رواية في قبضة العاصم الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم سيليا البحيري
في مكان آخر
كان الليل يهبط ببطء فوق جبال الألب، والثلج يتساقط بخفة على نوافذ المبنى الأبيض المنعزل. المكان ليس مشفى، لكنه أقرب إلى مركز طبي خاص، مخفيّ، لا يدخله إلا القليل.
داخل غرفة كبيرة ذات جدران خشبية دافئة، يستلقي الشاب على سرير طبي مجهز بأحدث الأجهزة… ملامحه الوسيمة تبدو كأنها تنتظر أن تستيقظ لتكمل جملة كان يقولها قبل ثلاث سنوات.
+
مراقب نبض القلب يصدر صوتًا خفيفًا، منتظمًا، لكنه في الأيام الأخيرة أصبح… أعلى قليلًا، أسرع قليلًا.
علامة لا تخطئها إليانا مورو.
+
دخلت إليانا الغرفة بخطوات هادئة، تحمل ملفاً طبياً بين يديها. شعرها الأشقر مربوط، وملابسها الطبية خضراء، لكن على وجهها تلك الملامح التي يعرفها كل العاملين هنا: القلق… والاهتمام.
+
توقفت بجانب السرير، وراقبت وجهه للحظات طويلة.
+
إليانا (بهمس ناعم، وهي تلمس جبينه بحذر):
"أتعرف… ثلاث سنوات، وأنا ما زلت لا أُصدّق أنك ما زلت تقاتل. جسدك كان يستسلم، ثم يعود… وكأن شيئاً في داخلك يرفض الرحيل."
+
رفعت جهازًا صغيرًا، فحصت به عينيه المغلقتين.
+
إليانا:
"وآخر أسبوع… هذا ليس عادياً. هناك إشارات كهربائية جديدة في دماغك. نشاط… لم يظهر منذ الحادث."
ابتسمت لنفسها بخفة:
"هل ستفتح عينيك أخيراً؟"
+
وضعت الملف جانبًا وجلست على الكرسي قربه. مدّت يدها بهدوء، وأمسكت يده بين يديها.
ترددت لحظة… لكنها تركتها هناك.
+
إليانا (بصوت منخفض وصادق):
"أعلم أن الطبيب لا يجب أن يتعلّق بمريضه، لكن… أنت لست مريضًا عادياً. لا أحد يعرف قصتك الحقيقية، ولا من أتى بك هنا، ولا لماذا تم نقلك إلى مركز خاص بعيد عن العالم… ولا لماذا دُفعت تكاليفك بالكامل مقدّمًا."
تنهدت:
"لكنني كنت هنا… كل يوم. أنت لا تعرف اسمي حتى…"
+
سكتت فجأة.
+
صدر من جهاز القلب صوت مختلف… نبض أسرع.
+
إليانا وقفت فورًا.
+
إليانا:
"مستحيل… هل…؟"
+
توجهت للشاشة، أصابعها ترتجف. إشارات الدماغ ارتفعت. حركة صغيرة جدًا—لا تُرى تقريبًا—ظهرت على أحد أصابعه.
+
إليانا (بصوت مخنوق):
"لقد… تحركت…"
+
اقتربت أكثر، ركعت قرب السرير، ووضعت يدها فوق يده.
+
إليانا:
"إذا كنت تسمعني… فقط حاول مرة أخرى."
+
لحظة صمت طويلة.
+
ثم…
ارتجف جفناه ارتجافة خفيفة.
+
وضعت إليانا يدها على فمها من الصدمة، ثم بدأت تبتسم بدموع خفيفة.
+
إليانا:
"مرحبا… عدت أخيراً؟"
+
النبض يرتفع أكثر.
جفناه تتحركان…
ثم—ببطء شديد—تفتح عيناه للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات.
+
أول شيء رآه… كان وجه إليانا، بعينيها الزرقاوين اللامعتين، وقلبها الذي يخفق أسرع من أي جهاز في الغرفة.
+
**********************
+
عندما انفتحت عيناه أخيراً، كانت الرؤية مشوشة، ضبابية، كأن العالم يغرق في ضوء أبيض.
+
حدق في السقف أولاً… ثم تحركت عيناه ببطء نحو الوجه الأقرب إليه.
وجه امرأة… لا يعرفها… لكنها تنظر إليه وكأنها تعرف كل شيء عنه.
+
إليانا (بصوت مرتعش بين صدمة وفرح):
"يا إلهي… أنت فعلاً… استيقظت."
+
رفعت يدها لتغطي فمها، ثم اقتربت أكثر، خائفة أن يختفي هذا المشهد إذا رمشت.
+
الشاب (بهمس متحشرج، صوته ضعيف جداً):
"أين… أنا؟"
+
خرجت الكلمات من حلقه بصعوبة وكأنه يتعلم الكلام للمرة الأولى. حاول أن يرفع رأسه، لكن الألم ضرب صدغه بشدة، فأنّ خافتًا.
+
إليانا بسرعة:
"لا، لا تتحرك… رأسك سيؤلمك. هذا طبيعي. ثلاث سنوات… كنت في غيبوبة."
نزعت جهاز الفحص من على الطاولة واقتربت منه، تتفحص عينيه:
"هل تسمعني بوضوح؟"
+
الشاب (يغمض عينيه لحظة، ثم يفتحها ببطء):
"ثلاث… سنوات؟"
+
بدت على وجهه صدمة بلا ملامح واضحة، صدمة شخص لا يفهم ما يحدث له ولا يملك أي خيط يتعلق به.
+
إليانا بابتسامة دافئة رغم ارتباكها:
"نعم… ثلاث سنوات وأنا أراك كل يوم. وكنت أؤمن… أنك ستعود."
تراجعت خطوة كي تتيح له مساحة للتنفس:
"هل تتذكر شيئاً؟ أي شيء؟ اسمك؟ مكان؟ وجه؟ صوت؟"
+
أطال النظر فيها… كأنه يحاول الإمساك بذكرى تهرب منه.
+
أخيراً هز رأسه ببطء.
+
الشاب، بصوت مكسور:
"لا… لا شيء. فراغ… فقط فراغ."
+
شهقت إليانا قليلاً، لكنها سيطرت على نفسها. اقتربت منه من جديد، وضعت يدها على يده برفق، ليست كطبيبة فقط… بل كشخص انتظر هذا اليوم بشغف مؤلم.
+
إليانا بنبرة تطمينية:
"لا تقلق. هذا طبيعي بعد غيبوبة طويلة. ذاكرتك ستعود تدريجياً. لا تضغط على نفسك."
+
أدار عينيه في الغرفة وكأنها عالم غريب، لا ينتمي إليه. ثم قال بصوت خافت، متعب:
+
الشاب:
"لماذا… أنا هنا؟"
+
تجمدت إليانا لحظة. الحقيقة… أنها نفسها لا تعرف كل شيء.
لكنها تعرف أنه ليس مريضاً عادياً، وأن وجوده هنا… قرار اتُخِذ من أشخاص مهمين جداً.
+
إليانا:
"أنت… كنت ضحية حادث خطير. وتم نقلك إلى مركز خاص للعناية بحالتك. هذا كل ما سُمح لي بمعرفته."
+
سكتت، ثم أضافت بابتسامة حنونة:
"لكن الشيء المهم الآن… أنك عدت. وهذا ما يهمني."
+
نظر إليها طويلًا… كأنه يحاول فهم سبب هذا الاهتمام الكبير.
+
الشاب (بهمس ضعيف):
"هل… كنتِ هنا طوال الوقت؟"
+
ابتسمت، ابتسامة صغيرة لكنها صادقة حد الألم.
+
إليانا:
"نعم. كل يوم."
+
فتح فمه ليرد… لكنه شعر بدوار مفاجئ، فأغمض عينيه بقوة، واضعاً يده على رأسه.
+
إليانا بسرعة:
"لا بأس… جسدك سيحتاج وقتاً. سأستدعي الفريق… لكن لن أتركك وحدك."
+
وقفت بجانبه، يدها على كتفه بثبات، وكأنها تقول له دون كلام:
+
لا تقلق… أنت لست وحدك الآن.
+
***********************
+
في مصر
+
الشمس كانت بتغيب، ولونت السما بدرجات برتقاني هادية.
العربية السودة الصغيرة ماشية في طريق فاضي، وهوا المغرب داخل من الشباك اللي مفتوح نص فتحة.
+
ليل قاعدة قدّام جنب السواق… زين.
دراعاتها متشابكة على صدرها، وعينيها مسمّرة في الشباك، ووشّها باين عليه حزن تقيل.
+
في الكنبة اللي ورا، رؤى بتحاول تكسر الصمت وهي بتلف في إزازة مية في إيدها.
+
رؤى (بصوت واطي):
"ليل… ما تسكتيش كده. قولي لنا، بتفكري في إيه دلوقتي؟"
+
ليل ما ردتش على طول.
طلعت نفس طويل، كإنها بتطلع وجع من جواها.
+
زين وهو باصص لها في المراية:
"مش محتاجة تقول… واضح إنها بتفكر في سليم."
ابتسم بخفة:
"وأنا كمان بفكر فيه. الراجل اختفى من السوشيال ميديا… ودي لوحدها مصيبة."
+
ليل ما ابتسمتش.
+
ليل (مسندة راسها على الإزاز):
"زين… سليم مش كده. عمره ما كان ضعيف. عمره ما انهار… حتى أيام الكلية لما كان تايه مع نفسه.
بس دلوقتي…"
قفلت عينيها:
"حاسّة إن الدنيا وقعت على دماغه مرة واحدة."
+
رؤى:
"وما يقعش ليه؟ فجأة يعرف إن أبوه مجرم… قاتل… وخاين… وإن كل حياته كانت كدبة.
لو أنا مكانه كنت انهارت من أول دقيقة."
+
زين:
"بس اسمعوا… سليم مالوش ذنب في غباء أبوه.
ولا ريما ليها ذنب.
دول ناس طيبين، حياتهم كلها كانت مبنية على كدبة هما ما عملوهاش."
+
ليل هزّت راسها موافقة، وصوتها طلع مخنوق:
+
ليل:
"أنا أكتر واحدة عارفة سليم. اتربينا مع بعض…
كان بيعتبر أمي أمه، وأبويا أبوه.
وكان بيتغدى عندنا أكتر ما كان بيتغدى في بيته.
سليم… طيب قوي… وبارد شوية زيادة عن اللزوم، بس قلبه أبيض."
وطّت صوتها:
"وتخيلوا… دلوقتي حاسس إنه ما يستاهلش يعيش وسطنا."
+
زين سكت شوية، وبعدين قال بجدية مش معتادة منه:
+
زين:
"وعشان كده إحنا رايحين له النهارده.
مش زيارة وخلاص…
رايحين نرجّعه للحياة."
ابتسم بثقة:
"وبينّي وبينكم… مافيش حد يقدر يهرب من جناننا. حتى لو حاول."
+
رؤى ضحكت بخفة:
"فعلاً… ربنا يكون في عونه."
+
ليل فضلت سرحانة.
+
رؤى لاحظت، فمالت لقدّام ومسكِت إيد ليل من ورا.
+
رؤى:
"ليل… إنتي بتحبيه؟"
+
ليل رفعت راسها فجأة، متفاجئة:
"هاه؟ مين؟ سليم؟!"
لوّحت بإيدها:
"لا طبعًا! سليم أخويا… أخويا قبل ما يكون صاحبي."
+
زين وهو بيرفع حاجبه:
"دي باينة أصلاً.
ده لو كان في حاجة بينكم، ما كانش يعدّي يوم غير وإنتي متخانقة معاه."
+
رؤى ضحكت:
"صح! ليل لما بتحب حد تتعصب عليه الأول."
+
ليل خبطت الكرسي اللي ورا بإيدها بخفة:
"يا ساتر! بلاش هبل! أنا أصلًا…"
صوتها وطي فجأة:
"أنا مش متظبطة… دماغي مليانة من كل اللي حصل."
تنهدت:
"حاسّة إننا كلنا تعبنا… مش هو بس."
+
زين بصّ لها على جنب، وصوته بقى أهدى:
+
زين:
"بس في فرق…
إحنا تعبنا من أحداث.
هو تعب من أساس حياته."
+
التلاتة سكتوا لحظة…
صمت تقيل، بس مفهوم.
+
بعدين قالت رؤى:
+
رؤى:
"طيب… ناويين نعمل إيه بقى؟
ندخل فجأة ونقول لهم: مفاجأة! جايين نطلّعكم من الاكتئاب؟"
+
زين ابتسم بمكر:
"بالظبط."
وزوّد:
"وبالصوت العالي كمان."
+
ليل هزّت راسها وابتسمت لأول مرة النهارده:
+
ليل:
"لو سليم ما رماكش برّه البيت، يبقى أنا معرفوش."
+
ضحكوا كلهم، والضحك أخيرًا كسر الحزن التقيل.
+
والعربية قربت من بوابة فيلا الشرقاوي، رؤى شهقت:
+
رؤى:
"يا جماعة… النور كله مطفي!
شكلهم نايمين… أو بيعيطوا."
+
زين وقف العربية وقال:
"مش مهم…
النهارده هنطلعهم من الكهف بالعافية."
لفّ وشه لهم:
"جاهزين نرجّع الروح لاتنين مكسورين؟"
+
ليل أخدت نفس عميق.
ابتسامتها بقت أدفى… وأقوى.
+
ليل:
"جاهزين."
**********************
+
كان الطريق شبه فاضي، وضوء المغرب ينساب على وجوههم من زجاج السيارة الأمامي. ليل ظلت ساكتة دقائق… وبعدين التفتت ببطء نحو رؤى، وشرارة مكر طالعة من عينيها.
+
ليل (نبرة بريئة زيادة عن اللزوم):
ـ رؤى… هو سؤال بسيط كده… إنتِ بتحبّي سليم؟
+
رؤى عضّت شفتها، والإحمرار طلع على خدودها فورًا.
+
رؤى (متلعثمة):
ـ أهو… يعني… سليم إيه بس؟! إحنا اتربّينا سوا… زي أخويا.
+
زين (يقهقه وهو يتكئ للأمام بين المقعدين):
ـ أخ إيه يا ستّي؟! ده لو أخوكي كنتِ ما بتتشديش أول ما حد يقول اسمه! أنا شايف الودّ باين في عنيكي من زمان.
+
رؤى (ترفع صوتها دفاعًا):
ـ زين! بطل كلام فاضي!
+
ليل (تغمز لزين):
ـ بصراحة… أنا شايفة إن في حد بيضحك علينا من زمان وبتخبّي مشاعرها زي الطلبة اللي بيدسّوا الواجب تحت المخدة.
+
رؤى (تغطي وجهها بكفيها):
ـ يا ربي… أنتو تنصّلتوا إمتى من الرحمة؟!
+
زين:
ـ من أول ما شفناكِ بتسْتَنْفَرِي لو ريما قالت “سليم تعبان” أو “سليم زعلان”.
+
ليل ضحكت بصوت منخفض، لكن نبرتها رجعت جادة شوية وهي تحط يدها على كتف رؤى.
+
ليل:
ـ خلاص يا رؤى… ومش لازم تكذبي. احنا مش صغيرين… وإحنا عارفين.
بس قولي… بتحبّيه؟
+
رؤى نزلت إيديها ببطء، ونظرت من الشباك، وصوتها بقى أهدى وأصدق.
+
رؤى:
ـ … أيوه.
من زمان.
يمكن من قبل حتى ما أعترف لنفسي.
سليم… مختلف. طيب. حساس. وعمري ما حسيت بالأمان قدّام حد زي ما بحس وأنا بتكلم معاه.
+
زين فتح عينيه بدهشة مسرحية:
+
زين:
ـ بس كتمانا اللي فات ده كله؟! ده أنا لو مكانك كنت صرّخت من أول يوم!
+
رؤى رمته بنظرة حانقة:
+
رؤى:
ـ المشكلة مش فيّ… المشكلة إن الموضوع مستحيل أصلاً.
+
ليل رفعت رأسها بسرعة، وكُحل عينيها انعكس فيه القلق:
+
ليل:
ـ ليه مستحيل؟ مين قال كده؟
+
رؤى تنهّدت بعمق، وصوتها اتكسّر:
+
رؤى:
ـ أبويا… إنتي عارفة الوضع.
مراد كان مجرم… وأبويا هو أول واحد كشفه.
إزاي هيوافق إنّي أرتبط بابنه؟ حتى لو سليم مالوش ذنب.
أنا مش هحط بابا في موقف صعب… ومستحيل أحمّل سليم نظرات الناس ولا مشاكل مالوش يد فيها.
وبعدين… هو أصلاً يستاهل حدّ يقدر يديه كل حاجة… وأنا مش هقدر.
+
ليل نظرت لها طويلاً بطريقة فيها حنان وحزن معًا.
+
ليل:
ـ بس باباكي عمره ما قسّى قلبه على سليم ولا ريما.
هو بيكره ظلم أبوهم… مش هما.
+
رؤى (تهز رأسها بإصرار حزين):
ـ حتى لو… المجتمع مش بيرحم.
وأنا… مش هسمح لنفسي أحبّ حد وأنا عارفة إنها علاقة محكوم عليها بالفشل.
+
زين رفع حاجبيه وغمز ليل.
+
زين:
ـ يعني انتي بتحبيه… وبتعاقبي نفسك على جريمة هو ما ارتكبهاش؟
ده أنتي لو في فيلم هندي، كان البطل جه دلوقتي يرقص على السلالم ويقولك "الحب ينتصر"!
+
رؤى غمزته بخفة رغم الحزن:
+
رؤى:
ـ زين… اسكت بقى.
+
ليل مدت يدها ومسكت يد رؤى:
+
ليل:
ـ اسمعيني…
أوقات… بنفترض أسوأ سيناريو ونعيش عليه، لدرجة إننا بنبني قيود وهمية حوالين نفسنا.
لكن الحقيقة؟
لو ربنا كاتبها… هتحصل.
ولو مش كاتبها… هتختفي حتى لو كانت في إيدِك.
+
رؤى نظرت لها بعينين لامعتين، وابتسامة صغيرة حزينة ارتسمت على وجهها.
+
رؤى:
ـ يا ليت الأمور بسيطة زي كلامك.
+
زين ضرب كفّه في كف ليل:
+
زين:
ـ خلاص… أنا قررت. أول ما ندخل فيلا الشرقاوي… هنوّر الشموع ونحط موسيقى ونعملكم اعتراف رسمي!
+
رؤى (تضربه على ذراعه):
ـ زين!!! والله هنزلك من العربية!
+
ليل انفجرت ضاحكة لأول مرة من الصبح، وزين ضحك معها، بينما رؤى حاولت تبان زعلانة… لكن ابتسامتها فضحتها.
+
وبين المزاح والجدّ…
جو السيارة كله اتبدّل.
الثلاثة رايحين يشيلوا أحزان سليم وريما… لكن واضح إن كل واحد فيهم شايل وجعه الخاص.
+
*************************
في شركة سليم القيصري
كان سليم واقف عند النافذة الواسعة، يراجع ملفّات المشروع الجديد، وملامحه فيها تركيز وهدوء الرجل اللي تعب عشان يوصل. المكتب فخم، بسيط، مرتب—عكس الفوضى اللي بعد ثواني بس هتدخل عليه.
+
طرقات خفيفة… ثم الباب انفتح دون انتظار إذن.
+
دخلت رانيا.
+
كعبها العالي يرنّ على الأرض، عطر قوي يتقدّمها قبل خطواتها. شعرها مصفف بعناية مبالغ فيها، ونظرتها فيها ثقة باطلة… خليط من التملك والغيرة.
+
رانيا (بابتسامة عريضة متصنّعة):
ـ ســليم!
وحشتني يا رجل. بقالك قد إيه هارب مني؟
+
سليم دار عليها ببطء، والضيق واضح في عينيه أول ما شافها.
+
سليم (بنبرة باردة):
ـ رانيا.
إنتي بتعملي إيه هنا من غير موعد؟
+
رانيا تتقدّم بخطوات محسوبة، وتجلس على الكرسي المقابل للمكتب كأنها صاحبة المكان:
ـ يعني لازم موعد؟ بعد سبع سنين صحوبية؟
وبعدين… اشتقت لك. قلت أسلم، أطمن… وأبارك لك كمان.
+
سليم جلس على كرسيه، حافظ مسافة بينه وبينها، وصوته ثابت:
+
سليم:
ـ لو على المباركة… خلاص وصلت. تقدري تمشي.
+
ضحكت رانيا ضحكة لزجة، ومالت للأمام:
+
رانيا:
ـ تمشي؟ ده أنا لسة ببدأ!
أنا شوفتك في ألمانيا… وشوفت "العروسة".
بصراحة… كنت فاكرة أذكى من كده.
تتجوز بنت بسيطة… شكلها طفلة؟!
+
نظرة سليم تحوّلت لحدة مفاجئة، وصوته اتخفض لكنه اتقّل:
+
سليم:
ـ خلي بالك من كلامك.
نيروز مراتي… وأنا مش بسمح لحد يقلّل منها.
+
رانيا ضحكت بخفوت، لكن غيرة مسمومة بتلمع في عينيها.
+
رانيا:
ـ مرّتك؟
يا رجل… وده زواج إيه؟!
سفر، ورقة، اتفاق…
كل ده عارفاه. وأنا واثقة إنك مهما حاولت تغيّر الموضوع… لسه بتحبني.
وإلا كنت ناسي وجودي؟ سبع سنين يا سليم. سبع!
+
سليم (يعقد ذراعيه، ونبرة صريحة تقطع الوهم):
ـ رانيا…
أنا عمري ما حبيتك.
وده مش قسوة… ده حقيقة.
إحنا كنّا أصحاب… أو كنتِ فاكرة كده.
لكن اللي بيني وبين مراتي… مش شبه أي حاجة عرفتيها.
+
ممرّت ثواني صمت… رانيا فيها ذهول ممتزج بحقد.
+
رانيا (تبتسم ببطء، ابتسامة فيها جنون بسيط):
ـ بتحبها؟
إنت بجد بتحب البنت دي؟
دي… دي مش من عالمك!
لا في الشكل، ولا المنصب، ولا المستوى!
+
سليم ينهض واقفًا، ويضع يده على المكتب كأنه يحسم الموقف:
+
سليم:
ـ هي أنضف منك في كل حاجة.
وأهم من ده… وجودها ريّح قلبي.
وإنتي… وجودك عمره ما كان غير توتر.
+
رانيا تنهض فجأة، وتقف قدامه رغم إنه أطول منها:
+
رانيا:
ـ لو فاكر إنك هتهرب بالسهولة دي… تبقى غلطان.
أنا مش هسيبها تاخد حياتي مني.
مش هسيبها تمشي في شركة، وفلوس، واسم… المفروض يبقوا ليّ أنا!
+
سليم يشيح بنظره عنها، ويضغط على زر صغير على المكتب:
+
سليم:
ـ الأمن؟
في زائرة عايزة تمشي حالًا.
+
رانيا تتجمد، وعيونها بتلمع بغضب غريب… مزيج من جنون وجرح نرجسي كبير.
+
رانيا (بصوت منخفض، مخيف شويّة):
ـ إنت بتطردني؟
أنت… بتطرد أنا؟
+
سليم (بدون تردد):
ـ أيوه.
وبداية من النهاردة… مش عايز أشوفك في حياتي لا شغل ولا خاص.
+
رانيا تقرّب وجهها منه، وتقول جملة بصوت ملغوم:
ـ افتكر كلامي يا سليم…
اللي ليا… هاخده.
حتى لو كانت هي.
+
ثم تدور بكعبها، وتخرج… تاركة خلفها صمت مشبع بالتهديد.
+
سليم يقف لحظة، يتنفّس بعمق، ويحس بالانزعاج يتحوّل لقلق حقيقي.
+
ويهمس لنفسه:
+
سليم:
ـ يا نيروز… يا رب ما تتأذي بسبب مجنونة زي دي.
+
**********************
في شقة رامي رامي في القاهرة (ليلاً)
+
كان الليل هادئًا بشكل غير طبيعي…
هدوء لا يناسب حياة رجل مثل رامي.
+
جلس في شرفته الواسعة المطلة على النيل، بملابس بيتية بسيطة، ومع ذلك ما يزال يحمل هيبة الضباط. أمامه كوب شاي أسود ساخن، وبيده كتاب تاريخ عسكري. البيت فاخر جداً… لكنه فارغ، كأنّ كل غرفة تحكي عن عزلة قديمة هو اختارها بنفسه.
+
صفحة… ثم صفحة… ثم توقف فجأة.
لا لشيء في الكتاب، بل لشعور صامت داخله.
عقله ظل يعود كل ليلة للمكان نفسه: سويسرا. الغرفة. الشاب الملقى بين الحياة واللاوعي.
+
رنّ هاتفه.
+
نظر إلى الشاشة.
اسم واحد فقط قادر يقلب كيانه كله:
Eliana.
+
أجاب فوراً.
+
رامي (بصوت هادئ لكنه مشدود):
ـ أليانا؟ في شيء؟
+
صوتها جاءه مرتجفًا… مختلطًا بالدهشة والصدمة.
+
أليانا:
ـ ه…هو استيقظ.
He opened his eyes, Rami… he woke up.
+
تجمّد رامي.
كأن روحه خرجت منه للحظة.
+
وقف من مكانه، الكوب اهتز على الطاولة، والكتاب سقط على الأرض دون ما ينتبه.
+
رامي (يهمس، وابتسامة غير مصدّقة تمتد على وجهه):
ـ استيقظ؟…
الحمد لله…
الحمد لله يا رب.
+
كان واضح إن الخبر ضرب قلبه قبل عقله.
ثلاث سنوات من الصمت والقلق والسر والبقاء على الحافة… انفجرت كلها في لحظة.
+
لكن قبل ما يكتمل فرحه… جاء صوت أليانا ينكسر:
+
أليانا:
ـ But… he doesn’t remember.
He opened his eyes… but he remembers nothing.
Not his name… not his past… nothing.
+
الابتسامة اختفت.
ورامي جلس ببطء على الكرسي، كأن أحد سحب منه الهواء.
+
رامي (بصوت منخفض، ثقيل):
ـ فقد الذاكرة… كامل؟
+
أليانا:
ـ Completely.
He asked “Who am I?”…
And he looked terrified.
I’ve never seen him like that.
+
رامي مرّر يده على وجهه بحركة حادة… مزيج غضب وألم وتأنيب ذات.
+
رامي:
ـ يا رب… ليه كده؟
ثلاث سنين وهو بين الحياة والموت… ولما يفوق… يفوق كده؟
+
أليانا بصوت متماسك لكنه متوتر:
ـ Rami… I need you here.
He needs a familiar face.
He’s confused… scared… weak.
+
رامي صمت لحظة.
عيناه كانت شاخصة نحو النيل… لكن دماغه في سويسرا.
+
ثم قال بصوت حاسم:
+
رامي:
ـ جهّزي كل حاجة.
هسافر الليلة.
+
أليانا بارتياح واضح:
ـ I’ll be waiting.
+
رامي أغلق الهاتف… وظل واقفًا دقائق كأنه يحاول يستوعب كل شيء.
+
البيت صار أضيق.
جدرانه تذكّره إنه الوحيد اللي يعرف السر.
الوحيد اللي يعرف إن الشاب ده لو اتكلم… هتتغيّر حياة ناس كثير.
الوحيد اللي يعرف ليه أنقذه… وليه خبّاه… وليه ما قالش لعاصم.
+
كان يسمع صوت داخله يكرر:
+
"لو افتكر… الدنيا هتتقلب."
+
نهض بسرعة.
دخل غرفته، فتح الخزنة، طلع جواز سفره والمستندات الخاصة بعلاج الشاب، وكل الأوراق اللي خبّاها ثلاث سنوات.
+
لبس جاكيته.
وقف أمام المرآة لحظة.
+
وجهه ثابت… لكن في عينيه خوف لا يناسب ضابط مخابرات خبير.
+
رامي (يهمس لنفسه):
ـ استنى… أنا جاي.
ومش هسيبك تواجه ده لوحدك… مش بعد كل اللي حصل.
+
ثم خرج من المنزل بخطوات سريعة…
كما لو أن القاهرة بأكملها لا تكفيه…
وكأن الحقيقة التي يحملها أصبحت أثقل من أن تبقى هنا.
+
*********************
في فيلا الشرقاوي
+
السيارة توقفت أمام البوابة الكبيرة للفيلا. كان الليل نازل بشويّة برودة، وهدوء المكان يخوّف… كأن الفيلا نفسها حزينة.
+
نزلت ليل أول وحدة، خطواتها ثقيلة، قلبها مليان همّ مش مفهوم.
رؤى نزلت بعدها وهي تحاول تخبّي توترها، وزيـن كالعادة حاول يضحك:
+
زين (وهو يحاول يخفّف الجو):
ـ اوف… المكان شكله فيلم رعب. حدّ يقول للناس إننا جايين نزور مش ندفن؟
+
ليل رمقته بنظرة مستسلمة:
+
ليل:
ـ اسكت يا زين… مش ناقصين.
+
ضغطت على الجرس، وبعد ثوانٍ، فتحت الخادمة أم زبيدة الباب.
+
كانت ملامحها مجهدة… عينان محمرّتان من البكاء.
+
أم زبيدة (بصوت خافت):
ـ أهلاً… يا ليل، يا حبيبتي. اتفضلوا… اتفضلوا.
+
رؤى اقتربت منها بقلق:
+
رؤى:
ـ مالكم يا أم زبيدة؟
في حاجة حصلت؟
+
تنهدت الخادمة، ومسحت طرف عينها بطرف الطرحة:
+
أم زبيدة:
ـ سليم بيه… وريما هانم…
راحوا يزوروا أبوهم في السجن النهاردة.
ورجعوا… منهارين.
أسوأ من كل مرة.
+
ليل عضّت شفتها… غضبها انفجر في عينيها، وحرارة طلعت في صدرها.
+
ليل (بغضب مكتوم):
ـ ليه راحوا؟ ليه يروحوا يشوفوا… الشخص ده؟
هو… هو دمّر حياتهم!
لسه قادر يأذيهم وهو جوّا السجن؟
+
زين قبض يده بعصبية:
+
زين:
ـ ده مش بني آدم.
ده لو كان إبليس نفسه… كان جه يتعلّم من مراد!
+
رؤى وضعت يدها على كتف ليل محاولة تهدئتها، لكنها نفسها كانت ترتعش من الغضب:
+
رؤى:
ـ حقيقي… مش فاهمة بيعمل كده ليه.
ليه كل زيارة يبهدلهم أكتر؟
+
ليل تمتمت بصوت منخفض… فيه مرارة عمرها ما شعرت فيها قبل:
+
ليل:
ـ عمري ما كرهت حد… قدّه.
مع إني… كنت بشوفه زي أبويا.
زي حد من دمي.
+
أم زبيدة نظرت لها بأسف وحزن:
+
أم زبيدة:
ـ يا بنتي… الزمن غريب.
اللي نحبّهم… مرات يطلعوا أبعد ناس عننا.
اتفضلوا… يمكن وجودكم يخفّف عنهم شوية.
+
دخل الثلاثة.
السكون داخل الفيلا ثقيل… السجاد، الجدران، اللوحات—كلها كأنها تبكي معهم.
+
طلعوا للطابق العلوي بخطوات حذرة، لحدّ ما ظهر لهم رجل كبير… واقف في الردهة.
+
عبد الرحمن الشرقاوي.
+
واقِف بعصاه، ظهره منحني بسبب العمر… لكن عينيه فيها طيبة تخوّف من شدتها.
أول ما شافهم… خصوصًا ليل… ابتسم ابتسامة متعبة لكنها صادقة.
+
عبد الرحمن (بفرحة واضحة):
ـ ليل! يا بنتي…
ورؤى…
وزين…
الحمد لله إنكم جيتوا.
والله إنتو نور البيت ده…
أحفادي ما بقوش يشوفوا خير من يوم المصيبة دي.
+
ليل أسرعت نحوه باحترام، وأمسكت يده برفق:
+
ليل:
ـ إزيّك يا جدي عبد الرحمن؟
طمني… هما فين؟ عاملين إيه؟
+
تنهد العجوز تنهيدة كسرت قلوبهم كلهم:
+
عبد الرحمن:
ـ من العصر قاعدين في أوضتهم.
ولا كلمة…
ولا نظرة…
ولا حتى دمعة.
الحزن لما يزيد… يبقى صمت يا بنتي.
مش صريخ.
+
رؤى شعرت بغصّة:
+
رؤى:
ـ طب… نقدر نقابلهم؟
+
عبد الرحمن ابتسم بحنان كبير، وقال:
+
عبد الرحمن:
ـ لو حد يقدر يوقّف العاصفة اللي جواهم… فهي أنتو.
سليم وريما بيحبوكم.
ويسيبوا الدنيا كلها… على كلمة منكم.
+
زين وضع يده على كتف العجوز:
+
زين:
ـ متقلقش يا حاج.
إحنا جايين نصلّح اللي نقدر عليه.
ويمكن…
يمكن نقنعهم إنهم ما يروحوش السجن تاني.
ولا يشوفوا وش الراجل ده… مهما كان أبوهم.
+
ليل شدّت يدها وغمغمت بغضب ما عرفت تخبيه:
+
ليل:
ـ لو أقدر… كنت منعتهم بنفسي.
وجوده… بيشوّه روحهم.
ده ما يستحقش حتى حلم إنهم يزوروه.
+
عبد الرحمن رفع عينه لها…
وفيها حزن أب… وخجل أب… وخيبة أب.
+
عبد الرحمن (بصوت منخفض):
ـ هو ضيّع نفسه يا ليل…
بس ما تضيعوش أحفادي معاه.
ساعدوهم… بالله عليكم.
+
ليل ابتسمت له بحنان، رغم الغضب اللي بيفور جوّاها:
+
ليل:
ـ إحنا هنا عشانهُم… مش عشانه.
وعد.
+
العجوز أشار لهم نحو الممر:
+
عبد الرحمن:
ـ أوضتهم هناك.
ادخلوا…
وخلّوا البيت يرجع يتنفس تاني.
+
تحركوا ببطء…
ليل في المقدمة، رؤى خلفها، وزين خلفهم الاثنين.
+
وكل واحد فيهم يعرف…
إن الباب اللي هيدقّونه بعد ثوانٍ…
وراه حزن عمره ما كان بسيط.
+
***********************
أمام غرفة سليم الشرقاوي
+
وقف زين أمام باب الغرفة لحظة.
الضحكة الجاهزة على وجهه… ما طلعت.
تنفّس بعمق، ثم طرق الباب طرقة خفيفة ودخل بدون انتظار.
+
الغرفة كانت شبه مظلمة. الستائر مسحوبة، والهواء ثقيل.
سليم جالس على طرف السرير، ظهره محني، كتفيه ساقطين، عينيه معلّقتين في الفراغ.
+
زين (بمرح مصطنع وهو يدخل):
ـ يا سلام على القعدة!
ناقص بس موسيقى حزينة ومطر على الشباك ونبقى في فيلم تركي.
+
ما في رد.
+
زين اقترب خطوتين، ضحك بخفة أعلى:
+
زين:
ـ إيه؟
ما في حتى تعليق ساخر؟
ولا نظرة باردة؟
ده أنا داخل على سليم الشرقاوي ولا على نسخة تجريبية؟
+
سليم ما تحرك.
صوته خرج منخفض، مبحوح:
+
سليم:
ـ لو جاي تضحك… امشي يا زين.
مش وقته.
+
توقفت ضحكة زين فجأة.
وجهه اتغير، المزاح سقط دفعة واحدة.
+
زين (بهدوء حاد):
ـ تمام.
يبقى نسيب الهزار على جنب.
+
اقترب أكثر، وقف قدّام سليم مباشرة.
+
زين:
ـ مالك؟
+
سليم ابتسم ابتسامة مكسورة، شبه سخرية من نفسه:
+
سليم:
ـ مالي؟
أبوي…
طلع شيطان.
طلع قاتل.
طلع كذبة كبيرة.
وأنا عشت عمري كله جوّاها.
+
زين شبك ذراعيه، عينيه مركّزة عليه:
+
زين:
ـ وبعدين؟
+
سليم رفع عينيه أخيرًا، وكان فيهم تعب عمره ما ظهر قبل كده:
+
سليم:
ـ وبعدين؟
انكسرّت.
اللي جوّايا اتكسّر.
والحاجة اللي تتكسر… ما بترجعش زي الأول.
+
زين شهق ضحكة قصيرة، غاضبة:
+
زين:
ـ لا يا شيخ؟
يعني خلاص؟
نقفل عليك وتعيّط؟
ده كلام إيه ده؟
إنت بتتكلم زي البنات الحسّاسات في المسلسلات!
+
سليم انتفض شوية:
+
سليم:
ـ متستهزأش!
+
زين فجأة صرخ:
+
زين:
ـ لا!
أنا هستهزأ!
لأني مش جاي أشوف صاحبي العظيم قاعد بيقول “اتكسرت”!
+
الغرفة اهتزت بصوته.
+
زين (وهو يشير لصدر سليم):
ـ إنت مش أبوك!
إنت ما مسكتش سكينة!
ما خُنتش!
ما قتلتش حد!
يبقى ذنبك إيه؟
+
سليم صوته بدأ يرتجف:
+
سليم:
ـ اسمي!
اسمي بس كفاية!
كل ما حد يبص لي… يشوفه هو!
يشوف الدم!
يشوف الخيانة!
+
زين قرب أكتر، لدرجة إن المسافة بينهم اختفت:
+
زين:
ـ لا.
اللي يبص لك ويشوف أبوك… يبقى أعمى.
وأعمى ده ما يهمّكش رأيه.
+
سليم بلع ريقه بصعوبة:
+
سليم:
ـ أنت مش فاهم…
ده أبويا.
الرجل اللي كنت أفتخر بيه…
اللي كنت أقول “نفسي أبقى زيه”.
+
صمت لحظة، ثم همس:
+
سليم:
ـ هو اللي كسرني يا زين.
+
زين مسك كتف سليم بقوة:
+
زين:
ـ لأ.
هو حاول.
بس الكسر الحقيقي… لما تقرر أنت تنحني.
+
سليم رفع رأسه شوية، عينيه تلمع:
+
سليم:
ـ وأنا تعبت.
مش قادر أرفع راسي.
+
زين قرب جبينه من جبين سليم، صوته نزل لكنه بقى أصدق:
+
زين:
ـ ترفعها غصب.
زي ما عملت دايمًا.
إنت مش من النوع اللي ينهار.
إنت البارد.
السّاخر.
اللي الدنيا كلها تستفزه وما يهتزّش.
+
سليم هز رأسه بضعف:
+
سليم:
ـ ده كان قبل…
قبل ما أعرف إني ابن مجرم.
+
زين ضحك ضحكة قصيرة، مريرة:
+
زين:
ـ طيب اسمعني كويس.
أنا ابن رجل عادي.
ولا عمري عملت حاجة عظيمة.
بس لو أبويا طلع مجرم بكرة…
ده ما يخلّينيش واحد.
ولا يقلّل مني.
ولا يحدد مين أنا.
+
سكت لحظة، ثم قال بصرامة:
+
زين:
ـ أنت بتتحدّد بأفعالك… مش بدمك.
+
سليم عينيه دمعت لأول مرة:
+
سليم:
ـ خايف.
خايف أعيش طول عمري بدفع ثمن حاجة ما عملتهاش.
+
زين مسح على شعره بعنف محب:
+
زين:
ـ وأنا معاك.
طول ما أنا موجود…
ما حدش هيكسر اسمك.
ولا يكسرك.
+
سليم تنفس بعمق…
كأن حملاً انزاح قليلاً عن صدره.
+
سليم (بصوت خافت):
ـ وحشتني…
نسيت يعني إيه حد يزعق لي عشان يقومني.
+
زين ابتسم أخيرًا، ابتسامة حقيقية:
+
زين:
ـ افتكر…
أنا هنا مش عشان أواسيك.
أنا هنا عشان أفكّك من الهبل اللي بتقوله.
+
ضحك سليم بخفة… أول ضحكة منذ أيام.
+
وكانت كافية…
لتثبت أن الكسر… لم يكن كاملًا.
+
********************
في غرفة ريما الشرقاوي
+
باب الغرفة كان مواربًا.
الضوء خافت، ورائحة عطر قديم معلّقة في الهواء… عطر امرأة كانت يومًا مطمئنة.
+
دخلت ليل أولًا، بخطوات حذرة.
وراءها رؤى.
+
ريما كانت جالسة أمام المرآة، شعرها منسدل بلا ترتيب، وجهها شاحب، يدها موضوعة على بطنها دون وعي… كأنها تحمي شيئًا هشًا.
+
لم تلتفت.
+
ليل (بصوت ناعم):
ـ ريما…
+
ريما ابتسمت ابتسامة باهتة في المرآة:
+
ريما:
ـ كنت عارفة إنكم هتيجوا.
دايمًا بتيجوا لما أحتاجكم… حتى قبل ما أطلب.
+
رؤى اقتربت وجلست على حافة السرير:
+
رؤى:
ـ وإحنا مش هنسيبك.
أبدًا.
+
صمت قصير.
ريما نظرت لانعكاسها، عيناها محمرّتان لكنها لم تبكِ.
+
ريما:
ـ شفتوه؟
شفتوا بابا… النهاردة؟
+
ليل قبضت يدها:
+
ليل:
ـ لا.
بس سمعنا.
+
ريما ضحكت ضحكة قصيرة، فارغة:
+
ريما:
ـ البرود…
البرود كان أسوأ من الشتيمة.
قلت له…
قلت له إني حامل.
+
التفتت لهما فجأة، عيناها تلمعان بقهر:
+
ريما:
ـ عارف قال إيه؟
+
رؤى هزّت رأسها ببطء:
+
رؤى:
ـ إيه؟
+
ريما (بصوت ثابت بشكل مخيف):
ـ قال:
"اعملي اللي إنتِ شايفاه. ده مش وقت عواطف."
+
ليل شهقت بصوت خافت:
+
ليل:
ـ إيه؟!
ده… ده بني آدم؟
+
ريما أعادت نظرها لبطنها، لمستها برفق:
+
ريما:
ـ اللحظة دي فهمت.
هو عمره ما كان أب.
كان دايمًا مشروع جريمة… بس إحنا كنا بنغطيه بالحب.
+
رؤى اقتربت منها أكثر، أمسكت يدها:
+
رؤى:
ـ ريما… إنتِ مش زيه.
ولا عمرك هتكوني.
+
ريما أغمضت عينيها:
+
ريما:
ـ عشان كده سيبت كامل.
رجل نظيف… زيادة عن اللزوم.
كان بيبص لي كإني حاجة غالية.
وأنا…
أنا ابنة مجرم.
+
ليل انفجرت:
+
ليل:
ـ لا!
إنتِ ست قوية، نقية، طيبة.
ذنبك إيه في اللي عمله؟
+
ريما دمعتها نزلت أخيرًا:
+
ريما:
ـ ذنبي إني من دمه.
كنت بحس إن كل مرة كامل يضحك لي…
أنا بخدعه.
كأني بسرق منه حياة ما يستاهلهاش مع واحدة زيي.
+
رؤى بعصبية مكتومة:
+
رؤى:
ـ وإنتِ قررتي تعاقبي نفسك؟
وهو؟
هو ذنبه إيه يتساب ويتخلع منه زوجته فجأة؟
+
ريما نظرت لها بانكسار:
+
ريما:
ـ كنت فاكرة إني بحميه.
ما كنتش عارفة إني بدمّره.
+
ليل جلست على الأرض أمامها، على مستوى عينيها:
+
ليل:
ـ وإيه ذنب اللي جواك؟
+
ريما شهقت، وضعت يدها على بطنها بقوة:
+
ريما:
ـ خايفة عليه.
خايفة يطلع…
ويكرهني لما يعرف أنا مين.
+
رؤى هزّت رأسها بحزم:
+
رؤى:
ـ لأ.
الطفل ده هيعرفك بأفعالك.
مش باسم جدّه.
+
ريما همست:
+
ريما:
ـ وباباه؟
+
ليل ابتسمت بحزن:
+
ليل:
ـ كامل بيحبك.
والحب الحقيقي… ما بيهربش من أول ظلمة.
+
ريما تنفست بعمق:
+
ريما:
ـ لو كان بابا رد عليّ النهاردة بكلمة واحدة دافية…
كنت قدرت أتحمّل.
بس…
قساوته قتلت آخر حاجة جوايا كانت بتدافع عنه.
+
سكتت لحظة، ثم قالت بصوت مكسور:
+
ريما:
ـ أنا تايهة.
ولا عارفة أرجع الجزائر…
ولا أكمّل هنا…
ولا حتى أفرح بحملي.
+
ليل مدت يدها، وضعتها على بطن ريما:
+
ليل (بهمس):
ـ ده نور.
مش لعنة.
+
رؤى وضعت يدها فوق يد ليل:
+
رؤى:
ـ وإحنا جنبك.
في أي طريق تختاريه.
+
ريما نظرت لهما…
ثم انهارت أخيرًا، دفنت وجهها بين كفّيها وبكت.
+
ليل ورؤى احتضنتاها دون كلام.
+
ثلاث فتيات…
ثلاث قلوب…
ووجع واحد.
+
وخارج الغرفة…
كان الليل طويلًا.
*******************
خارج السجن / مكان معزول ليلاً
+
بوابة السجن أُغلِقت خلفه بصوتٍ معدني ثقيل.
خطا مراد إلى الخارج…
وجهه شاحب، عيناه تلمعان بجنون غير طبيعي، وابتسامة ملتوية لا تشبه إنسانًا خرج للحرية… بل وحشًا خرج للصيد.
+
سيارة سوداء فاخرة كانت بانتظاره.
الباب الخلفي فُتح بهدوء.
+
جلس مراد، وما إن أُغلِق الباب حتى انطلقت السيارة.
+
داخلها…
كان زعيم المافيا جالسًا، رجل أجنبي، ملامحه جامدة، صوته لا يحمل انفعالًا واحدًا.
+
مراد ضحك ضحكة قصيرة، مجنونة:
+
مراد:
ـ أخيرًا…
شهر، وأنا بفكّر في اللحظة دي.
+
زعيم المافيا لم ينظر إليه:
+
زعيم المافيا:
ـ لا تفرح كثيرًا.
خروجك لا يعني أنك حرّ.
+
مراد التفت له بعينين حادتين:
+
مراد:
ـ أنا حر بما يكفي…
وأول حاجة هعملها…
هخلّص من الكل.
+
ابتسامته اتسعت:
+
مراد:
ـ زياد…
عاصم…
وكل واحد فكر يرفع راسه في وشي.
+
السيارة سادها صمت ثقيل.
ثم قال زعيم المافيا ببرود قاتل:
+
زعيم المافيا:
ـ لا.
لن تفعل.
+
مراد ضحك بسخرية:
+
مراد:
ـ تضحك عليّ؟
أنا اللي دفعت…
أنا اللي اشتغلت…
أنا اللي نفذت!
+
زعيم المافيا التفت إليه أخيرًا.
نظرة واحدة… كانت كافية لتجعل الدم يبرد في عروق مراد.
+
زعيم المافيا (بصوت منخفض):
ـ وأنت…
أنت السبب في أننا تحت أنظار الإنتربول الآن.
+
مراد تجمّد.
+
زعيم المافيا:
ـ قبل ثلاث سنوات…
عندما قتلت ذلك الشاب—
(توقف لحظة)
ظننت أنك ذكي.
+
مراد بلع ريقه:
+
مراد:
ـ كان لازم يموت.
+
زعيم المافيا اقترب منه قليلًا:
+
زعيم المافيا:
ـ لا يهمني من يموت.
لكن يهمني من يجلب الضوء إلى الظل.
+
صوته صار أكثر قسوة:
+
زعيم المافيا:
ـ أنت لم تقتل شخصًا فقط.
أنت جذبت الإنتربول.
جعلت أعمالنا…
تحت المجهر.
+
مراد بدأ يتنفس بسرعة، لكن حاول التماسك:
+
مراد:
ـ زياد هو السبب.
هو اللي كشفني.
هو اللي دمّرني!
+
زعيم المافيا قال ببرود أشد:
+
زعيم المافيا:
ـ زياد لا يهمني.
عاصم لا يهمني.
أطفالك لا يهمونني.
+
ثم مال نحوه فجأة، صوته صار همسًا مخيفًا:
+
زعيم المافيا:
ـ لكن لو ارتكبت حماقة أخرى…
سأجعلهم آخر شيء تراه قبل أن تختفي.
+
مراد ارتجف.
عرق بارد سال على جبينه.
لثوانٍ… كان مجرد رجل خائف.
+
مراد (بصوت مهزوز):
ـ أنت… أنت تهددني؟
+
زعيم المافيا ابتسم ابتسامة بلا روح:
+
زعيم المافيا:
ـ لا.
أنا أشرح لك الواقع.
+
صمت.
السيارة توقفت للحظة.
+
مراد أغمض عينيه، ثم فتحهما…
الجنون عاد.
القسوة رجعت لمكانها.
+
مراد (بابتسامة باردة):
ـ أنا فاهم.
مش هتحرك دلوقتي.
+
ثم أضاف ببطء:
+
مراد:
ـ بس لما أتحرك…
مش هتعرف توقفني.
+
زعيم المافيا نظر للأمام مجددًا:
+
زعيم المافيا:
ـ الانتقام العاطفي…
لعبة الأطفال.
+
مراد همس، وكأنه يقسم:
+
مراد:
ـ وأنا عمري ما كنت طفل.
+
السيارة انطلقت من جديد…
وفي عيني مراد،
كان قرارٌ واحد فقط:
+
إما هو…
أو الجميع.
+
******************
في فيلا الزهراوي / المساء
+
الجو في الصالون كان خانقًا…
ليس بسبب الحر، بل بسبب الصمت.
+
زياد كان واقفًا قرب النافذة، يضغط كفه على حافة الطاولة الخشبية بقوة.
عروق يده بارزة، وصدره يعلو ويهبط بنَفَسٍ غير منتظم.
+
عاصم يجلس قبالته، كتفاه مشدودان، عيناه لا تفارقان زياد…
ينتظر الحكم، لكنه يعرف أن الأمر لم يعد زواجًا فقط.
+
على الأريكة المقابلة جلس آدم العطار، ظهره مستقيم، نظراته حادة، عقل مخابراتي يعمل بصمت.
وبجانبه أدهم، ذراعاها متشابكتان، وجهه متجهم، عيناه مليئتان بالغضب والندم في آنٍ واحد.
+
قطع الصمت صوت زياد، مبحوحًا، ثقيلًا:
+
زياد:
ـ من ساعتين…
من ساعتين بس…
الرجل ده كلمني.
+
استدار إليهم فجأة، صوته ارتفع:
+
زياد:
ـ مراد…
كان بيتكلم وكأنه خارج من جحيم مش سجن!
+
عاصم انتفض قليلًا:
+
عاصم:
ـ قال إيه؟
+
زياد ضحك ضحكة قصيرة… بلا فرح:
+
زياد:
ـ قال لي:
"افتكر إنك نجوت المرة اللي فاتت…
المرة الجاية مش هتكون كده."
+
سكت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ مخنوق:
+
زياد:
ـ وأنا…
أنا عمري ما خفت على نفسي.
بس بنتي؟
مراتي؟
أولادي؟
+
ضرب الطاولة بقبضته:
+
زياد:
ـ لا…
دي حاجة تانية.
+
أدهم انحنى للأمام، صوته حازم:
+
أدهم:
ـ أنا قلتلك من الأول…
مراد مش خصم عادي.
ده حاقد.
والحاقد لما يخسر…
يحرق كل حاجة حواليه.
+
آدم تدخّل بهدوء محسوب:
+
آدم:
ـ المكالمة دي معناها إنه خرج من مرحلة التهديد…
ودخل مرحلة التنفيذ.
+
عاصم شدّ قبضته:
+
عاصم:
ـ لو قرب من ليل…
أقسم بالله—
+
قاطعه زياد بنبرة حادة:
+
زياد:
ـ لا!
ما تتكلمش كده في بيتي.
+
ثم نظر له بعينين ممتلئتين بالتناقض:
+
زياد:
ـ أنا عارف إنك بتحبها…
وعارف إنك مستعد تموت علشانها.
بس ليل مش درع.
ولا طُعم.
+
تنفّس بعمق:
+
زياد:
ـ أنا أبوها…
وحمايتها مسؤوليتي.
+
في تلك اللحظة، فُتح باب الصالون بسرعة.
+
دخل جواد، وجهه شاحب، ملف بني تحت ذراعه، عرق خفيف على جبينه.
+
آدم وقف فورًا:
+
آدم:
ـ إيه اللي حصل؟
+
جواد ابتلع ريقه:
+
جواد:
ـ عندي خبر…
مش هيعجب حد فيكم.
+
زياد اقترب خطوة:
+
زياد:
ـ اتكلم.
+
جواد:
ـ مراد…
خرج من السجن.
+
الصمت سقط كقنبلة.
+
زياد صرخ:
+
زياد:
ـ إزاي؟!
+
أدهم:
ـ مستحيل!
+
عاصم:
ـ مين اللي عملها؟!
+
جواد رفع الملف:
+
جواد:
ـ خرج قانونيًا.
القضية اتقلبت.
شخص تاني اعترف بالجريمة بالكامل.
+
آدم ضيّق عينيه:
+
آدم:
ـ اسم الشخص؟
+
جواد:
ـ واجهة.
اللي ورا الموضوع…
رجل أعمال إيطالي.
+
عاصم قال بحدة:
+
عاصم:
ـ مافيا.
+
جواد هز رأسه:
+
جواد:
ـ رسميًا؟
رجل أعمال فقط.
ولا دليل يربطه بأي تنظيم إجرامي.
+
زياد انفجر:
+
زياد:
ـ يعني واحد زي مراد يخرج؟
بعد كل اللي عمله؟
بعد ما دمّر بيوت؟!
+
صوته انكسر:
+
زياد:
ـ بعد ما حوّل حياتنا لجحيم؟
+
آدم وضع يده على كتف زياد بثبات:
+
آدم:
ـ اسمعني.
الغضب مفهوم…
لكن لازم نتحرك بعقل.
+
ثم نظر لعاصم مباشرة:
+
آدم:
ـ وزواجك من ليل…
مش هيبقى مسألة شخصية بعد النهارده.
+
عاصم شدّ ظهره:
+
عاصم:
ـ أنا جاهز لأي قرار…
بس ليل خط أحمر.
+
أدهم قال بهدوء ثقيل:
+
أدهم:
ـ مراد لما يطلع…
ما يطلعش علشان يعيش.
يطلع علشان ينتقم.
+
زياد أغمض عينيه لحظة…
ثم فتحهما بقرار واضح:
+
زياد:
ـ يبقى نحمي بعض.
كلنا.
من غير أخطاء.
ولا تهوّر.
+
نظر لعاصم نظرة أب قبل أن تكون نظرة حكم:
+
زياد:
ـ وأولهم…
بنتي.
+
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
