اخر الروايات

رواية احببت عبراني الفصل الرابع والعشرين 24 والاخير بقلم مريم غريب

رواية احببت عبراني الفصل الرابع والعشرين 24 والاخير بقلم مريم غريب


_ خــاتـمة ! _

تمت مراسم التشييع ، أو مراسم التأبين هنا عند الشاطئ ، بقطاع الضفة الغربية وسط السهل الساحلي الإسرائيلي علي البحر المتوسط ..

لم يبقي من المروحية إلا حطاماً ، بعد أن تهشمت خلال دقائق من الإقلاع لعطل فني بسيط ، بسيط لكنه كان كفيلاً لإلقاء راكبيها بمصرع مروّع كذلك

حتي أنه لم يكن هناك جثمان لتتمكن تلك الجماعة اليهودية من مواراته و إهالة الثري عليه كما تنص شريعتهم ، لم يفعلوا إلا قليلاً من آيات طقوس الحداد ، فوقفت الأم في مقدمة صفوف الأهل و الأقرباء

رمت بحفنة تراب و حصي بمياه البحر و هي تقول من بين دموعها :

-إرحل بسلام وإرتَـْـح بسلام . ليأتي حكم مصيرك يوم القيامة !

كان الشاطئ هذا الصباح عبارة عن إحتشاد نقاط سوداء كثيرة ، حيث الجميع هنا يتشحون بالملابس السوداء حداداً علي الفقيد ، و بيد من الإزدحام الهائل أن جميع مستوطني الدولة الإسرائيلية قد إجتمعوا من أجل آداء طقوس الوداع و التسليم برحيل أكثر رجالهم إلتزاماً و ورعاً

و تعالت بعض شهقات البكاء من جهة ، و همهمات المواساة من جهة أخري ، بينما يشق المدعو "إسحاق بن حاييم" طريقه وسط الجموع ليصل إلي الأم المكلومة ...

-إليان ! تعالي معي من فضلك .. تمتم "إسحاق" و هو يمسك برسغها و يشدها بعيداً بحزم

مشت معه طوعاً و دموعها لا تتوقف عن الإنهمار ، توقف بها أمام كهف مظلم ، إبتعدا عن الناس بالقدر الذي يسمح لهما بالتحدث بحرية

مد "إسحاق" يده رافعاً ذقن "إليان" و هو يقول بصوت أجش :

-حتي الآن آدائك رائع يا عزيزتي . لكن حذاري إذا تواصلت معه بأي طريقة . عليك أن تبلغيني فوراً أتفهمين ؟

نظرت "إليان" في عينيه و قالت بلهجة ملؤها الحزن :

-لا تقلق آيزاك .. فهو لن يحاول حتي . لقد أختارها و قضي الأمر علي ذلك !

إسحاق و هو يشتط غضباً :

-سأجده يا إليان . لن أتركه يفلت بهذا . سأعيده إلي هنا و أضعه بقبره بيديّ هاتين

إليان بتبلد تام :

-أفعل ما شئت . لن أعترض علي حكمك أبداً . لقد مات إبني اليوم و ها أنا أقيم حدادي عليه . لقد مات إبراهام يا آيزاك !

و هطلت دموعاً أخري من عينيها و هي تستدير عائدة إلي الحشد الغفير ...

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

حلقت طائرة الدعم الفلسطينية فوق مرتفعات الجولان السورية بقيادة أمهر متدرب شاب بصفوف أكبر جماعات المقاومة ، في دورة تمويهية إستطاع القائد أن يمر بسلام دون أن يلفت له الإنتباه

كان طبيباً ثلاثينياً برز رأسه عبر النافذة الدائرية ، كان يجلس هناك أمام السرير القابل للطي ، أخذ يعمل علي إنعاش ذلك الجسم الميت ظاهرياً ، بينما يحده من الجهة الأخري ذاك الرجل القلق بصورة مزرية

كان ممسكاً بيدها و الدموع تفيض من عينيه دون أن يحاول منعها ، و هنا أقبل عليه رجلاً أخر ملامحه شرقية محض ، يرتدي قميصاً و سروالاً و يضع حول رقبته شماغة

وضع يده علي كتف الأخير و هو يقول مطمئِناً :

-لا تقلق يا أخي . لا تقلق سوف تشفي . بإذن الله . لا تفقد إيمانك به يا إبراهام !

تطلع "إبراهام" إليه دون أن يفلت يدها و قال بصوت متحشرج :

-بالتأكيد لن أفعل يا صهيب .. لكنني قلق عليها . الخوف يقتلني . لا تنسي أنها حامل !

تنهد "صهيب" و هر يربت علي كتفه مواسياً :

-لقد فعلت ما بوسعك لتنقذها هي و طفلكما . أترك البقية لله . هو يسمع و يري . هو علي كل شيء قدير . فقط لا تتوقف عن الدعاء

رفع "إبراهام" وجهه عالياً و هو يبتهل بتضرع :

-يارب . يارب . اللهم أشهد أنني كنت علي ضلال و أتبعت هداك علي يديها فأرجعها . ردها إليّ فإن ذلك عليك يسيراً .. ثم نظر إلي الطبيب و قال بتوتر شديد :

-لماذا لم تصحو إلي الآن . لقد مرت ساعات طوال . إلي متي تظل هكذا أيها الطبيب ؟

رد الطبيب و هو يباشر فحص الأوردة و إنعاش الأعضاء الحيوية :

-هل أنت متأكد بأنك فعلت ما قولته لك ؟ هل ضربت المصل بعنقها ؟!

أجاب "إبراهام" بثقة :

-أجل . أعطيتها قرص المخدر أولاً ثم قمت بحقن وريدها بذلك المصل الذي أعطيتني إياه . قل لي أرجوك . هل حدث لها مكروهاً ؟ هل هناك خطراً علي حياتها أو حياة الطفل ؟!!

و في هذه اللحظة أشرق وجه الطبيب و أشار إلي جهاز رسم القلب الصغير هاتفاً :

-لقد عادت . لقد عادت يا سادة . قلبها يعمل الآن . حمداً لله ! .. و كثف طرق الإنعاش في تلك اللحظات

بينما دني "إبراهام" منها و هو يصيح بتلهف :

-آيـة .. آيـة .. يا حبيبتي . هل تسمعينني ؟ أنا إبراهام . أنا هنا بجوارك . لم أتركك و لن أتركك أبداً

لم تآت "آية" بحركة ، و بقي شيئاً من القلق عالقاً بقلب "إبراهام" ، ظل يسمع نبضات قلبها المضطربة من خلال ذلك الجهاز ، و يراقب عمل الطبيب بأعصاب مشدودة كالوتر ، لم يتوقف "صهيب" عن تشجعيه و تهدأته في آن

و أخيراً ، جاءت إنتفاضتها القوية مصحوبة بشهقتها العميقة ، إحتوي "إبراهام" رأسها بحضنه علي الفور و هو يهدل باكياً من السعادة :

-آية . مرحباً . مرحباً بعودتك أيتها الغالية .. حمداً لله علي سلامتك . حمداً لله !

تآوهت "آية" متألمة و لا زالت تحت تأثير المخدر ، طفقت تهلوس بكلمات مفهومة و أخري غير مفهومة :

-أمي .. قُصي .. جدتي .. إبراهام .. لا .. لا تقتلني .. لا تقتل طفلنا !!

أغمض عيناه متألماً بدوره ، قرب فمه من أذنها و همس بأنفاسه الحارة :

-أنه لأهون عليٍ قتل نفسي قبل أن يخطر ببالي مثل هذا . لن أفرط فيك أو فيه أبداً . أنا فدائكما يا حبيبتي . إطمئني و لتقر عينك . أنت بخير و هو أيضاً بخير !

و تركها "إبراهام" ممتثلاً لآوامر الطبيب ريثما تستعيد قواها علي مهل ، جلس علي مقربة منها يتجاذب أطراف الحديث مع مرافقيه ...

-مبارك عليك و علينا يا أخي . لكني لا أصدق حتي الساعة . كيف إستطعت أن تفلت منهم ؟!

هكذا قدم الطبيب سؤاله المبسط و الفضولي في آن و هو يرمق "إبراهام" مبتسماً بلطف

رد "إبراهام" محاكياً إسلوبه اللطيف :

-لقد كنت واحداً منهم . و أنا الأعلم بهم . بطريقة ما تجشمت علي خلق الأكاذيب و الإحتيال عليهم . و بعض من الذكاء كان لزاماً عليّ فهم لا نظير لهم في ذلك الصدد .. ثم قال و هو ينظر نحو "صهيب" :

-و طبعاً صهيب ساعدني كثيراً . ما كنت لأنجح في هذا مئة بالمئة من دونه . كنت مراقب و عاجز عن التصرف تماماً داخل عقر دارهم .. و أضاف بإمتنان حقيقي :

-أشكرك صهيب . أشكرك حقاً . أنا مدين لك بالكثير !

صهيب بإبتسامة :

-عفواً يا رجل . لا تقل ذلك . فقد صرت واحداً منا الآن . رغم أنني كنت متوجس منك حتي أخر لحظة . و لو لم تكن آية الهدف الأول ما كنت لأساعدك . لكنني الآن أثق بك ثقة عمياء

-و من أين عرفت صهيب يا أخ إبراهام ؟! .. تساءل الطبيب من جديد

نظر له "إبراهام" و قال :

-إنه قصي شقيق زوجتي آية . هو من عرفني عليه و أوصلني به . أنهما صديقين منذ زمن

-و كيف إستطعت الفرار من منزل خطيبتك ؟

-لم أفر مباشرةً . بعد أن فحصوا آية و تأكدوا من موتها الزائف صممت أن آخذها و أشيعها بنفسي إلي بلدها . إلي الموصل . كانت حيلة و تمسكت بها . فأذعنوا إلي قراري و لكنهم بعثوا معي بمرافق ليتأكدوا من موتها نهائياً بالمشفي قبل أن أتحرك بها . كان الشك لا زال يداهمهم . لكني تصرفت بأسرع ما أمكنني . و كان صهيب خلفي خطوة بخطوة . أمسك بالمرافق و أطلقنا المروحية فتحطمت دون أن يكون أحداً علي متنها . و بالتأكيد أصبح لديهم علماً بالمخطط كله بعد أن عاد إليهم رسولهم

أومأ الطبيب بتفهم و أضاف سؤالاً أخر :

-لكن أخبرني . ماذا ستفعل الآن و أين ستذهب ؟ لا شك إنهم يبحثون عنك حتي هذه اللحظة !!

و ناب "صهيب" عن "إبراهام" في الرد هذه المرة :

-لقد إجتزنا البحر المتوسط تقريباً أيها طبيب . سنصل بعد مدة قصيرة إلي وجهتنا . سنتركهما ليستقلا طائرة أخري تنقلهما إلي المستقر النهائي و الآمن تماماً . ثم نعود أنا و إنت إلي الديار

الطبيب بدهشة :

-و هل هناك مكان بالأرض لا يستطيع اليهود الوصول إليه ؟!!!

صهيب بثقة :

-بلي . هناك مكان واحد فقط لا يجرؤ علي دخوله إلا عباد الله المؤمنين

الطبيب بغرابة شديدة :

-أين هو هذا المكان ؟

إبتسم "صهيب" و هو يخرج من جيبه جوازات السفر الجديدة معلناً :

-إنها مكـة . مكـة أيها الطبيب . لا يدخلها إلا من قال "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . و أشهد أن محمداً عبده و رسوله" !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

مكـة المكرمـة ...

و مغيباً رطيباً منعشاً ، كان يوماً رائعاً ، هادئاً ، و الحرم المكي كالعادة معموراً بخلق الله ، أناس من مختلف الأجناس و الألوان ، تجمعوا لميقات ربهم الأعلي ، كل و شكواه ، كل و أمانيه ، كل و آلامه ، المكان يغص بالفقراء ، فقراء لكل شيء ، يتضرعون للغني القهار الذي بيده كل شيء

و في الخلفية يدوي صوت القارئ "ماهر المعيقلي" يتلو من آيات الذكر الحكيم سورة "ق" وسط خشوع و خنوع يلهب مشاعر المؤمنين و يقشعر أبدان المحبين المخلصين للمعبود الأحد :

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ
مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ
وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ
قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ
قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ
مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيد
هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ
ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ
وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ
يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ .. صدق الله العظيم

و في هذا الوقت تنتهي "آية" من أداء صلاتها داخل حجر "إسماعيل" كما تفضل ... كان "إبراهام" يجلس بإنتظارها هناك ، في زاوية معينة إتفقا علي الإلتقاء عندها ، كان يضع إبنه ذي الثلاث سنوات في حجره و هو يمسك بدفتي المصحف و يقرأ ما تيسر من آياته الكريمة

ظل الطفل هادئاً مع أبيه يراقب ما يجري حوله متنعماً بسلام مصدره قدسية هذا المكان الطاهر الشريف .. كان وجهه جميلاً ، يشبه أبويه إلي حدٍ ما ، لكنه أخذ من والده أكثر ، تلك البشرة البرونزية المشربة بالحمرة ، و العينان الرماديتين ، و الشعر الكستنائي الأملس تغطيه قبعة الرأس البيضاء هذه

و فجأة يصيح الطفل مزقزقاً بسعادة و هو يشير بإصبعه نحو أمه المقبلة عليه و علي أبيه بخطوات ثابتة .. صدق "إبراهام" في هذه اللحظة و تطلع حيث أشار الصغير

إبتسم إلي زوجته و أفسح لها مكاناً بجواره ...

-تأخرت ؟ .. قالتها "آية" و هي تجلس متكئة علي كتف زوجها

إبراهام مبتسماً :

-هذه عادتك . دائماً ما تنسين نفسك عندما نكون هنا أو بالروضة . لا آراك إلا بعد فترة طويلة

وافقته قائلة برقة :

-أنت محق . فأنا لا أمل أبداً من قضاء الوقت بين هنا و هناك . في كل مرة تتجدد مشاعري و كأني أختبر الأمر للمرة الأولي . هل تعرف أنني لم أقم بزيارة الحرم أبداً إلا معك ؟

-لم أفكر بالأمر . لكن يسعدني أن تجدي راحتك أينما كنت

-و أي راحة ! أنه بيت الله و بجوار رسوله . لا أتمني أكثر من ذلك .. ثم قالت محدقة في عينيه بنظرة شاردة :

-هل تذكر عندما جئنا إلي هنا ؟ واجهنا مشاكل عديدة . لم ندخل بسهولة

أومأ "إبراهام" قائلاً :

-نعم أذكر . إحتجزنا لعدة أيام لتأكيد الهوية . قضينا أشهر تحت المراقبة . و كدنا نطرد حين إكتشفوا هويتي الحقيقية . حصلنا علي الإقامة بمعجزة . لولا أموالي الوفيرة التي تبرعت بها كلها لمختلف المؤسسات الخيرية . لم يفلح الأمر بعد يا حبيبتي و ما زال البعض يرونني علي صورتي القديمة . لم يتقبلوا توبتي !

رمقته بتعاطف كبير ، أمسكت بيده و قالت تؤازره :

-إنما الله قد قبلها . ألا يكفيك هذا ؟

بدا الحزن في عينيه و هو يسألها :

-و هل قبلها فعلا ؟!

آية بثقة :

-بالتأكيد .. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا .. صدق الله العظيم

.إبتسم لها من جديد و قال :

-لا أعلم ما كنت سأفعل في حياتي لو لم ألتقي بك ! لقد غيرت حياتي يا آية

-أنت كنت مهيأ للتغيير . أخلاقك لم تكن مثلهم . لقد كنت إنساناً حقيقياً يا إبراهيم !

تمتم "إبراهيم" محبوراً :

-أحببت هذا الإسم أكثر بكثير من إسمي المعدل

آية مبتسمة بحلاوة :

-كذلك أنزله الله و قرأه علينا

-و كذلك أريد أن أذهب لآداء صلاتي أنا أيضاً . هلا أخذت قاسم قليلاً ؟

آية برحابة :

-طبعاً . تعال يا صغيري . تعال إلي أمك يا قاسم !

و تناولته من زوجها و إحتوته بأحضانها و هي تقبله و تمسح علي رأسه بحنان ..

وثب "إبراهيم" قائماً برشاقة ، ألقي عليهما نظرة محبة ، ثم مضي تجاه الكعبة المشرفة ( القبلة ) بنية آداء الصلاة ، و لم ينفك يردد خلال سعيه و الدموع تنهمر من عينيه لا إرادياً :

-إِلَهِيِ إِلَهِيِ .. اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لا إلَهَ إلَّا أَنْتَ . أَنْتَ رَبِّي ، وَأَنَا عَبْدُكَ ، ظَلَمْتُ نَفْسِي ، وَاعْتَرَفْتُ بذَنْبِي ، فَاغْفِرْ لي ذُنُوبِي جَمِيعاً ، إنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ ، وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأخْلَاقِ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ ليسَ إلَيْكَ ، أَنَا بكَ وإلَيْكَ ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ .. أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْك .. أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْك.

تمـت.
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close