رواية احببت عبراني الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم مريم غريب
( 22 )
_ الطفل ! _
أصرفت "إليان" مستخدميها ، عندما سمعت صوت جلبة خارج منزلها و قد ميزت وسطها صوت إبنها الثائر و هو يتعثر بالحراسة في طريقه
إلتفتت نحو باب المنزل و وقفت بثبات في مواجهته ، بينما يظهر فجأة و يقبل عليها بوجهه المحتقن إنفعالاً و هو يهتف بخشونة بلغته الأم :
-سعيدة الآن .. أليس كذلك يا والدتي العزيزة ؟ تآمرتي عليّ و هدأ بالك أخيراً !!
-أهلاً بك يا إبني ! .. قالتها "إليان" بلهجة صلبة
-مرحباً بعودتك إلي الوطن
و هنا توقف أمامها مباشرةً ، دني بوجهه صوبها قليلاً و هو يقول بصوت كالفحيح :
-أين زوجتي يا أمي ؟ أين هي ؟!!
إليان بجمود :
-ليست هنا . و بالتأكيد لن أطلعك علي مكانها .. ثم لا تقول زوجتي . تلك الفتاة ستظل حية فقط إلي حين . لن يطول مكوثها في هذه الحياة . حالما تضع الطفل سينتهي أمرها أعدك
و شهقت فجأة ، حين قبض علي ذراعها بقوة مغمغماً من بين أسنانه :
-تأكدي بأنني لن أسمح بإضافة زوجتي إلي قائمة ضحياكم حتي لو كلفني هذا حياتي . أتفهمين ما أعني يا أمي ؟!!!
-هل جننت !! .. صاحت "إليان" بمزيج من الصدمة و الغضب
-ترفع صوتك و يدك علي أمك من أجل حقيرة مثلها ؟ أقسم لك أنني سأزهق روحها بيدي و أمام عينيك يا إبراهام . يا ولدي !
تمالك "إبراهام" دفعة غضب أقوي كادت تفلت بداخله ، ترك ذراع أمه و هو يقول بصوت ملؤه التحذير و الوعيد :
-عند ذلك سوف تعهدي إبراهام جديد يا أمي . ذاك الذي تمنيتي طوال حياتك أن تريه . سأكون مثلكم . بل أسوأ . و ستكونون جميعاً أول ضحاياي
رمقته بنظرات قاتمة السواد تليق بأمثالها تماماً ، بينما تراجع خطوة للوراء قائلاً بصوت أجش :
-تذكري . بأنني سوف أستعيد زوجتي و طفلي يوماً ما . أرجو ألا تنسي ذلك . أما أنت .. فلا أعتبرك أمي منذ اليوم . ليهتراؤت ( إلي اللقاء ) !
و إستدار مغادراً من فوره ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
رأسه المطرق منذ قرابة الساعة ، لم يرتفع أبداً و ظل فقط يستمع إلي سيل اللوم و التقريع القاسي المنهمر من فم صهره الشاب ...
-كان يجب أن أعلم أنك لن تتغير أبداً . لا أصدق بأنني صرت بهذا الغباء فجأة كي أقبل بالأمر الواقع و أذهب تاركاً لك أختي . لا تعرف عنها شيئاً منذ 3 أشهر ؟ اللعنة عليك أيها الحقير سأقتــلك ! .. و إنقض عليه الآن يبرحه ضرباً عنيفاً
لم يحاول "إبراهام" درء هذا الغضب كله عنه أو صد اللكمات الموجعة ، إنما طفق يهتف بيأس إنفعالي :
-أنت لا تعرف حجم المجهودات التي بذلتها حتي أستطيع إدخالك إلي هنا .. تتعارك معي الآن بدلاً من أن تمدني ببعض الأفكار لعلني أفلح في إستعادة أختك مرة ثانية ؟!!
لم تهدأ أنفاس "قصي" الثائرة في صدره و هو يتركه أخيراً متكئاً علي الآريكة المحاذية له ، حدجه بنظرات دموية و هو يقول مزمجراً :
-و كيف عساني أنا أن أمدك بالأفكار أو حتي أن أقدم لك أي مساعدة ؟ هل قالوا لك عني من أعيان هذه البلدة ؟ أم تراني ثرياً و مقتدراً مثلك حتي أستطيع أن أفعل ما يحلو لي كما تفعل أنت ؟!!!
تآوه "إبراهام" و هو يقوم معتدلاً فوق الكرسي المقلوب ، مسح قطرات الدماء السائلة من أنفه بظاهر يده و هو يرد عليه بلهجة متحشرجة :
-علي الأقل خفف عني . واسيني يا رجل .. لأول مرة أشعر بأنني عاجز . دائماً كنت المسيطر بنفوذي و أموالي الطائلة . لكن يبدو أنني فعلاً نقطة بمحيطهم القذر مهما فعلت لن يتأثروا بي !
قصي بتهكم :
-كل هذه الإستكانة التي تملأك . تظن أنك سوف تخدعني بها ؟ أنا لست أحمق كأختي . صحيح أنني أخطأت حين صدقتك بالمرة السابقة كما فعلت هي . لكن ليس بعد الآن . لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين يا هذا
نظر له "إبراهام" و قد بدت الحسرة بعينيه و قال :
-أنت لا تستطيع . بل لا تريد أن تصدقني .. لقد أمسيت منبوذاً من قومي بسبب معتقداتي التي إخترتها منذ أمد . ظهور آية بحياتي كان بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير . عندما بلغت سناً يؤهلني للتصرف كما أحب فضلت أن أغادر وطن الدماء هذا . توجهت إلي باريس و عشت هناك . لم أعد إلي هنا مرة واحدة بعد هجرتي تلك .. قصي . أنا لست قاتل . أنا إنسان مثلك . هكذا ولدت ماذا أفعل ؟ لم أختر أرضي أو أبويّ أو حتي ديني . ما ذنبي ؟ لقد تمردت عليهم و تركتهم لأنني لست مثلهم . و إن كنت قاصراً علي فهم ذلك كله فلا بأس . لن أستطيع أجبارك علي شيء . لكن كل ما يهمني الآن أن أسترد آية مجدداً .. لن أتركها هي أو إبني لهم أبداً !
عبس "قصي" و هو يهز رأسه قائلاً بجمود :
-ليتني أصدقك !!
-بل صدقني لم أعد أهتم أصلاً . أنت حر في ذلك .. و علي كل لقد أصبح وجودك هنا بلا فائدة إن لم يكن خطراً عليك و عليّ . سأرسلك فجر اليوم إلي إسطنبول ثانيةً
قصي بإستنكار :
-لن أذهب لأي مكان دون أختي !!!
إبراهام بحزم :
-لقد قلت تواً أن ليس بيدك شيئاً لتفعله لها . إذا بقيت ستعقد لي الأمور . أفضل لك أن ترحل و أعدك بأنني سأحصل عليها بأقرب وقت و من ثم سآخذها و نختفي نهائياً
كاد "قصي" أن يرد مرة أخري ، فقاطعه بتصميم :
-إنتهينا يا قصي . ثق بي هذه المرة فقط . أنسي ما كنت عليه في الماضي و تذكر أنني ولدت من جديد علي يدي أختك .. و أكمل بلهجة تفيض شجناً :
-لأخر لحظة بقيت علي غييِ . نعم ها أنا أعترف بذلك . لم تقنعني بسهولة . فأقنعوني الذين هم مني بخستهم و دمويتهم !!
و هنا دق هاتفهه فوق الطاولة ، هرع إليه مسرعاً و رد :
-آلو ! .. أنا أسمعك .. تكلم .. وجدتها ؟؟؟ أين هي أخبرنــي !!!!
كان "قصي" قد قفز إلي جواره في هذه الأثناء ، حاول أن يسترق السمع أو أن يفهم تلك اللغة الغريبة علي الأقل ، لكن دون جدوي ... إنتظر حتي فرغ الأخير من المكالمة ، فسأله بصبر نافذ :
-ما الأمر ؟ هل عثرت عليها ؟ هل وجدت آية ؟!!!
وضع "إبراهام" الهاتف من يده ، إصطبغ وجهه بحمرة شديدة القتامة و قد أصبح صرير أسنانه مسموعاً ، أدار وجهه نحو "قصي" من جديد و قال واعدا بصوت خشن :
-أمهلني إسبوعاً أخر . و ستسمع ما يسرّك يا عزيزي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كانت عادة ، إكتسبتها من جدتها ، عندما تأتيها الكوابيس أو تشعر بكرب ما .. تردد هذا بقلب مطمئن
و ها هي تفعل و هي تسند ظهرها إلي وسادة الفراش الوثيرة و تضع كفها فوق بطنها ذات الخمسة أشهر ، إنسابت الآيات الحكيمة من فمها بهمهمة خافتة بالكاد كانت مسموعة :
-وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ
لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ
فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ
أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ
قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ
قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ
إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ
قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ
وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ .. و صدقت بسرعة
حين أحست بحركة خارج هذه الغرفة الفخمة ، و ما لبثت أن رأت الباب ينفتح ، لتظهر تلك الشقراء اللعينة ...
زفرت "آية" بضيق شديد و حاولت التذرع بما تبقي لها من صبر ، فقد نفذ مخزون الخوف في نفسها ، لم تعد تخاف منهم ، إنما تمقتهم و تشمئز من رؤيتهم فقط !!
-كيف حالك أيتها العراقية ؟! .. قالتها "ريتشل إلفمان"
خطيبة "إبراهام" السابقة و هي تزيح غطاء السرير لتجلس مقابل "آية" ... لم ترد عليها الأخيرة ، فإستطردت "ريتشل" بإبتسامة متكاسلة :
-ما بك اليوم صامتة ! أين صوتك و الغوغاء التي تحدثينها بإستمرار ؟ هل مللت ؟ أم مازلت تصدقين أنه سيأتي من أجلك ؟!!
رمقتها "آية" بإزدراء كبير و قالت ببرود :
-تعلمين أنه سيأتي . مهما قلت .. سيأتي . أنا سمعته !
تلاشت "إبتسامة" ريتشل و سألتها بحذر :
-سمعتيه ؟ هل تواصلت معه ؟ أجيبي من الذي أعطاك هاتف ؟!!!
آية بسخرية :
-لم يعطني أحد هواتف .. لكن ربما هذا من حسن الأقدار . أن أعلم أمراً كهذا . حتي لا أصدق أكاذبيكم عنه . إبراهام سيأتي . و قريباً جداً
إستشاطت "ريتشل" غيظاً و هبت واقفة و هي تصيح بحدة :
-أجل . أريدك أن تظلي حية في هذا الوهم .. إلي أن تلدي و آخذ إبنك . سأقتلك بيدي . ثم أذهب إلي حبيبك و نتزوج . ما رأيك بهذا السيناريو السعيد ؟
و شعرت بالرضا فور أن رأت وجهها يتضرج بحمرة أشد بكثير منها ، رفعت رأسها دافعة شعرها الناعم للخلف بخيلاء و هي تقول بلهجة مغناجة :
-ستعرفين بالنهاية أنك لم تكوني بالنسبة له سوي نزوة حقيرة . هو قد شرد منا . ضل طريقه . لكننا سوف نسترجعه مجدداً . و إنت .. إنت أيتها العربية . بالغد القريب ستكونين في مطاوي النسيان !
و أطلقت ضحكة مجلجلة و هي تستدير لتخرج ، بينما تسيل الدموع من أعين "آية" بغير بكاء و هي لا تزال تردد بثقة :
-سوف يأتي .. أنا أنتظره . سيأتي ! ......... !!!!!!!!!!
يتبــــع .
_ الطفل ! _
أصرفت "إليان" مستخدميها ، عندما سمعت صوت جلبة خارج منزلها و قد ميزت وسطها صوت إبنها الثائر و هو يتعثر بالحراسة في طريقه
إلتفتت نحو باب المنزل و وقفت بثبات في مواجهته ، بينما يظهر فجأة و يقبل عليها بوجهه المحتقن إنفعالاً و هو يهتف بخشونة بلغته الأم :
-سعيدة الآن .. أليس كذلك يا والدتي العزيزة ؟ تآمرتي عليّ و هدأ بالك أخيراً !!
-أهلاً بك يا إبني ! .. قالتها "إليان" بلهجة صلبة
-مرحباً بعودتك إلي الوطن
و هنا توقف أمامها مباشرةً ، دني بوجهه صوبها قليلاً و هو يقول بصوت كالفحيح :
-أين زوجتي يا أمي ؟ أين هي ؟!!
إليان بجمود :
-ليست هنا . و بالتأكيد لن أطلعك علي مكانها .. ثم لا تقول زوجتي . تلك الفتاة ستظل حية فقط إلي حين . لن يطول مكوثها في هذه الحياة . حالما تضع الطفل سينتهي أمرها أعدك
و شهقت فجأة ، حين قبض علي ذراعها بقوة مغمغماً من بين أسنانه :
-تأكدي بأنني لن أسمح بإضافة زوجتي إلي قائمة ضحياكم حتي لو كلفني هذا حياتي . أتفهمين ما أعني يا أمي ؟!!!
-هل جننت !! .. صاحت "إليان" بمزيج من الصدمة و الغضب
-ترفع صوتك و يدك علي أمك من أجل حقيرة مثلها ؟ أقسم لك أنني سأزهق روحها بيدي و أمام عينيك يا إبراهام . يا ولدي !
تمالك "إبراهام" دفعة غضب أقوي كادت تفلت بداخله ، ترك ذراع أمه و هو يقول بصوت ملؤه التحذير و الوعيد :
-عند ذلك سوف تعهدي إبراهام جديد يا أمي . ذاك الذي تمنيتي طوال حياتك أن تريه . سأكون مثلكم . بل أسوأ . و ستكونون جميعاً أول ضحاياي
رمقته بنظرات قاتمة السواد تليق بأمثالها تماماً ، بينما تراجع خطوة للوراء قائلاً بصوت أجش :
-تذكري . بأنني سوف أستعيد زوجتي و طفلي يوماً ما . أرجو ألا تنسي ذلك . أما أنت .. فلا أعتبرك أمي منذ اليوم . ليهتراؤت ( إلي اللقاء ) !
و إستدار مغادراً من فوره ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
رأسه المطرق منذ قرابة الساعة ، لم يرتفع أبداً و ظل فقط يستمع إلي سيل اللوم و التقريع القاسي المنهمر من فم صهره الشاب ...
-كان يجب أن أعلم أنك لن تتغير أبداً . لا أصدق بأنني صرت بهذا الغباء فجأة كي أقبل بالأمر الواقع و أذهب تاركاً لك أختي . لا تعرف عنها شيئاً منذ 3 أشهر ؟ اللعنة عليك أيها الحقير سأقتــلك ! .. و إنقض عليه الآن يبرحه ضرباً عنيفاً
لم يحاول "إبراهام" درء هذا الغضب كله عنه أو صد اللكمات الموجعة ، إنما طفق يهتف بيأس إنفعالي :
-أنت لا تعرف حجم المجهودات التي بذلتها حتي أستطيع إدخالك إلي هنا .. تتعارك معي الآن بدلاً من أن تمدني ببعض الأفكار لعلني أفلح في إستعادة أختك مرة ثانية ؟!!
لم تهدأ أنفاس "قصي" الثائرة في صدره و هو يتركه أخيراً متكئاً علي الآريكة المحاذية له ، حدجه بنظرات دموية و هو يقول مزمجراً :
-و كيف عساني أنا أن أمدك بالأفكار أو حتي أن أقدم لك أي مساعدة ؟ هل قالوا لك عني من أعيان هذه البلدة ؟ أم تراني ثرياً و مقتدراً مثلك حتي أستطيع أن أفعل ما يحلو لي كما تفعل أنت ؟!!!
تآوه "إبراهام" و هو يقوم معتدلاً فوق الكرسي المقلوب ، مسح قطرات الدماء السائلة من أنفه بظاهر يده و هو يرد عليه بلهجة متحشرجة :
-علي الأقل خفف عني . واسيني يا رجل .. لأول مرة أشعر بأنني عاجز . دائماً كنت المسيطر بنفوذي و أموالي الطائلة . لكن يبدو أنني فعلاً نقطة بمحيطهم القذر مهما فعلت لن يتأثروا بي !
قصي بتهكم :
-كل هذه الإستكانة التي تملأك . تظن أنك سوف تخدعني بها ؟ أنا لست أحمق كأختي . صحيح أنني أخطأت حين صدقتك بالمرة السابقة كما فعلت هي . لكن ليس بعد الآن . لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين يا هذا
نظر له "إبراهام" و قد بدت الحسرة بعينيه و قال :
-أنت لا تستطيع . بل لا تريد أن تصدقني .. لقد أمسيت منبوذاً من قومي بسبب معتقداتي التي إخترتها منذ أمد . ظهور آية بحياتي كان بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير . عندما بلغت سناً يؤهلني للتصرف كما أحب فضلت أن أغادر وطن الدماء هذا . توجهت إلي باريس و عشت هناك . لم أعد إلي هنا مرة واحدة بعد هجرتي تلك .. قصي . أنا لست قاتل . أنا إنسان مثلك . هكذا ولدت ماذا أفعل ؟ لم أختر أرضي أو أبويّ أو حتي ديني . ما ذنبي ؟ لقد تمردت عليهم و تركتهم لأنني لست مثلهم . و إن كنت قاصراً علي فهم ذلك كله فلا بأس . لن أستطيع أجبارك علي شيء . لكن كل ما يهمني الآن أن أسترد آية مجدداً .. لن أتركها هي أو إبني لهم أبداً !
عبس "قصي" و هو يهز رأسه قائلاً بجمود :
-ليتني أصدقك !!
-بل صدقني لم أعد أهتم أصلاً . أنت حر في ذلك .. و علي كل لقد أصبح وجودك هنا بلا فائدة إن لم يكن خطراً عليك و عليّ . سأرسلك فجر اليوم إلي إسطنبول ثانيةً
قصي بإستنكار :
-لن أذهب لأي مكان دون أختي !!!
إبراهام بحزم :
-لقد قلت تواً أن ليس بيدك شيئاً لتفعله لها . إذا بقيت ستعقد لي الأمور . أفضل لك أن ترحل و أعدك بأنني سأحصل عليها بأقرب وقت و من ثم سآخذها و نختفي نهائياً
كاد "قصي" أن يرد مرة أخري ، فقاطعه بتصميم :
-إنتهينا يا قصي . ثق بي هذه المرة فقط . أنسي ما كنت عليه في الماضي و تذكر أنني ولدت من جديد علي يدي أختك .. و أكمل بلهجة تفيض شجناً :
-لأخر لحظة بقيت علي غييِ . نعم ها أنا أعترف بذلك . لم تقنعني بسهولة . فأقنعوني الذين هم مني بخستهم و دمويتهم !!
و هنا دق هاتفهه فوق الطاولة ، هرع إليه مسرعاً و رد :
-آلو ! .. أنا أسمعك .. تكلم .. وجدتها ؟؟؟ أين هي أخبرنــي !!!!
كان "قصي" قد قفز إلي جواره في هذه الأثناء ، حاول أن يسترق السمع أو أن يفهم تلك اللغة الغريبة علي الأقل ، لكن دون جدوي ... إنتظر حتي فرغ الأخير من المكالمة ، فسأله بصبر نافذ :
-ما الأمر ؟ هل عثرت عليها ؟ هل وجدت آية ؟!!!
وضع "إبراهام" الهاتف من يده ، إصطبغ وجهه بحمرة شديدة القتامة و قد أصبح صرير أسنانه مسموعاً ، أدار وجهه نحو "قصي" من جديد و قال واعدا بصوت خشن :
-أمهلني إسبوعاً أخر . و ستسمع ما يسرّك يا عزيزي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كانت عادة ، إكتسبتها من جدتها ، عندما تأتيها الكوابيس أو تشعر بكرب ما .. تردد هذا بقلب مطمئن
و ها هي تفعل و هي تسند ظهرها إلي وسادة الفراش الوثيرة و تضع كفها فوق بطنها ذات الخمسة أشهر ، إنسابت الآيات الحكيمة من فمها بهمهمة خافتة بالكاد كانت مسموعة :
-وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ
لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ
فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ
أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ
قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ
قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ
إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ
قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ
وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ .. و صدقت بسرعة
حين أحست بحركة خارج هذه الغرفة الفخمة ، و ما لبثت أن رأت الباب ينفتح ، لتظهر تلك الشقراء اللعينة ...
زفرت "آية" بضيق شديد و حاولت التذرع بما تبقي لها من صبر ، فقد نفذ مخزون الخوف في نفسها ، لم تعد تخاف منهم ، إنما تمقتهم و تشمئز من رؤيتهم فقط !!
-كيف حالك أيتها العراقية ؟! .. قالتها "ريتشل إلفمان"
خطيبة "إبراهام" السابقة و هي تزيح غطاء السرير لتجلس مقابل "آية" ... لم ترد عليها الأخيرة ، فإستطردت "ريتشل" بإبتسامة متكاسلة :
-ما بك اليوم صامتة ! أين صوتك و الغوغاء التي تحدثينها بإستمرار ؟ هل مللت ؟ أم مازلت تصدقين أنه سيأتي من أجلك ؟!!
رمقتها "آية" بإزدراء كبير و قالت ببرود :
-تعلمين أنه سيأتي . مهما قلت .. سيأتي . أنا سمعته !
تلاشت "إبتسامة" ريتشل و سألتها بحذر :
-سمعتيه ؟ هل تواصلت معه ؟ أجيبي من الذي أعطاك هاتف ؟!!!
آية بسخرية :
-لم يعطني أحد هواتف .. لكن ربما هذا من حسن الأقدار . أن أعلم أمراً كهذا . حتي لا أصدق أكاذبيكم عنه . إبراهام سيأتي . و قريباً جداً
إستشاطت "ريتشل" غيظاً و هبت واقفة و هي تصيح بحدة :
-أجل . أريدك أن تظلي حية في هذا الوهم .. إلي أن تلدي و آخذ إبنك . سأقتلك بيدي . ثم أذهب إلي حبيبك و نتزوج . ما رأيك بهذا السيناريو السعيد ؟
و شعرت بالرضا فور أن رأت وجهها يتضرج بحمرة أشد بكثير منها ، رفعت رأسها دافعة شعرها الناعم للخلف بخيلاء و هي تقول بلهجة مغناجة :
-ستعرفين بالنهاية أنك لم تكوني بالنسبة له سوي نزوة حقيرة . هو قد شرد منا . ضل طريقه . لكننا سوف نسترجعه مجدداً . و إنت .. إنت أيتها العربية . بالغد القريب ستكونين في مطاوي النسيان !
و أطلقت ضحكة مجلجلة و هي تستدير لتخرج ، بينما تسيل الدموع من أعين "آية" بغير بكاء و هي لا تزال تردد بثقة :
-سوف يأتي .. أنا أنتظره . سيأتي ! ......... !!!!!!!!!!
يتبــــع .
