اخر الروايات

رواية في قبضة العاصم الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم سيليا البحيري

رواية في قبضة العاصم الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم سيليا البحيري



                                              
في فيلا سليم القيصري – الصبح

+


نيروز صحيت على مهَل… عينيها لسه نص مفتوحة. نور الصبح كان داخل من ورا الستاير البيضا، ملامس المخدة بهدوء. مدّت إيديها ناحية الجنب التاني من السرير… لقت الفراغ بارد.

+


نيروز (تهمس بتنهيدة خفيفة):
"أكيد نزل الشركة…"

+


اتقلبت على جنبها… وفجأة عنيها لمعت.
جنبها بالظبط… وردة حمرا، نعمة كإنها متقطوفة حالاً. لونها كان لافت للدرجة اللي خلى كل إحساسها يصحى مرة واحدة.

+


وبعدين شافت الصينية الصغيرة على الكومودينو:
كوباية شاي دافي… وقطعة كرواسون… وجبنة… وكل حاجة مترتّبة بدقة أكتر من اللي سليم بيعمله عادة!

+


مسكت الوردة الأول… ضغطت عليها بخجل بين صوابعها، ووشها ابتدى يحمر لوحده.

+


نيروز (بابتسامة خفيفة، بتكلم نفسها):
"يا نهار أبيض… ده كله ليا أنا؟"

+


مدّت إيدها للورقة المطوية بطريقة بسيطة بس شيك.
فتحتها وقرت بُصوت واطي:

+


رسالة سليم:
"صباح الخير يا نيروز…
ماحبتش أصحيكي. شكلك كنتي تعبانة امبارح.
فطارِك جاهز، ولو برد… سيّحيني لما أرجع.
— سليم."

+


ابتسامتها وسعت… من النوع اللي مايتمدّش.
عضّت شفايفها بخجل، وقلبها بيدق بسرعة وهي مش عارفة تخبيه.

+


نيروز (تهمس، كأنها بتلومه وهو مش موجود):
"ليه لطيف كده…؟"

+


رفعت الوردة لأنفها، شمّت ريحتها، وبعدها غطّت وشّها باللحاف لحظة…
كأنها عايزة تهرب من ارتباكها حتى من نفسها.

+


بعد كام ثانية… طلعت راسها تاني، بصّت للصينية، وقالت وهي مبتسمة جامد:

+


نيروز:
"ده أنت هتودّيني في داهية يا سليم…"

+


وبدأت تفطر بالراحة… ولسه مسكة الوردة بإيدها
كأنها مش ناوية تسيبها خالص.


+


بعد ما حطّت الوردة جنب الفطار، فضِلت تبصّ لها كتير…
كأنها شايلة سؤال عمرها ما كانت جريئة تسأله.

+


سندت راسها على ظهر السرير، وأخدت نفس طويل وهي تهمس لنفسها:

+


نيروز:
"معقول…؟ معقول كل ده حصل في شهرين بس؟"

+


بصّت لجنب سليم على السرير…
الجنب اللي كان دافي قبل ما يمشي.
عدّت صوابعها ببطء على الشرشف…
كأنها بتدور على الأثر اللي سابه.

+


نيروز (بتتنهّد):
"إزاي…؟ إزاي قدرت أنسى كل اللي حسّيته لعاصم؟
سنين وأنا شايلة الحب ده جوايا…
سنين فاكرة إنه أول وآخر حب في حياتي…
وفي الآخر… يختفي كده؟"

+


ضحكت ضحكة قصيرة…
ضحكة فيها استغراب أكتر من الفرح.

+


نيروز:
"يمكن… يمكن ماكانش حب زي ما كنت فاكرة.
يمكن كنت متعلقة… أو موجوعة…
أو يمكن كنت بنت صغيرة وخلاص."

+


          

                
تبصّ للوردة تاني… وابتسامة هادية تطلع على وشّها.

+


نيروز:
"بس سليم…
الراجل الغريب ده…
ولا مرة طلب مني حاجه…
ولا مرة ضغط عليّ…
كان بيعاملني كأني أخته الصغيرة… مش مراته."

+


تهز راسها ببطء… وعينيها فيها لمعة خجل دافية.

+


نيروز:
"ويمكن… يمكن ده اللي ريّحني.
يمكن لطفه… حنيته… صبره…
يمكن هما اللي خلّوني أفتح قلبي تاني… من غير ما آخد بالي."

+


تمسك الوردة تاني… وتقرّبها من صدرها.

+


نيروز (بابتسامة خجولة قوي):
"والله يا سليم… لو تعرف قد إيه غيّرتني…
حتى خوفي من الحب… راح.
وبقيت… بقيت مستنياك ترجع البيت… من غير ما أفكّر."

+


تغمّض عينيها شوية… وتهمس بصوت واطي قوي:

+


نيروز:
"يمكن… يمكن فعلاً ابتديت أحبّك…"
*********************

+


في الجامعة – قاعة المحاضرات

+


القاعة كانت زحمة كالعادة…
الصفوف اللي ورا دوشة وضحك، والصفوف اللي قدّام قاعدين بهدوء وترقّب…
لإن الدكتورة سامية معروفة إن دقيقة تأخير عندها تعتبر جريمة رسمي.

+


ليل كانت قاعدة جنب رؤى في الصف التاني.
ليل شاردة… بتبص لدفترها المفتوح من غير ما تقرأ كلمة.
إيدها بتلعب في القلم من غير وعي.

+


رؤى لاحظت الشرود ده للمرة المية، فمالت عليها وقالت بنبرة حنونة:

+


رؤى:
"ليل… إنتِ مش هنا. صريحة بقى… لسه بتفكّري في موضوع عاصم؟"

+


رمشت ليل كأنها رجعت للواقع، وبعدين تنهدت:

+


ليل:
"لو أقدر أبطل أفكّر… كنت عملت كده من زمان."

+


رؤى شبكت إيديها على الترابيزة وقالت بجدّية:

+


رؤى:
"طب… وصلتي لإيه؟
هتطلّقي؟ ولا لأ؟"

+


هزّت ليل راسها بسرعة:

+


ليل:
"مش عارفة… والله يا رؤى مش عارفة."

+


رؤى رفعت حواجبها بدهشة لطيفة:

+


رؤى:
"ده مش جواب… ده صراع."

+


ليل ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها وجع، وسندت ضهرها على الكرسي:

+


ليل (بصوت واطي):
"قلبي… قلبي مش معايا.
كل ما أفتكر اللي عمله… بخاف.
سبع شهور… سبع شهور بعيد عن أهلي، عن بابا، عن كل حاجة.
خطفني… قيّد حياتي… وشكّك في بابا!"

+


وقفت شوية… كأن الكلام بيخنقها.

+


ليل:
"إزاي أسامح؟"

+


رؤى ما قالتش حاجة… سايبالها المساحة، فليل كملت:

+


ليل:
"بس من ناحية تانية…
لما اتكشف كل حاجة… ولما عرفت إنه هو كمان ضحية…
وإن مراد كان بيلعب بينا كلنا…
ولما شوفت عاصم ندمان… بيعيّط يا رؤى…
ومش قادر يقابل بابا…
مع إن بابا سامحه…"

+



        
          

                
شفتها ارتعشت…

+


ليل:
"ساعتها حسّيت… إنه يمكن… يمكن أنا اللي قلبي ضعيف…
أو يمكن… يمكن أنا بحبّه."

+


رؤى ابتسمت بأسف خفيف:

+


رؤى:
"مش يمكن… إنتِ بتحبيه يا ليل."

+


ليل بصّت للترابيزة… خايفة تعترف:

+


ليل:
"آه…
بحبّه.
ولو اتطلقت منه… هتوجع.
ولو فضلت معاه… خايفة أتوجع برضه."

+


رؤى:
"قلبِك بيقول حاجة…
وعقلِك بيقول حاجة تانية.
بس السؤال بجد…
إنتِ عايزة تعاقبيه؟ ولا عايزة ترتاحي؟"

+


ليل فضلت ساكتة…
وبعدين وطّت راسها:

+


ليل (بهمس):
"مش عايزة أعاقبه… ولا أعاقب نفسي.
بس… بخاف أثق فيه واتجرح تاني."

+


رؤى أخذت نفس، وبعدين قالت:

+


رؤى:
"وخايفة أقولك كلمة تزعلِك… بس لازم تتقال."

+


ليل بصّت لها:

+


رؤى:
"كلنا اتجرحنا يا ليل.
كلنا اتخدعنا.
سليم… ريما… إنتِ… وحتى هو.
عاصم خسر أخوه بسبب كدبة.
وإنتي خسرتي سبع شهور من حياتِك.
بس لو الاتنين ما تتشافوش مع بعض…
مين هيشفي مين؟"

+


ليل ضغطت على القلم بين صوابعها:

+


ليل:
"أنا محتاجة وقت…
بس هو… هو مستعجل.
عايز يعرف هنكمّل… ولا ننفصل."

+


رؤى:
"ومن حقه يعرف… ومن حقّك تتأكدي.
بس المهم… القرار يبقى طالع من قلبك.
مش من الخوف… ولا من الماضي… ولا من كلام الناس."

+


ليل ابتسمت لأول مرة:

+


ليل:
"تصدقين يا رؤى؟
نفسي حد ييجي يقولّي… اعملي كده وماتعمليش كده.
كان زماني مرتاحة."

+


رؤى ضحكت بخفة:

+


رؤى:
"يا بنتي… لو الحياة كده…
كان زمانك متجوزة ممثل كوري وعايشة في قصر!"

+


ليل ضحكت غصب عنها:

+


ليل:
"يا ريت…"

+


رؤى:
"طب خلاص… ناوية على إيه؟"

+


قبل ما ترد ليل… الدكتورة سامية دخلت فجأة.
والقاعة كلها سكتت في ثانية…
كأن عاصفة دخلت من الباب.

+


وقفت قدّامهم بنظرتها اللي تخضّ:

+


الدكتورة سامية:
"صباح الخير…
ويا رب تكونوا مستعدين…
عشان محاضرة النهارده مش سهلة."

+


رؤى مالت بسرعة على ودن ليل:

+


رؤى:
"بعد المحاضرة… مش هاسيبِك غير لما نكسر التردد ده."

+


ليل ابتسمت… ابتسامة صغيرة قوي، بس موجودة:

+


ليل (تهمس):
"إن شاء الله…"

+


وتفتحت الدفاتر…
بس قلب ليل لسه مفتوح على سؤال واحد
لسه ماخدتش فيه القرار.
**********************

+



        
          

                
برا سجن العقرب

+


خرج سليم الأول… خطواته كانت تقيلة، وملامحه مصدومة. وبعده بخطوتين طلعت ريما… وإيدها رايحة على بطنها من غير ما تحس، كإنها بتحمي سرّ محدش يعرفه.

+


وقفوا على الرصيف… ولا حد فيهم قال كلمة.
الهوا كان ساقع… وصمتهم أسقع.

+


ريما
بصوت مكسور شوية:
"إحنا… إحنا فعلاً كنا عايشين مع مين يا سليم؟"

+


سليم مسح على وشه بعنف… كإنه عايز يمسح صورة أبوه اللي كان قاعد ورا الزجاج وبيتكلم ببرود.

+


سليم:
"معرفش… معرفش يا ريما.
أنا… أنا طول عمري شايفه بطل… قدوة…
كنا بنقول: بابا أقوى واحد… أعدل واحد… أحنّ واحد."
يضحك ضحكة كلها وجع.
"وطلع… ولا حاجة من اللي نعرفه."

+


ريما شهقت بخفة، دموعها على طرف عينها بس مش بتنزل:
"سمعته؟ لما قلت له إني حامل؟
ما رفعش حتى راسه…
ولا حس… ولا اهتم.
ولا حتى قال: مبروك."

+


تغطي بقها بإيدها، وصوتها بيرتعش:
"ده طفل… حفيده…
وبرغم كده… كإنه مالوش علاقة."

+


سليم قرب منها بسرعة ومسك كتافها:
"ريما… اسمعيني…
انسِيه.
بابا… مات بالنسبة لنا من اللحظة اللي وقف قدامنا بالطريقة دي."

+


ريما رجفت:
"سليم… أنا خايفة.
خايفة من كامل…
خايفة من الناس…
خايفة على الطفل اللي جاي…
ذنب إيه يشيل اسم جده إنه مجرم؟"

+


سليم بصّ عليها بحزن تقيل:
"ولا طفل يشيل خطايا أهله…
وإنتِ… مش لازم تفضلي هربانة طول عمرك يا ريما."

+


ريما:
"طب ليه الكل يبصّ لنا بشفقة؟
ليه الكل يتجنبنا؟
حتى اللي ما يعرفوناش… بقوا يعرفونا.
كإننا إحنا اللي قتلنا… إحنا اللي لعبنا بعقول الناس."

+


قعدت على دكة صغيرة جنب الباب… منهارة.

+


ريما:
"بابا دمّر ناس كتير… بس إحنا اللي بندفع."

+


سليم قعد جنبها، حاطط مرفقيه على ركبته، وباصص في الأرض:

+


سليم:
"شفتي عمو أدهم؟
ما قاليش ولا كلمة…
بس عينه قالت كل حاجة.
ورؤى…؟
رؤى بتحبني… وأنا بحبها… بس…"

+


بلع ريقه:
"أبوها مش هيقبل بيا.
ومش هالومه.
أنا ابن مجرم… ابن واحد خان الكل."

+


ريما لفّت له بسرعة ومَسكت إيده بقوة:
"ما تقولش كده!
إنت أحسن من أبوك ألف مرة.
إنت أعدل واحد شوفته… وأطيب واحد."

+


سليم ابتسم ابتسامة مخنوقة:

+


سليم:
"بس اسم العيلة…
اسم الشرقاوي بقى لعنة خلاص.
أنا ورؤى… مستحيل."

+


ريما:
"وطفلي… هيعيش بلعنة برضه؟"

+


سكت سليم فترة… وبعدها رفع راسه بصوت حاد لكنه متكسر:

+



        
          

                
سليم:
"إحنا مش لازم نِتكسر.
بابا اختار طريقه… وإحنا لازم نختار طريقنا.
إنتِ تحمي ابنِك… وأنا… أحارب عشاني وعشان رؤى."

+


ريما بصّت له بدهشة صغيرة:
"وعمو أدهم؟ هيقبل بيك بعد اللي حصل؟"

+


سليم ضحك ضحكة حزينة:

+


سليم:
"معرفش…
بس لو ما حاربتش… هابقى نسخة من أبويا."

+


وشّ ريما اتغيّر… وبان عليه القوة لأول مرة من شهور:

+


ريما:
"إحنا الاتنين مش هنكون زيه…
ولا هنسيبه يتحكم في مصيرنا… وهو حتى في السجن لسه بيدمرنا."

+


سليم مدّ إيده على بطنها… لأول مرة… بلمسة أخ فيها شجاعة ودفا:

+


سليم:
"الطفل ده… هييجي الدنيا وهو عارف إن عنده خال مجنون… بس بيحبه.
وعنده أم قوية… أقوى من أي حاجة."

+


ريما ابتسمت بخفة… والدموع نزلت أخيراً:

+


ريما:
"وأنا عندي أخ… مستحيل يسيبني."

+


سليم وقف وساعدها تقوم:

+


سليم:
"نروح؟"

+


ريما:
"نروح…
بس… سليم؟"

+


سليم:
"نعم؟"

+


ريما:
"وعدني…
وعدني إن مهما حصل… نفضل سند لبعض.
أبوي خد كل حاجة منّا… ما ياخدناش من بعض."

+


سليم حط إيده على كتفها بثبات:

+


سليم:
"بوعدِك.
وإحنا هنِبني اسم جديد…
عيلة جديدة…
ملهاش أي علاقة بيه."

+


ومشوا سوا…
بس خطواتهم كانت تقيلة…
تقيلة قوي.

+


تقل الماضي… تقل الفضيحة… تقل أبوهم…
لكن وسط ده كله…
اتنين بس… بيحاولوا ينجوا.
********************
 مقر المخابرات العامة المصرية

+


في مكتب العميد آدم العطار، مكتب واسع، مرتب بدقة، هادئ بشكل مخيف.

+


يدخل المقدم رامي … خطاه ثابتة، لكن صدره يعلو وينخفض بسرعة لا يراها إلا من يعرف كيف يقرأ الوجوه.

+


آدم يقف عند النافذة، ظهره لرامي.
لا يلتفت.
ولا يأمره بالجلوس.
رمز واضح لبدء التحقيق الحقيقي.



+


آدم

+


بصوت هادئ… مخيف أكثر من الصراخ:
"اتأخرت يا رامي."

+


رامي يقف باحترام كامل:
"تمام يا فندم… كنت براجع التقرير بتاع المهمة."

+


يضحك آدم بسخرية خفيفة، ثم يلتفت… نظرته حادة كالسيف:

+


آدم:

+


"مهمة؟
ولا غطاء لسبع شهور كنت متخفي فيهم… بتحمي عاصم القاسمي؟"

+


رامي لا يتحرك.
ولا يتهرب.
لكنه يرفع عينه بثبات:

+


رامي:

+


"يا فندم… أنا عمري ما خنت البلد.
ولا خنت الجهاز.
أنا كنت… أحمي الحقيقة."

+



        
          

                
يضرب آدم المكتب بقبضته فجأة فيصرخ:
"الحقيقة؟
الحقيقة لله يا رامي، مش لأفراد!
إنت مسحت أدلة…
ضليت جهاز كامل…
خبيت معلومة حساسة عن اختطاف بنت صديق عمري…"

+


يقترب منه خطوة…
"وفاكرني هعديها؟"

+


يمسك آدم بملف كبير على المكتب ويرميه أمام رامي:

+


آدم:
"كل مرة نوصل لطرف خيط… يختفي.
وإنت كنت المسؤول عن الملفات دي.
كل مرة أقرب لمكان ليل… يتغير.
وإنت كنت المسؤول عن الحركة دي."

+


يخطو رامي خطوة للأمام، صوته ثابت لكنه مكسور:

+


رامي:

+


"يا فندم… عاصم ماكنش خطفها عشان يأذيها.
كان ضحية زي الكل.
وأنا… أنا اللي شفته بعيني… إنه بيحاول يعرف مين قتل رائد.
كنت واثق إنه مش هيمس ليل بأذى…
وبرضه كنت واثق… إن الأستاذ زياد بريء."

+


ينفجر آدم غضباً:

+


آدم:

+


"مش شغلك تثق!
إنت ضابط، ولائك للمعلومات… مش للعلاقات!
رامي… إنت لعبت بالنار.
إنت عملت جريمة كاملة الأركان… اسمها إخفاء أدلة وتعطيل تحقيق مخابراتي."

+


يصمت لحظة…
نظرة آدم تتبدل من غضب إلى ألم خفيف:

+


آدم:

+


"زياد… كان بيموت كل يوم وهو بيدور على بنته.
ليل… بنتي أنا قبل ما تكون بنت صديقي…
كانت ممكن تموت بسبب قرارك."

+


ينزل رأس رامي… هذه الجملة تضربه في الصميم.

+


رامي:

+


"أنا غلطت…
وغلطتي كبيرة.
بس…
لو الزمن رجع…
هساعد عاصم تاني.
عشان لو ما ساعدتهوش… ماكنّاش هنكشف إن مراد هو القاتل.
و ليل… كانت هتضيع في النص."

+


تشتعل عيون آدم:
"وبعدين!
وبعدين يا رامي؟
نقعد نبرر؟
كل واحد يبدأ ياخد قرارات لوحده؟"

+


يرفع يده:
"إنت فاهم لو كل ضابط قرر يعمل زيك؟
إحنا نبقى جهاز فوضاوي…
مش مخابرات."



+


يتنفس آدم بعمق… يفتح درج مكتبه ببطء… يخرج ورقة مختومة بختم أحمر.

+


ينظر لرامي نظرة ثقيلة:

+


آدم:

+


"بعد مراجعة قيادتي…
وبناءً على حجم المخالفة…
وقيمة الضابط اللي قدامي…
قررت التالي:"

+


يتجمد رامي.

+


آدم يقرأ بصوت واضح:

+


1. إيقاف عن العمل لمدة ثلاثة أشهر دون راتب.

+


2. سحب جميع امتيازات العمليات الخارجية لمدة سنة كاملة.

+


3. نقل مؤقت إلى قسم التحليل المعلوماتي… عمل مكتبي.

+


4. وضعه تحت مراقبة داخلية لمدة ٦ أشهر.


+


ثم يرفع عينيه مباشرة نحو رامي:

+



        
          

                
آدم:

+


"العقوبة ما كانتش فصل…
ولا كانت محاكمة عسكرية…
لإنك مهما غلطت…
لسه ضابط كويس.
بس لازم تفهم…
إن البلد… مش لعبة."

+


رامي يرفع يده باحترام عسكري… صوته مبحوح:

+


رامي:

+


"تمام يا فندم…
أنا أتحمل العقاب.
وأعتذر… عن كل ألم سبّبته لحضرتك… و لليل… ولزياد بيه."

+


يلتفت آدم للنافذة… ويقول بجفاء مُتعب:

+


آدم:

+


"اطلع يا رامي…
وسامحني لو كنت قاسي.
بس البلد دي… ما بتسامحش الأخطاء."

+


يخرج رامي…
يغلق الباب خلفه…
ويتوقف للحظة في الممر…
صوته الداخلي:
"على الأقل…
ليل رجعت بخير."
***********************

+


في فيلا عيلة بيجاد

+


كانت الساعة قربت عالسبعة بالليل لما عربية بيجاد وقفت قدّام البوابة الحديد بتاعة الفيلا. التعب باين على وشه بعد يوم طويل في شركة العيلة، بس كان لسه مبتسم… ابتسامة راجل عارف إن جواه مستنيه حد بيخفّف عنه كل تقل الدنيا.

+


دخل من الباب الرئيسي. الردهة كانت واسعة، ضوّها هادي، وريحت العود ماليّة المكان. أول ما عينه وقعت عليها… ربى.
كانت قاعدة على كرسيها المتحرّك جنب شباك كبير، شعرها واقع على كتافها، وإيديها بترتعش وهي بتحاول تحرّك رجلها—علامة صغيرة إن حالتها بتتقدّم.

+


بيجاد ناداها بلهفة صريحة:

+


بيجاد (مبسوط):
– ربى! لسه صاحية ومستنياني؟

+


بصّت له ربى، وابتسامة خجولة ظهرت… فيها حنان، وفيها حتّة حزن هو لسه مش فاهم سببه.

+


ربى (بهدوء دافئ):
– وحشتني… يومك كان طويل؟

+


قرب منها، وانحنى وباس جبينها براحة كإنه بيرجع يتنفس… وقال بهمس:

+


بيجاد:
– طول ما هرجعلك… اليوم يهون مهما كان تقيل.

+


قبل ما تلحق ترد… ظهرت نوال، أمه، ماشية بخطوات واثقة وابتسامة باينة إنها مش ابتسامة خير.

+


نوال (ببرود لاذع):
– نوّرت البيت يا ابني… نوّرت… حتى لو النور ناقص شوية.

+


بيجاد بصّ لها باستغراب.
لكن ربى… وشها شِحِب فورًا، لأنها فهمت المعنى.

+


بيجاد (بحذر):
– في حاجة يا ماما؟

+


نوال ضحكت ضحكة قصيرة مستفزة:

+


نوال:
– لا يا حبيبي… بس الواحد أول ما يدخل بيت أهله… يستغرب لما يشوف "مراته" قاعدة على كرسي كده… بدل ما تكون في المطبخ… أو واقفة تستقبله زي الستات.

+


شفتين ربى ارتجفوا، رفعت إيدها كإنها هتقول حاجة… وما قدرتش.
الكسرة كانت باينة عليها.

+



        
          

                
ربى (بصوت مكسور):
– أنا… آسفة لو—

+


قاطعتها نوال بحدة:

+


نوال:
– آسفة؟! انتي أصلاً مش ناقصِك اعتذارات!
انتي مش مناسبة للبيت ده… ولا لابني…
تالين كانت أحسن، بنت ناس… واقفة على رجلها! مش…
بصّت للكرسي باحتقار.
مش كده.

+


الكلمات نزلت على قلب ربى زي السكاكين. دمعة نزلت بدون ما تقدر توقفها.

+


فجأة صوت جهوري دوّى في المكان… منذر، أبو بيجاد:

+


منذر (غاضب):
– نوال! بس! كفاية!
عيب اللي بتقوليه… الست دي بنت خالد، ومربّية أحسن تربية!
وبعدين! هي مرات ابنك! ومش محتاجة تسمع كلمة من اللي قولتيه!

+


نوال استدارت وهي بتدافع عن نفسها:

+


نوال:
– منذر! أنا بس بفكرّك! ابنك اتجوز واحدة معاقة! مش هتعرف تخدمه ولا—

+


منذر (قاطعها بغضب):
– ولو!
هو اتجوزها عشان تخدمه؟ ولا اتجوزها عشان بيحبها؟!

+


سكتت نوال… shocked، كإنها مش مصدّقة إنه زعق بالشكل ده قدامهم.

+


بيجاد كان واقف… ساكت…
لكن عينه كانت كلها وجع… وعتاب.

+


قرب خطوتين من أمه وقال بصوت هادي لكن ثابت:

+


بيجاد:
– ليه يا ماما؟
ليه تقلّي من ربى كده؟
دي إنسانة… وزوجتي… وكرامتها من كرامتي.

+


نوال فتحت بقّها عشان ترد… بس هو رفع إيده.

+


بيجاد:
– لأ…
أنا ساكت بقاله فترة احترام ليكي…
بس النهارده… جرّحتي اللي بحبها قدامي.

+


بصّ على ربى… اللي دموعها مبتقفش.

+


بيجاد (بلطف موجوع):
– تعالي… نطلع فوق.

+


مسك شنطته، وحط إيده على دراع الكرسي، وبدأ يزقّه ناحية المصعد الداخلي.

+


قبل ما يدخل المصعد… بصّ لأمه للمرة الأخيرة.
كانت نظرته مش غضب بس…
كانت خيبة.

+


بيجاد:
– كنت أتمنى تستقبليها كزوجة ابنِك… مش كعيب في البيت.

+


نوال حاولت تتكلم، لكن منذر مسك دراعها بقوة وقال:

+


منذر (بحزم):
– ولا كلمة.

+


طلع بيجاد مع ربى، والباب اتقفل وراهم…
وربى كانت بتبكي بهدوء موجوع.

+


في الردهة اللي فضيت… اترددت كلمة واحدة:

+


منذر (لنوال بغضب):
– لو خسرتي ابنِك من لسانِك… ساعتها ما تلوميش غير نفسك.

+


وسكت البيت…
بس الصمت كان بيقول كل حاجة.
***********************

+


في الجزائر – بيت كامل بن عبد الغني

+


زليخة قاعدة على الكنبة، إيديها متشابكة من القهر، وعنيها مورّمة من كتر البُكا.
عبد الغني قاعد جنبها، راجل هادي بس شكله النهاردة متضايق ومكبوت.
سميرة قاعدة جنب الشباك، رجلها بتتهز من العصبية.
أما ليلى – بنت عم كامل – فكانت عاملة نفسها هادية… وهي في الحقيقة مستنية أي خبر عن كامل وقلبها شغال.

+



        
          

                
زليخة (بقهر وعصبية):
– يا رب إحنا عملنالها إيه؟! إيه المصيبة اللي خلتها تهرب وتسيب جوزها كده… من غير ولا كلمة!
تقف بتوتر
– شهرين يا عبد الغني… شهرين! وهو كل يوم يتصل بيها وقلبه مولّع… وهي ولا كأنها تسمع! ولا حتى رسالة “أنا بخير”! يا لطيف… ده قلب إيه دا؟!

+


عبد الغني (يحاول يتمالك نفسه):
– كنت فاكرها بنت أصل… والله كنت شايفها ست بيت 
مش اللي تهرب وتسيب جوزها محترق كده.
كامل بيضيع قدّامي يا زليخة… بيذبل!

+


سميرة (منفجرة غيظ):
– متقولوش ست بيت! دي ست خانتنا… خانتنا كلنا!
تخبط على الترابيزة
– تسيب أخويا كده من غير سبب؟! وتروح ترفع عليه خلع؟! بالله هي حصلها إيه؟
– كنا بنحبها واعتبرناها مننا… وطلعت ألعن مما نتخيّل!

+


زليخة (تمسح دموعها):
– يا بنتي… عمرى ما توقعت منها كده.
كامل بقى ظل إنسان… يرجع من الشغل ساكت… يوم يتكلم كلمة واتنين بالكثير.
ولا لما يتعصب؟ ولا لما يكتم؟ ولا يوم يضرب إيده في الحيطة؟
– ده كامل الحنين… كامل الطيب… تسيبه كده؟!

+


ليلى (ببرود بس فيه لمعة شماتة):
– بصراحة… أنا مش مستغربة. من الأول وأنا بقول: كامل يستاهل واحدة تقدّره… مش واحدة تهرب في نص الليل.
ترفع كتفها كأنها بريئة
– واللي ما يعرفش قيمة الراجل… يسيبه ويروح.

+


سميرة (تبصّ لها بحدة):
– ليلى… اسكتي أحسن. مش وقتك.
كامل عمره ما حب غير مراته… وانسي الموضوع.

+


ليلى (تظهر لا مبالاة لكن الغيرة فاضحة):
– ما هو مراته رفضاه… وأنا لا.

+


زليخة (تنفجر لأول مرة):
– ليلى! بلاش تزودي النار!
تتنهد بقهر
– مشكلتي مش معاكي… مشكلتي معاها هي… ريما.
– تتجوز وتقوم تهرب؟ من غير سبب؟ من غير حتى تفسير؟
– ربنا يهديها… يا ياخد حقّنا منها.

+


 عبد الغني ينهض بنبرة قلقة:

+


عبد الغني:
– قالوا لي في الشغل… كامل النهارده ما فتحش بقه مع حد. اشتغل ساكت… وما تغدّاش.
– لو فضل كده… يمرض نفسه والله.

+


سميرة (بحزن):
– لما يشوف رقمها… إيده ترجف.
– وبعدها يقفل الموبايل ويقول: “يمكن النهارده ترد”.
– شهرين يا بابا… شهرين! وهي ولا حياة للي ينادي.

+


ليلى (بخبث ناعم):
– يمكن… ما تستاهلش أصلاً يتعب نفسه عليها؟
تبصّ للكل
– يمكن مش في خطر… يمكن هي مش شايفاه مهم.

+


زليخة:
– لو كانت في خطر كانت ردّت!
– لكن تروّح وتسيب له ورقة: “عايزة أتطلق”؟!
– يا ساتر…

+


 صوت باب يتفتح فجأة

+


يدخل كامل.

+


وجه شاحب، دقن طالعة من الإهمال، عينين حمرا من البكا والسهر.
يرمي المفاتيح عالطربيزة… ما ينطقش ولا كلمة.
ماشي على السلم ببطء… رايح أوضته.

+



        
          

                
زليخة (تركض له):
– يا ضنايا… كلّيت؟
– كامل… رد بالك على صحتك يا ابني…

+


كامل (صوت مبحوح مكسور):
– مش عايز أتكلم… ما عنديش كلام.

+


عبد الغني (يحاول يوقفه):
– استنى يا كامل… لازم نتكلم.

+


كامل (لأول مرة صوته يرتجف):
– يا بابا…
يبتسم بسمة وجع
– هي ما بتحبّنيش… وما حبتّنيش يوم.
– كنت عايش حلم… وهم… بس أنا اللي متمسك.

+


سميرة (دموع تتجمع):
– خويا… بالله عليك…

+


كامل (يبصّ للجميع بعين منكسرة):
– شهرين… شهرين وأنا بابعت مسجات… بتصل… أترجّاها ترد… حتى تقول “أنا عايشة”.
– بس ولا رد… ولا صوت.
ياخد نفس كأنه مخنوق
– يمكن… الغلط مني… يمكن هي مش بتاعتي… يمكن جبتها البيت اللي مش لها…

+


زليخة (بصراخ موجوع):
– لا تقول كده!
– اللي ما تستاهلكش هي… مش أنت!

+


كامل (يرفع إيده يوقف الكلام):
– خلّص… ما بقتش قادر.
– هنام… عندي شغل بدري.

+


يطْلع السُلَّم بصعوبة…
إيده بترتعش… قلبه بيكابر… وروحه بتنزف.

+


يسود الصمت

+


زليخة (تبكي بصوت مختنق):
– يا رب… رجّع لنا كامل بتاع زمان…

+


عبد الغني (بحزن تقيل):
– الموضوع مش مجرد قلب مكسور…
– فيه سر كبير… هي مخبيه.

+


سميرة:
– أياً كان السر… ما يستاهلش الهروب كده.

+


ليلى (بهدوء بارد سام):
– يمكن… كان لازم يختار من البداية واحدة تانية.
تبتسم لنفسها بخبث خفيف
 وتنتهي المشهد على وجوه العيلة…
كل واحد غارق في وجعه بطريقته:
غضب… قهر… خيبة… وقلق على كامل اللي بيتكسر ببطء.
*****************************

+


في فيلا الشرقاوي – غرفة ريما

+


الغرفة ضلمة، مافيهاش غير نور خفيف من الأباجورة اللي جنب السرير.
ريما قاعدة على أطراف السرير، لسا لابسة حجابها والبَلوفر الخفيف… ولا حتى فكّت هدومها من وقت ما رجعت من السجن.
عيونها محمّرة وتعبانة… وشها شاحب من كتر الكتم والدموع اللي ما نزلتش.

+


تشيل دبلة الجواز من صباعها، تبصّ لها… كإنها ذكرى موجعة.

+


ريما (بصوت مكسور، بتكلم نفسها):
– ليه كده يا رب؟
– أنا عملت إيه عشان أطلع من بيت جوزي ألاقي أبوي قاتل؟
– أعمل إيه؟ أعيش إزاي بالحقيقة دي؟
تحط وشها بين إيدها
– كامل… يا كامل… والله ما استاهلك… والله ما استاهلك!

+


تقوم وتتلف في الأوضة بعشوائية.
تفتح الشباك، الهواء البارد يدخل بقوة… وهي ولا حاسة بحاجة.

+


ريما:
– هربت… هربت عشان مش قادرة أشوف في عينه السؤال ده:
"ريما… بنت مجرم؟"
– مش قادرة أتحمل النظرة دي… مش قادرة أشوفه بيِتوجع بسببي!

+



        
          

                
تمسك بطنها بخوف…
الخبر اللي قالته لأبوها النهارده… ومع ذلك ولا اهتزّ.

+


ريما (توشوش، الدموع تنزل من غير ما تقدر توقفها):
– حتى لما قلتله إني حامل…
– ولا اهتم…!
– أب…؟! ده حجر يا رب… حجر!

+


تقعد على الأرض، تسند ضهرها للحَيطة، متكوّرة زي طفلة تايهة.

+


خبطة بسيطة على الباب.

+


صوت راجل كبير، هادي… فيه حنية.

+


عبد الرحمن (من ورا الباب):
– ريما… يا بنتي؟ أقدر أدخل؟

+


تمسح دموعها بسرعة… بس صوتها باين عليه البكاء.

+


ريما:
– اتفضل يا جدي…

+


يدخل الحاج عبد الرحمن، راجل كبير في السبعينات، طويل شوية، نظرة عينه فيها وجع لكن قلبه طيب.
أول ما يشوفها بالشكل ده… قلبه يتقطع.

+


يمشي ناحيتها ببطء…
لكن ريما تجري عليه قبل ما يوصل نص الأوضة.

+


ريما (ترتمي في حضنه وتنهار):
– جدييييي…
– تعبت… تعبت قوي!

+


يحوطها بإيده ويمسح على راسها بحنان أبوي صادق.

+


عبد الرحمن:
– يا بنتي… مالك؟
– سليم قالي إنك زورتي أبوكم النهارده… لقيتيه إزاي؟

+


ريما ترجف أكتر… السؤال جرّحها من جديد.

+


ريما:
– لقيته… مفيش!
– لا كلام… لا إحساس… لا سؤال!
– حتى لما قلتله "بابا… أنا حامل"
تشّهق
– ماعملش أي رد فعل!
– كإني قلت كلمة عادية!

+


عبد الرحمن (بحزن):
– يا خسارة يا بنتي… يا خسارة!
– والله لو الزمن يرجع… ماسمحتش له يغلط غلطة واحدة تضركم!

+


ريما:
– أنا خايفة يا جدي…
– خايفة من اسمي… من دمي…
– خايفة الماضي يلحق كامل.
تتوسل
– أرجعله إزاي وأنا بنت قاتل؟
– أواجهه إزاي وأنا أحس إني عار علي حياته؟

+


يمسك وشها بحنان، ينظر في عينيها.

+


عبد الرحمن:
– بصيلي كويس يا ريما…
– إنتي مالِكيش ذنب!
– الذنب ذنبه هو… مراد… ابني اللي ضيّع نفسه.
– إنما إنتي… انتي طاهرة وقلبك أبيض… والله أبيض!

+


ريما (تنوح):
– كامل طيب… نضيف… مايستاهلش مشاكل…
– وأنا حياتي كلها وجع!
– هجيب له الوجع بس.

+


عبد الرحمن:
– لا يا بنتي…
– إنتي هربتي مش عشان تحميه…
– إنتي هربتي عشان خايفة!
– وكامل بيحبك… واللي في بطنك محتاج صوت أبوه.
– ولازم ترجعي له.

+


ريما (تهز راسها بعناد وخوف):
– لااا جدي…
– أول ما يشوفني هيشوف اسم أبويا قبل وشّي…
– هيشوف عار!

+


يوسع حضنه ويضمها من جديد.

+


عبد الرحمن:
– يا حسرة قلبي عليكي…
– مراد هَدّ حياتنا… وأنا ندمان والله ندمان.
– بس ربنا عوّضنا فيكم… فيك وفي سليم.

+



        
          

                
ريما تهدى شوية… صوتها يطلع ضعيف:

+


ريما:
– أنا تايهة…
– أعمل إيه؟ أرجع؟ أواجه؟ أكمل هرب؟
– أنا حامل… ومن غير جوز… من غير سند… من غير أمان!

+


عبد الرحمن (يمسح دموعها):
– السند ربنا… وبعده كامل.
– والباب لسه ما اتقفلش…
– لو رجعتي دلوقتي… هتلحقي تصلّحي.
– بس بعدين؟ يمكن يفوت أوانك.

+


ينظر لها بثبات… نظرة معناها "ارجعي قبل تخسريه"

+


عبد الرحمن (بحنان):
– ريما… يا بنتي…
– لازم ترجعي لكامل… قبل ما يضيع من إيدك.

+


ريما تنهار في حضنه تاني، تبكي بصوت مخنوق…
وكأنها لأول مرة تخرج الوجع اللي حبسته شهرين.

+


الصورة تثبت على حضن الجد وهو يطبطب عليها…
بينهم دعوة صامتة…
وبصيص أمل صغير… بين سواد كبير.
*********************
 فيلا الزهراوي / مكتب زياد

+


كانت غرفة المكتب تغرق في صمت خانق… فقط صوت أنفاس زياد المضطربة يملأ المكان. الهاتف ما يزال فوق الطاولة، شاشته مطفأة، لكن صداه يرنّ في رؤوسهم جميعاً.

+


زياد وقف قرب النافذة، كتفيه مشدودان، يده ترتجف وهو يضمها بإحكام.
عاصم يقف في المنتصف، فكه معقود، وعيناه تائهتان بين الغضب والخوف.
يدخل أدهم أولاً، ثم خلفه العميد آدم العطار.

+


زياد (بعصبية مكتومة وهو يمسح على وجهه):

+


مش قادر أصدق… مراد؟! من السجن يتصل؟! ويهددني أنا؟! ويقول "هارجع… وولا واحد فيكم هيفضل مرتاح"؟!
إزاي؟! إزاي يا آدم؟!

+


آدم (بجدية عسكرية):

+


مراد ما كانش يقدر يرفع سماعة في السجن من غير ما حد يساعده.
ده مش تهديد عابر… ده ترتيب.
في حد بيصرفله… بيوصلّه… وبيفتحله أبواب مش المفروض تتفتح.

+


أدهم (يحرك رأسه بحدة):

+


كنت متوقع يعمل حاجة، بس مش كده… مش بالجرأة دي.
مراد طول عمره مختبّي وبيتحرك من ورا الضهر… لكن إنه يتصل بيك يا زياد؟
ده معناه إنه مش خايف… ومعناه إنه مجهّز حاجة تقيلة.

+


زياد يضرب بيده على الطاولة فجأة، فيقفز عاصم من مكانه.

+


زياد (بصوت مرتفع مخنوق بالغضب):

+


ليه مش خايف؟! ليه؟!
حور وليل وولادي الصغيرين… أنا مش هاسمح المسخرة دي تتكرر!
أنا عشت مع الراجل ده سنين… وعمري ما تخيلت إنه هيطلع وحش بالشكل ده.

+


عاصم (يتقدم خطوة، صوته حاد):

+


وأنا…
أنا مش هاسمحله يقرب من ليل تاني.
ولا منك… ولا من البيت ده.
المرّة دي… لو فكر بس ييجي ناحية حد منكم… مش هرحمه.

+


زياد ينظر إليه بحدة، ثم بنفس اللحظة بنظرة امتنان مكتوم.

+


أدهم (موجهاً الكلام لآدم):

+



        
          

                
هو اتصل من رقم مجهول… قدرت تعرف مصدر المكالمة؟

+


آدم (يهزّ رأسه):

+


بيحاول يخفي أثره…
بس نبرة صوته؟
الهدوء؟
ده مش شخص محبوس بقاله شهور… ده شخص واثق إنه هيتحرر قريب… أو إنه حر بالفعل.

+


يصمت الجميع فجأة.
الكلمات الأخيرة سقطت عليهم مثل صاعقة.

+


زياد (بصوت منخفض يرتعش بالغضب):

+


عايز تقول إن في احتمال إنه برا السجن؟

+


آدم:

+


أقول إن في احتمال كبير إن حد بيسهّل له خروجه… أو خرّجه فعلاً.
والمصيبة… إن النفوذ اللي وراه مش قليل.

+


عاصم (يميل للأمام، صوته ينخفض لكنه يغلي):

+


لو خرج…
هتبقى حرب.
وأنا مش هقعد أتفرج عليه وهو بيدمر ليل تاني… وهي خلاص، لسه بتحاول تفهم حياتها… وأنا…
أنا مش مستعد أخسرها.

+


زياد ينظر إليه بنظرة طويلة، عميقة، كأنها المرة الأولى التي يرى فيها مشاعر عاصم واضحة بهذا الشكل.

+


زياد (بهدوء ثقيل):

+


أنت بتحبها… وأنا عارف.
وعارف إنك مش هتسيبها.
لكن إحنا كلنا دلوقتي في خطر… مراد لما يتوعد، بيتوعدش لأشخاص… بيتوعد لعائلات.

+


أدهم (يضرب بكفه على الطاولة):

+


اللي لازم نفهمه دلوقتي مش تهديده…
لكن مين اللي واقف وراه وبيساعده.

+


آدم:

+


وأنا هبدأ من دلوقتي أراجع كل التحركات…
مراد مش هيستخبى للدرجة دي لوحده.

+


زياد يتنفس ببطء، يحاول يستعيد سيطرته.

+


زياد (بحزم):

+


من اللحظة دي…
البيت ده في حالة طوارئ.
حور… ليل… الولاد… محدش يخرج لوحده.
وأنا… مش هسمح لأي ظل من ماضي مراد يدخل حياتنا تاني.

+


عاصم (ينظر للجميع، ثم ببطء):

+


ولو رجع…
أنا اللي هقف له.
ولو اضطرّيت…
هيكون آخر يوم في حياته.

+


الجميع يصمت.
المشهد يغلق على وجوه ممتقعة بين الغضب والخوف…
والهواء نفسه مشحون بقدوم شيء كبير…
شيء مظلم…
شيء اسمه عودة مراد.
********************
في سجن مراد الشرقاوي

+


كان الليل يهبط ببطء فوق مبنى السجن…
الجو خانق، والرطوبة تزحف على الجدران كأنها تراقب أنفاس كل سجين.

+


داخل غرفة الزيارة المغلقة، جلس مراد الشرقاوي مكبّل اليدين، ظهره مستقيم، وعيناه تلمعان ببرود شرير.
كان واضحاً أنه ينتظر أحداً… لا تبدو عليه أي آثار للندم أو الضعف، بل تعلو شفتيه ابتسامة مستفزة كأن السجن بالنسبة له مجرد استراحة مؤقتة.

+


فتح الباب الحديدي فجأة…

+


خطوات بطيئة.
ثابتة.
ثقيلة.

+


دخل شخص… ملامحه غير واضحة، رأسه منخفض قليلاً، معطف أسود طويل، وصمت يسبق ظله.

+


رفع مراد حاجبه، ثم مال للأمام، وابتسامة واسعة ومليئة بالتهكم شقت وجهه:

+


مراد بابتسامة ساخرة:
هاه… شوفوا مين قرر يشرفنا اليوم.
واضح إني ملك فعلاً… الكل بيشتاق لي حتى وأنا في السجن.

+


لم يرد الزائر.
جلس بهدوء أمامه… وضع يديه على الطاولة… لم يظهر من أصابعه إلا أنها يد لشخص ليس ضعيفاً.

+


مراد يضحك بخفوت:
إيه يا…
ما كنتش متوقعك تيجي بنفسك.
بس واضح إن الدنيا لسه بتحترمني أكتر من اللازم.

+


ظل الشخص صامتاً، لكن نظراته—رغم أننا لا نراها—كانت كافية لتسحب ابتسامة مراد لثوانٍ قبل أن يعيد رسمها.

+


مراد بصوت منخفض لكنه مليء بالشر:
إيه… جاي تتأكد إني لسه عايش؟
ولا جاي عشان ترتّب حاجتك اللي قولتلي عليها؟

+


لم يتحرك الزائر.

+


مراد يميل للأمام، نبرة صوته تصبح أغمق:
اسمع…
أنا قلتلك قبل كده…
اللي بدأته لازم نكمّله.
وصدقني…
السجن ده؟
مش هيوقفني.
ولا هيوقفك.

+


كان الصمت كثيفاً، كأنه جزء من مؤامرة.

+


مراد يتابع، بابتسامة باردة:
بلغ… إياه.
إنّي جاهز.
ولما أخرج…
مفيش حد هيفضل واقف على رجليه—لا زياد… ولا أدهم… ولا حد من العيلة دي كلها.

+


أخيراً تحرك الزائر…
نهض ببطء، وكأن حضوره وحده تهديد.

+


قبل أن يستدير، قال بصوت خافت، مشوّش، لكن يحمل نبرة أمر:

+


الزائر الغامض:
… الوقت قرّب.

+


عين مراد اتسعت بنشوة الانتصار:

+


مراد بخبث:
تمام…
بس خليك فاكر…
اللعبة دي…
أنا اللي ببدأها…
وأنا اللي بنهيها.

+


غادر الزائر دون أن يلتفت.

+


وبقي مراد، يضحك ضحكة مكتومة، فيها جنون وثقة قاتلة…
ضحكة تؤكد أن القادم أسوأ بكثير مما توقعه أي أحد.


+


*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*





تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close