رواية الغضب الاسود الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم الكاتبة كوين اسمهان
الفصل 22|لا تخشي الظلام!
في الرحلة إلى «ويندي هاربور» تعرَّجت الطريق كأنها ثعبان عملاق يسبقهما صوب وجهة مجهولة، ارتعشت أفراد الأشجار بفعل رياح الجنوب، تلك الرياح المُلتوية التي تعصفُ بالغابات مشبَّعة بآخر عطور ديسمبر، و كلما صفعت الأوراق الخضراء، جعلت قطرات الندى تتهاوى منزلقة عن السطوح الرطبة، إلى أرض عطشى، لا تمانع في هطول المزيد و المزيد من الأمطار الشاذَّة في هذا الصيف العجيب!
4
أرسلت ماريغولد نظرها المسحور عبر زجاج النافذة، و هي لا تملكُ مقاومةً ضد جمال الطبيعة من حولها، و إلى جوارها ذلك الرجل المتباعدُ الذي يكادُ يعبدُ صمته، مُكتفيا بنقل بصره بين الطريق و لوح القيادة، اتسمت قيادته بالسلاسة، و ما إن شغَّلَ راديو السيَّارة حتى قفز إلى الآذان صوتُ المذيعِ الأجش، و هو يردد محذِّرًا:
+
"...و يُصنَّفُ إعصار «إيلسا» الذي ستشهده مدينة «بيرث» ليلة غد ضمن الفئة الخامسة (الأعلى)، هذا و ستصحبُه أمطارٌ رعدية و رياحٌ غير مسبوقة سرعتها قد تتجاوزُ 288 كم في الساعة! على الجميع إتخاذ كافَّة احتياطاتهم! نكرِّر... على الجميع إتخاذ كافَّة احتياطاتهم!".
6
شحب وجه ماريغولد، فلاحظ هارولان ذلك و هو يحرُّك غيَّار السرعة، و ينعطفُ بالسيارة يسارًا، و قال مُطمئنًا:
+
"لا تخافي! بيرث بعيدة عنا".
+
"ماذا عن كينغلاند؟ لِيو... و الباقين!".
+
نظر إليها في صمتٍ، ثم أجاب متجاوزًا شاحنة مواشي تحمل شعار مزرعة «غراند كلود»:
1
"لن تشهدَ كينغلاند أكثر من مجرد عاصفة عابرة، في كل الأحوال اتخذتُ كافة إحتياطاتي مسبقا، لقد توقع غوفيندا قدوم هذا الإعصار قبل أشهر! و دائما تصدق توقعاته الجوية".
+
"حقا؟ غوفيندا البستاني الهندي؟".
+
هزَّ هارولان رأسه بالإيجاب، فسألته ماريغولد مستعجبة:
+
"كيف يفعلُ ذلك؟ كيف يعرفُ ما هو آتٍ؟".
+
قاد هارولان السيارة هذه المرة يمينا و هو يردف:
+
"الأمر متعلق بأجداده، يقولُ غوفيندا أنهم كانوا يفهمون الكون، و ورث ذلك عنهم".
8
تذكر هارولان ذلك العجوز الهادئ، الغارق في تأملاته، و كان الوحيد الذي يجهرُ في وجه رب عمله برأيه مرددًا: «ستظلُّ هذه الأرض غاضبة! طالما تُحرِّمُ على ترابها الورود!»، و كثيرًا ما كان غوفيندا ببشرته البرونزية، و خصلاته الفضية الطويلة، و ثيابه الهندية التقليدية كاكيَّة اللون، و شاله الأحمر الذي لوحته الشمس، يُحدق مطولا في الأفق ليعلن فجأةً قدوم أمطار غزيرة! كأنه يملكُ أسرار الكون في عينيه المحاطتين بتجاعيد السنين!
+
خرج هارولان عن حدود أفكاره، و انتبه للفتاة الحالمة قربه، تجلسُ كسيدة مهذبة، لكن تعلو أساريرها تطلعات الأطفال لعالم خيالي، نفخت ماريغولد ببطء على الزجاج المتشح بمسحة النَّدى، لتطبع عليه بكفها علامة الحب خاصَّتها، تربطها تلك العلامة بماضيها، بروح والدها الذي اشتاقت له، بطيف والدتها الذي لم تعرفها سوى صورة! و بإيريكا لوريل! آه إيريكا الحبيبة! ابتسمت ماريغولد دامعة و هي تتخيل مدى سعادة العجوز الطيبة بالخبر الذي سيُنهي معاناتها! فيما كان هارولان يربطُ بعقله الفطن بين حركتها تلك، و علامة الكفوف الثلاثة التي لمحها على جدار بيتها!
1
أصدرت السيارة حشرجة طفيفة لدى توقفها قرب صخور الشاطئ، حيث ينتهي الطريق المدني المُعبَّد بلمسة الإنسان، ليبدأ الطريق الطبيعي المُعبَّدُ برملٍ و موجٍ و ورد!
1
كان المحيطُ يلوكُ لُجَجَه و يُحدِّثُ الزائرين بشيء ما، حملت رائحةُ ملحه القويَّة بقايا وداع، انطلقت ماريغولد تعدو بفرحة غريرة خارج السيارة، نزلت درجات الصخور محاذرة، ثم أضحت تثب كغزال رشيق على الرمال المبللة بقطرات المطر التي بدأت بالتهاطل، و هارولان يسيرُ في أعقابها بتؤدة، تلكأت خُطواتُها على مقربةٍ من بيت العجوز لوريل، كان بابُها مُواربًا كما لم يسبق له من قبل! و راودَ ماريغولد شعورٌ غريبٌ بأن هناك خطبٌ ما، كان هارولان قد وصل أيضا إلى البيت، و وقف إلى جانبها منتظرًا أن تطرقَ معلنة عن حضورهما، ففعلت، و عقب ذلك استقبلهما الصمت الثقيل، الذي رافقته موسيقى الأمواج المتلاطمة خلفهما، نادت ماريغولد جارتها عدة مرَّات، ثم دفعت الباب و دلفت بقلق، لتشهق فجأة و تندفع مسرعة نحو إيريكا الممدة على الأرض بلا حراك!
8
"يا إلهي!".
+
هزَّتها كثيرا دون جدوى، نادتها و الدموع الحارَّة تجدُ دروبًا سهلة جدا على خديها فتسقط عبرها تباعا، كان جسدها متجمدًا، و سحنتها خالية من أي لون، تشبه الخزف الأبيض! مضت ماريغولد تفركُ يدي العجوز محاولة أن تشيع فيهما بعض الدفء، و شهقاتها تتصاعدُ، و زفيرها يتمزَّق، فيما انحنى هارولان بحركة واحدة يجسُّ وريدها، توقفت ماريغولد عن فرك يديها، و راقبت ما يفعله بقلب مرتعد، لقد ظنت أنه مجرد إغماء، لكن حركة هارولان صعقتها، لم يخطر على بالها أن احتمالا كهذا وارد! أغمض هارولان عينيه ساحبًا يده، عندها أيقنت ماريغولد أن إيريكا لوريل فارقت الحياة!
15
"لا... لا يمكنكِ أن ترحلي هكذا إيريكا! ليس الآن...!".
6
تهدَّج صوتها و هي ماضية في مخاطبتها جسدًا بلا روح:
+
"كنتُ... سأعيدُ إليكِ... أصواتًا كثيرة... فقدتيها!".
4
تمسحت بها مرتجفة، و بكت فوق صدرها بحرقة، و هي تُردِّدُ هامسةً مُلوَّعة الفؤاد:
+
"لا ترحلي أنتِ أيضا... لا تتركيني!".
4
سمع هارولان تلك الهمسات الواجفة، تحرَّك شيء في أعماقه، لاحظ أنها أطالت نحيبها، و كرهَ سماع تلك الشهقات التي تراكمت في صدرها، و اختنقت بها، و صارت تمزق أعصابه، فسحبها بقوَّة مُبعدا إياها عن الجثة، و قادها إلى الخارج بصعوبةٍ بالغة، قاومته، رافضة أن تتحرَّك قيد أنملة، لكن قوَّته تفوَّقت على جسدها الضعيف، ثبتها أمامه على مصطبة الفيراندا قائلا في لهجة صارمة:
2
"كُفِّي بُكاءكِ! فهذه الدُّموع لن تعيدها".
+
آه ما خطبه بحق السماء؟ ألا يرى حجم فقدها؟ ألا يُدركُ أنها مهزوزةٌ جدا الآن؟ لم تشأ أن تواجه عينيه، لكنها بعد تماسك، استطاعت أن تنظر إليه بعينين اختمرتا من البكاء، و تمتمت كأنها توشوشه بسر:
+
"أنا... أبكي... لأن عالمي خسرَ وجها آخر... عالمي يُصبحُ فارغا يوما بعد يوم... لا ينفكُّ يفقدُ الأحبَّة... سئمتُ هذا الرَّحيل المتكرِّر... أنا... مُتعبة منه... و أخشى سقوطي في أيَّةِ لحظة!".
4
نشجت من جديد بالبكاء، فوضع يديه على كتفيها، و قال بقوَّة:
+
"عالمُكِ ليس فارغًا! لِيو ينتظركِ بالمزرعة، تماسكي من أجله!".
+
طاف بعينيه البارقتين على قسمات وجهها التعيسة، و تابع ببحَّةٍ غريبة:
+
"لن تسقُطي... و أنا أسنُدكِ!".
33
رأت في نظراته تأكيدًا لكلامه، و لمست في يديه أكثر من مجرد مؤازرة، أفرجت عن تنهيدة تعب، و أرخت رأسها على كتفه مطلقة دموعا صامتة، أراحها وجوده، أمكنها سماعُ دقات قلبه المستقرة، و مثَّل لها تردُدها في مسمعها بذلك التناغم تهويدة سلام و حنان لقلبها المفجوع! لم يستطع هارولان للمرة الثانية أن يضمها إلى صدره، كل ما تمكن منه هو الطبطبة بيده قليلاً على كتفها حتى تهدأ، أما هي فلم ترغب بالإبتعاد عنه، و ظلت مرخيةً رأسها عنده، كانت بحاجة ماسَّة إليه، إلى شخص قوي مثله يسندُها، فحين يفقد المرءُ روحا غالية، يصبحُ أضعف مما يتصور!
+
بعد لحظات... أجرى هارولان إتصالاته، لتأتي سيارات الشرطة و الإسعاف فورا و يملأ عويل صافراتها فراغ الشاطئ المعزول، و عقِبَ الفحص الذي أجراه الطبيب الشرعي، تبيَّن أن وفاة السيدة إيريكا لوريل حدثت بسبب أزمة قلبيَّة! قدَّم هارولان و ماريغولد إفادتهما لصالح مركز الشرطة في المدينة، و أقفلا راجعين في صمتٍ، و في السيارة كانت ماريغولد تتصفحُ دفتر ملاحظات إيريكا، الذي حملته معها لتتصل من خلال الأرقام المدونة عليه بمعارف العجوز، و تعلمهم بنبأ رحيلها عن العالم! لم تمسك السماء طوال الطريق غيثها، استمرت الأمطار تغسل السيارة و الدموع تغسلُ وجنتي ماريغولد، حتى بلغا كينغلاند. ترجلت منها غير شاعرة بشيء، كأن الرياح التي اشتدت أكثر بعد الظهر هي من كانت تحملها إلى داخل البيت! وجدت في رفقة لِيو بعض السلوى، و استغرب هارولان رفضها للإجازة التي اقترحها، إذ بعدما فرغت من إعلام الجميع بوفاة إيريكا، و تحديد يوم الغد يوما خاصًّا بإقامة شعائر جنازتها! انطلقت دون تضييع وقت لإنهاء ما بدأت بزراعته حول بيت مكتب هارولان، وقف هناك خلف زجاج نافذته يراقبها بحيرة، ليكتشف أنها تشبهه، تحارب أوجاعها بدفن نفسها تحت أطلال العمل!
+
رحيل روح تعودت على وجودها أصعب ألم على الإطلاق، أن يتلاشى ذلك الوجه نهائيا، و يضمحل ذلك الصوت دون رجعة كما تضمحل رغوة زبد البحر... شيء لا يحتمل، أن تتجول في بيته و تجلس في مكانه المفضل و تتنفس عطره دون أن تجده... هو أفظع وجع يمكن أن يعتصر قلبك! هكذا كانت تشعر ماريغولد و هي تقفُ في الجنازة وسط أولئك الناس جامدة، مخطوفة اللون، في ثوبها الأسود، تُحاول تقبُّل عدم رؤية إيريكا لوريل مرَّةً أخرى! و رافقها إلى «ويندي هاربور» هذه المرَّة هارولان و لِيو الذي ألحَّ على عدمِ تركها دون مساندة معنوية، فكان يضغطُ على يدها كل حين، و يسألها:
+
"هل أنتِ على ما يُرام صديقتي؟".
+
لتبتسم له ماريغولد بعياء و تهزَّ رأسها بالموافقة، دون أن تشعر أنها كذلك فعلا، تمنت لو أن والدها كان هناك، لتفضي له ما بجعبتها من لوعات! فلا هي قادرة على تجاوز صمت هارولان و الشكوى له، و لا هي تسخى بقلب طفل صغير لن يتحمل سماع شكوى الناضجين و آلامهم! و كان هارولان من مكانه في الزاوية التي وقف بها يلاحظ كل ما يطرأ على وجهها، صحيحٌ أنها تصبحُ كتومة حين تريد، لكنها تمتلكُ وجها شفافا يفضح مشاعرها و أفكارها. لمح رجلاً طويلاً نحيل الجسد معقوف الأنف ليس به أي أثرٍ للشرف كمن كانوا حوله يدنو من ماريغولد، و يدخل على الفور في حوارٍ غير مسموع معها، صرف هارولان أسنانه، و أظلمت عيناه و ضاقتا، ثم كشَّرتا عن لمعة غضبٍ مخيفة، أجابت ماريغولد سؤال الرجل بلطف:
3
"أجل! أنا هي جارتُها".
+
"و أنا الدكتور جاكسون سواغر، هل تذكرينني؟ زرتها قبل أشهر!".
+
حاولت ماريغولد أن تبذل جهدها لتتذكره، لكنها عجزت، عجيب! لم تره قطعا من قبل! لماذا يصرُّ أنها تعرفه؟ على كلٍّ... اسمه القريب من اسم جاك والدها أيقظ مزيدا من أشجانها، و جعلها تصافحه شاردة! و عندما سحبت يدها ألفت هارولان قد انضمَّ إليهما، و عيناه الحادَّتان المتوجتان بحاجبين أسودين معقودين لا تفارقان يد الرجل التي كانت للتو تمسكها، تأرجح جاكسون ببصره بين ماريغولد و الرجل الغريب، و اتباعا للآداب الإجتماعية العامة... ألفى نفسه مرغما على مصافحته كذلك، أفرج عن يده من خناق جيب بنطاله الكلاسيكي الرمادي، و قدمها باتجاه هارولان و هو يردد بتحذلق:
+
"الدكتور سواغر!".
+
التوت شفتا هارولان باشمئزاز، و التقط اليد الممدودة ليحيطها بقبضة خشنة، ثم راح يهزُّها بعنف و يعتصرها بقسوة قائلا من بين شفاه مشدودة:
+
"هارولان كينغ!".
+
امتقع وجه جاكسون، و تلوَّى من ألم المصافحة الغريبة، كما سبب له الاسم الذي سمعه صدمة قد ترافقه لأيام، ليتمتم بتلعثم:
+
"السـ... السيد كينغ... نفسه... مالك قطعان «بلاك ريدج»؟ إنه... إنه لشرفٌ عظيم!".
+
لم تخف حدة نظرات راعي البقر نحو الطبيب الذي يظهر عليه المجون مع النساء بجلاء، و لم يكن لينفع ذلك الإطراء الذي نطق به هذا الأخير مع أمثال هارولان كينغ، لأنه يعرف طينة هؤلاء جيدا، و يزدريهم بشدة، ثم إن الأمر لا يتعلق بأي امرأة، إنها هي! كيف...؟ كيف يلمسُ يدها هذا الحقير صاحب العينينِ المارقتين؟ لم يفلت هارولان يد الرجل حتى سمع ماريغولد تقول:
2
"السيد كينغ ربُّ عملي، أعملُ في مزرعته حاليا!".
+
و أوشكت أن تضيف بعض التفاصيل، لولا دخول جارتها صاحبة البيت الغربي الثالث كلوي كولمان لتوزع القهوة على الحضور، و كانت كلوي فتاةً في أواسط العشرينات، شقراء الشعر، تعمل مساعدة لدى كاتبٍ غريب الأطوار يُدعى «ديريك فليتشر»، انتقلت للعيش على هذا الشاطئ قبل انتقال المفتش أوليفر هاغان بسنتين، و ربطتها بماريغولد علاقة وطيدة! و لم تكد تستوعبُ رحيل جاك والد صديقتها، حتى فجعها رحيل العجوز الدافئة إيريكا!
+
انفردت بها للحظات عندما بدأ الجميع يستعد للمغادرة، فسألتها بقلق:
+
"هل أنتِ بخير في تلك المزرعة حقا حبيبتي؟ لا يبدو كينغ هذا رب عمل لطيف".
+
"أجل! كينغلاند مكان جميل جدا، الحياة هناك... مختلفة عنها بأي مكان آخر! و السيد كينغ إنسانٌ بكل معنى للكلمة! هو فقط...".
+
بحثت ماريغولد عن كلمة مناسبة تصف بها نوبات غضب هارولان، لكن كلوي تجاوزت ذلك، و تابعت تساؤلاتها الحائرة بوجه عابس:
+
"ماذا عن أوليفر؟ لماذا لم يأتِ إلى الجنازة؟ كانت إيريكا تمجده حبا! آه بئسا لي! ضغط العمل مع ديريك المجنون يجعلني أنسى الكثير! قلتِ منذ قليل أنكِ فسختِ الخطبة بنفسك، و لكن... كان لزاما أن يأتي! إنها إيريكا...".
+
لم تستطع ماريغولد أن تجيب على كل ذلك دفعة واحدة، و كان لِيو يسحبها ليغادرا كذلك نحو سيارة خاله، فتمتمت متضايقة من سيرة أوليفر:
+
"لعله لم يعرف بعد بوفاتها، فلم أجد رقمه مسجلا على دفتر ملاحظاتها، و بخصوص ما تبقى... سأزوركِ يوما ما و نتناول تفاصيلاً كما اعتدنا دائما!".
+
لوحت لها كلوي ضاحكة من بين دموعها:
+
"مؤكدٌ سنفعلُ عزيزتي! اعتني بنفسك".
+
بوصولهم إلى المزرعة، كان الليل قد حل، و الرياح اهتاجت و علا صفيرها يتردد بين الأشجار، لاحظ هارولان أن لِيو قد استسلم للنوم على المقاعد الخلفية للسيارة، فتولى حمله بدلا من ماريغولد، و قال لها آمرا:
+
"سأهتم أنا به، يمكنكِ أن تقصدي غرفتكِ و تنالي قسطا من الراحة!".
+
ألا يكفي؟ ألا يكفي أنه أوقف أعماله اليوم و شغل نفسه بجنازة سيدة غريبة عنه، و تحمل صداع سببته له أسئلة بعض الحشريين الذين قابلهم في بيت لوريل؟ بل إنه أنفق من ماله الخاص على تكاليف دفنها بشكل مرموق! و رفض رفضا قاطعا أن تمس المبلغ الذي كان مخصصا لسماعات إيريكا!
عانت ماريغولد من الاختناق في غرفتها، و رغم أنها وقفت في الشرفة طويلا مراقبة سقوط الأمطار القوي، معانقة الرياح العاتية، إلا أنها لا زالت تختنق!
3
"ماذا تفعلين عندكِ؟".
+
التفتت لتجد هارولان واقفا وسط الغرفة يأكل وجهه الانزعاج، قبل أن يأمرها كما لو أنها ابنته الطائشة:
5
"ابتعدي عن المطر! تعالي إلى هنا!".
+
تقدمت نحوه، فأدرك أن سقيفة الشرفة حمتها من الابتلال الكامل، ليواصل كلامه بتجهم:
+
"ألا تبالين بصحتك؟".
+
"لا أعرف! احتجتُ فقط أن أتنفس!".
+
هزَّته عبارتها، و تساءل تُرى... إلى أي حد هي جريحة الأعماق؟ ليخاطبها بشكل أكثر هدوءً:
+
"هل تريدين أن تقولي شيئا؟".
+
لمعت عيناها، فأشاحت بسرعة عنه، لكنه أمسك بساعدها قبل أن تبتعد، و تابع متمتما:
+
"لقد رأيتُ ذلك!".
+
أردفت مخفضة رأسها:
+
"ماذا؟".
+
اقترب و همس:
+
"دموعكِ!".
12
شعر بارتجاف ساعدها في قبضته، و لم تكن رجفة برد أو خوف، إنما رجفة ألم! رفعت إليه عينيها اللتين فاضتا بالدموع الحبيسة، و جاشت عواطفها فجأة، و كان وجوده أمامها في هذه اللحظة أشبه بخيط النجاة من آلامها، انفجرت باكية و ارتمت بين أحضانه تشده إليها بقوة، و من شدة طوله، ارتفعت عن الأرض و تدلت قدماها متأرجحتين في الهواء، انتفض صدرها، و بلغت شهقاتها السماء، لم يُفِق هارولان إلا و هو يحرِّكُ ذراعيه كاسرًا عنهما تعويذة الجمود، و يضغط بهما على ظهرها، تعانقت أصابعه مع خصلات شعرها، و تمرَّغت شفتاهُ بقلادتها، و صرخ صوتٌ في رأسه: «ألا ظلِّي هكذا بين يدي طويلاً! و لا تدعي عطركِ يغادرني!».
24
طال بهما الحُضن، و شعر كلٌّ منهما أن النجوم تسقطُ بدل المطر، و السُّحبَ تغلف الجدران حولهما، و الملائكة تدور فوقهما! لم تفلته، و لم يضعها أرضا، حتى شعرا أن قلبه قلبها و قلبها قلبه! و أن مواقع النجوم تغيرت، و الشرق و الغرب اختلفا، و لم يعد شروق الشمس ضروريا، و لم يعد الليل حالكا، و لا العاصفة مقلقة، و حتى الألم.. لم يعد يستعمرُ شيئا هنا! فها هو هارولان يطوقها بذراعيه القويتين... كأنه يحرسها من سهام الآلام التي تهاجمها بلا رحمة!
8
أحسَّ بجسدها يرتخي، فانحنى قليلا، و أنزلها إلى الأرض بهدوء، لترتب شعرها خجِلة، و تغمغم شاكرة:
+
"أنا ممتنَّةٌ لوجودك، أشعرُ أنني نفَّستُ عن حزني! و أنني أفضل الآن!".
+
ابتسمت له، و تمنَّت أن تلمح ابتسامته و لو لمرة واحدة، لكنه لم يفعل، بل حرَّك رأسه في بطء مستحسنا قولها، و لم تصدق ماريغولد ما نطق به و هو يبتعدُ عنها بصعوبة بالغة منسحبا من الغرفة:
+
"أنا موجودٌ دائما!".
17
بعد منتصف الليل، عبثت الرياح بأشجار الغابات كيفما ابتغت، و رقصت الأمطار فوقها بشماتة، لينقطع لاحقا التيار الكهربائي آخذا معه كل نور في المزرعة، كانت ماريغولد تحلم في نومها بتفاصيل الحضن الذي جمعها بهارولان، أفاقت لاهثة يلفها العرق، سعلت قليلا، و جف حلقها، و رأت أنها بحاجة إلى كوب ماء، اتجهت إلى المطبخ وسط الظلام الدامس، تسيرُ ببطء، و تلامس بيديها الجدران و درابزين الدرج، حتى بلغت المطبخ، و على عتبته لمست بدل مقبض الباب يدًا خشنة، كادت تطلق صرختها، لولا تلك اليد التي أطبقت على فمها، و الذراع التي سحبتها إلى صدرٍ عارٍ كسته شعيرات طفيفة، لتهمس لها شفاه ما:
+
"صه، هذا أنا!".
6
استكانت، فتركها، و آنذاك ومض البرقُ بشدة في الخارج، مرسلا نوره المرتعش عبر نوافذ المطبخ، فظهر وجهه جليا لها، إنه هارولان! أفسح لها المجال للمرور، و لما تعذر عليها إيجادُ طريقها بسبب العتمة، بحث عن يدها حتى تعثر بها، و قادها إلى الطاولة حيث كان يجلس منذ قليل، أشعل شمعة و وضعها بينهما على الطاولة، لتكتشف ماريغولد أنه كان يحتسي قهوة، و كان إلى جانب فنجان القهوة الفارغ كوبا شفافا من الزجاج المبلور اللامع، و قد انكسر على أوجهه الثمانية ضوء الشمعة المتمايل فجعل الماء بداخله يبدو ذهبيا! حدق فيها مليا ثم تكاسل على مقعده، و قال بنبرة تشبه السُّخرية:
+
"لا تخشي الظلام! لن تهاجمَ الوحوش كينغلاند! فهنا الحراسة مشددة، و الكلاب الشرسة مدرَّبة جيدا، أقفالُ الأبواب مؤمنة، إضافة إلى كاميرات المراقبة".
3
نظرت إليه بدهشة، حاولت كتم ضحكتها لكنها فشلت، سألها عن سبب الضحك، فأجابت مستعيدة أنفاسها:
+
"سيد كينغ، أنا لا أخشى الظلام، ليس و أنا ناضجة طبعا، نزلتُ فقط لأتخلص من جفاف حلقي".
2
التقطت كوب الماء، و ازدردته دفعة واحدة، غير عابئة إن كان ذلك الكوب يخصه، لكن مذاق الماء كان لاذعًا بشكل جعلها تنتفض مفلتة الكوب الذي دار على حواف قاعدته فوق الطاولة، حتى أوقفه هارولان، تجمدت ماريغولد مدركةً ما الذي احتسته للتو، لكنها لم تكترث لكونها من القلة الذين لا يشربون الكحول، و لا تتجاوز تجربتهم رشفة أو اثنتين خلال المناسبات السنوية أو الزيجات، رفعت حاجبيها، و تابعت قولها بثقة:
13
"أتتصوَّرُ أن هذه الأشياء التي ذكرتها هي التي تشيعُ الأمان؟ أتظن أنني أطمئن لهذه الرفاهية التي توفرها هنا؟ حسنا ربما تطمئن أنت! لكن أنا فأماني مختلف، الأمان بالنسبة لي هذه الجلسة مثلا! في ليالٍ مشابهة كان أبي يطمئنني بأشياء أكثر دفئا، يجلسُ قريبا جدا مني، بيننا شمعة كهذه، يمسكُ يدي، و يردد في أذني أنه موجود من أجلي! لم تكن لديه كلاب شرسة... و لا حراس... و لا أقفال مؤمنة أو كاميرات! بدلا من ذلك كان لديه جروٌ لطيف، و بابٌ خشبي مهترئ، و عينان منهكتان تتوليان السهر و المراقبة! كان أبي يملك الرفاهية الحقة... الحب!".
+
لم يردف هارولان بكلمة، و كانت الشمعة قد بدأت طريقها إلى الذوبان و قصرت قامتها، فتركت ماريغولد المطبخ، و قد أخذ رأسها يدور، و خشيت أن يؤثر بها المشروب و تقول ما لا تُحمدُ عقباه! و كان نومها هذه المرة خاليا من الأحلام، فيما أمضى هارولان ما تبقى من ليلته، يقلب كلماتها داخل رأسه و يزنها كل حين بمكيال!
26
تبددت السحب مع أنفاس النهار الأولى، و وجدت الشمس الفرصة سانحة لتستعيد هيمنتها، و تفرض سلطانها مجددا، أخذ الرعاة يصفعون أرداف الأبقار و الثيران برفق ليدفعوها نحو المراعي، فيما أغدق هارولان مارده الأسود بالعناية هذا الصباح، مشط خصلاته السوداء المجعدة، و نظف بالمنكاش(١) حدوات حوافره جيدا، قبل أن يطعمه، و يمضي ليفعل ذات الشيء مع الحصان البري الأبيض، و كان مع الثاني أكثر رفقا و عناية، حتى يكسب وده بسرعة، و يقيم معه صداقة جيدة تسمح له بركوبه في المرة القادمة لمدة أطول... و بدون صعوبات!
+
__________________________________
(١) المنكاش: أداة تُنظفُ بها حدوة حافر الحصان، تزيل العوالق بحواف الحدوة من تراب و حصى و فضلات.
__________________________________
2
أنهت ماريغولد محاضرتها للطفل حول طريقة تقليم الورود ذات الأغصان الفوضوية الطويلة، لتعطي الحدائق منظر بهيا و منسقا، ثم انتقلت إلى ريِّ شجرة ياسمين صغيرة، و هي تحدثه عن عطرها الأخَّاذ، و بتلاتها البيضاء الرشيقة، فجأة سقط شيء ما من السماء، فكسر باندفاعه القوي غصنا من شجرة الصنوبر الصغيرة، لاحظا أن هناك شيئا يتخبط أسفلها، و ما إن اقتربا على مهل، حتى عثرا على طائر جريح، حملته ماريغولد برقة شديدة، و في تلك اللحظة كان السيد لي قد وصل إليهما حاملا بعض الشطائر و العصير المنعش، أراح يديه من الصينية بأن وضعها فوق صندوق أدوية النباتات، و تناول عنها الطائر متفقدا إصابته، ليعلن بخبرة:
+
"لا بدَّ أنه نجا من معركة مع طائر آخر شرس!".
+
طمأنها بأنه سيتولى علاجه بنفسه، لأنه معتاد على ذلك، و استطرد مبتسما و هو يتأمل الغصن المكسور:
"من السهل إعادة إصلاح ذلك الغصن، لكن الصعب هو لمس جرح أحدهم... و لو بنيَّة علاجه!".
4
غادر السيد لي بالطائر، يداعب ريشه في حنان، و طفقت ماريغولد تؤكد للطفل العابس أن شجرة الصنوبر الصغيرة التي كان ينوي تزيينها معها ليلة رأس السنة ستكون بخير!
+
"لا تحزن يا عزيزي، هذا الخيط كفيلٌ بتقويم الغصن، ٱنظر!".
+
مضت ترفع الغصن و تشده إلى غصن آخر بواسطة الخيط المعقود بينهما، حتى استعاد وجه لِيو اشراقته، جلسا على العشب الندي ليلتقطا أنفاسهما، تناولا الشطائر و ازدردا العصير بنهم، و على حين غرة تذكرت ماريغولد الثور الجريح، تُرى هل اهتمَّ به هارولان أو البيطري، أرسلت لِيو بعد لحظات إلى غرفته، خلعت عنها مرولة العمل، مبقية القبعة على رأسها، و اتجهت نحو الحضائر و في يدها صندوق الإسعافات التي وجدته في خزانة المطبخ، ذلك الثور مجرد حيوان متألم، و ذلك الألم هو الذي يجعله متوحشا! ربما ليس بحاجة إلا ليد حنون تعطف عليه و تضع حدا لألمه، إنها تعلم أن هذا هو الجنون بعينه، لكنها مصرة على المحاولة!
1
لمحها حارس الحضائر تقترب، فبادرها بسؤاله:
+
"ما الأمر آنستي؟ هل تبحثين عن المعلم؟".
+
"بل أبحث عن الثور الذي جن جنونه سابقا، في أي حضيرة هو؟".
+
صُعِقَ الحارس، و ارتدَّ رأسه إلى الخلف، ثم تلعثم في إجابته:
+
"إنه خطير آنستي! لا يُسمَحُ لأحدٍ بدخول حضيرته الخاصة غير المعلم".
6
أردفت ماريغولد بعناد:
+
"لا أهتمُّ لأي قواعد، لن أضيع المزيد من الوقت، إما أن تخبرني في أي حضيرة هو، أو سأجده بنفسي!".
2
ابتلع الحارس ريقه، و خسر أمامها، ليشير بسبابتها نحو إحدى الحضائر القصيَّة مغمغما بقلق:
+
"هناك، آخر حضيرة على اليمين".
+
نفض هارولان يديه، و استرد أنفاسه، بعدما نجح في ترويض ثورين قويين، و عاد بهما إلى حضيرتهما الخاصة، أكرمهما بالعلف الذي يحبانه، و حقنهما بالأدوية التي أوصى بها الدكتور أوكلي -و كما أشار، ثم تركهما يضطجعان في دعة و سلام، و أثناء مروره إلى جانب حضيرة الثور «أوسو»، تذكر أن لا أحد يحب الاعتناء به مؤخرا، جراء نوبات الغضب التي باتت تنتابه بكثرة في الآونة الأخيرة، و لهذا أصبح سائسُ القطعان يفضل إبقاءه مقيدا في حضيرته، و هذا ما يفسر هروبه و توقه للحرية ذلك اليوم! تنهد و دفع البوابة، ليطمئن كيف أصبح التهاب عنقه اليوم، و تسمر مكانه حين وقع بصره على الفتاة الجالسة أمام الثور تداعبه و تطعمه، و الواضح من صندوق الإسعافات أنها كانت تعتني شخصيا بعنق الثور الذي كاد يقتلها! بدأ الغضب يتجمع داخل مقلتيه، فكر في توقيع العقاب فورا، لكنه ما إن اقترب منها... و لاحظت هي حضوره... و استقامت تنظر إليه شاعرة بذنبها، حتى استعاد تفاصيل ليلة أمس، و شعر بها من جديد بين ذراعيه، و بشعرها يتخلل أصابعه، و بعينيها تبصرانه من خلف شمعة! حدَّقَ فيها بحدة، كأنه يدينها بنظراته قائلا: «لماذا عليكِ أن تكوني عنيدة و لطيفة إلى هذا الحد؟ لِمَ يسقطُ غضبي و يذوب عند قدميكِ فيغدو سرابًا؟».
43
دنا منها، ثم انحنى أمام الثور، و راح يمشط جلده متمتما:
+
"كيف حالكَ اليوم أوسو؟".
+
ظنت حديثه مع الحيوان دونها يعني قمة استيائه، فأجبرت نفسها على الرحيل، و حذرتها كبرياؤها من أن تذهب إليه ثانية، لكن مساءً... لان قلبها عندما سمعت السيد لي يقول لهانا بأن السيد كينغ سيتناول العشاء بمفرده في مكتبه، لماذا يبدو جميلا و دافئا ثم يقرر أن يتقوقع من جديد؟ إن كان يفعل هذا غضبا منها، فعليها أن تواجهه و تحدثه إذن بهذا الشأن، جلس لِيو حزبنا إلى طاولة العشاء، و علمت ماريغولد أن ساري تسوء حالها، و بسبب الكآبة التي سيطرت على أجواء البيت، انتابها صداع رهيب أخذ ينبض بقسوة في صدغيها، و ألفت نفسها خلال السهرة تشاركُ السيد لي جلسة هادئة في المطبخ تنشد من خلالها ترتيبا لفوضى أفكارها، تبادلا حديثا عاما، ثم تشجعت و سألته باهتمام بينما كان يحلُّ أحجية عجز عنها لِيو:
+
"هل كان السيد كينغ هكذا دائما مثل الصندوق الأسود؟ أعني... لماذا هو حالكٌ و سوداوي الغضب؟ لماذا يكنُّ العداء للورود؟".
+
ترك الخادم فاصلا من الصمت يمضي، فكر مليا في سؤالها، ثم ردَّ بغموض:
+
"لقد قطعتُ وعدًا كي لا أفتح ملف الماضي ثانية، لكني سأقول لكِ أمرًا قد يساعدكِ، لا تتخلي عن طريقٍ إن كنتِ متعلقة به، إتبعي الإشارات التي يقدمها لكِ هذا الطريق، و اجمعيها لتجدي الصورة الكاملة".
+
أضاف آخر قطعة في الأحجية، ثم وقف و فتح خزانة الفناجين الخزفية، و باشر إعداد القهوة الخاصة، و هو يستطردُ بابتسامة مشجعة:
+
"إن عثرتِ على صندوقٍ مغلق فلا يمكنكِ أن تكوني مالكته إلا إذا فتحته و ملكتِ ما بداخله، إذا كنتِ تريدين إنهاء ظلام هذا الصندوق المنغلق على نفسه، جدي مفتاحه، فكل الصناديق -و حتى السوداء منها لها مفاتيحها، و لكن قبل ذلك، يجب أن تقبلي بما ستجدينه داخل ذلك الظلام!".
1
رغم غموض كلمات السيد لي، لكنها كانت مريحة لماريغولد، سلمها فنجانين من القهوة، و أرسلها إلى مكتب هارولان مثل تلك الليلة، لتقف مجددا على بابه، تطرقه بخفة، تنفس هارولان بطريقة منهكة، بات الآن يميز الطريقة التي تطرق بها الباب، لا ريب أنها هي، ماذا تريد الآن؟ أدارت المقبض و دخلت، لتجده خلف طاولة مكتبه يطالع الفراغ، انجذبت نظراته تلقائيا إليها، تأمل جسدها الممشوق، ثم تسلقه بعينيه صوب شعرها المتهادي حول وجهها، شعرت ماريغولد أنها ستسمع كلمات حادة، رأت هالات التعب حول محجري عينيه، و سارعت إلى القول واضعة الصينية أمامه، فأحيت تلك الحركة مشاهد عدة في ذاكرته:
2
"اليوم فكَّرت فيكَ كصندوق بلا مفتاح، لكن... خطر لي أن المفتاح يمكن أن يكون دردشة مع القهوة!".
1
كان هارولان مدركا أن القهوة باتت شيئا رمزيا و خاصا بينهما، لكنه كان مشدود الأعصاب و مرهقا حتى النخاع، و لم يشأ أن يخرج عن سيطرته فيؤذيها عن غير قصد كما فعل سابقا، ثم إنه لا يزال مستاءً من عنادها، و كسرها لكلمته بذهابها إلى الحضائر دون علمه! قال بلهجة محذرة يغالبها النعاس:
+
"لعلَّ ما في الصندوق بعيدٌ تماما عن تصوراتك، و لن يروق لك!".
+
تنهدت مردفة:
+
"توقعتُ منك جوابا مراوغا كهذا، حسنا، سأقول ما أريد بشكل مغاير، ما رأيكَ يا سيد كينغ لو تسدي خدمة لبستانية تعاني صداعا، و بحاجة إلى رفيق يشاركها القهوة؟!".
+
ضيَّقَ عينيه متسائلا:
+
"لماذا؟ ألم تجدي في السيد لي رفيقا يفي بالغرض، في حكمته دواء للوحدة و الصداع!".
+
ذهلت ماريغولد، و سألته بدورها جاحظة العينين:
+
"كيف تعرفُ أنني كنتُ برفقته؟".
+
أجابها بدهاء:
+
"لأنه الوحيد الذي يملكُ مفتاح خزانة الفناجين الخزفية!".
1
ابتسمت بمرح معلقة:
+
"هذا يذهلني! أنت دقيق الملاحظة!".
+
"و أنتِ...".
+
توقف عن المواصلة، فحثته قائلة:
+
"أنا ماذا؟".
+
"أنتِ أعندُ شخص قابلته!".
+
زفرت مستسلمة، و وقفت ملتقطة الصينية، لتقول بابتسامة مكسورة:
+
"الحق معك! و هذا يجعلني رفيقة سيئة لرجل أمضى اليوم بطوله في ترويض الثيران!".
+
"ضعي الصينية مكانها... و اجلسي!".
+
تفرست فيه ذاهلة، و غمغمت:
+
"أتقصد...؟!".
+
قاطعها ملتقطا فنجانه:
+
"القهوة المُرَّة تصبح عُلقما إذا فقدت حرارتها!".
1
"و الآن كيف تعرف أنها مُرَّة؟".
+
ارتشف القليل و تمتم:
+
"المهم أنني أعرف!".
+
تناولت قهوتها بتلذذ، و أردفت بلهجة شقية:
+
"لا بأس! حتى إن كان كل ستقوله ألغازا لا مانع لدي!".
+
حملق فيها بنظر ضيق، و عقب ممططا كلماته:
+
"ستبقين عنيدة و صبيانية على ما أظن!".
+
"و أنت... هل ستبقى صندوقا مغلقا إلى الأبد؟".
+
جاء ردُّه هازئا:
+
"قلتِ أنني صندوق بلا مفتاح!".
+
هزَّت رأسها بإصرار معقبة:
+
"أثق بوجود المفتاح!".
+
"في القهوة؟ أهذا ما تؤمنين به؟".
+
ابتسمت بهدوء و هي تغوص بنظراتها إلى كوامن عينيه:
+
"القهوة ليست سوى سببا للبحث عن الرفقة، و قد تكون الرفقة هي المفتاح المنشود".
+
"و قد يكون ذهابكِ إلى فراشكِ أنسبَ حل لمشكلتكِ!".
20
خيم العبوس على ملامحها لثوانٍ، غير أنها أردفت بثبات:
+
"لا أظن أن الباحث عن الرفقة في مشكلة؛ بل رافضها!".
+
لوَّح بيده مهددا:
+
"روَّضتُ اليوم ما يكفيني! أتودِّين أن تكوني الختام؟".
12
كان منهار الجسد، لكنه تابع قوله يتوعدها:
+
"لا زلتُ في قمة نشاطي، و سيسرني ترويض لسانكِ!".
20
"تقصدُ معاقبة لساني!".
3
"تماما!".
+
"و ما هي خطيئة لساني؟ التصويب الدقيق؟".
+
سألته بتحدٍ، فرفع حاجبيه منذرًا:
+
"احذري... أنتِ تدوسين أرضا غير آمنة!".
+
"أتعرف؟ أعتقد أنك محق!".
+
تركت مجلسها، و أضافت قبل أن تغادر:
+
"لقد نلتَ كفايتك اليوم، و أنا كذلك، لا بأس بهذا الحديث القصير، سأنام بعمق الآن، خاصة و أنا على يقين بأنني سأجدُ ما أبحث عنه... حتى في أرض غير آمنة!".
+
ظل هارولان لساعة أخرى يجترُّ كلماتها، ثم تخلى عن سهره، و غادر مكتبه باتجاه البيت، تسلق الدرج، و ألقى نظرة على لِيو، ليجده مستسلما لغطيطه و أحلامه البريئة، ثم مرَّ بغرفتها، و وقف أمام بابها مطولا، تقدم و تراجع عدة مرات، رغب بإلقاء نظرة عليها أيضا، ثم ألغى الفكرة متحركا باتجاه غرفته، ليعود مجددا مصمما على الوقوف في وجه نفسه، أدار المقبض، و دخل بهدوء، و اصطدم بأجمل منظر يمكن أن يراه الرجل، منظر امرأة نائمة! امرأة تفيض أنوثة و محبة! امرأة تشبه مرارة البن و عذوبة المياه! حين اقترب من السرير متلهفا لرؤيتها عن كثب، لاحظ لمعان خصلاتها الجميلة، التقط خصلة بين أصابعه، فأدرك متعصبا أنها استحمت منذ وقت قصير، و ها هي ذي تنام بشعرها المبلل، و بالقرب منها شرفةٌ مفتوحة على مصراعيها تتسرب منها برودة الليل المهلكة! تحرك بسرعة موصدا باب الشرفة، و هو يتمتم من بين أسنانه المتراصَّة:
«عظيم! بطلة العالم في إهمال نفسها!».
ليغادر أخيرا الغرفة، بعدما ألقى آخر نظرة على ملامحها الغافية، و عنقها الممشوقة، و جسدها الغارق بين طيات الملاءات كأنها... باقة ورد!
42
نهاية الفصل الثاني و العشرين.
+
