اخر الروايات

رواية الغضب الاسود الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية الغضب الاسود الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم الكاتبة كوين اسمهان


الفصل 21|خلف ستار الغضب


                                              
كانت شمس كينغلاند لسنوات تسبحُ في فلكها و تُلقي تحيِّاتها على رؤوس الأشجار العارية من البهجة؛ لكن بعد قدوم امرأة تُدعى ماريغولد تغيرت أشياء عدة، باتت الشمس عن يمينها و يسارها ترسلُ خيوطها الدافئة لمداعبة بتلات الورود التي غدت جزءً من الأرض، و راحت نحلات الحقول البريَّة البعيدة تتمايلُ مُراودةً الزهور عن رحيقها، و الأغاني التي أصبحت تلحنها الطيور في وثبات رشيقة من غصن لآخر، و الهواء الخافق بالأوراق العريضة، و خرير نهري وارين و دونيللي الذين يقطعان كينغلاند في خطين مرتعشين، كل ذلك شكل رقصة بوهيمية متناغمة.

9


مرَّ أسبوع مُذ بدأت ماريغولد تنشرُ سحرها حول البيت، زرعت كل شيء يمكن أن يطرب الجو، و يثقل النسيم بالعطور الشذيَّة، و يجلب البسمة إلى ثغر أي كان، عدا هارولان الذي لم يُكسر الجليد المتجمع حول شفتيه بعد!

+


   في آخر يوم من ذلك الأسبوع، سأله لِيو بينما مرَّ بجانبهما قاصدًا مكتبه:

+


"خالي، هل يمكننا أن نغرس بعضا من هذه الورود و الزهور الجميلة حول بيت المكتب أيضا؟".

+


اختلج فمه، و سطعت عيناه بلون رصاصي، ضغطت ماريغولد على كتف الصبي كي توقفه عن الكلام، فهي تخشى أن يجرحه رد خاله، لكن المفاجأة أن هارولان لم يعارض، و تمتم ببساطة:

+


"لا ضيرَ إن كان هذا ما تريدانه!".

+


هل هذا هو كينغ الأسود فعلا؟ ارتعشت جفونها و هي تحدق فيه مذهولة بموقفه، فيما كان هو يجاهدُ لتجاهل ساقيها الطويلتين اللتين كشف عنهما فستان أبيض يعلو الركبتين قليلاً، و قدميها الصغيرتين اللتين اختفتا داخل حذاء المزارعات الطويل، وجد بشرتها المعرضة للشمس مشابهة تماما لحقول السنابل الذهبية التي تتموج مراقصة عبير الكروم الغربية و هواء السهول البعيدة!


11


"هل نباشرُ ذلك على الفور صديقتي؟".

+


عدَّلت ماريغولد من قبعة لِيو المائلة ضاحكة، و أجابت سؤاله و هي تجرُّ إصيصًا كبيرًا يحملُ شجرة الجكراندة:

+


"سنفعلُ بكل تأكيد، لكن... ليس الآن أيها المزارع الصغير، يجب أن ننهي عملنا هنا أولاً!".

+


تدخل هارولان لمساعدتها، و التقط الإصيص بسهولة كأنه غرض تافه، ثم سألها:

+


"أين تريدين وضعه؟".

+


"هناك".

+


أنزله حيث أشارت، و صفق بيديه ينفضهما مغادرًا، على أنها استوقفته قائلة:

+


"سيد كينغ!".

+


أمسك عن السير ملتفتا نحوها، إنه يكره هذا الشعور الآسر الذي تمارسه أعماقه ضده مُذ التقاها أول مرة، عيناها البندقيتان تستدرجانه إلى عالم مجهول يتوجس من اكتشافه، و صوتها الناعم... سيقوده إلى الجنون حتما! طلبت منه أن ينتظرها لحظة لتأتيه بشيء ما، اختفت بين الأشجار لتعود و بين يديها إصِّيصٌ صغير به نبتة صبَّار نمت حديثا، و هتفت مبتسمة:

8



                                      

                
"لقد فعلتَ الكثير من أجلي، أتمنى أن تقبل هذه الهديَّة مني!".

+




عادت بها الذاكرة إلى ليلة أمس حين استدعاها هارولان إلى مكتبه، و قدم لها مبلغا دسما من المال قائلا:

+


"هذا المال لكِ".

+


أردفت مستنكرة أن تقبل شيئا كهذا:

+


"لا أريدُ مالاً منك".

+


"ستأخذينه سواء أردتِه أم لا، فهذا راتبك!".

6


اهتزَّ جسدها و تساءلت متعجِّبة، مانعة يديها من التقاط مظروف المال:

+


"لم يمضِ على عملي سوى أسبوعٌ واحد، لماذا تدفعُ لي بهذه العجلة؟".

+


أشعل لنفسه سيجارة، و امتصها بشدة، ليردَّ مرتاحا على مقعده:

+


"لأنني هكذا قرَّرت، و لا أحد يناقش قراراتي!".

+


علَّقت ماريغولد عاقدة ذراعيها أمام صدرها:

+


"حين تتعلَّقُ قرارتُكَ بي ستجدني أناقشكَ فيها... شئتَ أم أبيت سيد كينغ!".

14


كانت نبرة صوتها منخفضة و شديدة الأدب؛ لكن كلماتها عرفت قوة مذهلة، أبقى هارولان السيجارة عالقة بين أسنانه المتلاصقة، فيما باعد بين شفتيه ليقول شيئا في المقابل، غير أنها سبقته مستطردة:

+


"أفضل أن أتقاضى راتبي آخر الشهر كأي عامل عادي لديك!".

+


تنهَّد هارولان متضايقا من عنادها، و ترك مقعده و هو يقول بإصرار:

+


"اعتبريها إكرامية، لقد قمتِ بعمل مبهر حتى الآن! و هذه جائزة اجتهادكِ طيلة الأسبوعِ الفارط".

+


أراحه أنها استسلمت للصمت، فأضاف بنبرة تشبه المداعبة نوعا ما:

+


"ألا تريدين شراء سماعات جديدة للسيدة لوريل؟".

6


أذهلها إلى أين تتجه أفكاره، يا للسموات! إنه يقلق بشأن ما يقلقها، و يهتمُّ لأمر تلك المرأة العجوز التي قابلها مرَّة واحدة و ربما لا تعني له شيئا! أو لعلها تعني له! خجلت من نفسها، كيف فكَّرت سابقا أنه رجل غير رحيم؟ ترقرقت عيناها متمتمة:

7


"هل أنت... جاد؟".

+


أكَّد لها ذلك بحركة من رأسه، وضع المظروف بين يديها، فقبلته صامتة، و استأنف قوله عائدًا لمقعده:

+



        

          

                
"سأحجزُ لها موعدًا قريبًا لدى أحد أصدقائي، إنه جرَّاح سمعيات بارع، سيعاينُ حالتها أولا، ثم يرشدكِ لنوع سماعات جيد!".

2


عادت ماريغولد إلى واقعها مفلتة سراح تلك الذكرى الجميلة، تأملت مثله الإصِّيصَ الذي لم يتناوله بعد، ثم مضت في حديثها موضحة:

+


"طلبتُها من أجلك عبر هاتف البيت هذا الصباح! و لم يتأخر عاملُ التوصيل في المجيء بها".

+


احتجَّ هارولان و هو يواصلُ صراعه مع مشاعره الغامضة:

+


"منحتكِ المال من أجلكِ و من أجلِ جارتكِ!".

+


"هذا صحيح، لكنَّه مبلغ كريمٌ جدا، و يغطي ثمن عدَّةِ سماعات، و بالنظر إلى الأحداثِ الأخيرة، من واجبي أن أقدِّمُ لك شيئًا".

2


تغنَّجت بعينيها مردفة:

+


"رجاءً تقبَّلها سيد كينغ!".

1


كانت تعلم يقينا أنه عدو هذه الأشياء، لكنها اعتادت أن تستميت في المحاولة للوصول إلى مبتغاها، و هذه المرة لن تفقد أملها حتى تبلغ ما تنشدُه، و تتغلغل إلى أعماقه، فتمسح عنها الظلام الموحش! تدخَّل لِيو مذكرا إياهما بوجوده، فسأل بشكل مضحك:

+


"قُلتِ البارحة أن كل شخص منا يشبه نوعًا معينا من الورود، هل هذا يعني أن خالي هارولان يشبه الصبَّار؟ هل هو جافٌّ و شائكٌ أيضا؟".

80


حسنا، ليس التشبيه بعيدا عن الواقع، فنظرةُ هذا الرجل شائكة، و غضبه جارح؛ غير أنه رغم وحشيَّة مظهره... يبدو جميلاً في أنحاءٍ كثيرة، انتظر تعليقها بفضول يفوق فضول الطفل، تعمقت ابتسامة ماريغولد أكثر من ذي قبل و هي تجيب حيرتهما، ناظرة في عيني هارولان:

+


"و ما العيبُ في أن يكون المرءُ مشابهًا للصبَّار؟ إنه نبات مقاوم، يتشبَّثُ بالحياة، و يرفضُ الإنحناء، و هكذا هو خالك، يتشبَّثُ بأرضه، و يرفضُ الإنحناء لقسوتها، بل إنه يوازيها صلابةً و جلادة، لا تذيبه شمسها المحرقة، و لا تزيده متاعبها إلا صبرًا و تحاملاً، برأيي... من الرائع أن يكون المرءُ صبَّارًا يا عزيزي!".

18


امتدَّت يد هارولان منبهرًا بما طرق أذنيه، و ها هو يأخذ الإصِّيصَ دون تمتمة شكر، إلا أن ماريغولد لم تستأ، و لم تكن تنتظر أن يبتسم و يمتنَّ لها، إنها في نهاية المطاف تقحمُ في حياته شيئا لا يحبه، و قبوله هذا الشيء في صمت أعظم من أي شكر و امتنان يأتي على لسانه! قبض على الهدية بشدة، كأنه يخشى أن تنزلق من بين أصابعه، فتتهشَّم، أشاح عنها، و أثناء سيره مبتعدا، هتفت مذكرة:

1


"لا تنسَ أن تسقيها، صحيح أنها صغيرة و جافَّة، لكنها تحبُّ اللطف، و ستزهرُ قريبًا!".


5


مع مطلع الأسبوع التالي، كان منظرُ شجرة الجكراندة(١) في الحديقة المواجهة لمدخل البيت رائعا، خصوصًا و قد اقترب موعد عيد الميلاد، بعد أيام قليلة ستبدأ سنة جديدة، و ستتحرك الشفاه و تخفق القلوب بأمنيات كثيرة، بعضُها قد يتحقق على الفور، و البعض الآخر قد يتأجَّل أو يتلاشى! شُجيرة القطيفة كذلك بدت نظِرة مشرقة و جاهزة لتزين بورودها المتفتحة الأكاليل التي يصنعها الأبورجينز(٢) احتفالا بدخول العام الجديد.

+



        
          

                
   خطت ماريغولد بنشاط حول مكتب هارولان، و خلفها لِيو يحملُ لها صندوق الشتلات، بينما كان هارولان يراقبهما من خلف الزجاج دون أن يلاحظاه، راح و جاء ببصره على جسدها الرشيق، كانت مختلفة اليوم، ترتدي قميصًا بيضاء من الكتَّان الخفيف، و من كمَّي القميص الطويلين برزت يداها النحيلتان كيدي دمية، و قد كسا ساقيها بنطالُ جينز باهت اللون، و كان شعرها معقوصا في ظفيرة تسترخي على أحد كتفيها و قد ظفرت مع خصلات شعرها منديلاً جمع ألوانا متصارعة، كأنها ذاتها الألوان التي تصرخ بها ورود البراري، لم تكن تضع قبعتها، ربما يحق لها ذلك اليوم، الجو يبدو لطيفا، و السُّحب التي كررت زيارتها لسماء كينغلاند تعِدُ بنفحة من الرذاذ المنعش في أيَّةِ لحظة، تراجع عن النافذة بصعوبة، أعلن كفايته من تأمل سقوط شعاع الشمس الخجولة على جانب من وجهها السعيد كل حين، و جلس إلى طاولة مكتبه محاولاً مواصلة العمل على منحوتته النفيسة!

+


_____________________________________
(١) الجكراندة: شجرة ظل و زينة، ذات زهور زرقاء أو بنفسجية كثيرة التساقط، أوراقها خضراء ريشية الشكل.

+

اغتسلت ماريغولد بعد الظهر، و شاركت لِيو لعبة الأحجيات في غرفته، ثم لاحظت أن عيناه النَّعستان تتوقان لغفوة، فحملته إلى سريره، ثم قبلته، و اتجهت إلى المطبخ تنشدُ رفقةً أخرى. و كما هو معتاد، عالم الخدم حيويٌّ يبعثُ على الضحكِ تارة و الإجلالِ بما تكابدُه الأجساد المجتهدة في العمل تارة أخرى، حرَّرت هانا طيَّات كمَّي ثوبها الأخضر، و انهارت على مقعد مستسلمة، و خرج السيد لي في مهمة لتفقد نواقص مخزن مواد التنظيف و مبيدات الحشرات التي تضايق أهل المزرعة، في حين اتَّجهت كلٌّ من آديا و تِيا إلى البوابة الكبيرة لإطعام كلاب الحراسة، أما سيدني فقد تبادلت حديثا طويلا مع ماريغولد حول موضةِ الصيف الرائجة، ثم انتقلت للحديث حول عيد ميلاد السنة الماضية، لتقف عن مجلسها بعد ذلك مُكرهة ما إن أمرتها هانا ساخطة:

2


"أريحي رأس الآنسة من ثرثرتكِ، و عجِّلي بإعداد القهوة للرجال، المساكين! الله وحده يعلمُ كيف هي حالهم هناك؟".


+



        
          

                
انصرفت سيدني متأففة إلى مهمتها، شعرت أنها بائسة لا تتحرك لغير العمل و العمل و العمل! ربما سيأتيها يوم و تتزوج رجلا ثريا، لتتخلص نهائيا من هذه المتاعب السخيفة التي تنشرُ بقعا بشعة على يديها الناعمتين! و على عكسها كانت ماريغولد تفكر أن العمل يمنحها متسعا أكبر لتشعر أنها على قيد الحياة، خجلت من جلوسها بينما الكل يعمل، و أدركت بعين خبيرة، أن ساري التي كانت تنظف رفوف الأواني شاحبة الوجه على وشك السقوط مغشية، سارعت نحوها ملتقطة من يدها آنية زجاجية، و قالت بلطف تمسك بمرفقها:

+


"هل أنتِ بخير؟".

8


انتفضت هانا قلقة و قد تغضن وجهها و انكمش فمها في تعليق مرير:

+


"قلتُ لكِ صباحا أن تلازمي الفراش ريثما نطلبُ لك الطبيب، يا لعنادك!".

10


أجابت ساري بوجهٍ تعِس:

+


"لا داعي للطبيب، أعتقدُ أنني لم أنم جيدا في الليالي السابقة".

+


تدخلت ماريغولد مقترحة:

+


"لا أظن أنها ستتمكن من مواصلة العمل بهذا الجسد الخائر! عليها الخلود للراحة".

+


"لا أشكُّ بهذا!".

+


وافقت هانا على الاقتراح دون مماطلة، و قادت ساري إلى جناح الخدم، حيث يتسنى لها استرجاع شيء من نفسها، و على لسانها كلمات مطبطبة تشجع من خلالها روح الخادمة التي آلت منذ أيام إلى فتور! فتحت سيدني فمها زافرة بقوة، و بين يديها تراقصت الفناجين مرتعشة، و لاحظت ماريغولد ضمور وجه هذه و تعبها أيضا، فأرسلتها إلى الطاولة من جديد قائلة:

+


"هاتِ عنكِ، سأتولى أخذ القهوة للعمال اليوم".

+


استقبلت سيدني الخبر بابتهاج، و سرعان ما خلعت عنها المرولة و الحذاء المؤلم، و جلست غاطسة برأسها بين صفحات المجلَّة لتتيه عيناها بجوارب صوفيَّة معروضة أسفل حقيبة لم ترُق لها كثيرا، و تخاطب نفسها حالمة:

+


 «آه! حين أسافرُ خلال عطلتي المرجوَّة إلى سويسرا ستبدو هذه الجوارب الدافئة رائعة عليّ!". 

+


   سكبت ماريغولد القهوة في الكظيمة(٣) و استعلمت من سيدني عن الطريق إلى الحضائر حيث يعمل الرجال اليوم، لتنطلق رويدا رويدا مستلطفة الجو، و بيدها السلة التي رتبت داخلها الفناجين و الكظيمة و علبة شطائر محلاَّة أعدتها هانا لفطور الصباح و لم تنفذ.
_____________________________________

+


(٣) الكظيمة: إبريق القهوة الحافظ للحرارة و يُدعى أيضا الدَّورق.
_____________________________________

16


قدَّرت بُعدَ الحضائر عن البيت، مدركة أن المسافة التي قطعتها في السابق نحو أرض الجياد لا تساوي شيئا أمام الطريق الملتوي المترب الذي تخوض غماره الآن، لكنها محظوظة رغم ذلك بوجود السحب الحاجبة للشمس، تخبَّطت ماريغولد بخطواتها على الأرض لنصف ساعة أو يزيد، حتى خشيت أن تبرُد القهوة في كظيمتها. داخلَها شعور بالارتياح لاعتقادها بأن هارولان في مكتبه، هذا يبقيها بمنأى عن انتقاده اللاذع، ثم لا حصان ثائر هنا، و هكذا هي بمنأى أيضا عن أي خطر محدق!

+



        
          

                
بدأ خوار الأبقار يخالج أذنيها، فريقٌ من العجول التي فطمت حديثا يتم فحصه هناك، و آخر عاد للتو من جولة طويلة في المراعي، و قد تناولت أفراده الحشائش حتى التخمة، و لم تعد تنشُد سوى استلقاءً قريرًا داخل مملكتها، كان الكلُّ مشغولي الأيدي، و سمعت من بعض الأفواه أن رام و ريك عند الجياد، و دان ها هو ذا على مرأى منها يحاول السيطرة على القطيع الذي عاد من المراعي و يسوقه بأناةٍ نحو مكان ضجعته.

+


   وقفت ماريغولد متسائلة لأول مرة عن حكمة وجودها هناك، ثم ضربت بعرض الحائط سؤالها، و تقدمت عدة خطوات لتخاطب أحد الرعاة، لكن صراخًا سُمِعَ من حناجر بعض العمال أقصى الحضائر، و زوبعة غبار ثارت فجأة و تمخَّض عنها جسدُ ثورٍ مستشيطٍ يضرب الأرض بحوافره كأن في أعقابه الجحيم! راح قلب ماريغولد يقرع كطبول الأدغال و وقع منها إلى اللامكان، أفلتت السلة من يدها، و ابتلعت ريقها متعرقة، هل عليها أن تعيش هذا دائما هنا؟ بدأ الأمر بتمساح النهر، ثم الحصان البري، و الآن... يظهرُ هذا الثور الأسودُ من العدم! و يبدو عليه أنه جاهزٌ لغرز قرنيه الحادَّين في صدر أي كان!

10


تفرَّقَ الرجالُ جميعهم مُولين الأدبار من غضب الحيوان المتفجر، فيما تشجع أندرو ماكليان و راوغه هنا و هناك، ثم قفز كمصارعي الثيران الإسبان و دفع ماريغولد لتقع جانبا و تتفادى هجمة الثور، فتلقى طعنةً بسبب تلك المخاطرة اخترقت زنده، لتدوي صرخته عاليا، و بينما كان يحاول جاهدا تحمل الألم و الزحف للوصول إلى حبل الثور، الذي يتمرَّغُ خلفه بالتراب، تحرك الحيوان الثائر ثانية، و لم تكد ماريغولد تقف نافضة يديها، حتى قرر مهاجمتها هذه المرة بشكل أكثر دقة، لمحت التهديد يطوف عينيه المشتعلتين، فتراجعت بسرعة إلى الخلف، لتكتشف عند اصطدامها بجدار أول حضيرة، أنها محاصرة و ما من مفر! 

9


أغمضت عينيها، و أمسكت قلادة أمها بيدين مهزوزتين، و هي تشعر أن هذه هي نهايتها، و هذه هي أنفاسها الأخيرة! مكتشفة أن أشجع الناس أيضا يشعرون بالخوف، بل و يرتجفون أمام شبح الموت، و هذا ما لم تتخيله من قبل قط! ظنت طوال حياتها أنها محصنة ضد الخوف، لكن أرض كينغلاند أثبتت لها أنها مخلوقة ضعيفة رغم شجاعتها، و أن ما يجابهه الرجال هنا خطير بحق! شعرت بأنفاس الثور الحارة تصهدُ وجهها، إذن بلغها أخيرا، لكن لماذا لم يطعنها بعد؟ لماذا لم يُطِح بها أرضا؟ فتحت عينيها مضطربة، بحَّ خوارُ الثور و تقطع كأنه يختنق، لم تعقِل ما رأته خلفه، كان أحدهم يشدُّ الحبل باستماتة، أجل! يمكنها سماع حشرجة رجل يحاول سحب الثور بعيدا عنها، إنه... هارولان!


30


استمرَّ الثور يقاوم مهددا الوجه الفزع أمامه، فيما كزَّ هارولان على أسنانه، و بذل جهدًا جنونيًّا لشد حبله و جعله يتراجع إلى الخلف، و هو يكرر ذات السؤال في عقله: «ما الذي أتى بها إلى هنا بحق السماء؟»، لقد كان في إحدى الحضائر، يهرشُ بمشطٍ صغيرٍ جلد الأم كارلا التي ولدت هذا الصباح عجلها الثالث، لتهزه الصرخات فجأة، و ينطلق متحققا من مبعثها في قلق. لاحظت ماريغولد شيئا صادما على عنق الثور، فنسيت خوفها و الخطر الذي يشكله، و مضت تصرخ مخاطبة هارولان:

+



        
          

                
"توقف! أرجوك توقف عن سحب الحبل! أنت تؤذيه!".

5


انتقل الهياج إلى هارولان بعد كلامها، و صرخ بدوره:

+


"هل جُنِنتِ؟ إن أرخيتُ يديَّ لثانية واحدة... سيسحقكِ!".

2


لكن ماريغولد كررت استجداءها، و أثناء ذلك، كان غضبُ الثورِ يتصاعدُ ليبلغَ ذروته، أتى دان على إثر الجلبة مقدما العون لسيده، و شدا معا الحبل، و ترك البيطري العجول التي كان يفحصها، و التي بدأت تتدحرج هاربة لأمهاتها خوفا من خوار الثور، و سريعا طفق الدكتور أوكلي يحضر حقنة مخدرة، لكن ذكاء ماريغولد استيقظ، عملت ذاكرتها بسرعة، متذكرة ما أخبرها به جاك عن حياة المزارع، ربما لا تعرف الكثير مثل هارولان و رجاله، و لسوء الحظ لم تكن ترتدي سترة، لكن قد يفلحُ أي شيء! انطلقت على الفور تفك أزرار قميصها لتخلعها، خفض أندرو المتخبط بدمائه بصره، و أشاح دان بوجهه، حين تجردت الفتاة من قميصها و ألقتها على وجه الثور، و لم تذَر على نصف جسدها العلوي غير صدرية دانتيل زهرية لا تسترُ الكثير من جلدها الخمري، الذي تلألأ تحت خيوط الشمس كتمثال لازوردي، جحظت عينا هارولان، و جُنَّ جنونه، و اسودَّ العالم في وجهه، فدفع دان جانبا، و سحب الثور بقوة أكبر، حتى تضاعف حجم عضلات ذراعيه، و برزت عروقه أكثر! و لم يكن الأمر يستدعي شيئا من ذلك، فقد هدأ الثور بالفعل، و كانت تغطية رأسه فكرة عبقرية!


112


ضمَّت ماريغولد ذراعيها إلى جسدها العاري، و هي تشعر بالبرودة تسحقها، و القشعريرة الغريبة تسري فوق جلدها بلا هوادة، و لم تبرح مكانها بسبب الخجل، اطمأن هارولان إلى سُكون الحيوان، فسارع إلى إحاطة ماريغولد بقميصه المنزوع، و دفعها إلى بوابة الحضيرة، بينما همَّ الرجال بتحريك الثور بسلاسة شديدة و حذر مدروس. ظل هناك ينظرُ إليها بحدَّة و هي تدسُّ ذراعيها في كمَّي قميصه، كأنه يستبيحُ لنفسه ذلك دونًا عن بقية الرجال! سحبت يديها عن الياقة مضطربة من نظراته، لكن لا هو زحزح عينيه عنها و لا هي تجرأت على استهجان تلك الطريقة التي يطالعها بها! مدَّ يده و زرَّرَ بصبر نافذ آخر زر نسته، كي يضمن عدم ظهور إنشٍ واحد من جسدها للعيان، و سرَّه أن قميصه الأسود يكادُ يبدو كالفستان شديد الوسع بالنسبة لجسدها الأنثوي، و أن الكُمَّين بلغا أظافرها من فرط طولهما، و بالمختصر بدت ماريغولد كطفلة ترتدي قميص والدها!

11


أفسح لها المجال لتغادر الحضيرة، في تلك اللحظة استقام أندرو ضاغطا بيده على جرحه النازف، فسألته ماريغولد إن كان بخير، هز رأسه إيجابا، و قال:

+


"أنا محظوظ، فهذا الثور بالذات دائم الهياج، و غضبه قاتل". 

+


"آسفة لما حل بك!".

+


أردف خجلا:

+


"أنا من عليه التأسف آنستي، لا أصدق أنني كنتُ في البداية بذيئا مع إنسانة مثلك!".

10


ودعها بإيماءة حين عرض عليه البيطري معاينة جرحه، و ظنت ماريغولد و هي تبتعد شيئا فشيئا عن أرض الحضائر أنها ستقفل راجعة إلى البيت سيرا على الأقدام كما أتت، غير أن هارولان بعد لحظات لحقها بسيارة نقل مكشوفة مخصصة للانتقال الاضطراري، و انحنى ليفتح لها الباب و يده الأخرى لا تزال على المقود.

+



        
          

                
"اصعدي!".

2


أطاعت بصمت، و كان الصمت خياره أيضا، توقف بعد دقائق عند أقدام البيت، انتظر حتى ترجلت، و انطلق ثانية قبل أن يتسنى لها إغلاق الباب، لتصفقه الرياح الناجمة عن سرعته المجنونة، أهذا الغضب كله لأنها زارت الحضائر دون علمه؟ سارت بيأس نحو غرفتها، تخامرها مشاعر متضاربة، الخمول و الخوف و الأسى، عطره في القميص جعلها تنتشي تأثرا، خلعته عنها معترفة بشهامة صاحبه، لكنه قاسٍ بشكل لا يرحم حين يريد! غمغمت بعياء:

15


 «آه، و ذلك الثور المسكين! تُرى هل لاحظ السيد كينغ ذلك أيضا؟».

+


   فتحت مرش المياه في الحمام و وقفت تحته، أرادت أن تبكي لسبب غير معلوم، كل ما رغبت به هو تقديم يد العون للخادمات، و في المقابل جلبت مصيبة على رأسها، لقد صمت السيد كينغ، لكن هذا لا يعني أنه تجاوز ما حدث، لعله عاد لاستكمال أعماله، أو لاسعاف أندرو، أو ربما حبس نفسه داخل قوقعته المسماة مكتبا ليقرر أي جزاء تستحق!

+


أنهت ماريغولد استحمامها الذي استغرق وقتا طويلا، دفعت نفسها بثقل إلى الغرفة ثانية، لتجفل برؤيتِه جالسا على سريرها، للحظةٍ ظنته حلما، فركت عينيها متحققة منه، و ثبت أنه واقع لا يقبل الشك. تأكدت أن المنشفة لا تزال حول جسدها المبلل، و صاحت به مخضبة الوجنتين:

6


"كيف تجرؤ على الدخول دون استئذان؟".

+


"أجرؤ... لأنه بيتي!".

20


قال دون أن تحيد نظراته الثاقبة عن وجهها المنفعل، غلت الدماء في دماغها، و قالت مجددا تذكره:

+


"و إن كان بيتك، لا يحق لك اقتحام غرفتي هكذا!".

+


"حقا؟".

+


ترك مجلسه، و غمد يديه في جيبي سرواله، لاحظت أنه ارتدى قميصا آخر أبيض اللون، و سمعته يضيف بنبرة حادة:

+


"لم يكن هذا مبدأكِ و أنتِ تقتحمين غرفتي و تهددين بتسلق شرفتي إن أوصدتُ بابي!".

17


ازدردت ريقها، حين تابع و عيناه تقدحان شررا:

+


"لا جرأة بعد جرأتكِ أنتِ! و لا أحد يضاهيكِ إهمالاً! تجازفين بحياتكِ كأنكِ في غنًى عنها! تنامين في العراء، و لا تشعرين بما يحدث حولكِ، تستحمين و تتجولين هنا و هناك بهذا الشعر المبلل، و آخر الأمر... تتجمدين أمام أخطر ثيراني، و الأدهى... فكرتُكِ العظيمة! كيف أمكنكِ أن تتعرَّي أمام الجميع هكذا ببساطة؟! أنتِ ابنةُ رجل عظيم كما تقولين دائما، ألم يعلمكِ كيف تحفظين نفسكِ من الخطر؟ و كيف تكُفِّين إهمالكِ هذا... و تشذِّبين شجاعتكِ عند اللزوم؟".

39


اقترب منها ناشبا فيها سهام عينيه، كان مستعر الغضب، و بدا بزمجرته أشرس من الثيران، يودُّ لو يضرم في كل شيء نيرانه التي تفترسه، ها هو يعاتبها كما لو أن ما اقترفته جرمٌ بحقه لا يُغتفر! احتارت لأمره، و تمتمت موشكة على البكاء:

+



        
          

                
"فعلتُ ما بدا لي الحل الوحيد آنذاك، و أنت على حق، ربما لم يعلمني أبي كيف أعتني بنفسي و أكفُّ شجاعتي و إهمالي، لكنه علمني أن أنظر خلف ستار الغضب!".

1


لاحق ببصره سائر حركاتها، رفرفة رموشها، مسار نظراتها، اختلاجات شفتيها، زفراتها المتتابعة، و انزلاق قطرات الماء من خصلات شعرها ليستقر بعضها على مقدمة حذائه، و البعض الآخر على الأرضية، استطردت برقة:

5


"كان الثورُ ينزف، لهذا طلبتُ منك أن تتوقف عن شد حبله، رأيتُ عن قربٍ التهاب عنقه، و هذا يوضحُ سبب هياجه، كل ذلك الثوران لم يكن سوى طلبًا للتحرر من قيده و ألمه".

3


غاصت إلى نقطة بعيدة في عينيه، مستأنفة كلامها الرقيق:

+


"الألم سبب كافٍ للغضب! أليس كذلك سيد كينغ؟".

14


لم يجب بشيء، تزحزح مبتعدا صوب مخرج الغرفة، ليترك لها مساحة شاسعة جدا، ليس حولها فقط... بل في وجدانها أيضا، حتى شعرت أنه رحل مصطحبا الوجود معه، و بذلك جردها من الاتصال بالعالم! هل يُعقلُ هذا؟ أهناك من يخالجه شعور كهذا... أم أنها الوحيدة؟!

3


...


+


في أرض كوينز عادت إفلين من عملها المضني بفرز أبقارها التي ستتجه غدا للمذابح مرهقة، ارتمت على أول أريكة صادفتها بغرفة الجلوس، دون أن تتكبد عناء التخلص من الحذاء القذر بروث البقر، أساسا القذارة في كل زاوية، بما في ذلك حياتها و قلبها الذي لم يسلم من التلوث! لا يمكنها نسيان جنون الأسبوع الماضي، تحقيق الشرطة و نباح ذلك المفتش غروندي كل حين، لولا معارفها الذين تواسطوا مع السلطات من أجل خلاصها، لما أفلتت من العقاب، و هذه هفوة منها تحسب لصالح هارولان، لكن ليس إلى الأبد.

7


حضر بليك معلنا بارقة أمل:

+


"بحثتُ عن خادمة والدتكِ كما أمرتِ".

+


أضاف لامسا قبعته بخبث:

+


"وجدتُ تلك اللعينة كما يسركِ تسميتها أيتها الزعيمة".

+


رفعت إليه بصرا جاحظا معلقة:

+


"أنت لا تمازحني!".

+


"لا مزاح أيتها الزعيمة!".

+


وضعت سيجارة بين شفتيها، و بحثت في كل جيوبها عن ولاعة دون جدوى، ليستخرج بليك خاصته، و يشعل لها السيجارة باحترام مبالغ، فربتت على خده كأنها تصفع كلبها الأليف برفق، و تمتمت بنزق:

+


"عظيم! أحسنتَ صنعًا بليك! أين العنوان؟".

14


...


+


في الليل تقلبت ماريغولد على فراشها كثيرا عاجزة عن النوم، حتى قرَّرت أن تقوم بجولة إلى المطبخ، لعلها بحاجة للسير أو تنشدُ كوبا منعشا من الماء، كانت ترتدي منامة غير محتشمة، لذا تدثرت بروب طويل، عقدته جيدا عند الخصر، و نزلت الدرج حذرة، تسير على أطراف قدميها، حتى لا تحدث ضجيجا يقلق الغير. ارتشفت الماء في المطبخ، و أغراها النسيم المتسلل من نافذته، فخطرت لها فكرة أن تتجول في الحدائق، و ما إن أدارت مقبض باب البيت، و تجاوزت عتبته مبتسمة، حتى قفز قلبها إلى حلقها، و ابتلعت ابتسامتها! تفاجأت بهارولان يوليها ظهره جالسا إلى طاولة الفيراندا المسقوفة، و يحتسي كأسا من الشراب، كأنه يفضي همه للزجاجة التي قاربت الانتصاف، أو للفراغ!

+



        
          

                
بدا لها فاقدا لجذوة عينيه، كما لو أنه يحمل على كاهله هموم الكون بأكمله، كشخص معذب الروح، لا يمكنه تخطي ذنبا ارتكبه، و لم تدرِ هل ما تشعر به نحو هذا الرجل شفقة أم شيء آخر؟ تراجعت نحو المطبخ بعدما تراقصت في خيالها فكرة ممتازة، أعدت فنجانين من القهوة، و هذه المرة وضعت السكر لكليهما، القليل فقط!

+


"مرحبا!".

+


خلع بصره عن خشب الطاولة و الكأس و بقية الأشياء التي كان يتأملها بعمق، و راح يحدق فيها عاقد الحاجبين، كاد يقفز سؤاله من بين شفتيه، لكنها سبقته للكلام متقدمة بصينية القهوة نحوه:

+


"لن تمانع رفقتي، صحيح؟".

+


أضافت و هي تدفع الكأس و الزجاجة جانبا، لتضع أمامه فنجان القهوة بدلا منهما:

+


"الكحول مضر بالصحة... و الوحدة كذلك!".

10


راقب جلوسها إلى جواره، و انتشى بعطرها أكثر من الكحول، أسقط نظره إلى الفنجان، و اكتشف أن له وجها راقصا هناك، و أن فكرة تناول القهوة الآن ليست سيئة البتة، كيف لا و هي التي أعدتها بيديها! أخذ رشفته الأولى، التقى حاجباه ثانية في تقطيبة مستغربة، و سرعان ما اعتقد أن مذاق الحلاوة ليس إلا نسجا من عقله المشوش، فضحكت ماريغولد لذلك، قبل أن تقول معترفة:

+


"إنها تبدو كريهة، أليس كذلك؟ لكنها ليست قاتلة! هكذا هو اللطف، يبدو مذاقه كالسكر بالنسبة لشخص لم يتذوق لسانه غير المرارة، ثم يتعود عليه... و يشفى به في الأخير!".

18


رفعت فنجانها، و قربته من فنجانه محدثة بينهما احتكاكا طفيفا مضيفة:

+


"أنا أيضا أحاول التعود على أشياء كثيرة، أقرُّ بأن الحياة هنا ليست كحياتي البسيطة على شاطئ معزول و هادئ، لذا أتمنى أن تستوعب طيشي في بعض المناسبات، و أن تمهلني وقتا كي أتأقلم!".

+


رأت من جديد عينيه كأنهما تبتسمان، و بعد رشفته الثانية، بدا أكثر انسجاما معها، ربما هو لا يثق في قدرته على الشفاء، لكنه أكيد من عدم رغبته في التفريط بلطفها، حتى إن كان مذاق هذا اللطفِ سُمًّا! رمقها بنظرةٍ جميلة لم تعرفها من قبل، و فاجأها قوله الهادئ:

+


"ما رأيكِ لو نقصدُ غدا «ويندي هاربور»؟ و نضرب موعدا مع الدكتور زانغ".

8


"الدكتور زانغ؟".

+


شرح لها باقتضاب متقطع، بعدما ارتشف بقية القهوة:

+


"صديقي... الجراح... هل تذكرين؟".

+


استعادت حديثهما عن سماعات جارتها، عندها قالت بحماس و هي تمسك يده دون أن تنتبه:

+


"رائع! ستتخلص إيريكا من حاجز الصمت الذي يفصلها عن الدنيا، أنت... أنت إنسانٌ رائع سيد كينغ!".

4


و حين انتبهت لعدم تحفظها العفوي، سحبت يدها، و تركت المقعد غير قادرة على خلع الابتسامة السعيدة عن ثغرها، و تمنت له ليلة طيبة، لتسمعه يردف خلف ظهرها بلهجة مطاطة:

1


"كوني جاهزةً عند السابعة صباحا!".

+


في غرفتها اندسَّت تحت الأغطية مستلذة فرحة قلبها، مفكرة أن الفرحة ستكون أضعافا في قلب إيريكا، ستستعيد رونق الحياة من جديد، لن ترتبك خلال أي حوار، و لن يحزنها أنها لا تستطيعُ الاستماع لموسيقى الجاز على فيراندا بيتها، ستكون إنسانة كاملة مرة أخرى... بفضل هارولان كينغ! كيف... كيف سيمضي هذا الليل حتى الغد؟ إنها لا تطيقُ صبرا!

6


عندما استيقظت ماريغولد كان المطر قد هطل رذاذًا لطيفا طيلة ساعات الفجر، فبلل الستائر الشفافة و أجزاء من أرضية الغرفة، كما تلاعبت الرياح طويلا بباب الشرفة المفتوح على مصراعيه، ألقت نظرة على الساعة فإذا بها السادسة و النصف، ترى هل استيقظ؟ و هل يذكر وعده لها أمس... أم أنه لم يكن إلا وعد رجل ثمل؟

+


   قلقت جراء ذلك الخاطر و هي ترتدي ثيابا رسمية تليقُ بزيارة الطبيب، بنطال أسود، قميص حريرية بيضاء، و سترة زهرية أنيقة، كان ذلك التنسيق مناسبا، لم تزين وجهها سوى بالقليل من المساحيق، ثم انتقلت إلى شعرها تجمعه خلف رأسها في تسريحة عملية أضفت عليها نضجا و جدية، و أخيرا أنزلت قدميها داخل صندلها الأسود، و تركت الغرفة حاملة قميص السيد لتعيده إليه.


+


حين طرقت الباب، لم تنل ردا، ترددت، ثم فتحته ببطء، و ألقت نظرة، لا أحد في الغرفة! و المرجح شيئان لا ثالث لهما: إما أنه استيقظ قبلها... أو أنه ظل هناك في الحديقة طوال الليل! كانت ستتراجع خارج الغرفة لولا شيء جعل قلبها يرتجُّ في هزَّات راجفة، لمحت غير مصدقة على المنضدة بجانب سريره... إصِّيصَ الصبَّار! أغلقت الباب بهدوء، و خطت خارج البيت باحثة بلهفة عنه، لقد أهدته تلك النبتة إكراما لقوته و صبره على عالمه الصعب، معتقدة أنه سينسى أمرها، و سيضعها في أبعد مكان عنه، بيد أنه اعتزَّ بهديتها كما اعتزَّت بهداياه، و وضعها في أقرب مكان إليه، في غرفته... أين يوجد عالمه الحميم، لتكون أول شيء يراه فور استيقاظه! مشت بضع خطوات عبر الحدائق، لتجده في النهاية ينتظرها أمام سيارته الجيب، و سرعان ما أرسل إليها نظراته الفريدة، حتى تأكدت أنه لم يكن أمس ثملا، و عنى كل كلمة قالها بشأن السفر لمدينتها الأم، و بشأن جارتها و الموعد المضروب مع الدكتور زانغ، و في تلك اللحظة و هو يفتح لها باب السيارة كأي رجل نبيل... رأت فيه أشياء كثيرة لطالما توارت خلف ستار غضبه!

20


نهاية الفصل الحادي و العشرين.

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close