اخر الروايات

رواية الغضب الاسود الفصل العشرين 20 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية الغضب الاسود الفصل العشرين 20 بقلم الكاتبة كوين اسمهان


الفصل 20|المُروِّض!

                                        

                                              
حين عادت ماريغولد إلى البيت فورا ارتدت المرولة و القفازات و الحذاء الطويل، و باشرت البحث عن زاوية مناسبة في الحدائق من أجل شجيرة القطيفة، تناولت المعول و أحدثت بواسطته في الأرض جُورة ملائمة لاحتضان جذورها و بعضا من ترابها القديم، و كان لِيو يلاحقها كظلها، يستفسر حينا، و ينبهر بما تفعله في صمت حينا آخر، و بينما كانت تجمع بمعيته حفنات من التراب لتغمر به الجورة، وجدت يدان في المساعدة، التفتت ذاهلة تسأل الرجل الذي فاجأها حضوره:

19


"سيد كينغ؟ ظننتُ أنك ذهبتَ إلى العمل!".

1


أردف هارولان و هو يروح و يجيء بالتراب فوق كفيه:

+


"ليس بعد، الرجال يسرُجون الحصان البري الآن، و على البيطري أن يكدَّ في تهدئته النفسية أولا قبل أن يلِج الحلبة لكسر عنفوانه!".

+


تضايقت ماريغولد من تلك العبارة، إنها لا تحبذ كسر عنفوان أي مخلوق، لكنها لم تعلق، و لم تعرف ما إذا كان من حقها التدخل في هذا أم لا! نكَّست رأسها مختنقة بالكلمات، و شغلت نفسها برصِّ التراب جيدا حول الشجيرة قائلة بوجوم:

1


"شكرا سيد كينغ، لكن لن أعطلك عن مشاغلك أكثر، لدي هذا المزارع الصغير ليساعدني".

+


ابتسم لها لِيو بثقة، فيما وقف هارولان بحاجبين مرتفعين نافضا التراب عن يديه، و هو يتساءل حول سبب انزعاجها المفاجئ! ماذا فعل الآن؟ هل أخطأ في شيء ما دون أن ينتبه؟ تركهما متجها إلى أرض الجياد ليستطلع آخر المستجدات و يتأكد من جاهزية الحصان.

6


كانت رؤوس الأشجار في الحدائق تحجب السطوع القوي للشمس الأسترالية، و تنحني بين فينة و أخرى بإجلال و دعة كلما مرَّ بها النسيم المُلاطف مرور الملوك، و هذا ما جعل ماريغولد و لِيو يلقيان القبعتين جانبا و يسمحان للنسيم بملامسة عنقيهما. أنهت البستانية الجديدة مهمتها مع شجيرة القطيفة، ثم انتقلت لاختيار الشتلات التي ستغرسها بعد ذلك، انتقت عقِب مشاورة مع لِيو حزمة من الورود الجاهزة للغرس، و اجتثتها من ٱصُصِها لتصلها بأرض كينغلاند باسمة.

+


«تفضلي أيتها الأرض العطشى للبهجة!».

+


غمغمت بذلك فخورة بما تفعله، شعرت أنها اليوم أقرب بكثير من والدها، إنه دائما في القلب، لكنها أحست به يحتضن يديها، و يشاركها عملها مرددا كلماته الساحرة، بل إنها لمحت طيفه الزاحف قرب الشتلات مدققا النظر عبر مُكبره و يهتف بغبطة:

+


 «عظيم يا ابنة أبيكِ!».

2


   أجادت السيطرة على دموعها و هي تغرقُ لِيو بفيض من المعلومات حول زراعة كل نوع من الورود و الزهور على حدًى، و عندما فرغت من غرس كل شتلة في مكانها مبقية مسافة جيدة بين كل واحدة و أخرى، سلمت مرش الماء للطفل، و قالت محررة يديها من حر القفازات:

+




                
"ستكون اللمسة الأكثر أهمية من توقيعك يا صغيري".

+


تناوله في لهفةٍ شاعرًا بنبض قوي يطرق صدره، إنه يتولى مهمة حقيقية في حياته كما لم يسبق له من قبل! أضافت ماريغولد مداعبة شعره:

+


"إن العناية و الصبر حتى ميلاد الوردة و تفتحها هو أجمل ما في الزراعة، تشعرُ أنك تكتب حياة بنفسك و ترويها لتعيشها بكل تفاصيلها بعد ذلك و تتمتع بجمالها!".

3


انتبهت أنه يكثر من ري إحدى الشتلات، فهتفت محذرة:

+


"تمهل عزيزي! زهرة الغازانيا لا تتطلبُ إلا القليل من الماء، دعها هكذا، و سنعود لتسميدها بعد شهر".

+


"هذا يعني انها قوية و تتحمل العطش!".

+


"تماما! إنها من النباتات المحاربة، موطنها الأصلي جنوب إفريقيا، لكنها تنمو في كل مكان، و تعمِّرُ أيضا".

4


ألقى رأسه صوب شتلة خلبت لُبَّه مُذ رآها أول مرة، و تمتم بسؤال ملح:

+


"ما هذا النوع يا ماريغولد؟".

+


انحنت معه تنظر إلى حيث يشير، و أجابت برقة:

+


"هل تعجبك زهرة الجريفيليا؟".

+


هزَّ رأسه بخفة معبرا عن إعجابه المفرط بها، فتابعت تحدثه عنها بسعادة:

+


"هذا النوع من الزهور محلي مائة في المئة، أترى لونها القُرمزيَّ المذهل يا عزيزي؟ أحيانا تكون كريميَّة اللون أيضا! إنها زهرة مميزة، أليس كذلك؟".

+




+


و ما كاد يومئ لها الطفل، حتى أتى السيد لي حاملاً صينيَّة صغير و سلَّة، استوت ماريغولد تبسطُ قامتها و هي تسمعُ كبير الخدم يقول:

+



        

          

                
"أعدت هانا بعض السندويشات للعمال، و لكما أيضا!".

+


شكرته بحفاوة متقبلة منه الصينيَّة، و عينها لا تُفارق السلة المغطاة، حتى سألته مستفهمة:

+


"هل ستأخذُ هذه إلى العمال؟".

+


اكتفى السيد بإشارة صامتة، فأضافت مقترحة:

+


"أودُّ لو آخذها بنفسي، لقد انتهى عملي هنا، غرستُ ما يكفي من الشتلات لهذا اليوم!".

4


كانت ماريغولد تُطيع رغبة غريبة في الذهاب إلى مكان عمله، و تجهل السبب وراء ذلك، هل تُريد فقط أن ترضي فضولها... أم تُريد أن تشهد قسوته مع الجِياد بأم عينها؟! اعتقدت أن كبير الخدم سيجد اقتراحها تدخلا في مهامه، لكنه لم يرفض، و إنما ناولها السلَّة و قال بانشراح غريب:

+


"جيد، وجودكِ قد يضعُ بعض الأمور الشاذَّة في نصابها الصحيحة! خُذي الطريق الأول على يسار مكتب السيد، ثم انعطفي يمينا، و ستجدين حلبة الترويض، الجميع هناك!".

5


انتظرت حتى أنهى لِيو سندويشه، ثم أرسلته إلى غرفته مع تِيا كي يغتسل تحضُّرًا للغداء بعد ساعتين، غادرها مُستاءً، لأن فصل الزراعة انقضى بسرعة، و لأنه لن يُرافقها إلى الحلبة بسبب الحرارة التي بدأت بالارتفاع على نحو غريب، إلا أنه ابتسم ببراءة عندما لوَّحت له مرددة:

+


"سأعلمك لعبة الشطرنج حين أعود".

+


تخلصت ماريغولد من مرولتها، و استبدلت الحذاء المرتفع الجلدي، بصندلها الأبيض المريح، ثم التقطت السلَّة من جديد، و بدأت تعدو في خبب نحو المكان المنشود، و كلما تعبت من العدو، توقفت مجففة جبينها و عنقها من حبيبات العرق، و استردت أنفاسها لتواصل التقدم في هوينى متباطئة، و هي تردِّدُ في سرِّها: 

+


«ليتني كنت حريصة و اعتمرتُ القبعة!".

1


...



+



في مزرعة «كوينزلاند» كانت أفرادُ أبقار جيرسي الحمراء المبرقشة ببقع قشدية ترعى في سلام، تهزُّ رأسها و تلوي أعناقها أحيانا طاردة الذباب المتطفل، أو تخورُ متعرِّقة من لظى الشمس التي تخطو بتؤدة نحو كبد السماء.

+


   رفعت إيفلين كوينز قدمها اليُسرى فوق أسفل درجات السياج الحديدي، و قضمت عقب السيجارة بأسنانها متأففة من قيظ النهار، ها هو ذا عودٌ على بدء، و لقاءٌ آخر بحرِّ أستراليا الشهير!

+



        
          

                
   تذكرت تفاصيل زواجها المأساوي من ألفريد كوينز قبل سنتين، ذلك العجوزُ الخرِفُ لم يكن أكثر من طريق تقودها للانتقام، وجد فيها سيدة مزرعة قوية، و لمس فيها شيئا يشبه صلابة الأرض، غير أن ألفريد لم يشاركها سقف بيته طويلا، إذ هلكَ بعد شهرين فقط من زواجهما، لم تذرف دمعة واحدة بعد رحيله، و لا تأثرت بذلك حتى، لكنه في نظرها لم يكن سيئا تماما، فبفضل وفاته، و لأن لا ورثة ينوبون عنه في إدارة شؤون كوينزلاند، حصلت إيفلين بالمقابل على حريتها، و على هذه الأميال الشاسعة المترامية حولها، و على هذه الأبقار الممتازة أيضا، لكن كل ما تملكه الآن لا يساوي شيئا مقارنة بكينغلاند و قطعان الغضب الأسود!

+


 «اللعنة على آل كينغ جميعا»! 

5


   ضربت بقبضتها على حديد السياج المكتوي بنار الشمس، قبل أن يشُدَّها إلى النظر خلفها صوتُ سيارة تقترب، ثم عجلات تزعقُ و بابٌ يُصفقُ بقوة!


+


استطلعت مصدر الجلبة، فإذا به خادمها المطيعُ بليك، و ليس على قسمات وجهه شيء يسرُّ البتَّة، وقف على مبعدة منها صامتا، يجول ببصره في حذائه و يداه خلف ظهره، كما لو أنه تلميذ مذنب، حملقت فيه متسائلة:

+


"أخبار جديدة عن صغيرتي؟".

9


راح و جاء برأسه يمينا و يسارا في شيء من التردد و الخوف، ثم تشجع و قال ما هو أسوء من نزول الصواعق:

+


"ما رأيكِ أن أبحث في سجلات الوفيات أيتها الزعيمة؟ لعلَّها... ميتة!".

3


بصقت إيفلين عقب السيجارة و أخمدته بحذائها في عنف، لوت شفتيها، و ارتعشت فتحتا أنفها كثور هائج، و بلكمة غير متوقعة، أردته أرضا، و كادت تسحق عنقه و تفجر أوردته بركبتها، و هي تصرخ و الزبد يسيلُ من شدقيها:

1


"كرِّر هذه السخافة ثانية... و ستمضي ما تبقى من ثواني عمرك تبحث عن رأسك!".

+


استقامت مبتعدة عنه، قاصدة البيت، ينتابها شعورٌ قويٌّ بالهزيمة، كلما حاولت رفع رأسها و النظر إلى الأمام رأت هارولان يسبقها بخطوة، ليتها اقتنصت قلبه ببندقيتها حين وقف على بابها بكل جرأة و كشف عن صدره لتقتله! لكن وجود مسؤولي منظمة حماية الحيوان الدولية في مزرعتها ذلك اليوم أثناها عن شفاء غليلها، و أطال في عمره أكثر! ثم إن القتل سيكون رحمة له، إنها تريدُ أن تشاهد عذابه بتلذذ، تريده أن يواري أحبابه التُّراب بيديه كما حدث معها!

2


   دلفت غرفتها و صفقت الباب، ثم تقدمت نحو منضدة السرير الجانبية، و انحنت لتسحب من الدُّرج السُّفلي صورتي امرأتين في ريعان الشباب، يبدو جمالهما ناطقا، و يُخيَّلُ للمرءِ أنه يستطيعُ قطف ابتسامتيهما كما تُقطفُ ثمار الفاكهة الناضجة! ابتسمت لهما بسخريةٍ بين تنهيدتين حادتين، و تمتمت ساخطة تخاطبهما كأنهما كانتا في الاستماع فعلاً:

+


«ركضتُما خلف الحب، أخبراني...! ماذا جنيتُما؟ إحداكما أسلمت نفسها لوحش لا يرحم، و الثانية سقطت من عليائها إلى أحضان مزارعٍ تافه! هل جعل الحب حياتكما رائعة؟ هل منع الموتَ من القبض على خناقيكما؟ كلا! فكِلتاكما الآن تحت التُراب! فنيتُما و تركتُما لي مرارة الانتقام!».

37



        
          

                
ألقت إحدى الصورتين داخل الدُّرج ثانية، و استمرَّت تُخاطبُ الأخرى في نبرةٍ حاقدة:

+


«لقد خدعتني بموتكِ كما خدعتني بهربِك، لكني لن أسمح لابنتكِ بأن تخدعني و تفنى مثلك، صغيرتي حيَّةٌ تُرزَق، و لن يأخذَها الموتُ يا أختاه!».

37


...

+


أمسكت ماريغولد خطواتها لاهثة و هي تتلفَّتُ حولها مُدققة، هل أخطأت الاتجاه... أم أن الطريق طويلٌ جدا على عكسِ توقعها؟ لقد أذابتها الشمس، و سارت لمسافة لا تدري مداها، و ستكون مصيبةً إن ثبتَ أنها تائهة الآن، لكن صهيل حصانٍ قريبٍ طمأنها، و صيحات بعض الرجال التي تصاعدت في الأفق... أشاعت فيها الأمل لتحثَّ خُطاها على المتابعة في نفس المسار.

+


   تسلقت تلَّة حمراء صغيرة، و حبست أنفاسها حين رأت هارولان يتجرَّدُ من قميصه، و يقفزُ فوق السياج ليُصبحَ وجهًا لوجهٍ مع حصان أبيض أقل ما يُقال عنه... أنه يُجسد البراري بكل جموحها و تمرُّدها، ركضت في المنحدر تكادُ تنكبُّ على وجهها، كان السيد لي محقا، يبدو أن كل عمال المزرعة اجتمعوا لمواكبة الحدث العظيم! و دون كلمة أفلتت السلَّة لصالحِ ريك الذي اهتزَّ عالمه بولادتها من العدم، و انصبَّ جلُّ اهتمامها على صراع الحيوان ضد الإنسان الذي سينطلقُ في أي لحظة!

+





   من جهتها... كانت ماريغولد تلتقطُ أنفاسها بصعوبة، لا يكفي أن الشمس بدأت تُذيبُ كلَّ شيء تحتها، ليبدأ تصاعدُ الغبار مع حركة الحصان السريعة، وقف ريك على يمينها، فيما جاورها رام سينغ على اليسار مقدما لها منديلاً و هو يقول:

1


"اعقدي هذا حول أنفكِ و فمك!".

+


أدركت ما يرمي إليه، حين بدأت زوبعة حمراء بالدوران وسط الحلبة، لتلامس كل جسد التصق بالسياج، اشرأبت أعناق المتفرجين و هم يشاهدون هجوم الحيوان على الإنسان، كان الحصان البري سريعًا بشكل مخيف و هو يهدد هارولان بقائمتيه الأماميتين، تجمع الخوف في مقلتي ماريغولد، و قبضت على السياج بيدين متشنجتين، إلا أن هذا الرجل الذي تحدى الحصان لم يكن سيد كينغلاند من فراغ، فقد تلافى الهجمة ببراعة، و انبطح تحت مستواها متزحلقا على الأرض الحمراء كأنه يؤدي رقصة ما! ذُهِلت ماريغولد من مرونة جسده، و غضبت في ذات الوقت لأنه لا يأبه لإصابة كتفه، ها قد نزع الضماد و تناسى حالة الحمى التي صرعته أمس! ليرمي بنفسه اليوم في هذا الخطر.

7



        
          

                
فتحت فمها بدهشة، و هي تحدق في جسده المصقول، عضلاته تتموج مع كل حركة، و تحت وهج الشمس، برزت تقاطيعه بحدة، أيقنت أنه يحمل قطعا من هذه الأرض في قسوة فكَّيه، و خشونة يديه، و عجرفة نظراته! ضاقت عيناها حين حاولت بعض حبيبات الغبار التسلل إليهما، و فكرت في قلق بصوتٍ مرتفع:

1


"هل يقوم لوحده بهذا؟".

+


التقط كل من ريك و رام سؤالها، و لكن الرجل الأكبر سنا هو من أجاب على الفور:

+


"إنه أهلٌ لذلك، جميعنا نروض الجياد البريَّة، لكننا لا نستطيعُ منافسته، إنه شغفه منذ زمن، أساسا أغلب العمال تدرَّبوا على يديه".

2


كان رام يتحدث عنه بفخر، و يطالعه بعينين مؤمنتين بقدرته، لوَّحَ هارولان في الهواء بالحبل، و أرسل عقدته لتلتف حول العنق البيضاء المرجوَّة، استرجع الحصان ذكرى أسره في الغابة، فثارت ثائرته، و صهل غاضبا و هو يسحب نفسه ليتحرر، لكن قبضة المُروض كانت واعدة، مما أغضب الحيوان أكثر، و دفعه لمقاومة أشرس، قدحت عيناه و وقف على قائمتيه الخلفيتين يُهدِّدُه مجددا بشكل أكثر توحشا، التصق التراب بالوجوه، و رفرفت أطراف المناديل المعقودة حولها، و أطاح الهواء ببضعة من قبعات الرعاة، و صاح أحدهم بحماس:

8


"أجل، افعلها أيها المعلم!".

+


شهقت ماريغولد ضاغطة على قلبها، فربت ريك بيده فوق كتفها ضاحكا:

12


"هذا ليس المشهد المثالي للنساء الرقيقات آنسة موران، لكن لا تخشي شيئا، لن يُهاجمكِ هذا المجنون، كل شيء سيكون تحت السيطرة بعد قليل!".

4


لم تكن ماريغولد تخشى على نفسها، و اطمأنت و علا زفيرها حين تلافى هارولان الهجمة الثانية؛ لكن بغير حركة انبطاح مسرحية هذه المرة، إذ طار في وثبة جعلت الأفواه تصفرُ و الأجساد تتسلق درجات السياج لترى بشكل أفضل، و بدلا من أن يُسحق المُروِّضُ تحت الحوافر، بات الحصان تحته! هتف رام مصفقا:

+


"ها نحنُ ذا!".

+


ثبت هارولان نفسه جيدا على ظهره، في حين كان الحصان يركض و يثب هنا و هناك، و ينفضُ رأسه، فتتطايرُ خصلاته الفضيَّة الجميلة، حتى تحول صهيله القوي إلى استنجاد يائس! ليستكين شيئا فشيئا بعدما هلك تعبا، و كان ذلك ما يُريده هارولان، أن يقنعه بسيطرة الإنسان عليه، لكنه فعل ذلك بشكل ألطف مما كان يجول خيال ماريغولد، راح وسط تصفيق و صيحات إعجاب عماله يمسحُ على جسد الحصان المتعرق بحنان مذهل، و يهمس له بكلمات لم تصل لأحد، بينما كان رام ماضيًا في حديثه:

1


"إنه يفعل كل شيء على الفطرة، يتبع حدسه، و يعتبر مخالطة الحيوانات و الاعتناء بها نعمة، نحن نسمي هذه العملية كسر عنفوان الأحصنة، لكنه لا يكون كسرًا بمفهومه المجرد عند السيد كينغ، إنه يفعل ما يفعله دون اللجوء للسوط، ٱنظري! لحظاتٌ فقط و سيكون هذا الوحش الأبيض طوع فارسه!".


5



        
          

                
صدق قول رام، هدأت ثورة الحصان بالفعل، و أصبح يصول و يجول الحلبة متقبلاً وجود سرج و فارس فوق ظهره، فيما إستمر هارولان يربت على عنقه، و يقول بصوت مرتفع هذه المرة:

+


"أحسنت! جولةٌ أخرى بمثل هذا التهذيب... و ستُكافأ بأفضل وجبة دسمة".

+


لمزَ أنفُ حذائه خاصرة الحصان بخفة، فتقدم طيِّعًا ليكمل دورةً أخرى وسط الحلبة، حينها فقط وجد هارولان فرصةً كي يميلُ ببصره ناحية الفتاة، و يستطلع تعابير وجهها بعد الذي شهدته، انبهر بشعرها البني الذي حولته الشمس المتراقصة فوقه إلى شلال من العسل، ينكسبُ بسلاسة حول وجهها و على كتفيها، و اكتشف الذُهولَ بادٍ عليها بوضوح، مع غيابٍ محسوس للغضب في عينيها، انتهى الترويض مع نهاية الجولة الثانية، فقفز هارولان عن ظهر الحصان، تاركا الحبل الذي لا تزال عقدته حول عنق الحصان ينفلت من يده، ثم صاح آمرا:

4


"ريك، أعده إلى كُشكِه و ليطعمه السائسُ جيدًا، لقد أحرق سعرات كبيرة!".

+


ازدردت ماريغولد ريقها ما إن أدركت أنه يخطو نحوها بقدَّه المهيب، تظلِّلُ حافَّة القبعة عينيه، و يركضُ الترابُ في أعقاب حذائه مستطربًا مشيته الواثقة! توقف على مقربة منها، و لم يفصل بينهما غير الحاجز الذي يسيجُ الحلبة، كان شديد الطول مقارنة بها رغم قامتها الطويلة، رفعت إليه عينيها الناعستين، و أزاحت بيد المنديل عن وجهها باحثة عن كلام يُقال، غير أنه سبقها مستجوبا:

1


"هل لي أن أعرفَ ما الذي أتى بكِ؟ هذا السياج لا يُبقي الجميع في الخارج آمنين! خاصة الفتيات!".

+


احمرَّ وجهها، و ردت مدافعة عن نفسها:

+


"أحضرتُ السندويشات التي أعدتها هانا من أجل العمال".

+


تأمل السلَّة التي وُضعت بعيدًا، و عقَّب باستياء:

+


"لِماذا أنتِ؟ ألا يوجدُ غيركِ في بيت المزرعة؟".

+


قالت بصدق محاولة إبعاد خصلات شعرها عن شفتيها بعدما حركها الهواء:

+


"أردتُ أن أحضُرَ الترويض لأنني لم أشاهد واحدًا من قبل، و لأنني ظننتُ...".

+


أمسكت عن الكلام، فشجعها مردفا:

+


"ماذا ظننتِ؟".

+


"ظننتُ أنَّك تُعنِّفُ الجياد!".

2


غشت سحابة سوداء عينيه، فسارعت ماريغولد لتضيف برقة:

+


"لن تلومني على ظني، حين التقيتُ المارد الأسود أول مرَّة، أقسمتُ أنك تذيقه لسعات السوط كل يوم!".

+


لم يردَّ هارولان بأكثر من هذا قبل أن يتحرك صوب بقية العمال:

+


"المارد كان فعلا ضحيةً للجلد؛ لكن... ليس بسوطي أنا!".

5


بقيت ماريغولد مكانها حائرة، و اتضح أن رام سينغ سمع الحوار الدائر بينهما بجلاء، ففسَّر لها كلام هارولان قائلا:

+



        
          

                
"قبل ثلاث سنوات، شاركت مزرعتنا في استعراض خيول عالمي، ٱقيم قرب «شانيل كانتري»، و هناك قابل السيد كينغ المارد الأسود، كان مالكه الهولندي لا يستطيعُ عليه سيطرةً، و لسبب مجهول كسر المارد خشب المقطورة التي جاء فيها، و أحدث بجنونه الرعب في نفوس الحاضرين، و في خضم كل ذلك الهلع و الزعيق، قفز السيد كينغ بشجاعة، و امتطاه و روَّضه وسط دهشة الكل، عشقه فورًا، و عرض لقاءه مبلغا خياليا على مالكه، ليصبح في النهاية حصانه، و جوهرته السوداء الفريدة، و بيت القصيد مما أسرده عليكِ آنستي... أن الهولندي كان يجلدُ المارد بقسوة، و قد أكَّد الدكتور أوكلي ذلك بعد فحص النُّدوب التي ظلت آثارها على جلده، و كان لزامًا أن يخصص له حقنة دورية مهدئة، لأنه رغم عناية السيد كينغ الحثيثة به... لم يتخلص بعد من ذكرى الألم!".

7


حزنت ماريغولد من أجل المارد الأسود و ما قاساه، و خجلت من ظنها السيء بهارولان، و بقلب ممزق تذكرت أنها لمحت أمس حين كانت في غرفته أطياف ندوب غريبة على ظهره، غير أنها لم ترتب لها، و ظنتها نتاج حادث ما خلال العمل! و الآن... تحت الشمس القوية، و بينما كان يوليها ظهره محدثا العمال، حدقت مليا بجلد ظهره، و صاحت في سرها:

+


 «يا إلهي! هل هذه ندوب لسع بالسوط؟ هل جلده أحدهم أيضا؟».

4



  

      
  
    
        
    
    
      


أرادت ماريغولد أن تمرر يدها على تلك الآثار القديمة آسفة، لكنها شكت في استحقاقها لفرصة الاعتذار، إنها لم تظلم شخصا من قبل، ما بالُها تُدين هذا الرجل في كل مناسبة؟ ربما ما تفوهت قبل قليل جرح شعوره، لقد رأت بأم عينها كيف هي معاملته للحيوان.

1


   تراجعت لتغادر، لكن ما حدث شلَّها، و أشاع حالة الاستنفار و الهلع حولها، كان ريك خلال سحبه لجام الحصان يضحكُ و يصفعُ ردفيه بقوة، مما حرك كبرياءه ثانية، و شجعه على تجديد المقاومة، و مهاجمة أي شخص أمامه، تفادى ريك الخطر ببراعة مفلتًا اللجام، فانطلق الحصان هذه المرة باتجاه شخص آخر... و كان هذا الشخص... ماريغولد!

9


استدارت متسائلة عندما تصايحَ العمالُ يحذِّرونها بأن تركض أو تنبطح أرضا، لكن الصدمة سمرتها، و لم يتبق لها سوى أنفاسها المترددة في تقطع، و الرعب الذي راح يضجُّ في عروقها بلا هوادة! جحظت عينا هارولان، و فرَّت شتيمة حادَّة من بين شفتيه، و هو يركضُ نحو الفتاة بدوره و يصرخ:

+



        
          

                
"احترسي!".

+


لم تدرِ ماريغولد كيف نجت من ذلك الهجوم الخطير؟ و لا كيف قفزَ هارولان مُخاطرًا بحياته ليلتقطها بين ذراعيه و يشُدَّ جسدها إلى جسده، ثم يتدحرجان بعيدا عن حوافر الحصان؟ و لا كيف وثب رام سينغ مكشرا و هو يسحب الحبل ليسيطر على الحصان، و لما ضمن استكانته ثانية، وضع الشكيمة بين شدقيه، و سحبه فورًا رفقة الرجال إلى الإصطبلات؟!

+


غمر السكون المكان، كأن الكون فنى خلقُه، لا يزالُ هارولان ملتصقا بها، أنفاسه تتردد فوق وجهها، و الغبارُ تسلل إلى فمها و أنفها، فتحت عينيها بتردد، لتجد عيناه تفترسانها، شعرت بحرارة جسده تفوق حرارة الأرض تحتها، و كانت السماء شديدة الزُّرقة فوق رأسه تجعله يبدو أجمل من قبل، نظرته حانية، شفتاه منفرجتان، و بعضٌ من خصلات شعره الفحميَّة قد تهدلت على جبينه بعدما حلقت قبعته بعيدا عن رأسه، اتسعت حدقتا عينيها و ارتجفت شفتاها بغمغمة غير مفهومة، هل هذا خوفٌ في عينيه أم ماذا؟ ربَّاه! إنها تشعر بنبضات قلبه تطرقُ صدرها هي! عجزَ عن الابتعاد عنها قبل أن يسألها بقلق:

113


"هل أنتِ على ما يُرام؟ هل تأذَّيتِ؟".

+


اكتفت بتحريك رأسها نافية، فاسترخت أعماقه، و رفع جسده عنها، ثم التقط خصرها و ساعدها على الوقوف كأنها مجرد دمية، سعلت قليلا بسبب الغبار، وظبت شعرها المبعثر بخجل، و تمتمت مشيحة عنه:

+


"شكرا!".

+


أجابها بالصمت، و حين نظرت إليه مجددا، ألفته يتفرَّسُ فيها ناعسًا، كأنَّ هناك ما أسكر عينيه فجأة، و تمتم بزفرة، بينما ينحني و يلتقطُ قبعته الضائعة:

3


"كان الأمرُ وشيكًا!".

+


"آسفة!".

+


فاجأه اعتذارها، اعتقد أنها تلوم نفسها على ما جرى، فقال نافضا الغبار عن القبعة:

+


"هذا خطأ ريك، إنه خشنٌ مع الجياد على نحو لا يروق لها و لي!".

13


"لا أقصدُ هذا!".

+


أضافت متململة:

+


"أنا مدينةٌ لك باعتذار مثلما أدينُ لك بحياتي! آسفة لأنني أسأتُ الظنَّ بك!".

+


أدرك هارولان مقصدها، كيف لا؟ و هو صاحبُ عقل فطن و ملاحظة دقيقة! تلكأ في التصفيق على قبعته ليخلصها من آخر ذرات الغبار الأحمر، و سألها بنبرة تشبه المُزاح:

3


"إذن ما رأيُكِ؟ هل أعجبتكِ التجربة؟".

+


امتدَّت شفتاها في ابتسامة استعمرت عينيه، و ردَّت بمرح سامحة لأسنانها باللمعان:

+


"إن كنت تسألني عن مذاق غبار كينغلاند، كلا! لم يكن جيدا البتَّة! كان لاذعًا كشمسها تماما! أما إن كنتَ تسألني عمَّا جرى داخل الحلبة... فإليك جوابي...".

3


ضحكت و اتسعت عيناها، كما يفعلُ لِيو حين ينبهرُ بشيء ما، و تابعت بعذوبة:

+


"أنتَ مُروِّضٌ رائع!".

12



        
          

                
خُيِّلَ إليها أنه يبتسمُ الآن، طرفت بجفونها مستدركة، إنه فعلا يبتسمُ، لكن الإبتسامة لم تكن على فمه، بل استعرضت نفسها مزدوجة في عينيه، لم يخطر لماريغولد من قبل أن العيون يمكنها أن تبتسم، و الآن ها هي ذي ترى ذلك و تصدقه! استطردت معاتبة و هي تحدق بكتفه:

4


"لكنك رغم ذلك تهملُ نفسك، أين ضمادُك؟".

+


"و أنتِ مُجرَّدُ صبيَّةٍ طائشة! أين قبعتكِ؟".

2


هربت من نظراته الثاقبة التي حاصرتها، و اكتشفت لأول مرة منذ تدحرجهما على الأرض أن الجميع رحل! لم يكن هناك سواهما، رفرف قلبها في جوفها كطائر حبيس، ما بها؟ ما هذا الشعور الغريب؟ أ هي ترتعشُ الآن فعلاً؟ اختلج فمها بالكثير، و لم تقل شيئا، أخذ هواء الظهيرة الساخن يفِدُ إليهما، فوضع هارولان قبعته على رأسها و أمرها بلطف و نفوذ في آن واحد:

17


"عودي إلى البيت بسرعة!".

3


...



+


مساء ذلك اليوم، و عندما عاد السيد كينغ من أعماله المضنية، متعرقا متشحا بالغبار، وقف صامتا للحظات أمام ما زرعته تلك الفتاة على أرض حدائقه، و أكثر ما شدَّ نظره شُجيرة القطيفة التي بدأت ترفعُ رؤوسها، و تكتسبُ ألوانها النضرة من جديد! أراد أن يلمسها، و شعر و هو يفعلُ ذلك أنه يلمسُ تلك الفتاة نفسها، شعرها، وجهها، شفتاها...، لملم أطراف خياله قبل أن يجمح به أكثر، و انسحب شطر البيت، و ظل في غرفته حتى بدأ دبيب الخدم في الأسفل تحضُّرًا للعشاء.

+


في مطبخ البيت، بلغ الصراع أشدَّه، هانا و تِيا و آديا يجئن و يذهبن هنا و هناك ليضفن اللمسات الأخيرة على الطاولة في قاعة الطعام، فيما كانت ساري تُقطِّعُ خبز الشعير إلى شرائح ساهمة، إلى أن نال السكين من سبابتها، و راحت تلوِّح به تارة، و تضعه بين شفتيها كاتمة أنينها تارة أخرى، لتُعلِّقَ هانا لاحقا و هي تركضُ بقِدرِ الحساء الزجاجي إلى الطاولة:

2


"أطوارُ هذه الفتاة مؤخرًا لا تعجبني!".

+


همست لها آديا مُشفقة:

+


"آه! هانا، كم تبالغين؟ دعيها و شأنها!".

+


"سأدعها و شأنها، لنرَ أي مصيبة ستأتي في أعقابِ صمتها و سهوها العجيبين!".

+


استعجلَ السيد لي النساء بعد اقتحامه المطبخ، فأكدت له تِيا التي سقطت على مقعد قريب أن كل شيء جاهز، ثم هجمت هانا على مقعد آخر مُرخية كتفيها، مستطربة الراحة التي بدأت تلامس قدميها المتورمتين بعد طول وقوف، و رمت مرولتها معلنة:

+


"انقضت الحرب أخيرًا!".

7


ثم التقطت صحيفة كان يطالعها زوجها صباحا، و حولتها إلى مروحة تلوح بها ذهابا و إيابا، علَّها تستأنسُ بنسمة باردة تُنسيها حر اليوم، ارتاح السيد لي بدوره رفقتهم حول الطاولة، ليحظوا جميعا بوجبتهم الخاصة.

+



        
          

                
حاول هارولان خلال العشاء أن يمدح عملها في الحدائق، و أن يُطري على ثوبها الزهري الذي ارتدته بعد عودتها إلى البيت، غير أنه وجد الصمت يكمم فمه، ردَّدت هي و الطفل على مسمعه أن كل الأطباق شهية، لكن بالنسبة له... لم يجد شيئا شهيًّا غير مبسم ثغرها و غمزات عينيها! سأله لِيو بطلاقة:

28


"لِمَ تجلسُ في طرف الطاولة يا خالي؟ أنت بعيدٌ جدا عنا! رأيتُ على التلفاز بإحدى برامج الكرتون عائلة يجلسُ أفرادها متقاربين، و كانوا سعداء جدا!".

13


تجمدت الدماء في عروق هارولان، فقد شهيته، ربت بالمنديل على شفتيه، و انسحب دون أن ينبس ببنت شفة، عبس الطفل موشكا على البكاء، لولا ماريغولد التي أنقذت الموقف قائلة:

+


"خالُكَ مُرهق يا صغيري! لقد أضناه العمل الشاق اليوم، ربما سيحقق أمنيتك في فرصة أخرى!". 

+


بعد فراغهما من تناول الوجبة، طرقت ماريغولد على بابه منتظرةً ردًّا، و حين لم يجب كعادته، كرَّرت حركة أمس، و دلفت غرفته دون حاجتها لإذن، كان هذه المرة يرتدي كامل ثيابه، و يقفُ على باب الشرفة، كأنه يشكو همومه لأشباح الليل! استدار نحوها ممتعضا و قال بنبرة لاذعة:

2


"أعتقدُ أن الأبواب صُنِعت لضمان الخصوصيَّة!".

5


تجاهلت غِلظته الجارحة، و وضعت قبعته على طرف السرير، ثم رفعت في وجهه صندوق الإسعافات مردفةً بتحدٍ:

+


"و أنا أعتقدُ أن هذه صُنِعت لنتداوى بها!".

4


أراحت يدها من الصندوق بوضعه على المنضدة، و رفعت غطاءه باحثة عن القطن و الدواء المناسب، ثم تابعت بعناد:

+


"بإمكانكَ طردي و وضع ألف قُفلٍ على الباب، سأتسلَّقُ الشُّرفة!".

19


وجدت ضالَّتها، فابتسمت و دنت منه مستطردة:

+


"سأجدُ دائما طريقا إليك!".

41


أغرقها بنظراته المتأملة، هناك أشياء لا تُهزم في العالم، على رأسها حتما عنادُ هذه المرأة! جلس على السرير خالعا قميصه الرمادي، و لاحظ أنها استبدلت ثوبها الزهري بمنامتها السوداء المحتشمة، و لم يكن هناك شيء في الوجود لا يناسبها. طفقت تطبطبُ على جرحه بنعومة، و لم تمنع لسانها من السؤال:

+


"ألن تخبرني متى لسعتكَ الأفعى؟ و أين؟".

+


أجاب باقتضاب:

+


"في الغابة!".

+


"عندما كنتَ تبحثُ عنا؟".

+


أومأ برأسه، فاهتزت يدها، و ارتجف ذقنها، و لوت شفتيها منذرة بالبكاء، لتعلِّقَ في صوت متهدِّج:

+


"كدتَ تموتُ بسببي!".

1


تفاجأ بقولها، و استفسر:

+


"ماذا تعنين؟".

+


"لو لم أخرج من المحل يومها، لو سمعتُ توجيهاتك، لما تمكَّن منا ذلك الرجل، و لما تعرضتَ لهذا...".

1



        
          

                
وقف هارولان بحدة، و قاطعها:

+


"غير صحيح! لقد تصرفتِ بذكاء، و حميتِ لِيو، أنتما هنا... بخير، و هذا ما يهم الآن!".

7


"لكنَّك...".

+


"أنا على خير ما يُرام كما ترين، و الأفعى لم تكن سامَّة".

+


جنحت للصمت مقتنعة بكلامه، و سيطر هارولان بأعجوبةٍ على يديه حتى لا يمسح بهما دموعها التي استفزته، و عندما أولاها ظهره معاودا ارتداء قميصه، رغبت بسؤاله عن ندوبه الغامضة، ثم تراجعت عن ذلك، و حملت الصندوق، و غادرته في صمت. 

+


التفَّ الجميع في المطبخ مجددا، مطيعين رغبة لِيو في تعلم لعبة الشطرنج التي اشتراها له خاله مع بقية الألعاب، اكتضَّت الطاولة الصغيرة بهم، إلى درجة أن أحدًا لم يكن يستطيع تحريك مرفقه دون أن يلكز جاره، و كان الأبرع في اللعبة السيد لي و سيدني و ماريغولد، زعقت سيدني في آخر جولة لها قبل أن تذهب للنوم:

+


"كِش ملك! و هذا نصرٌ آخر، اعترفي أنني الأفضلُ يا آديا!".

4


"لا تغترِّي بنفسك، أطاحت بكِ الآنسة ماريغولد ثلاث مرَّات!".

+


تثاءبت سيدني معترفة، و أعلنت انسحابها، لتلحق بها ساري و تِيا التي كبكبها النعاس عدة مرات على الطاولة حتى دلقت شراب الزنجبيل الخاص بهانا و نالت منها توبيخا قاسيا، و هكذا تفرَّقوا تباعا إلى مخادعهم، و لم يبقَ سوى ماريغولد و لِيو.

+


"أعتقدُ أنني تعلمتُ اللعبة، ما رأيكِ بجولةٍ أخرى يا صديقتي؟".

+


"لك هذا أيها البطل".

+


"ما الذي يجري هنا؟".

+


انتفضا ملتفتين صوب الصوت الآتي من مدخل المطبخ، كان هارولان من قاطعهما قبل أن يبدآ اللعب، تأمل الثلاثة بعضهم، ثم اكتشف الصبي أنهما يتأملان بعضهما فحسب، و لا أحد يوليه اهتماما، فقال بمكر الأطفال:

2


"لِمَ لا تلعبان معا؟".

24


احتجت ماريغولد:

+


"لكنك رغبتَ بمواجهتي عزيزي!".

+


رفع هارولان حاجبيه، و خطا إلى الأمام فارضا حضوره الطاغي على المكان، و ارتمى بثقله فوق المقعد المقابل لها متسائلا بسخرية:

+


"هل تخشين الخسارة؟".

+


"مُطلقا!".

+


"إذن لِمَ التردُّد؟".

+


ابتسمت معتدَّة بنفسها:

+


"فلنمضِ إذن!".

6


أخذت نظرتها بريقًا من نوع خاص، لمعت عيناه كاللؤلؤ الأسود، و انطلقت الجولة، و راحت ماريغولد تركز على الرقعة ملاحقة جنودها البواسل، في حين كان هارولان هادئا، ينزلق بنظره بين القطع، و يكتفي بوضع هذه هنا و تلك هناك، ثم يمضي لفرك لحيته النامية بعض الشيء مخمنا خطوتها التالية، لم يستطع لِيو أن يتبين لمن الغلبة، فاندفع يطيح بالقطع على الطاولة لتتدحرج إلى الأرض محدثة فوضى و قرقعة متكررة. عبست ماريغولد معاتبة إياه بلطف:

+


"لماذا خربتها يا صغيري؟ أنفقنا وقتا في هذا!".

+


كرر هارولان نفس السؤال و لكن باستياء مكتوم، فنكس الطفل رأسه مدركا ذنبه، و غمغم خجلاً:

+


"أنا أحبُّكما كليكما، لم أشأ أن يفوز أحدكما فيتحطم قلب الآخر، إن كانت هذه اللعبة ستفرضُ عليكما الصراع، فلا أريدها، سيكون أجمل لو تقفا في صف واحد!".

49


أثَّر كلامه فيهما لكن بشكلين مختلفين، وجدت ماريغولد أن الصراع يأكل حياة المرء و يضيع عمره في حروب لا طائل منها سوى خراب النفس و فقدان الأحبة، أما هارولان فكان الصراع أوضح شيء أمامه منذ صغره، لأنه ببساطة أنفق كل سنواته يصارع نفسه و محيطه، حتى بات يرى الحياة دون صراع لا تعني شيئا! تبادلا نظرة عميقة، و كانت ماريغولد على وشك الكلام، حين طرق أحد الحراس باب البيت مستنفرا، قطب هارولان حاجبيه، و فتح منتظرا سماع خبر سيء!

+


"سيد كينغ، مفتش المنطقة «السيد غروندي» يريدُ توجيه بعض الأسئلة لك بخصوص وفاة رايس المشبوهة".

+


ارتعشت ماريغولد رغما عنها، هل مات ذلك الرجل بالفعل؟ و لِمَ يحقق المفتش معه هو بدلاً من أعدائه؟ أيعقل أنهم يشتبهون به؟ أشار لها هارولان كي تبعد الطفل حالاً، فأطاعته، أودعت لِيو فراشه قلقة، حتى القصة التي روتها له كانت متذبذبة، و سرعان ما اطمأنت لنومه، و ركضت بلهفة إلى الأسفل، لتكتشف أن هارولان و السيد غروندي يتجاذبان حوارهما الهادئ في الصالون كصديقين اجتمعا بعد غياب، هجمت كقاطعة طريق، و خاطبت المفتش بحدة:

+


"لا يمكنك أن تتهم السيد كينغ دون أدلَّة! يستحيلُ أن ينتقمَ من ذلك المجرم؟ لو كان يُريد لأزهق روحه سابقا!".

63


اتسعت عينا هارولان دهشة، و تقلص وجه المفتش، و رقص شارباه الطويلان حين قال ضاحكا:

1


"لا أحد يشتبه بالسيد كينغ سيدتي! بل إنه هو من أبلغ عن وجود الجثة في النهر بنفسه، و حذر المنظمات البيئية من احتمال انتشار الطاعون في المياه التي تَفِدُ إلى عدة مزارع من بينها مزرعته شخصيا، آه! من يؤذي نفسه بنفسه؟".

5


ذهلت ماريغولد و تهالكت على الأريكة بجوار هارولان تستمع لما تبقى من حديث المفتش:

1


"المستفيد الوحيد من فعلة جهنمية كهذه «آل كوينز»، لأن مزرعة «كوينزلاند» لديها احتياطي آبار عملاقة، و بالتالي لن يؤثر بها أي تلوث أو وباء بالمياه، خطة ذكية لتدمير مملكة كينغلاند و غولدمان و بقية المزارع معا، لكن... يبقى هارولان كينغ هو الأدهى!".

+


أعاد المفتش غروندي ارتداء قبعته، و تمنى لهما ليلة طيبة، ثم توقف عند الباب مستطردا بمرح:

+


"لا أعتقدُ أن أحدا سيتربصُ بك بوجود هذه الحارسة المتأهبة للدفاع عنك سيد كينغ!".

23


أومأ له هارولان، و عيناه لم تتزحزحا عن ماريغولد المتضرجة، و أردف بنبرة غامضة:

+


"لا أعرفُ بالضبط من بحاجة للحماية هنا!".

4


و قبل أن يضيف شيئا آخر، تمتمت ماريغولد بتحية مقتضبة، و فرَّت من أمامه إلى غرفتها، و قلبها الواجف يكادُ يشق صدرها و ينفلتُ منه!

17


نهاية الفصل العشرين.

2


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close