   توقف عن سيل كلماته المتلاحقة يسألها بارتباك:

+


"هل تعجبكِ؟".

+


   ذرفت ماريغولد دمعتين رغما عنها، من يمكن أن يتماسك أمام هدية كهذه؟ و ألفت نفسها تجيبه مغتبطة:

+


"كيف لا تعجبني و هي الصورة التي رسمتماها معا؟".

+


   صحَّحَ لها لِيو:

+


"لكن خالي لم يرسم شيئا!".

+


   تأملت ماريغولد الورود المرسومة، ملاحظة أنها تشبه ورود القطيفة، فتمتمت تداعبها بأناملها:

+


"بلى! أنتَ رسمتَ بيدك، و خالُكَ رسمَ بالكلمات! رسمتما معا شيئا أبعد من الملامح، لقد رسمتُما الروح يا عزيزي!".



+


   عصر ذلك اليوم، تفقد هارولان قطعانه الغالية و أطعمها العلف، و وجد أن عنق «أوسو» في تحسن ملموس، ليتذكر فجأة فتاةً عنيدةً كانت هنا بالأمس تعالجُ الثور و تحنو عليه، طردها من أفكاره آلاف المرات... و ها هي تتمرد و تعود! ترك الحضائر متأففا بحدة، و اتجه صوب مكتبه متضايقا من عدة أشياء يشعر بها و لا يفهمها، أو لعله يخشى أن يفهمها! دلق الباب و استلقى خلف الطاولة على مقعده الوثير ممططا جسده، و فكر، الأمور كلها تسير على ما يُرام في المزرعة، القطيع عاد من رعيه بسلام اليوم كذلك، فريق حلب البقرات يؤكد جودة لبنها كالمعتاد، و المصانع في كل مكان تطالب بتجديد العقود معه، آرثر غولدمان لم يعد يرغب بمعاداته، إيفلين كوينز أمسكت كلابها عنه منذ مدة، و لا مشاكل واجهت لحوم الغضب الأسود في نيل مرتبة الصدارة العالمية هذا الشهر أيضا، ما باله إذن لا يستمتع بنفوذه و عالمه الممتاز؟ ألا يوجد في الكون غيرها ليستعمر فكره؟

+



        
          

                
   مزق حبل أفكاره ظهور أندرو المفاجئ و هو يخلع قبعته عن رأسه، و يبحث في الأرض عن شيء ما، عن الكلمات التي سيصيغ بها ما في جعبته ربما! أيقن هارولان بحدسه أن هناك خطبا ما، فسأله ملتقطا أدوات النحت خاصته:

8


"ماذا هناك يا أندرو؟".

+


   تردد الشاب لبعض الوقت، لكن الواجب و مبادئه حررا لسانه، و ربما رغبته في إراحة ضميره من خطأ سابق في حق تلك الفتاة سببٌ آخر يُضاف لما يفعله الآن، شابٌ مثله لن يقوى على مواجهة رجل قوي مثل ريك جونسون، المعلم فقط من يستطيع وضعه عند حده، ذئبٌ خبيثٌ لن يرعبه إلا أسدٌ خُلِقَ ليُطاع! و هكذا قال بثبات:

3


"الآنسة موران، أعتقدُ أنها بعد وقت ليس بطويل ستكون في خطر!".

+


   حدَّق فيه هارولان بنظر جاحظ، فاستطرد أندرو:

+


"كلا! بل أنا متأكد أيها المعلم".

+


   ترك هارولان مجلسه بسرعة، مفلتا عدَّة النحت، حتى أن مقعده ارتج للحظات و خرَّ على الأرض إثر ذلك، غرز عينيه المظلمتين في وجه العامل مزمجرا بسؤاله:

+


"عن أي خطر تتحدث؟".

2


   سرد باستفاضة ما دار بين ماريغولد و ريك من حديث، ثم أضاف شيئا أطلق الوحش من عقاله:

+


"الآنسة موران لا تستحقُّ ما يُحاكُ لها، امنعها من القدوم هنا ليلاً أيها المعلم! ريك ليس ذلك الرجل الذي يُؤتمن، قال حرفيا في أكثر من مناسبة أنه رجل لا يسعى إلا للمرح، و يبدو أنه حدد هدفا جديدا هذه المرة! إنه... إنه يخططُ لإخضاع الآنسة بالقوة لو استلزمه الأمر، سمعته يردد ذلك ما إن تحركنا بعيدا عنها!".

+


   أقسم أندرو أنه لم يشهد على غضب مماثل في حياته، قلب هارولان طاولة مكتبه رأسا على عقب، لم تعد عينان تكشفان شيئا غير الفراغ السحيق، و الظلام المُخيف، و العجيب أنه خاطبه بصوت لا يحمل أي شعور أو انفعال واضح:

+


"أين رام و دان؟".

+


   أجاب أندرو بحيرة:

+


"أعتقدُ أنهما قصدا بيتيهما أيضا، فمهام اليوم انتهت!".

+


"كلا! لم تنتهِ بعد!".

2


   التقط هارولان سوطه، و تابع و كل أوردته تنبضُ بقسوة:

6


"العمل الحقيقي سيبدأ بعد قليل، يبدو أن هناك ما غفلنا عن ترويضه هنا".

14


   لم يستوعب أندرو كل ما سمعه، لكنه كان واثقا بأن ريك سيحظى بنهاية يوم مخالفة لما خطط، و سمع معلمه يضيفُ بلهجة أشد برودة من الموت:

+


"أخبر جونسون أنني أنتظره بعد نصف ساعة في حلبة الترويض!".

7


   حاولت ماريغولد دق المسمار في الجدار بشكل جيد، حيث ستعلق هدية لِيو، لا! بل هديتهما معا، لِيو و خاله المتجهم! ضحكت لتلك الكلمة، رغم ما تحمله من غلظةٍ و سلبية، إلا أنها باتت مؤخرا تجدُ تجهمه شيئا يكمل يومها، كأنه أصبح بكل سلبياته و تناقضاته و سواد حياته جزءً مهما من حياتها، آه! ألا تستطيع دق مسمار بسيط كهذا؟ لماذا ترتجف بحق السماء؟ هل يتعلق الأمر بالشعور السيء الذي لا ينفك يراودها منذُ رأت وجه ريك جونسون؟ هل السبب هو الموعد المضروب معه؟ إن كانت صريحة كفاية مع نفسها... فهي لا تريد الذهاب؛ لكنها ستفعل هذا من أجل ساري و طفلها القادم، لو لم يتعلق الأمر بسر الخادمة الذي لا تود كشفه للجميع، لفضلت أن تُعلِمَ السيد كينغ بالأمر، في النهاية هو رب عمل الكل و سيد الأرض و البيت كذلك! و ربما يستطيع أن يكون محاورًا ناضجا أكثر منها و من ريك جونسون! إنه قليل الكلام لكنه يقول الصواب دون مواربة! أجفلت بشدة عندما فُتِحَ باب غرفتها بطريقة وحشية، فانزلق من بين أصابعها المسمار، و سقطت المطرقة محدثة قرقعة مزعجة، انحنت لتحملهما، و هي تعاتب نفسها، ليتها أصغت للسيد لي و تركته يتولى تعليق الرسم على الجدار، كان المسمار قد تدحرج تحت سريرها، و فشلت في بلوغه، فتخلت عن ذلك متأففة، و اهتمت بالتطلع إلى هذا الزائر الذي كاد يخلع باب غرفتها بهمجية، و ها هو هارولان واقف في مكانه يتفحصها صعودًا و نزولاً بنظرة قاتلة، بدأت بالسير نحوه متمتمة:

+



        
          

                
"ما الخطب سيد كينغ؟ هل...".

1


   لم تتمكن من مواصلة سؤالها الثاني، في لمحة خاطفة، خرج هارولان مغلقا الباب بعنف، كأنه حضر فقط ليتأكد أنها هناك، تعجبت ماريغولد من تصرفه، لكنها فزعت حين سمعت مفتاحا يدور في القفل! لا... لا... لا يعقل أنه يحتجزها من جديد! لماذا؟ ما الذي فعلته هذه المرة؟ ما ذنبها؟ أخذت تطرقُ الباب بكلتا يديها مرددة:

32


"مهلا! سيد كينغ! لماذا كل هذا الغضب الآن؟ إفتح لي الباب! سيد كينغ! سيد كينغ!".

+


   عبثا حاولت و حاولت فتحه، و لم تفلح! بحثت في كل مكان عن مفتاح آخر يحررها، و فشلت! و كان الحل الوحيد للنفاذ من ذلك السجن هو القفز من الشرفة، لكنها تراجعت عندما أدركت أنها لن تنزل دون أن تحصل على كسور مؤلمة! ما الحل إذن؟ إلى متى ستظل هنا؟ يجبُ أن تخرج عاجلا أم آجلا، إن تأخرت عن اللقاء، فسيظن ريك أنه رفض ضمني للنقاش، و قد يعاندُ و يرفضُ بدوره تحمل مسؤولياته تجاه حبيبته و طفله! و هذا ما لا تريد تحققه، لقد وعدت العزيزة ساري بتقديم المساعدة!

9


   لم تجد ماريغولد طريقة أخرى غير استمرارها في طرق الباب، و حين اهتدى السيد لي إلى الجلبة، اضطرت لإخفاء الحقيقة، و عدم ذكر السيد كينغ.

+


"لا أعرف كيف علق الباب؟".

+


"لا بأس آنستي! هناك نسخة احتياطية لكل مفاتيح الأبواب في غرفتي! لن أتأخر".

6


   استغرق انتظارها عودة السيدة لي وقتا أشبه بالدهر، و سرعان ما استعادت حريتها، حتى شكرته باقتضاب، و أسرعت نحو مكتب هارولان على أمل أن تجده هناك، لكنها لم تقف سوى على الخراب بأتم معنى الكلمة! فوضى عارمة في كل زاوية، كأن عاصفة ألمَّت بالمكتب، لم يكن لديها شك أنها عاصفة غضبه! لكنها لم تفهم بعد... ما الذي أغضبه إلى هذا الحد الخطير؟ حسنا لن تحصل على جواب بوقوفها هنا!


5


غادرت المكتب راكضة باتجاه السيارة التي تركها تحت تصرفها، المطر يتواصل لكن كرذاذ خفيف، لا يزال لديها وقت قبل حلول الليل، و الموعد بعيد نوعا ما، هناك وقت كافٍ لتبحث عن السيد الغاضب و تميط اللثام عن أسباب ثورانه، قادت سيارتها صوب أرض الجياد أولا، حدسٌ قويٌّ أخبرها أنه هناك، و الغريب أنها استطاعت سماع صرخات عذاب حالما بدأت معالم ذلك المكان تلوح في الأفق، أوقفت السيارة فورًا، و انطلقت خارجها تركضُ بلهفة لترى ما يحدث، و لم يكن ما رأته سارًّا بأي شكل من الأشكال!

+


   لم يكن سارًّا أبدا أن ترى هارولان يمتطي صهوة المارد، و يركض وسط الحلبة بينما ريك البائس مقيد إلى الحصان الثائر بواسطة حبل الترويض، و كان من الجلي أنه تعرض للجلد بالسوط قبل تقييد قدميه إلى المارد و بوحشية سافرة، تأملت ثانية الرجل فوق الحصان بثيابه السوداء و غضبه الحالك، أيقنت أن كل ما اختبرته على يدي هارولان كينغ سابقا من قسوة لا يُقارن بهذا! و تساءلت عاجزة عن أخذ أنفاسها... تُرى ما هو شعور ريك و هو يحتكُ بالأرض المُوحلة، هناك جروح و دماء! إنها ترى ذلك! لماذا يفعل به هذا وسط جمود الجميع؟ نظرت إلى الحاضرين، و أدهشها واقع أنهم لا يحركون ساكنا! حتى رام سينغ لم يمانع مشاهدة هذا التعذيب الوحشي!

34



        
          

                
   تواصل صراخ ريك! و تكرر مشهد البداية في عقله، كيف وصل الأمر إلى هنا؟ كان سيحصل على سعادة عارمة الليلة، و ها هو الآن يضاجع كينغلاند بدل تلك الفتاة! اللعنة على هذا الألم! لا بد أن كل عظام جسده مكسورة الآن! إنه لا يستطيع نسيان ما قاله السيد كينغ، لقد أتى إلى الحلبة معتقدا أنهم سيروضون الحصان البري مجددا، لكنه تفاجأ بذلك الشيطان الأسود بدلا منه! و كانت نظرات الجميع غريبة، و نبرة المعلم سوداء حين قال:

11


"سمعتُ أنك تبحث عن المرح ريك جونسون! أنا و المارد أيضا نبحث عن الشيء ذاته!".

+


   ثم أمر ببرود أن يتم تقييده إلى السياج، ليتذوق السوط جلده من فوق الثياب! اللعنة! إنه يستعيد تلك الكلمات الباردة:

+


"ما رأيكَ بهذا المرح؟".

6


   إنه الموت لا المرح! الموت بكل معالمه يتنفس هنا داخل جسده! هارولان كينغ متوحش، الجميع يقول ذلك، الجميع يردد أنه لا يرحم من يخطئ! لكن ما خطأه؟ هل يعقل أن الغبية ساري أخبرته؟ أم أنها اللعينة موران! آه إنه لا يستطيع التفكير أكثر في ظل هذا الاحتكاك الرهيب! و لا يستطيع رؤية شيء غير المعلم و مارده الأسود الشيطاني، يبدوان معا لعنة فرَّت للتو من جحيم سوداوي! كل شيء كان أسود، الثياب، الغضب، النظرة، الكلمات، الجزاء، و الخوف الذي يتعالى صداه في صدره، حتى تطلعات العمال خلف السياج كانت كذلك... سوداء قاتمة!

+


   تمزق الحبل رغم متانته، و فكر ريك أنه محظوظ، و هذه فرصة نجاته، إلا أن هارولان لم يُشفَ غليله، كانت عيناه لا تحملان وقتها سوى القسوة و الرغبة بمحو ريك جونسون من على وجه الحياة، لمز خاصرة المارد، ففهم هذا أنها إشارة ليرفع قائمتيه و يُجهز على الرجل، لكن ما حدث بعدها لم يكن في حسبان أحد، في غفلة الجميع تسلقت ماريغولد السياج، و ركضت بأقصى سرعة تملكها لتقف بين ريك و المارد فاتحة ذراعيها و هي تردد متوسلة:

25


"لا سيد كينغ! ستقتله! أنت لست قاتلاً!".

3


   اتسعت عينا هارولان ساحبا لجام حصانه كي يتوقف، ثم قفز إلى الأرض، و حدَّق فيها مطولا غير قادر على استيعاب حقيقة إفلاتها من الحجز، و وقوفها بشجاعة انتحارية أمام المارد الأسود!
تحرك صوبها فظنت ماريغولد أن شيئا من جنونه سيطالها، غير أنه كان يتجه إلى ريك الذي نزف من كل مكان ممكن، وقف عند رأسه متحققا من وضعه الكارثي، مع ذلك لم يبدُ عليه الرضى، لم يكن هذا العذاب كافيا له، هكذا فكر و هو يأمر الرجال باحتجازه في إصطبل فارغ! ذُهلت ماريغولد! ما كل هذا السواد؟ ما كل هذه القسوة؟ تفرَّق الجمع المشاهد و تركوا الحلبة ما عداها، لاحقت هارولان أكثر مما يلاحق الضمير صاحبه!

3


"لماذا تلجأ دائما إلى العنف؟".

+


   تجاهلها تماما، فأضافت مصرة:

+


"ما الحاجة للأضراس في عقدة تحلُّها الأنامل؟!".

5


   استمر يتجاهل وجودها، و آثار الغضب لا تزال متمسكة بقسماته، بل تمضغ تقاطيعه! و استفزها أكثر بأن أولاها ظهره و قال بهدوء:

+



        
          

                
"إذهبي إلى البيت!".

+


"لن أذهب حتى تشرح لي لِمَ فعلتَ به هذا؟".

1


   عقد حاجبيه، و حاول جاهدا أن يبقي جنونه بعيدا عنها، لكن ما تفوهت به أخرجه من عقال السيطرة، و التفت ليحملها بقوة، قفز بها فوق السياج، و وضعها داخل السيارة، ثم أغلق الباب بعنف، و ما إن جربت فتح فمها للاعتراض، حتى التقى بجنونه الحقيقي و صرخ في وجهها بصوت مزلزل:

+


"تحركي!".

+


   للمرة الأولى مُذ عرفته يفعل هذا! لم يصرخ في وجهها هكذا في نوبات غضبه الفائتة، و لا أحد قبله فعل! أوضحت لها جحيم هادرة في عينيه أنه مستعد لارتكاب الويلات الآن، مجرد كلمة واحدة فقط صرخ بها، أمرها أن تذهب، لماذا يؤلمها قلبها؟ لماذا تشعر بالصدمة؟ لماذا تهدد دموعها بالسقوط؟ لا تبكِ! لا تبكِ ماريغولد! لا تبكِ! أنتِ قوية و تستطيعين العودة إلى البيت دون أن تبكي! تحركت، تحركت فعلا بالسيارة مبتعدة عن ظلام عينيه و وحشيته! و اختفت في غرفتها طويلا، أما على العشاء فقد نزلت فقط من أجل لِيو، و تمنت ألا تراه لانزعاجها منه، لكن الغريب أنه أتى، و ترأس الطاولة كنسر أسود لا يعرف كيف يتصرف البشر الطبيعيون! لا تحية! لا كلام! و لا ندم على وجهه! كأن له كامل الحق في تعذيب ذلك العامل و إلقائه كخرقة لا قيمة لها في الإصطبل! لم تنظر إليه طيلة العشاء، و بالكاد ابتسمت للطفل و عادت تقلب محتويات صحنها فاقدة الشهية، حرمته من نظراتها، و من أحاديثها المعتادة مع لِيو حول الطاولة، حرمته من التفاصيل التي كانت تجعل الوجبات ساحرة بالنسبة له، تزايد غضبه، و ترك غرفة الطعام بغير كلام أيضا! فرافقت الطفل إلى غرفته و اهتمت به حتى نام.

2


   وجدت أن الوقت لا يزال باكرًا على نومها، فاستعارت كتابا من تِيا، و مضت تطالعه في غرفة الجلوس فقط لتنسى ما أوجع قلبها، قبل أن يرن هاتف البيت، مقاطعا القراءة و الأوجاع التي تتنازعها!

+


"مرحبا، منزل «آل كينغ» بماذا يمكن أن أساعدك؟".

+


"أريد الآنسة ماريغولد موران فضلاً!".

+


   تعجبت و قالت:

+


"أنا هي".

+


"أوه، آنسة موران، من العظيم أنك أجبتِ بنفسك، أنا توم إيديسون، محامي السيدة إيريكا لوريل، يجب أن نرتب لقاء قريبا، لأنها تركت لكِ شيئا معي قبل وفاتها!".

1


   ازدادت تعجبا و هي تودعه حائرة، و تضع السماعة مكانها، إيريكا لديها محامي؟ و تركت لها شيئا معه؟ لم تستطع العودة لكتابها، و استحال عليها كذلك الذهاب للنوم، و كرهت أنها مضطرة لإعلامه بالمخابرة، في النهاية هو السيد، و هي مجرد عاملة هنا؟ صرخته قالت ذلك بجلاء، صرخة لسيد الأرض! هل هي حقا كذلك؟

+


   وقفت أمام مكتبه تحت تساقط المطر الذي عاد يتهاوى بغزارة، موجة أخرى و أخرى من شتاء صيفي، يشبه شتاء قلبها! اعتلت المصطبة و أوشكت على طرق الباب حين سمعت الحوار الدائر بين هارولان و السيد لي!

+



        
          

                
"يبدو أنه كان يوما عصيبا!".

+


   وضع أمامه القهوة، منتظرا فضفضة، و الواضح أن هارولان كان على مبعد شعرة واحدة من الانفجار، إنه يجيب! يفضفضُ للشخص الأقرب إليه! و يقول كأن صوته خيال:

+


"كدتُ أقتلُ شخصا اليوم يا سيد لي!".

+


   خفق قلبها، و تتالت رجفاتها، في حين علق كبير الخدم بحكمة:

+


"كأن الجميع لا يتحدث عما فعلته بالمروض جونسون! أنا أعرفك يا هارولان... كما أعرف معالم كفي! لا شيء يدفعكَ لغضب جنوني كهذا إلا و كان أمرًا جللاً! لا بُدَّ أنه ارتكبَ ذنبا لا يُغتفر!".

1


   كان السيد لي لا يستعمل الاسم المجرد لسيده إلا لمامًا، حين يتعلق الأمر بالفضفضة فقط! و التي لا تحدث سوى نادرا. وجد هارولان ذاكرته تُحيي كل شيء في عقله من جديد، صر أسنانه، و تجددت جذوة الغضب حين أردف و النيران تلتهمه، و القسوة تغلف صوته:

+


"الخسيسُ عديم الشرف... كان ينوي الإعتداء على صديقة لِيو في الإصطبلات! حذرته سابقا من مغبة النظر إلى نساء بيتي، لكنه لم يكن حذقا كفاية، و هكذا... جنى على نفسه!".

11


   الذهول! الحزن! الخوف! السعادة! كل هذه المشاعر تهاترت بقلبها، لم تستطع تصديق ما سمعته! ليس لأنها لم تتوقع شيئا كهذا من ريك القذر، و لكن ما لم تتوقعه حتى في أجمل أحلامها أن يدافع عنها هارولان كينغ بالذات بذلك الغضب كله! أن يعتبرها من نساء بيته! أن يجنَّ جنونه فقط لأنها كانت ستتأذى و تُأخذُ غصبا بأقذر الطرق! أن يعد ذلك أمرا جللاً و لا يغتفر بالنسبة له! أن تثور ثائرته و يحطم أحد أهم عماله الأكفاء فقط لأنه هدد شرف مزارعة عرفها حديثا و كان عدوها حتى عهد قريب! بكت أجل بكت! مثلما كانت السماء فوق رأسها تبكي! و تراجعت مبتعدة عن باب المكتب، لتسير بين الأشجار تائهة، لقد احتجزها في غرفتها حتى لا تذهب لهلاكها بقدميها! حماها هذا الرجل بكل طريقة ممكنة! حتى العرفان و الامتنان لا يكفيان إزاء ما فعله من أجلها، وقفت قرب شجرة الميلاد التي ينوي لِيو تزيينها بعد يومين، لو كان بإمكانها تمني شيء الآن... فستتمنى أن يُمحى ما حدث، ألا تغضب منه، ألا تتجاهله و ألا تحرمه نظراتها و صوتها كما فعلت على العشاء، ألا تكون لئيمة هكذا مع الرجل الذي حفظ كرامتها!

2


"ألا تتعلمين أبدا؟".

6


   التفتت متفاجئة، إنه هو، هل رآها من نافذة مكتبه؟ هل رحل عنه السيد لي فخرج يتجول أيضا و اكتشف أنها لا تزال على جنونها؟ هل تخلص من غضبه أم...؟

+


   تابع هارولان مستطردا:

+


"لديكِ عناد يغطي مساحة أستراليا بأكملها!".

7


في غمرة كل ذلك البؤس و الخجل و الندم الذي شعرت به، لم تستطع مغالبة الضحك الذي انتصر عليها، ضحكت كما لم تفعل من قبل أمام ناظريه، حتى أقسم هارولان أنه لم يرَ أجمل من ثغرها الضاحك! و كان للمطر سحره عليها، بعض القطرات المحظوظة تسللت إلى ذلك الثغر و غرقت للأبد! يا له من مصير محفز للفناء هناك!

+



        
          

                
«و أنت... تغطي العالم كله بشهامتكَ و غضبكَ!».

1


   ليتها تمكنت من قول هذا له أيضا! إنها تكره الغضب، لكن أن يكون غضبه من أجلها... فهذا مختلف! ليتها تستطيع أن تركض نحوه الآن و تشكره بحضن فقط دون أن تتكلم! تقدم نحوها و علق واجما:

+


"مهملة! و عنيدة! و متهورة!".

22


   حسنا! فليقل ما يشاء الآن! الحق معه، هذه هي صفاتها التي لن تتمكن من إنكارها، تابع هارولان:

+


"هناك شيء يُدعى مظلة! نملك دزينة منها بالمزرعة!".

+


"أنا... أحبُّ المطر!".

2


   هذا فقط ما أجابت به، هذا فحسب ما سمعه منها، أنها تحب المطر! بدا عليه التأثر بذلك الكلام البسيط، غير أنه وجد رده بسرعة:

+


"لا تحبي شيئا يؤذيكِ!".

3


"الحب لا يمنحكَ حرية الاختيار!".

+


   هذه المرة كان صمته طويلا، حتى قلقت ماريغولد، و نظرت نحوه مضطربة، ليتبين أنه لم يحِد بنظراته عنها مطلقا، بينما كانت هي تحدق بكل شيء، الأشجار الغارقة في المطر، و الورود المترنحة، و السماء الملبدة، كان هو لا يحدق بسواها! و كم تبدو عيناه جميلتان الآن، تبتسمان، بلا غضب! بشرته فضية في هذا الجو، و أهدابه تلمع بفعل قطرات المطر، و خصلات شعره المتحررة من القبعة تهدلت على جبينه مبللة، بل كان بأكمله في لحظات قليلة مبللا مثلها، مثل شعرها الطويل الذي التصق بوجهها و عنقها، مثل ثوبها الذي عانق تفاصيل جسدها أكثر! سُرَّت ماريغولد لأنه لم يرحل، و بقي أيضا تحت المطر، يشاركها جنونها، أساسا لم يكن المطر باردا جدا!

+


   إستمرت بالحديث قائلة:

+


"تبدو الأرض أيضا سعيدة بالمطر!".

+


   شاركها الحوار كذلك بشكل طبيعي أعجبها:

+


"ستشهدُ المزيد طوال الليل ربما!".

+


"حقا؟ سيكون الأمر رائعا!".

+


   تأمل زوايا فمها، مكتشفا للمرة المليون أن لها فما مميزا و فريدا، زواياه ضيقة، و شفاهه ناعمة رقيقة، و حوافه محددة بدقة، تجعله محببا للتأمل! و تدفعه للتفكير في شعوره لو أنه قبلها! ليكرر عبارتها شاردا:

4


"سيكون الأمر رائعا!".

12


   تشعب الحوار إلى أشياء أخرى، شجرة الميلاد، و رسم لِيو الذي كانت ستعلقه على الجدار، و تذكرت أخيرا إتصال المحامي، فسمح لها بلقائه، متعجبا هو الآخر من السبب! كانا في أوج انسجامهما الغريب عندما انفجر شيء ما في السماء، أحدث صوتا كالرصاص، و نجم عنه ضوء احتراق! جعلت المفاجأة ماريغولد تنتفض هلعا و تحتمي بصدر هارولان لا شعوريا، فوضع يديه على كتفيها، و طمأنها قائلا:

+


"لا تخافي! مجرد شارة تحذير أطلقها أحد الحراس، لا بُدَّ أن تمساحا اقترب من المزرعة!".

+


   رفعت رأسها، و نظرت إلى عينيه، ثم ابتسمت و غمغمت خجلة:

+


"لستُ... خائفة! أنا فقط... تفاجأت!".

+


   لم يشأ أن يخلي سبيلها، كانت دافئة و مريحة و ناعمة كالمطر تماما، لكنه اضطر للابتعاد عنها مردفا:

5


"كوني فتاة عاقلة لمرة واحدة و عودي إلى البيت، جففي هذا الجسد قبل أن تصابي بذات الرئة، سأفهمُ ما الداعي لإطلاقهم شارة التحذير هذه!".

+


   لم يكن ينتظر أن تتشبث بيده متسائلة بخوف:

+


"هل ستكون بخير؟".

+


   أهذا الخوف له؟ أخوفها عليه حقا؟ ابتلع ريقه، و أجاب:

+


"أجل!".

+


   أفلتته، فخطا خطوتين، لتوقفه من جديد بخوف مختلف:

+


"هل ستقتلُ التمساح إن وجدته؟".

+


   تفرس فيها لثوان، ثم رد بهمس مسموع:

+


"لا! لن أقتله هذه المرة".

1


   كلاهما كان قد استعاد حادثة النهر، حين هاجمها التمساح و سحقه هارولان بصخرة، كان مرعبا، متوحشا، لكنه في النهاية كائن... يعيش لسبب ما!

4


"هل أستطيع طلب شيء منك؟".

+


   أومأ لها، فسحبت نفسا عميقا، و قالت بابتسامة عذبة، و نظرة واسعة تحمل براءة الصغار:

+


"أتمنى أن تُحرر السيد جونسون!".

13


   رمقها بنظرته الغاضبة مجددا، فأضافت بهدوء:

+


"أعرف! اكتشفتُ بدوري أنه كان يضمرُ لي شرًّا، لكنك لقنته درسا لن ينساه، أما إذا كنتَ تنوي تركه هناك للموت، فستؤذي معه روحا أخرى لا ذنب لها".

+


   ترددت قليلا، ثم أكملت مرغمة:

+


"ريك سيصبحُ أبًا! لهذا يجب أن يعيش، سيتعلم درسه، و يربي إبنه عليه! أتمنى من كل قلبي أن تصفح عنه... من أجل ساري و طفلها! طابت ليلتك".

9


   عادت ماريغولد إلى البيت، مرددة تلك الأمنية في قلبها، إنها لا تبالي بأي شيء الآن! ما فعله هارولان من أجلها جعلها في عالم آخر! الناس يتغيرون أليس كذلك؟ هارولان يتغير! و بدأ يتقبل بعض الأشياء في حياته، كوجودها، كورودها، كتمردها، و عنادها! و ربما ريك أيضا سيتغير من أجل طفل صغير! كانت قد اختفت داخل البيت، و بدأت بتسلق السلالم، فيما واصل هارولان طريقه متمتما: «رحيمة حتى بالوحوش!».

13


نهاية الفصل الثالث و العشرين.

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close