اخر الروايات

رواية احببت عبراني الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم مريم غريب

رواية احببت عبراني الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم مريم غريب

( 23 )

_ بيدك ! _

كان من المقرر أن ينعقد المجلس بمنزل المدعو "إسحاق بن حاييم" في تمام الثامنة مساءً ، و ها هي الساعة تدق معلنة التاسعة و النصف و لم يحضر "إبراهام" حتي الآن

بدأت "ريتشل" التي جلست في كرسي بجوار "إليان" تتآفف بضجر واضح ، حاول "إسحاق" إمدادها ببعض الصبر ببضعة كلمات ملطفة ، بينما يشعل "باروخ" سيجاراً و يناول أخر إلي القائد "ديڤيد إليعازار" في محاولة بائسة لتضيع الوقت

مرت دقائق أخري قليلة ، و أخيراً يظهر "إبراهام" عند مقدمة البهو الفسيح وقد كان يسير بجانبه مرافق خاص ضخم الجثة ، بيد أنه من حراسة المكان ...

-وصلت أخيراً ! .. هتف "إسحاق" مبتسماً بإشراق

-مرحباً بك يا عزيزي . تفضل أرجوك

كان متأنقاً الليلة و لأول مرة منذ وصوله إلي إسرائيل "المزعومة"، كان يرتدي حلة سوداء رسمية ، يعلوها معطف ثمين داكن اللون أيضاً ، و شعره الكستنائي يلمع تحت غلالة الضوء المنبعث من الثرية الضخمة المثبتة بالسقيفة المرتفعة

إشتد الرماد في عينيه إشتعالاً و هو يمرر نظراته علي تلك الوجوه الكالحة أمامه ، يبدو أنه أمسي يتنفر منهم فعلاً ، جميعهم علي حد السواد .. و فجأة إنبلجت إبتسامة ساخرة علي وجهه ، خلع معطفه الثقيل و أودعه لدي ذلك المرافق ، ثم قبل دعوة "إسحاق" و مضي ليجلس في كرسي مقابلهم

إنه موقع إستراتيجي حقاً ، كأنه أمام القضاة أو هيئة المحلفين ، لقد أحسنوا ترتيب المجلس ...

-يا له من إجتماع قمة ! .. قالها "إبراهام" بإبتسامة مستخفة

-أرجو أن يكون سبب الإستدعاء حميداً

و هنا صاحت "إليان" بإندفاع حانق :

-إن إستمررت في ضلالك حتماً لن تكون الأمور حميدة أبداً . إنك حتي لم تلقي علينا سلاماً أو تحية عندما دخلت !!

-إليـان ! .. دمدم "إسحاق" محذراً

فصمتت الأخيرة علي مضض ، لكنها لم تكف عن زجر إبنها بنظراتها المحتقنة ، إلا أنه لم يهتم بهذا أصلاً ، بل بقي هادئاً و كأنها لم تتحدث ...

نظر له "إسحاق" قائلاً بلهجة لطيفة :

-لقد إجتمعنا اليوم لنصفي الخلافات يا إبراهام . تأكد بأننا جميعاً لا نعبأ إلا بمصلحتك و سلامتك بني

أومأ "إبراهام" و رد عليه بجفاف :

-و هل تري صلاحي و سلامتي في إحتجاز زوجتي و الإبقاء عليها و علي طفلي سراً بمكان لا أعرفه آدون آيزاك ؟

-لا تقلق يا عزيزي أنا أهتم بهما جيداً ! .. كان هذا صوت "ريتشل"

نظر "إبراهام" لها ، فأكملت راسمة إبتسامة باردة علي ثغرها :

-فتاتك العربية تنزل ضيفة في بيتي . إلي أن يصدر حكماً بشأنها

لم تقول له شيئاً مدهشاً ، كان علي علم مسبق بذلك ، إلا أنه لم يستطع منع إندلاع ثورة غضبه في هذه اللحظة و هو يصيح من مكانه بغضب شديد :

-أنت إمرأة رخيصة . مجرد ساقطة لا أقبل أن تبيت ليلة بجواري بفراش واحد . لا تحسبي أنك سوف تفوزين بأي شيء . بالنسبة لي جميع نساء هذه الأرض يختصرن في إسم واحد .. آية . و آية فقط التي إخترتها زوجة لي و لن تأتي أخري بعدها حتي لو رحلت أتفهمين ؟

أحمـّر وجه "ريتشل" بشدة الآن ، و فعلياً كانت علي وشك الإنفجار بالبكاء غيظاً و كمداً منه و من حبيبته التي يدافع عنها و يقاتل من أجلها بهذه الإستماتة ...

سارع "إسحاق" بإنقاذ الموقف و هو يقول بحزم هادئ :

-علي رسلك إبراهام . ريتشل تريد أن تقول لك أنها أصرت علي إستضافة الفتاة كرمة لك . رغم أننا جميعاً عارضنا و كنا نريد أن نتخلص منها بأسرع وقت و دون الرجوع إليك . لكن ريتشل منعتنا .. و كل هذا فعلته من أجلك . إنها ما زالت تكن لك حباً كبيراً . ألا تري هذا ؟

إبراهام بغلظة :

-لكني أنا لا أحبها . و لن أسمح لكم بإيذاء زوجتي !

-إنك ضال فعلاً يا رجل ! .. هكذا علق "ديڤيد إليعازار" عاقداً حاجبيه بإنزعاج

-أري إنك تعاني من مرض عضال .. و لكن هل تعرف متي ستشفي ؟ عندما نقضي علي هذا المرض . و هذا المرض هو فتاتك تلك أو زوجتك كما تزعم

كاد "إبراهام" يرد ، فإستبقه "إسحاق" بشيء من الإنفعال :

-هذا يكفي يا إبراهام . أريد أن ينتهي هذا الأمر لقد طال بلا فائدة .. ماذا دهاك يا إبني ؟ أسحرتك أم ماذا ؟ إنها مجرد فتاة و ليست ملاكاً هبط عليك من السماء . لدينا فتيات أجمل منها بكثير و علي قدر عالي من الإنتماء و الوطنية . يجب أن تفيق من هذا . أتسمعني ؟ لم نعلمك أن تحب العدو عندما كنت صغيراً . بل نحن الآن قد بدأنا بتعليم أطفالنا ميولاً قتالية يستخدمونها فقط ضد كل من هو ليس يهودياً إسرائلياً .. يا عزيزي نحن أيضاً نقاتل من أجلك . نريد أن نسترجعك . لا تجبرنا علي أن نفقد فيك الأمل . فلو فعلنا ...

و صمت تاركاً له التفسير البديهي معلقاً !

نكس "إبراهام" رأسه عاجزاً عن الرد ، ليستطرد "إسحاق" بتصميم :

-لم نحب أن نفعل هذا من دون علمك . لكن عليك أن تعلم أننا سوف ننفذ فيها أحكامنا الشائعة . هي و الطفل الذي تحمله بأحشائها . أنت في غني عن طفل مختلط النسب مثل هذا .. و ليس أي نسب . فأمه عربية و مسلمة . إنه وباء . ڤيروس علينا تدميره قبل أن يحيا بيننا و يدمرنا هو !

-أوافقك الرأي يا سيدي ! .. تمتم "باروخ" متشدقاً و هو لا ينفك يرمق "إبراهام" بنظرات شامتة

تساءلت "ريتشل" بجمود :

-و متي سنفعل آدون آيزاك ؟ لقد شارفت علي إتمام فترة حملها

-يجب أن يتم هذا قبل تلد طبعاً ! .. قالها "إسحاق" بلهجة قطعية

زمجر "إبراهام" قائلاً :

-لن يمس أحداً منكم آية ! .. و رفع رأسه محدقاً فيهم بقوة

نظروا له جميعاً بنظرات تتفاوت بين الغضب و الإستنكار ، ليستطرد و قد لمعت دمعات خفيفة بعينيه :

-سأقتلها أنا !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

سارت "آية" خلف الشقراء في ممر ما داخل منزلها ، دوت دقات قلبها المتوجسة بصخب داخل رأسها ، بينما تسحبها "ريتشل" من يدها و هي تخطو للأمام بحزم

كانت تضع كفها فوق بطنها المتكور مظهرة حماية و خوفاً علي جنينها ، لم تحتمل الصمت أكثر من هذا فصاحت بعدائية فجة :

-أنت . إلي أين تأخذينني ؟!!

ألقت "ريتشل" عليها نظرة هازئة و قالت ببرود :

-ما بك الآن ؟ خائفة ؟!

لم ترد "آية" عليها ، فضحكت و هي تقول بمكر :

-لا تخافي .. فأنت علي بعد خطوات من خلاصك . اليوم يسدل الستار يا ماما !

إزدادت "آية" إرتياباً و خوفاً ، جف حلقها و تصاعد لهاثها في صدرها ، و لمحت في اللحظة التالية تلك الغرفة المغلقة في نهاية الممر ، و لا تعرف لماذا إنقبض قلبها بقوة !!!

فتحت "ريتشل" باب الغرفة و شدت "آية" و دفعتها للداخل بحركة حادة و هي تصيح بصلابة كبيرة :

-أرجو أن تنجز هذا بسرعة يا عزيزي !

و أوصدت الباب بعد أن صفقته بعنف ...

إرتجفت "آية" و هي تستوعب ما يحدث ، هذه غرفة نفايات كما يبدو ، أثاث متهالك و أغراض بالية ، و الأتربة تغطي كل شيء .. و هذا الشخص الذي يقف بالمنتصف مديراً لها ظهره ، شعرت به لوهلة ، أخبرها حدسها فوراً ، قبل أن يلتفت الآن و تراه بوضوح شديد تحت ضوء الغرفة الساطع ...

-إبراهام ! .. صرخت "آية" بنبرة تحمل الدهشة و الرضا في آن

حملقت فيه ملء عيناها ، إنه هو .. بشحمه و لحمه ، و وجهه الحبيب ، و نظراته الليّنة المتسمة بلطف و نبل علي الدوام

لم تصدق نفسها ، و لم تريد تفسيراً لأي شيء ، أطلقت صرخة قصيرة أخري ، و ما لبث أن طارت عبر الغرفة لتستقر بين أحضانه من جديد ...

-كنت أعلم . كنت أعلم ستأتي . لقد قلت لهم ذلك .. لماذا تأخرت ؟ ألا تعرف بأنني أنتظرك ؟ أنا و طفلنا . هل تري يا إبراهام ! أنا حامل . أنا حامل هل تصدق ؟!!

كانت تقول كل هذا و هي تشهق و تنشج من شدة البكاء ، كانت تضمه بقوة ، و شعرت بذراعيه تضمانها إليه أيضاً .. أخد يمسح علي رأسها متمتماً لها بصوته العذب :

-آية .. يا حبيبتي . إشتقت لك كثيراً . هلا كففت عن البكاء ؟ دعيني أري عيناك و أتزود من رؤيتك . لا أريد أن تفقد ذاكرتي حفظ خط واحد من خطوط وجهك !

ضحكت "آية" وسط دموعها ، و رفعت رأسها قليلاً لتتمكن من تجفيف عينيها و تنظيف أنفها و هي تقول بصوت متحشرج :

-أما أنا فلم أنسي أي شيء يخصك طوال هذه المدة .. كنت معي دائماً و كنت واثقة من أنك سوف تأتي لتعيدني إليك كما وعدتني . لقد سمعتك يا إبراهام . و صدقتك . و لم يعد لدي شك الآن و أنت تقف أمامي و تفي بوعدك

إختلجت ملامحه بألم مبطن ، لم تلاحظ "آية" شيئاً عليه ، كانت مأخوذة به و بالمعجزة التي تحققت من وجهة نظرها

إزدادت إبتسامتها إتساعاً حين رأته يبسط كفه الكبير فوق بطنها متحسساً نبضها و نبض طفله المتناغمين معاً ...

-هل أطلقت عليه إسم ؟

أجابت "آية" بحبور شديد :

-قاسم ! تيمناً بعهودك لي و إيماناً بقسمك عليّ . أنك لن تدعهم يلمسونني أبداً ما دمت حياً !

إبراهام بنصف إبتسامة :

-و من أين عرفت أنه ذكر ؟

-إحساس ! .. تمتمت بمزيج من الرقة و الخجل ، و سرعان ما تلاشي هذا كله لتقول بجدية :

-ألن نذهب من هنا ؟

كفكف "إبراهام" دمعة فرت من عينه علي حين غرة ، إبتلع ريقه بصعوبة و أمسك بكتفيها قائلاً و هو يدفعها يرفق تجاه الجدار الخلفي :

-لا تقلقي من شيء . لقد جئت لأخلصك منهم . و كما وعدتك لن أدع مخلوقاً يقبل علي بشر .. لكن أخبريني . لماذا لم يحل سحرك هنا أيضاً ؟ لماذا لم تستطيعي هدايتهم كما فعلت معي ؟!!

إستغربت "آية" مما يفعله و يقوله ، لكنها أجابته :

-إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ .. صدق الله العظيم . لقد سبقت كلمة الله فيهم يا إبراهام فهم في النار إلا من رحم ربي مثلك . لقد كره الله أن يري وجوههم في الجنة لما تحوي قلوبهم من كره و حقد علي الإسلام و شتمهم الله جل علاه و رسله . هؤلاء لن يهتدوا !

أومأ "إبراهام" مؤيداً كلامها و قال بصوت متهدج :

-لكني آمل ألا تسيئي الظن بي لما سأفعله الآن !

رمقته بنظرات مستفهمة ، لتفلت نهنهة بكائه من بين شفتيه و هو يهتف بإنهيار واضعاً كفيه علي خديها :

-إن لم أفعل ذلك بنفسي . بيدي .. سوف تشعرين بمزيد من الألم . لن تتحملي . و لا أريدك أن تعاني . أرجوك يا آية . أرجوك سامحيني !

رفرفت بأجفانها و هي تسأله بتوتر :

-إبراهام ! أنا لا أفهم شيء. .. ماذا تقصد ؟!

هز رأسه و بدا العذاب في عينيه و هو يدنو منها هامساً بحرارة :

-أحبك . إلي الأبد ! .. و أطبق بفمه علي فمها في قبلة يائسة

لم تستمر إلا ثوان ، حتي شعرت "آية" بكفه الغليظ يحل محل شفاهه فيغطي فمها و أنفها معاً بإحكام شديد ، بحيث لا منفذ يمر الهواء خلاله ...

جحظت عيناها من الصدمة ، و من شدة ذهولها لم تقاومه حتي حين شعرت بنفاذ الأكسجين من رئتيها ، ظلت تحدق في عينيه فقط و تراقب بإستنكار و خيبة قاتلة تلك الدموع التي تفيض منهما كالشلالات

و شيئاً فشيء ، أخذت نظراتها تخبو و قواها تخور ، بينما يرمي بنفسه عليها و يحتضنها بقوة دون أن يرفع كفه عن مصادر تنفسها ، أخذ يغمغم نائحاً و النشيج يمزق نبرات صوته :

-سامحيني .. سامحيني يا حبيبتي . سآتي إليك قريباً . لن أذرك وحيدة أعدك .. أحبك يا آية . أتسمعينني ؟!!

و همدت حركتها في هذه اللحظة تماماً ! ............ !!!!!!!!

يتبع ( الخـاتمـة )


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close