رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل التاسع عشر 19 بقلم نورهان ابراهيم
الفصل التاسع عشر. "أطياف الموت"
في طريقنا للانتقام قد نؤذي أنفسنا ويمتدُّ الأذى لمن حولنا، لكنها قاب قوسين أو أدنى من إزهاق روحها في سبيله!
+
شهقاتُ ألمٍ راحت تتفلتُ من بين شفتيها المطبقتين، ضغطت على أسنانها بقوةٍ وغرست أظافرها في لحم كفها، كتمت صيحة ألمٍ بعدما سُحبت السكين _ بعنفٍ شديد_ من كتفها.
+
أبقت عيونها على شاشة هاتفها المفتوح، ترى من خلاله تعبيرات الألم المنتشر على قسماتها، تنفست ببطءٍ وضغطت الهاتف بين بنانها تكبح بهذا أعاصير الألم والغضب التي تعتمر دواخلها.
+
سالت الدماء على طول كتفها فبللت ثيابها، رمشت "إيناس" وأنفاسها مُتباطئة، خفق قلبها خفقةً مؤلمة مع شعورها بالدم يُسحب منه بقوةٍ آلمتها، لم تأبه بكل هذا حينما كتمت صوت هاتفها وطلبت رقمًا مُسجلًا باسم "تغريد"، ثم ألقته بعيدًا عن الأعين المتربصة بها.
+
زايدت من ضغطها على أسنانها مقاومةً الوجع المتفشي في موضع الإصابة كقطعانٍ من الضواري، كأفواجٍ من الطيور الجوارح التي تنهشُ جثث الموتى.
+
وقفت "إيناس" مُلتفتةً لمن خلفها مُحاربةً شعورها الجارف بالوجع المضني، احتدَّت تعبيراتها _الغائمة في أبحرٍ من الألم_ برؤياها لأكثر وجه تبغضه في الوجود، ذاك الوجه المُفعم بمشاعر سوداوية وذكرى مأساوية.
+
شاهدتها كيف تبتسم بتلذذٍ بمرأى الدماء تتدفق منها بغزارةٍ، كأنما ظفرت بفوزٍ عظيم.
+
همَّت المرأة بإصابتها مجددًا لما دفعت يدها بالسلاح الأبيض نحوها، فتحوَّلت ملامح "إيناس" لما هو أشدُ حدةً، وتمكنت بصعوبةٍ من تفادي نصل السكين قبل أن يلتحم _مرة أخرى_ مع جسدها عندما قفزت خطوتين للخلف، رأت أمامها الشر متجسدًا في "ضرّةِ خالتها" في أبشع صوره.
+
رأتها لاتزال مبتسمةً بطريقةٍ توحي بأشياءٍ كثيرة مرعبة، لكنها ليست من تخاف حتى وإن كانت في نفس المكان مع قاتلة خالتها.
+
احتوت "إيناس" جرحها ضاغطة عليه بكفها، اختلَّ توازنها _نوعًا ما_ إثر الدوار الذي لفَّ رأسها، لكنها شحذت قواها لئلا تمنحها الأفضلية عليها ولكي لا تُشعرها بتأثرها _البالغ_ بالطعنة.
حدقت في عينيها الشريرتين بثباتٍ وجسارة، لاحت على ثغرها بسمةٌ ساخرة وهي تحدِّثها بمزيجٍ من غضبٍ ورغبةٍ في انتقام قريب:
_ كنت متوقعة إنك هتجيلي برجليكي، ومش غريب على واحدة قاتـ ـلة زيك إنها تقــ ــتل تاني.
+
_ بالظبط كده، أنا جاية ومش ماشية غير لما أطلع بروحك.
قالتها المرأة مُبدية عزمها على انتزاع روحها بلا أدنى ترددٍ، ثم راحت تحوم حولها وهي تقلب السكين بين يديها، وأثناء ذلك تحدثت مشيرة للقبر القريب _جدًا_ منهما:
_ متعرفيش "نجوى" كانت غالية عليا قد إيه، وأنا ميرضينيش تكون لوحدها من غير ونس.
+
اُضْرِمَت نيران الغضب في عيني "إيناس" واحمرَّ _وجهها الشاحب_ انفعالًا، وصاحت _من بين أسنانها المتضاغطة_ بتحذيرٍ:
_متجيبيش سيرة خالتو على لسانك يا... يا "لمياء"، وإلا هتشوفي مني وش تاني.
+
ارتفعت زاوية فم "لمياء" بشكلٍ ساخرٍ ثم همست بتحدٍ سافر:
_ وأنا عاوزة أشوف الوش التاني ده، عندي فضول أعرف شكله.
ـــــــــــــــــــــــــ
تباغته الحياةُ بما لا يتوقعه، تصدمه، تدهس قلبه، وتوجعه، لكنه _كما اعتاد_ يواجهها بلا حسام.
+
ارتخت أصابع "طلال" حول هاتفه فسقط منه _بلا شعورٍ_ على الأرض العشبية، رمش مشدوهًا، وأطلق سراح زفرةٍ مختنقة من فمه، تردد للحظاتٍ طويلة في الالتفات للخف لئلا يرى مخاوفه متجسدة أمامه!
+
أجبر جسده على الالتفات أخيرًا، مرغمًا نفسه على مواجهةِ ما كان يخشاه، رفع "طلال" عيونه ببطء فاصطدمت نظراته المصدومة بنظرات "باسل" التي حملت ألوانًا من المشاعر التي أغلبها أوجفت قلبه، ردد بصوتٍ متثاقل مذهول:
_باسل؟!!!!!
+
_أيوة باسل، خبيت عليا ليه؟
جاءه الرد باردًا كالصقيع، انفرجت شفتاه وهمَّ بالتبرير لكن "باسل" أردف بهمسٍ مشحونٍ بالألم والوعيد:
_قولتلك: لو مخبي عليا حاجة مش هسامحك.
+
كاد أن يقول شيئًا يدافع به عن نفسه، يوضح به نواياه مما فعل،
إلا أن "باسل" لم يمنحه فرصة لذلك، وسبقه مسترسلًا في حديثه اللاذع المفعم بحزنه وغضبه:
_اللي عملته أثبتلي إني ولا حاجة بالنسبالك.
+
هتف "طلال" ببادرةٍ تبرير:
_يا باسل أنا.....
+
اقترب منه "باسل" خطوتين وصاح فيه مُقاطعًا من جديد:
_وصلت بيك للدرجادي؟ لدرجة إنك تخبي عني الحادثة اللي حصلتلك وكان ممكن لا قدر الله تروح فيها؟
+
ازداد صوته حدةً وارتفاعًا حينما تابع:
_ مفكرتش لثانية إني هحس بإيه لما أعرف إنك اتعطنت من غير ما تبلغني أو حتى تديني خبر عشان على الأقل أكون جنبك وقت تعبك؟
+
ترنح "طلال" في وقفته، ضاق عليه صدره، وانعقد حاجباه بألمٍ يقطِّع فؤاده إربًا إربًا، أكان ينقصه ما هو فيه الآن؟
+
سكت "باسل" قليلًا ناظرًا إلى ما حوله، ثم ضحك ساخرًا وهو يستطرد بخفوت:
_وإللي واجعني أكتر إني عرفت من برة، كل الناس عارفين اللي حصل بالتفاصيل إلا أنا.
+
اتبع عبارته بأخرى أكثر عتابًا وملامحه منقبضة بغضبه:
_ده أنا حتى مش بخبي عليك تفصيلة صغيرة من حياتي.
+
أغمض "طلال" أعينه بقوةٍ وشعورُ الدوار يعاود غزوه لخلايا عقله،
توقف "باسل" عن السير وتلون محياه بألوان الحزن الممزوج بخذلانٍ ملأ ملامحه بينما يردف بنبرةٍ جمعت الخذلان بالعتاب:
_لما بتألم أو بمرض أو لما ماما بتتصل عليا مبفكرش غير إني اتصل عليك وأرمي راسي على حجرك وأعيط زي الطفل الصغير في حضنك.
+
_ يا باسل...
تردد صوته حزينًا مخنوقًا مشبعٍ بآلامه، فلم يُمهله "باسل" فرصة لإكمال كلامه، واستأنف سيره تجاهه وأثناء ذلك خاطبه:
_دا أنتَ أكتر حد عارف قد إيه بكره الكذب أو النفاق أو إن حد مهم ليا يخبي عني حاجة مهمة.
+
دفعه بسبابته من كتفه بقسوةٍ وهو يهمس من بين ثغرات أسنانه المتضاغطة:
_مش ممكن أبدًا أسامحك على اللي عملته.
+
بدا صوت "طلال" واهنًا حين قال بكل صدق:
_كل إللي عملته وبعمله وهعمله عشانك.
+
هزَّ "باسل" رأسه بلا اقتناعٍ مديرًا ظهره له، متابعًا تأنيه، غافلًا عمَّا اعترى الآخر من نوبات ألمٍ هاجمت صدره:
_إنتَ حسستني إني مليش قيمة في نظرك، وإني مش كفء إني أشيل معاك تعبك وأكون موجود قريب منك وقت حزنك وزي ما بشاركك أحزاني وزي ما اتعودنا نتشارك الفرح سوا.
+
بات من العسير على "طلال" التنفس براحةٍ، وزاعت أبصاره فجأةً، لم تعد الصور واضحة، كل ما حوله يدور به، بل إنه هو نفسه يدور، يشعر وكأنما هناك شخصٌ ما يرجُّه، قبض بأظافرة على جزع الشجرة القريبة منه، وأخرج أنفاسه من فمه في دفعاتٍ مضطربة، وأثناء ذلك استمر "باسل" في تفريغ شحنات غضبه الممزوج بشعورِ الخيبة:
_ كلهم كانوا عارفين إلا أنا، راغب، وفراس، وسندس، وإيڤا، وحتى سفيان حتى الصحافة خدت خبر وأنا المغفل في الليلة دي كلها، أنا الوحيد اللي طلعت غبي وسطكم، بجد شكرًا على استغفالك ليا.
+
في آخر كلامه ركل العشب أسفل قدمه، كأنما ينتقم منه.
+
بسط "طلال" راحته على صدره المثكل بهمومه، واستقام بوقفته بعدما خفَّ الدوار بعض الشيء، كل هذا تزامنًا مع إلتفاتة "باسل" قائلًا وصوته أخذ يميل للين الحزن:
_ده أنا بتحامى فيك من الدنيا، بشتكيلك همي وتعبي، ولما بفرح بجري عليك عشان تعرف قد إيه أنا فرحان، لما بزعل بتكون إنتَ أول الشاهدين على دموعي وإنكساري، ليه عملت فيا كدة؟ ليه تحسسني إني مسواش في نظرك؟ ليه يا طلال ليه؟
+
قابله "طلال" بنظراتٍ عاتبة، وانتشر في صوته زباباتٍ متألمة، حين سأله بوهنٍ يائس:
_هتبقى إنتَ والظل والماضي عليا؟
+
ضيق "باسل" عيونه بعدما خفَّت شحنات نفسه بفعل صياحه وعتابه السابقين، فلاح له طيف الألم المغروس في كلمات ابن عمته كفأسٍ يفلق قطعةَ خشب!
+
استطرد "طلال" بما يثقل كاهله، يشكو ما يمزق فؤاده ويضنيه، في سابقةٍ لم تحدث قبلًا:
+
_الماضي إللي بيتعاد في دماغي وقدام عنيا مليون مرة، والشر إللي عايز يسيطر على عقلي وقلبي، وإللي بحاربه بكل طاقتي.
+
تحامل "طلال" على قدميه، ووقف شامخًا كجبل واتته الرياح من كل جانب بالرغم من أن كل ذرةٍ به تهوى للدرك الأسفل من الأرض، ضاعف من ضغطه على صدره بينما يستأنف حديثًا ملآنًا بالأوجاع:
+
_ لولا قربي من ربنا وخوفي منه كنت بقيت وحش زي الوحوش إللي بتدمر حياة الطيبين، مش قادر تتحمل إني خبيت عليك موضوع الحادثة إللي كان ممكن أموت فيها؟
+
استرسل بعدها بتساؤلاتٍ يحرقها خوفه على أحبته، وقهره وعجزه عن إيذاء من آذاه:
_مش قادر تفهم إنك عندي أهم من حياتي؟ مش قادر تحس بالنار اللي بتحرق كل شيء جميل جوايا؟ النار اللي ولعت من سنين ومش راضية تنطفي غير لما تقضي عليا وتمحيني من الوجود؟
+
ضغط "باسل" على أصابعه في قبضةٍ قاسية، والكلمات كالسهامٍ لا تخطؤ قلبه، وملامحه كانت تلين كل حين، حتى اتسمت بالألم مع قول "طلال" بنبرةٍ شديدة المأساوية، يصف له معاناته بهمسٍ يذبحه الألم:
+
_ أنا بتاكل، زي الحديد، لحد ما هييجي في يوم وأختفي.
+
مرَّت الذكرياتُ ببشاعتها على عينيه حين أضاف بصوته المخنوق:
_بدوس على قلبي بالجذمة وأنا كل يوم شايفهم غرقانين في دمهم.
+
باتت عينيه تغيمان بسحبٍ سوداء، وتكدَّست الدموع في مقلتيه، استأنف حديثه مسترسلًا وشعوري العجز والحسرة يعصفان بدواخله:
_ كل يوم بشوف عنيها الميتة بصالي، وشعرها المتبعتر حوالين راسها الغرقانة في دمها.
+
توقف لبرهةٍ عن الكلام، ممسدًا صدره براحته اليمنى، لماذا يشعر بقلبه يختنق، يُذبح، يغرق و.... يحتضر؟!
أيمكن أن يصل الإنسان لهذه المرحلة التي يعيشها هو بكل تفاصيلها؟!
أيمكن أن يتخطى الألم دائرة الشعور ويصل حد اللاشعور؟!
أيحدث أن يعجز الإنسان عن احتواء آلالامه؟!
لما يشعر أنه كأسٌ فاض بماء الألم ولم يبقى به جزءٌ ليحمل المزيد منه؟!
لما يشعر أنه كقطعةٍ قطنٍ علقت في أشجارٍ من الشوكِ وكلما سُحِبَت مُزقت أكثر وأكثر وأكثر؟!
+
تمزَّقت نظراتُ أعينه الفائضة بدمعه العزيز، وتحطمت روحه مع همسه الأليم:
_ دمها إللي أغلى من روحي.
+
تلونت قسماته فجأةً بغضبٍ مع إضافته:
_شعرها إللي ما عمر راجل غريب شافه.
+
تصورَّت المشاهد حيَّة أمام أنظار "باسل" فارتجف للذكرى البغيضة، تركزت عيون "طلال" الرمادية الباهتة على عيونه العسيلة مضيفًا بما آلمهما معًا وأعادهما لما لا يوديان تذكره:
+
_ ولبسها، لبس عمتك يا باسل، لبس البيت، اللبس اللي مينفعش راجل يشوفها لابساه غير بابا، الظل شاف كل ده.
+
صاح بحرقةٍ نابعة من قلبه المُحطَّم:
_ استباح حرمة البيوت، زي ما استباح القتل وخطف الأرواح، وزي ما استباح سرقة ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.
+
مع آخر كلمةٍ وقع على الأرض رغمًا عنه، ضاربًا بقبضته على العشب الأخضر الذي لو ترك عليه نيران قلبه لاحترق مثله، أمال رأسه وآلامه تفتته، سحابةٌ سوداء أغشت عيونه، وأصوات الصرخات تدوي في أذنيه برنينها المشؤوم: صرخة أبيه الغاضبة القلقة، وصرخةَ أمه المتألمة المرتعبة، وبينمها ضاعت صرخته هو، صرخته المجروحة، المفطورة، الممزقة، تمامًا كقلبه الذي شاب باكرًا... باكرًا جدًا.
+
سأله وعيونه تسيل منها نظراتُ حزنٍ:
_ عاوزني أقول إيه تاني؟
+
لبث ثوانٍ ثم تابع بحبٍ خالص وصدقٍ يلوح في حروفه:
_أيوة خبيت عليك، بعدتك عني مدة شهرين عشان احميك.
+
شردت نظراته وهو يردف بكلماتٍ خنقها الخوف:
_ هو قالي اللي يقرب مني هيدمره، هياخدك مني زي ما خاد بابا وماما زمان.
+
أشار عليه بإصبعه وهتف مُتابعًا بصوته المذبوح بنصالِ آلامه:
_ أيوة خبيت عليك إني تعبان ومتألم، عشان بس مشوفش نظرة القلق والخوف والألم في عنيك.
+
أبدى له كل مخاوفه، كل ما يؤرق نومه، كل ما يعانيه قلبه، كل ما يدور في عقله من أفكارٍ فاقت تحمله، فتهاوى "باسل" مكانه، وعينيه أبت إلا أن تذرف دموعها على خديه.
+
ماذا يقول الآن، ومن أين يأتي الكلام؟
وما جدوى الكلام في موقفٍ تتحطم فيه القلوب، وتحترق فيه الأرواح، وتذوب فيه العقول من قساوة ما تَحمله من ذكرياتٍ وذكريات؟!
+
كل الكلام قليلٌ إن قورن بما يشعران!
كل اللغات فقيرة إن بُحث في معاجمها عن كلماتٍ تفي حق جراحهما!
كل الآلامِ هينة بإزاء آلامها!
كل عبارات المواساةِ لن تكفي لمداواةِ قلوبهما!
+
اللقاء كان أقسى عليهما من أيٍ شيءٍ واجهاه، هو يدرك الآن _حق الإدراك_ سبب إبعاد "طلال" له، سبب إخفائه الحادثة عنه، سبب كذبه عليه؛ لأنه كان يتلافى هذه المواجهة التي استهلكت كل طاقاتهما.
+
تماوجت نبرة "باسل" بين حزنٍ، أسى، ندم وعتاب، حين اعتذر هامسًا:
_آسف، بس مش آسف..
+
هو آسفٌ على ما قاله.
آسفٌ على إيلامه، وجعله يعاني عن غير عمد.
آسفٌ على تسرعه، وقسوة كلماته.
لكنه _حتمًا_ ليس آسفًا على موقفه الرافض.
ليس آسفًا على غضبه عليه لإخفائه أمرًا خطيرًا كالحادثة.
+
وهذا بالضبط ما فهمه "طلال" فأومأ رأسه ثم رفعها للسماء يناجي ربه:
_ يا رب، يا رب تولني فيمن توليت!
+
مع آخر حرفٍ نطقه استند بكفيه على الأرض مقاومًا _بكل كيانه_ الرغبة العارمة في السقوط التي تجتاحه الآن.
+
كيف ترك نفسه تهوى بهذا الشكل؟
بل كيف سمح لها أن تضعف وتخور قواها؟
أين قوته التي يستمدَّها من إيمانه بالله _عزَّ وجل؟
+
هكذا عاتب "طلال" نفسه على انهيارها وانجرافها وراء أوجاعها القديمة، سار تجاهه يجرجر أقدامه _صامدًا ومحاربًا آلالامه _ كملكٍ يجرُّ سيفه بإنهاكٍ بعد معارك ضارية.
+
يجدر به أن يكون قويًا، صلبًا، صامدًا، ومتجلدًا؛ لأجله قبل أن يكون لأجل نفسه!
+
هو العمادُ لما بقي من أسرته، إن انهار انهاروا جميعًا وسقطت الأسقاف التي تؤويهم!
+
وقف أمام "باسل" الذي استسلم هو أيضًا للهوان الساكن ثنايا روحه المكدودة.
مال عليه، أمسكه من كتفيه وشدَّه إليه برفقٍ ليوقفه على أقدامه هو الآخر، لينقذ ما يمكن إنقاذه من روحه التي عاث فيها الماضي فسادًا.
+
ابتلع "طلال" غُصَّةً مُرة لازمته سنينًا طويلة، ربَّت على كتف "باسل" وأخبره هامسًا بحزنٍ واعتذار غير منطوق:
_ انسى كل إللي سمعته مني، انسى كل الذكريات الوحشة إللي أنا فكرتك بيها، كانت لحظة استسلمت فيها لآلامي، لحظة كانت كفيلة إنها تفتح جروحنا إللي لسة ملمتش.
+
لاحت على وجه "باسل" بسمةٌ أليمة، وسأله مُعقبًا:
_ انسى إزاي؟ قولي على حاجة واحدة في حياتنا بتساعدنا ننسى؟!
_ الصلاة.
+
كانت إجابته تلقائية، بلا تفكيرٍ، فردد "باسل" بهمسٍ متعجب كأنما يتذوق الكلمة:
_الصلاة؟!
+
أتاه الردُ فوريًا من "طلال" حين قال بجدية ومصداقية:
_أيوة، مش هقول بتخلينا ننسى، لإن النسيان صعب، خصوصًا لو حاجة زي ماضينا المهبب.
+
ألحق جملته الأخيرة بضحكةٍ حوت من الألم والحزن الكثير، ومن ثمَّ أضاف بما يؤمن به:
_ لكن الصلاة بتخلينا نتناسى أوجاعنا، بتخلي روحنا التعبانة ترتاح شوية، بتحسسنا بالأمان، كفاية وقوفقك بين إيدين ربنا الرحمن الرحيم.
+
استحسن "باسل" ما يسمعه، وعلقت مُرددًا في تجليلٍ وحب:
_ سبحانه وتعالى!
+
أقترب إليه خطوةً أخرى، وكاد يمسكه من ذراعه قائلًا:
_ طيب يلا.
+
حرك "باسل" ذراعه في شكلٍ شبه دائري فتخلص من قبضته قبل أن توضع عليه تزامنًا مع ترديده برفضٍ جلي وتعبيراتٍ متجهمة:
_ مش جاي معاك، هروح لوحدي.
+
اُرْهِقَتْ ملامح "طلال" وعقد حاجبيه منزعجًا وتسائل بشيءٍ من التذمر:
_لسة زعلان؟!
+
شمله "باسل" بنظرةٍ مطوَّلة مغتاظة، وسار مُغادرًا وهو يغمغم مع نفسه بما لا يُسمع، فرفع "طلال" حواجبه مستعجبًا من تحوله المفاجيء.
+
أولم يكن هادئًا منذ ثوانٍ؟!
لقد ظن _لوهلةٍ_ أنه نجح في إغماد ثورات غضبه.
+
ــــــــــــــــــــــــ
خبأت ملامحها خلف كوب "النسكافيه" الذي ينتصاعد منه البخار.
يرتفع ويتلاشى تلقائيًا، تمامًا كمستقبل حبهما.
حبهما الذي يتبخر ويختفي.
حبهما المخنوق، المحبوس_ قسرًا_ في زنزانات صدريهما.
_ أحسن دلوقتي؟!
+
قاطع عليها تفكيرها بسؤاله المهتم، فهمست بتشتتٍ والشرود لازال مسيطرًا على حواسها:
_ها؟!!
+
على وجهها علاماتُ استفهامٍ شتىٰ، فاضطر لأن يعيد سؤاله:
_ بقولك، بقيتي أحسن؟
_ أه.
أجابته بمزيدٍ من شتاتٍ وقد غاب عنها الشرود؛ لذلك التفت هو إلى الضابط الذين يجلسان في مكتبه وهتف موجهًا حديثه إليها:
_ ده الظابط "فريد" صديق عزيز عليا.
+
هزَّت رأسها بالإيجاب وقالت هامسةً:
_تشرفنا.
+
ردَّ عليها "فريد" بصوته الجاد:
_الشرف ليا أكيد.
+
هتف "سفيان" بجديةٍ وعيناه تطالعانها بعنايةٍ:
_ الآنسة "تغريد" عاوزة تقدم بلاغ، عاوزك تعمل اللازم.
+
أجابه "فريد" بإيجازٍ:
_ أكيد.
+
ثم أخبرها _متسائلًا_ بهدوءٍ:
_ اتفضلي يا آنسة، عاوزة تقدي البلاغ في مين؟
+
اشتدَّت قبضتا يديها حول حقيبتها، قُبِضَ قلبها فجأةً بلا سبب، أو ربما لسببٍ لا تعرفه.
+
جمَّعت قواها، واستدعت شجاعتها، وحاولت _عبثًا _ السيطرة على أعصابها، أخذت شهيقًا ثم زفرته على مهلٍ علَّها تهدء من روع قلبها.
لا تدري ماذا دهاها؟!
هناك شيءٌ سيءٌ للغاية يحدث!
+
رنَّ هتافها فانتفضت بزعرٍ وترقرقت الدموع في مقلتيها، تنهدت بقوةٍ ثم فتحت الخط.
+
كادت تنطق بشيءٍ لولا سماعها للمحادثة التالية:
+
صرخت "إيناس" بنبرةٍ مشتعلةٍ من الغضب والوجع:
_ إزاي جالك قلب تقتلـ ـيها؟ إزاي؟!!
+
دوى صوتُ ضحكة مريضة تبعها صوتٌ مقيتٌ تألفه حواسها:
_ عشان بكرهها، أيوة بكرهها، ولو رجع بيا الزمن هقتلها تاني!
+
تَكرهُها؟!
هل الكره كافٍ لأن يقتل الإنسانُ إنسانًا؟!
هل الكره كافٍ لأن يُميت القلب ويعدم الضمير؟!
هل الكره وحده كافيًا لفساد الروح والعمل؟!!
+
بصوتٍ شابه كرهها العميق وحقدها العريق، أخبرتها:
_ ومش هتردد وأنا بقتلك إنتي كمان!
+
ارتعش كف "تغريد" بمزيجٍ عجيبٍ من خوفٍ ورعبٍ.... وغضب، انتشرت تعبيرات القلق على وجه "سفيان" وسألها من فوره:
_ في إيه يا "تغريد"، مين إللي على الخط؟!
+
ناظرته بعيونٍ يوشك الدمع على التفجر منهما، ونالوته الهاتف بلا كلام، فصوتها يخونها، وقلبها يخونها، وأعصابها كذلك... تخونها.
+
عيناها جاحظتان زائغتان، وجهها مُصفرٌ، وأنفاسها مضطربة، ساءه رؤيتها على هذا الحال، لكنه رفع الهاتف على أذنه ليكتشف ما خطبها!
تصارعت الأصواتُ الحادةٍ الغاضبة من الطرف الآخر:
+
هتفت "إيناس" بصوتها الغاضب المكلوم:
_ انتي واحدة مجرمة، وأنا مش هسيبك تفلتي بعملتك من غير عقاب، هتأكد إنك تاخدي أقسى عقوبة ممكنة على.....
+
ردت عليها "لمياء" مقاطعة استرسالها بنبرةٍ هامسةٍ كثعبانٍ خبيث:
_ ده لو سيبتك تخرجي من هنا عايشة.
+
صاحت "إيناس" بحدةٍ مُفرطة:
_مش هتقدري تمنعيني.
+
ضحكت "لمياء" وقالت مُعقبةً بتحدٍ مُريب:
_ هقدر.
+
سألتها "إيناس" بصياحٍ هادر:
_ هتعملي إيه يعني؟ هتحرقيني زي ما حرقتيها؟
+
لم تلبث أن صدحت صرختها المتألمة، تزامنًا مع صوت اصطدامٍ ما، كأنما ضُرِبَت بشيءٍ قاسٍ:
_ آآآآه!
+
هبَّ "سفيان" واقفًا، فناظره "فريد" بتعجبٍ سيطر على ملامحه قبل سؤاله المرتاب:
_ فيه إيه يا سفيان؟
+
_ محاولة قتل!
أجابه "سفيان" على عجالةٍ، ملتفتًا لـ "تغريد" المتجمدة، كان على وشك أن يخبرها شيئًا ما، حينما انتفض "فريد" هاتفًا بذهول:
_ قتل؟!
+
أبقى "سفيان" نظراته عليها وهو يرد:
_مافيش وقت للتفسير، يلا بسرعة!!
+
ثم حدَّثها بصوتٍ رفيقٍ:
_ خليكي هنا، هتكوني في أمان.
+
انتفضت واقفة واعترضت والرعب على ابنة عمها يسيل من نظراتها الراجية:
_ عاوزة أروح معاكم.
+
قابل اعتراضها باعتراضٍ مقتضب به شيء من اللين وعيان تدوران على ملامحها:
_ مينفعش.
+
أبدت عدم رضاها عن مكوثها هنا بهتافها الثائر الممزوج بقلقٍ وإصرار:
_ مش هسيب بنت عمي مع واحدة زي دي وأقعد هنا.
+
تنهد في انزعاجٍ من عنادها، وأخبرها بمزيدٍ من الرفق علَّها تتفهم خطورة الوضع:
_ هتفضلي هنا عشان سلامتك.
+
عقدت حاجبيها وعبس وجهها المتكدر، زاغت عيونها وأتى قولها مُشبع بقلقها وما يعتمل في نفسها من مشاعر كان الرعب سيدها:
_ سلامتي هي سلامتها، قلبي مش هيطمن غير لما أشوفها.
+
حتمًا كانت على استعدادٍ تامٍ لمجابهة المخاطر ما دام الأمر متعلقٌ برفيقة روحها وابنة عمها الغالية.
+
وجد "سفيان" نفسه مضطرًا لأخذها معه، فيكفي الوقت الذي ضيعاه ويبدو أنها لن ترتدع عن قرارها، فزفر أنفاسه مع تمتمته الخافتة:
_ماشي، أمري لله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الولايات المتحدة الأمريكية.
شركة "المنسي".
مكتب رئيس مجلس إدارة شركات المنسي "وحيد المنسي".
+
بين يديه المجعدتين تابلت يتصفح به المواقع الإخبارية، وأمام عينيه ها هنا الخبر الأسوء على الإطلاق والأكثر إيلامًا لقلبه العجوز.
+
انفرجت شفتاه عن عبارةٍ حارةٍ يغزوها الألم:
_ آه يا طلال آه.
+
وسَّع "وحيد" شاشة التابلت بإصبعيه فبات لا يرى سوى كلمة "طعنوه"، تفلتت الكلمات من شفاهه تملأها الحسرة على من خسرهم سابقًا:
_ مش عاوز أخسرك إنتَ كمان، مش عاوز أخسرك زيهم، إنتَ إللي باقيلي من ريحته يا حبيبي!
+
كرر آخر جملةٍ بطريقة أخرى يكسوها الحنين:
_ ريحة ابني الغالي.
+
وضع "وحيد" التابلت على سطح المكتب، وحمل سماعة الهاتف الأرضي ليجري مكالمة مع شخصٍ ما، وعيناه شاردتين ممتلأتين بجروحٍ غائرة، جروحٍ عريقةٍ تكاد من فرطها تتجاور عمره السادس والسبعين!
ــــــــــــــــــــــــــــ
مكتب "راني المنسي".
+
مُشمرًا عن ساعديه، مُرتديًا نظارة القراءة خاصته، ومُركزًا أشد التركيز على ما يوجد أمامه من أوراق، هكذا تابع "راني" تفقد ملفات الصفقات المهمة بعنايةٍ فائقة، فهو صارمٌ جدًا ومتفانٍ في عمله.
+
سمع صوت رنين الهاتف الذي عن يمينه فرفع السماعة إلى أذنيه، ومعها سيجارته المشتعلة، أخذ منها نفسًا بينما عيناه لازالت تتبع حروف الكلمات والسطور في الملفات.
+
أصغى لحديث الطرف الآخر، ثم عقب عليه رافعًا عيناه الصارمتين عن الملف، فما يسمعه يعجب له حقًا:
_خير يا جدي؟ مش ممكن الموضوع يتأجل؟ طيب هخلص الملف إللي في إيدي وجاي، خلاص.... جاي حالًا.
+
وقف سائرًا نحو الباب، حانت منه إلتفاتة لسترته الموضوعة على ظهر كرسيه وقد قرر تركها والخروج كما هو بقميصه فقط، أغلق الباب بحرصٍ من خلفه، ومشى بخطواتٍ أنيقةٍ، حازمةٍ، والسيجار بين أصابعه يرفعها حينًا لشفتيه يستنشق منها أنفاسًا ويخفضها حينًا آخر.
+
ولج مكتب جده، بحث عنه بأنظاره فوجده عند النافذ الطويلة بطول الحائط، واضعًا يديه خلف ظهره.
+
جلس "راني" أمام المكتب وسحب نفسًا آخر من سيجاره ثم تشدق قائلًا بشيءٍ من فضول:
_ نعم يا جدي!
+
جاءه صوت "وحيد" هادئًا وآمرًا يخفي الكثير:
_ شوف التابلت.
+
عقد "راني" حاجبيه ورفعهما معًا، هل استدعاه على عجالةٍ، وجعله يترك عمله لأجل هذا؟
+
لكنه لم يُبدِ أي تساؤلٍ، ومدَّ ذراعه نحو الجهاز وحمله وتفقده، قرأت عيونه كلمة واحدة "طعنوه"، فهم عمَّا يدور الأمر، ومع ذلك صغَّر الشاشة فرأت عيونه عناوين الأخبار الجذَّابة للفضول والأنظار.
+
ولمَّا كان الخبر منتشرًا، سلط "راني" أنظاره المبالية على جده وبادر بسؤاله البديهي:
_ كلنا عارفين، إيه الجديد؟
+
أغمض "وحيد" عيونه للحظاتٍ ثم فتحهما مُراقبًا الشارع من هذه الإطلالة، وأعطاه إجابةً غير وافية:
_ ابن عمك محتاجك.
+
استغرب "راني" وتسائل بنظراتٍ حيرى:
_ هو قالك كده؟
+
التفت إليه "وحيد" وأردف قائلًا بحنانٍ وشيءٍ من الأسى يلوح في عينيه:
_ مش محتاج يقول، كمان إنتَ عارفه حتى لو بيموت مش هيقول حاجة عشان منقلقش عليه.
+
فورًا سأله "راني" مظهرًا موافقته على تنفيذه لما أُمِرَ به:
_عاوزني أروحله أمتى؟
+
_ هبقى أبلغك قبلها.
قالها "وحيد" بغموضٍ يفوح من نبرته ومن نظراته الشاردة، زفر مُتبعًا زفيره بإضافته التالية وقد غاب عنه الشرود:
_ "محسن" و "سهيلة" مسافرين تركيا عشان....
+
استقام "راني" واقفًا واحتدَّت عينيه مع كلمته المليئة بالسخرية والألم:
_ عارف.
+
انتشر الأسى في كل قسمات "وحيد" بقوله المتسائل الموجز:
_قالك؟!
+
انزوى فم "راني" ببسمةٍ ضيقةٍ مُفعمة بسخريةٍ وأطياف الحزن تحوم حول قلبه:
_ أه، بعتلي رسالة.
+
استطرد "وحيد" بعد صمتٍ قصير، مُقتربًا منه وضاغطًا على كتفه بمؤازرةٍ ومصرحًا برجاء:
_ نفسي علاقتكم ترجع زي الأول، مش عارف إيه إللي خرب ما بينكم.
+
حدَّق "راني" في عيون جده واتسعت ابتسامته المريرة، ابتلع ريقه المر مُردفًا بخفوتٍ مأساوي:
_ علاقتنا مكانتش حلوة من الأول يا جدي عشان حد ييجي يخربها، علاقتي ببابا عاملة زي بيت العنكبوت، لا بتدفي ولا بتحمي ولا بتصمد، دي بالعكس....
+
سهامٌ مسمومةٌ راحت تتراشق في صدر "وحيد"، وارتخت نظراته المشفقة تجاه حفيده، ومع ذلك عقَّب متمنيًا وطالبًا برجاءٍ أشد:
_حاول تقرب منه، عشان خاطري، عاوز أشوفكم كلكم حواليا ومبسوطين.
+
لم يدري "راني" بما يجيب الآن، فهو لن يكون جديرًا بأن يفي بأي وعدٍ يقطعه عليه، ولن يستطيع أيضًا أن يجبر نفسه على شيءٍ لا يرغب به، فآثر الصمت مطرقًا رأسه بطريقةٍ توحي بالحزن.
+
تنهيداتٌ مُتفرقة مشحونة بكل شعورٍ أليمٍ خرجت من فمه تلاها همسه بصوتٍ مسموع قبل أن يغادر الغرفة بشكلٍ أقرب للفرار بالرغم من أن خطواته كانت متثاقلة:
_ آسف يا جدي، مش هقدر.
+
اكتوى قلب "وحيد" على فحمٍ مُتقد ألهبه حديث حفيده، فهو يدرك حقيقة شعوره، وربما يلتمس له الأعذار، لكنه لا يريده أبدًا أن يقطع صلته بأبيه، لا يريد لجمع عائلته أن يتشتت.
+
كذلك انشطر قلب "راني" ملايين المرات مع كل حرفٍ فاه به ومع كل خطوةٍ خطاها مغادرًا، لم يشأ أن يعود إلى عمله فلا ضامن له أن يستحضر التركيز اللازم للقيام به على أكمل وجه.
+
فاتخذ مساره للخروج من الشركة، وعيونه تستعر فيها نيرانٌ فوق نيران.
+
نيرانٌ يُضرمها جرحه من والده وما يحمله في قلبه من سخطٍ نحوه وفي الجهة المقابلة يقبع تأنيب الضمير الذي يتجاذبه تجاهه، فتظل روحه تُعاني الشتات وتتكسرَّ كالزجاجِ كل حين.
+
اختناقٌ رهيب اجتاح حلقه كحبائل مشانق التفَّت بتتالٍ حول عنقه، فمسح بلا شعورٍ على رقبته وتنفس باضطرابٍ يتناسب مع حالةِ قلبه الخافق ببطءٍ حزين.
+
اندفع بخطواته يدفع قدميه لأن تسيرا سيرًا يُقارب الركض، فاصطدمت طيارات الهواءِ بجسده فوخذته كالإبر، فتح باب سيارته مُتجاهلًا النظرات الحيرى المرسومة في عيون الحراس الذين رأوا مظهره العجيب.
أدار موتور السيارة وحرك المقود منطلقًا نحو وجهته، تزامنًا مع ترقرق دموعٌ في عينيه البنيتين لم يؤذن لها أن تراق، كأنما تزيده احراقًا على احتراق...
+
هو موقن أن جرحه أكبر من أن يداويه إصلاح علاقته بوالده؛ لأن جرحًا كهذا لم تسطع السنون بطولها وأيامها ولياليها أن تمحوه، بل زادته عُمقًا ونزيفًا بعد نزيف، لن يُصلحه ترقيع لوحةٍ قماشية جمعت صورته به كما في فيلم ميريدا، الأمر ليس بهذه السهولة.
+
أكثر الجروح إيلامًا هي تلك التي يُخلفها من نحب في قلوبنا.
فيصير من الصعب علينا مداواتها أو التعافي من آثارها، كأنما زرعوا أشواكًا في حشاشتنا لا تُنزع إلا بقطعٍ عزيزةٍ من أرواحنا، فنبقى طول الأمد أسرى لأوجاعنا.
ننظر لهم فلا نعود نرى سوى وحوشًا بشرية.
الملامح التي كانت يومًا حبيبة لقلوبنا الشبية باتت كلوحةٍ سوداء قابضةٍ لدقاتنا.
الضحكات التي كنَّا نراها صافيةً صرنا نبصرها متملقة.
الهمسات التي كنَّا نأنس بها باتت تصيبنا بالوحشة.
والصدور التي احتوتنا مكسورين ومجبورين باتت لا تسعنا وإن سعتنا لا تزيد أرواحنا إلا انقباضًا وضيقًا.
+
"راني المنسي": ابن عم "طلال" والذي يتنافى معه في الطباع، فـ "راني" قلَّما يعفو عند الإساءة على خلاف ابن عمه، ويتصف بالشدةِ والجفاء في التعامل مع من حوله..
+
أعوامه الثالثة والثلاثين بكل ما عاشه فيهن من أوجاعٍ عوَّدته القسوة والصرامة مع من حوله، والهشاشة التي بداخله جعلته لا يتواني عن إظهار جانبه السيء لكي لا يكتشفها أحدهم، ملامحه تبدو في أكثر الأحيان مشدودةً بألمٍ خفي وغضبٍ ظاهر، غضبٌ يأكله ويكاد يحيل كل شيءٍ بداخله إلى رماد.
+
صراعه مع جانبه الجيد يهلكه على مدار الساعة، فأسوأ وأقوى عدوٍ للإنسان هو الأدنى وليس أدنى من الإنسان أكثر من نفسه.
+
وهو في حربٍ بلا نهايةٍ معها، حربٍ فوزه فيها يعني الخسارة الحتمية.
+
عيونه البُنِّية تشابه تمامًا بنًا احترق أثناء تحميصه فتكادٌ تُشابه في قتامتها شعره الأسود.
ـــــــــــــــــــــــ
ابتهجت نفسه بلقياه لـ "سامي" في المسجد، احتضنه بحفاوةٍ، وربَّت على كتفه في فخرٍ، فجهوده معه آتت أُكلها.
+
حدجهما "باسل" بنظرةٍ حارقة غير راضية، ونهشه فضوله حول هذا الفتى الذي يستولي على اهتمام "طلال"، ابعد عيونه عنهما في إباءٍ، وجلس في زاويةٍ المسجد بالقرب من شيخٍ يقرأ القرآن ويلتف حوله مجموعةٌ من الصِّبْية.
+
انزعج من إطالتهما للحديث سويًا، وراوده شعورٌ بالغيرةِ ضاعف من انزعاجه، فظلَّ يُذكرُ نفسه أنه غاضبٌ منه ولا شأن له به مادام قرر معاقبته، فلاذ بالصمت.
+
لاحظ "طلال" سخطه عليهما من غير أن يستدير، فهناك نظراتٌ حارقة تُوَّجه لظهره كلَّ حين، فاتسعت ابتسامته لذلك.
سار حذو "سامي" للخروج، انتعل كلاهما حذاءه، وتلاحقهما عيونُ "باسل" الذي زفر بقوةٍ مُغتاظًا، ووقف مُغادرًا المسجد هو الآخر مع تمتماته الحانقة.
+
رآهما واقفين بجانب سيارةٍ ما، فرجح أنها تعود لهذا الفتى، مرَّ من جوارهما مشيحًا وجهه في إباءٍ وشيءٍ من غضب، فتح باب سيارته بعنفٍ مُلفت وصعدها ليغادرهما تاركًا زمام نفسه لغضبه.
+
تابعه "طلال" بنظرات أعينه بعناية، ومن ثمَّ منح "سامي" نظرةً مكترثة مع سؤاله الخافت:
_ بتحب ربنا _سبحانه وتعالى_ ورسوله ﷺ؟!
+
بُوغِت "سامي" بالسؤال، وانتشر التعجُّب على قسماته، وأجاب بلا تفكير:
_أكيد، أكتر من روحي!
+
تبسَّم "طلال" بصفاءٍ وأردف بصوته الفريد الذي يمزج الحنان بالقوة:
_إللي بيحب حد بيعمل زيه، بيسمع كلامه وبيبقى عاوز يرضيه.
+
أصغى إليه "سامي" مهتمًا، وأُعْجِبَ بحديثه التالي:
عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ.
+
رمش "سامي" مُطرقًا رأسه مُسبلًا جفونه ومغزى الكلمات يصله، لا ريب أن "طلال" يريد أن يستأنف حديثهما المُعلق منذ ساعتين، ربما هذا ما دفعه _هو_ لقضاء المزيد من الوقت في المسجد بعد أداء صلاة العشاء.
+
فانتقلت إليه بسمةُ "طلال" الذي انسابت الكلماتُ على لسانه في سهولةٍ ويُسر:
_ وفيه أحاديث تانية بتحث على البر بالوالدين، وفيه آيات منها قوله تعالى :{وَاعْبُدُوا اللَّهَ ولَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} سورة النساء الآية ٣٦.
+
أضاف متسائلًا بوجهٍ وضَّاء:
_ قولي إزاي بقى بتحب ربنا والنبي ومش بتعمل إللي يرضيهم؟!
+
حَزِنت قسماتُ "سامي" وزاد من إطراقه لرأسه، تجمَّعت الدموعُ فجأة في عينيه واختنق حلقه بجداله:
_بس هو بيعاملني وحش ودايمًا بيدوس على مشاعري، بيحسسني إني مسواش.
+
استطرد بشيءٍ من السخرية الأليمة:
_ ساعات بحسه مش أبويا.
+
_ تعرف مُشكلتنا إيه؟!
سأله "طلال" بنبرةٍ رفيقةٍ هادئة لكي يجذب انتباهه، وُفِقَ في مَسعاه؛ لكون "سامي" رفع إليه عينين فضولتين، فجاد عليه بإردافه الإجابة:
_مشكلتنا إن كل واحد فينا عاوز يتكلم، بس محدش خالص مستعد يسمع.
+
تدَّبر "سامي" ما يصل مسامعه من تحليلاتٍ، فأشار له "طلال" نحو سيارته سائرًا نحوها، تبعه الآخر عاقدًا حاجبيه فتشدق "طلال" قائلًا برويةٍ:
_ باباك مفكرش يسمعك، ولا أنتَ فكرت تسمعه، انتوا بس بتتكلموا وكلامكم بيجرحكم، أنتوا حاسين إنكم فقدتوا الدنيا بموت مامتك، أنتَ فقدت الحنية، وهو فقد الحب، وكل واحد فيكم مش عارف يلاقي العوض في التاني.
+
إبان انتهاء جملته المطولة أصبحا بداخل السيارة وكلُّ واحدٍ منهما يربط حزام الأمان المرفق بمقعده، أدار "طلال" عجلة القيادة، منطلقًا في طريقهما وصوته يرن حولهما:
+
_إنتَ اتجهت للطريق الغلط عشان اتحطمت من جواك وعاوز تنسى ألمك بدال ما تواجهه، وباباك بقى عصبي لإنه حزين ومتألم وفي نفس الوقت عاوزك تكون أحسن حد في الدنيا، فمش عارف يتعامل معاك بطريقة كويسة، والسبب الأهم والأكبر لكل ده....
+
اقتطع "طلال" عبارته ليحوذ على اهتمامه كليًا، فناظره "سامي" والفضول مُسيطرٌ عليه، فاستأنف بعدما شوَّقه للتكملة:
+
_إنكم بُعاد عن ربنا، لما حكيتلي إنك محدش علمك تصلي غير مامتك وتركت الصلاة بعد موتها، وإن باباك مش بيلتزم في الصلاة، فطبيعي هتكون حياتكم بالشكل ده.
+
أرجأ "سامي" ظهره على مقعده بارتياحٍ، ارتضى الإجابة؛ لكونها دقيقةٌ فبَيَّنت له سبب مشاكله هو ووالده، فكلاهما بعيدان كل البعد عن الله، تحدَّث متعجبًا، مستحضرًا شعورَه بسَكِيْنَةٍ عمَّرت داخله المُخرَّب:
_لما صليت هديت وحسيت إني مرتاح وكأن مافيش حاجة شغلاني أو مزعلاني!
+
أُضِيئ وجه "طلال" وعقب يسترسل ببهجةٍ:
_الصلاة بتدينا سكينة وسلام داخلي وأمان وراحة مش ممكن نلاقيهم في أي مكان في الدنيا، أو مع أي حد، لإنني بنبقى مع الله، نعبده، ندعوه، ونشكي له _عزَّ وجل، فبنرتاح تلقائي.
+
شعر بقلبه يرفرف فرحًا بإضافته بحماس:
_تعرف أن سمعت ڤيديو على اليوتيوب للشيخ الشعرواي وإللي لفتني الكلام المكتوب فوق الڤيديو "ليه بنام كتير لما نعمل ذنوب".
+
التمعت عينا "سامي"، تداخل الحماس في نبرته بسؤاله المتلهف:
_ ممكن تحكيله لي؟!
+
حانت من" طلال" التفاتةٌ نحوه مع ابتسامة طالعت عينيه وأجابه برفقٍ حنونٍ وهادىء:
_ هخليك تسمعه بنفسك، عشان تحس بيه أكتر.
+
تزايد حماسه لمعرفة ما يحتويه ذاك الڤيديو، لكنه أومأ بصمتٍ يؤثر الانتظار، جابت عيونه الطريق الممتد أمامها، وشاهد من خلال الزجاج السيارات المسرعة، طفت على شفتيه بسمةٌ راضية مع تساؤله:
_تعرف أنا نفسي في إيه دلوقتي؟!
+
انحرف "طلال" إلى اليمين مُتفاديًا سيارة رباعية الدفع، وسأله بهدوئه الآسر:
_إيه؟
_نبقى صحبة في الجنة!
فورًا صرَّح بها "سامي" كأنه كان يحبس الحروف في صدره وتركها فجأة تصدح فيما بينهما، فاتسعت عينا "طلال" للحظاتٍ باندهاشٍ محبوبٍ ورقَّت تعبيراته متمتمًا باستحسانٍ:
_الله!
+
ثم أضاف بمنتهى المصداقية:
_أحلى حاجة سمعتها النهاردة!
+
لفَّ عجلة القيادة مُغيرًا مسار السيارة وسالكًا طريقًا آخر لمَّا وصلا لتفرُّع من اتجاهين، تحدَّث بطريقةٍ سلسة ومُبسطة بعدما حرر تنهيدة مُرهقة من صدره:
_ لو عاوز تدخل الجنة لازم تجهز لها، يعني مثلًا الامتحان بتذاكرله، أما الجنة فتجمع لها أكبر قدر من الحسنات، ودي بتجمعها لما تعمل إللي يرضي ربنا.
+
_ أعمل إيه؟!
سأله "سامي" سريعًا بتشتتُ بائن مطالعًا إياه بنظراتٍ فضولية، حينئذٍ خفت صوت "طلال" يُملي عليه ما يجدر به فعله:
_قرَّب لربنا أكتر، داوم على الصلاة، صوم، خرج زكاة وصدقة، على روح مامتك وليك! صلح علاقتك بباك.
+
انكسرت نظرات عيني "سامي" والجملةُ الأخيرة تنال من ثباته وكلَّ شعورٍ جميل راوده منذ ثوانٍ، اغتمَّت مُقلتيه، ولفَّته أشباح الحزن من كل جانبٍ، فأتت نبرته على هذا النحو من التراخي واليأس:
_ لو كان الميت بيرجع يبقى علاقتي ببابا ممكن تتصلح!
+
انعقد حاجبا "طلال"، علم أن قلب هذا الفتى مُحملٌّ عن آخره من ناحية والده الذي لا يكاد يُعرف كيف يتعامل معه، يزيده بعدًا بدلًا من أن يحتويه ويُقرِّبه.
+
بعض الآباء يظنون أنهم ينبغي عليهم أن يلبسوا قناع القسوةٍ مع أبنائهم ليقوِّموا سلوكهم!
+
يُقصونهم عن المجتمع ولا يجعلونهم ينخرطون فيه واهمين أنهم بهذا يحمونهم!
+
فيخنقون بهذا الانطلاق في أرواحهم الشبيِّة، ويُباعدون ما بينهم من غير وعيٍ، دافعين به لغيابات تصرفاتٍ قد تودي بهم!
+
لهذا لم يُعلق "طلال" عليه وأخبره بشيءٍ من غموضه الفريد ورويته:
_أبدأ مع باباك بالصدقة.
+
أخفض "سامي" حاجبيه وضيق ما بينهما في تفكيرٍ أفضى به إلى جهلٍ ازعجه فهتف مندفعًا كطفلٍ يغزوه الفضول للكشف عن محتويات هدايا ذكرى مولده:
_إزاي؟!
+
همس له "طلال" بإيجازٍ بصوتٍ تؤثرٍ به ابتسامته المضيئة، وبتشويقٍ منثورٍ في طياتٍ حروفه:
_هقولك.
ـــــــــــ
منزل "غيث" أبو النجا.
+
حضر "غيث" للمنزل بعدما أقفل مكتبته، سار للداخل بتمهلٍ وخطواته تقوده _تلقائيًا_ نحو غرفتها، فتح الباب برفقٍ وبملامح مُتعبةٍ جالت عيناه في أرجائها، ارتفع حاجباها بمزيجٍ من استغرابٍ وخشيةٍ حينما لم يجدها، مرَّت "صفيَّة" من ورائه حاملةً لطيات ثيابٍ وضعتها على منضدةٍ المكواة، فردت قميصًا وراحت تُمررُ عليه جهاز الكوي غير منتبهةً له، حدَّثها متسائلًا بعقلٍ شاردٍ وعيونه لازالت تُطالع باب غرفة ابنتهما:
_هي إيناس لسة مرجعتش؟!
+
رمشت مُستعجبةً؛ لكون ابنتهما كانت معه هو، وقابلت سؤاله بسؤالٍ يفوح استغرابًا:
_منين؟!
+
أدرك _متأخرًا_ فداحة ما فاه به، ها هو وضع نفسه في ورطةٍ لا مخرج منها، وكذلك أُصِيب قلبه برعبٍ عظيم على ابنته.
ليته ما سمح لها بالذهاب!
ليته!
+
أتاه سؤال "صفيَّة" المفزوع تزامنًا مع اندفاعها نحوه وتشبثها بكتفيه:
_هي مش كانت معاك في المكتبة؟!
+
وجد صعوبةً في ابتلاع ريقه، وأخرج هاتفه من جيب بنطاله بلا كلام، طلب رقم ابنته، وانتظر الرد بقلبٍ وجلٍ، تابعته عيون زوجته المتغرغرةِ بدموع الترقب، ولمَّا لم يحصل على أي ردٍ ارتعشت أنامله مكررًا الطلب مرة أخرى وأخرى وأخرى، حاوطه شعورُ الرعب وتغلَّب عليه، قابل نظرات "صفيَّة" المتشبعةِ بحدثها الأمومي الذي يُنبؤ كلاهما بوقوع شرٍ ما لابنتهما، لاحت في رأسه فكرةٌ نفذها فورًا مجريًا اتصالًا مع "تغريد".
+
اختلَّ اتزان دواخله وابنةُ أخيه _هي الأخرى_ لا تُجيب، تزاحمت الدموع في عينيّ "صفيَّة" باختناقٍ، وسألته والقلق ينهش صدرها:
_بنتي فين يا "غيث"؟!!
+
أطرق رأسه بعجزٍ بالغٍ وعيونه تجود بعبراتها، باغته قلبه بخفقةٍ مرعوبة، وخذلته أعصابه فهوى على أقرب مقعد.
+
أنى له بإجابةٍ شافيةٍ لكليهما؟
أنى له بشيءٍ يهدؤ روع قلبهما عليها؟!
أنى لهما بثباتٍ وسط كل الزلازل المدمرة لمدن قلبيهما؟!
أتراها ابنته نفذَّت تهديداتها القديمة؟!
أتراها سلكت طرائق الانتقام الموحشة؟!
أتراها ألقت بنفسها وبقلبه في جحيمٍ مجهول؟!
وليس أعظم على أبٍ ممَّا يُعانيه الآن!
+
الأمر أكبر وأخطر من نوبةٍ حزنٍ تصيب ابنته، حدسه الأبوي يخبره _جازمًا_ أن مكروهًا أصابها.
وما يزيد من عجزه أنه بات لا يدري أهي هناك في المقابر أم في مكانٍ آخر!
+
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
+
شقة "باسل".
+
واقفٌ في الشرفة يرنو إلى الأفق البعيد مُتيمًا بالقمر المكتمل، يهتدي به السائر في الليل.
وعلى قرص القمرِ رأى مشاهدًا من الماضي تومض في عقله، حتَّى بات يراها في مَرآه.
+
قبل سنواتٍ غابرة من الآن.
+
****" اصطحبه والده لڤيلا "المنسي" ليلعب مع ابني عمته.
+
أوقف "مُهند" سيارته أمام الڤيلا، بعيونٍ تحمل من التعجب والتوجس الكثير؛ لكونه لم يرى أي واحدٍ من الحراس المناوبين على الحراسة والأكثر إقلاقًا هو البوابة الحديدية مفتوحةً لآخر اتساعٍ لها!
+
تصارعت الأسئلة في نفسه:
ما الذي يجري هنا؟!
هل ما يفكر به صحيحٌ؟!
هل تحققت أسوء كوابيسه؟!
+
هبط من سيارته بأقصى سرعةٍ، والتفَّ حولها فاتحًا الباب من جانب صغيره وفكَّ عنه حزام الأمان، ثم امسكه _بعنايةٍ_ من كفه وحثَّه على النزول.
+
سار بخطى يثقلها القلق الذي ينهش فؤاده _نهشًا قاسيًا_ على أخته وصديقه!
+
مع وصوله للحديقة تفاقم القلق بين ثناياه فحتى البستانيُّ لم يكن موجودًا في الجوار.
+
تراءى له عن قربٍ الصغيرة "نشوى" تلهو بالكرة، فاندفع نحوها ليسألها عن والديها، أخبرته بعفويةٍ وصوتٍ رقيقٍ به قلقٌ طفولي:
_ في أوضتهم يا خالو... بس!
+
جثى على رُكبته أمامها، لفَّ ذراعه حول ظهرها بما يُشمه الاحتضان، قرَّب "باسل" منه بذراعه الأخرى، أبقى عينيه القلقتين عليها سائلها برفقٍ امتزج بوجلٍ بلا إرادةٍ منه:
_بس إيه يا روح خالو؟!
+
رمشت ترفرف أجفانها، ورفعت ذراعيها تشرح له بهما بتعبيراتٍ بريئةٍ مُجيبة بطلقائيةٍ:
_ سمعت صوت ماما بتصرخ جامد، بعدها بابا صرخ هو كمان، وأنا خوفت خالص، بس طلال قالي متخافيش وراح يشوفهم.
+
تزايدت خفقاته بخوفٍ حطَّ رحاله على دواخله، فوجَّه كلماته التالية لابنه:
_باسل، خليك هنا مع نشوى، العب معاها عقبال ما آجي، وإياك تسيبها لوحدها ثانية واحدة.
_حاضر يا بابي.
+
صعد "مهند" السلالم عدوًا تسبقه صرخاته المتواصلة باسمهما:
_ سلمى، منير، ردوا عليا!!
+
توقفت خطواته _فجائيًا_ أمام غرفتهما المفتوحة، رأى ما صعقه وانتزع فؤاده انتزاعًا من بين ضلوعه، منير ملقى على الأرض وبيده المبسوطة مُسدسًا وهناك خنجرٌ مغروسٌ في الصدر حتى القلب!
+
راعه المنظر، انجذَّ قلبه وارتَّج، انهمرت الدموع من عينيه كالشلالات، اختفت أنفاسه، وبات مُغيبًا عمَّا حوله، صمتت كل الأصواتِ عدا صوت تهشُّم روحه.
+
أغمض عينيه اللتان تنزفان حسرة و...صدمة، دبَّت في جسده قشعيرةٌ مصحوبةٌ بارعاشةُ بردٍ لا تليق بهذا الجو الصيفي.
+
انكمشت ملامحه بألمٍ فاق المدى، جفَّ حلقه، وتصلَّبت عضلاته حينما فتح جفنيه، انتفضت كل خلاياه، تنهاه عن الالتفات للجانب الآجر، حيث الدماء تغطي الأرضية كسجادٍ أحمر قانٍ.
+
تباطأت دقاته مع إلتفاته، تضاعف سيلان عبراته كمحيطاتٍ بلا نهاية، أخته هنا بالقرب من زوجها، مدرجة بدمائها مع رصاصةٍ ثقبت جبينها تستقر بين حاجبيها، عيناها جاحظتان تنظران لأعلى شرُ دليلٍ على مفارقتها للحياة بشكلٍ أبدي.
+
سقط بثقله كله على ركبتيه، قُسِمَ ظهره كأنَّما سقطت صخورُ جبالٍ وجبالٍ عليه!
ضاق صدره، تشوشت رؤيته، تثاقلت أنفاسه ودقاته واختنقت روحه!
+
تكالبت عليه كل الدنيا، شهق بعنفٍ يأخذ نفسه يشعر به كأنه الأخير.
+
مات وهو على قيد الحياة!
ذبلت زهرة عمره بموت حبيبة عمره، شقيقته ورفيقه أُنسِه.
+
تبدلت كل الألوان في عينيه للقتامة، فما عاد يرى غير الأسود.
+
ما عاد يشعر، أو يسمع أو يرى إلا الموت!
+
الموت الذي مرَّ من هنا وسلبه أقرب الأقربين!
+
تفجرت دموعه جريًا بلا انقطاع أو توقفٍ وفؤاده المُشطورُ_بين صديق عمره وشقيقته الأحبُّ إليه من نفسه_ ينقبض انقباضًا قويًا، في حين يرتجف جسده ارتجافًا مع ارتعادة لازمت بدنه لتزيد من روعه روعًا ومن فزعه فزعًا.
+
متجمد في مكانه مثل وتدٍ مزروع في تربة قاسية، مفصولًا عمَّا يدور حوله، كأنما أخذ من هذا العالم وألقي في عالمٍ آخر، أكثر وحشةً.
+
حدَّق بهما بدون رف رمشٍ من رموشه المُبللة بدمعاتٍ حارقة لفؤاده قبل وجنتيه، تهدَّم عالمه من حوله فبات خرابًا ودمارًا يليق بخسارته لأعز ما يملك!
خسارته أكبر ممَّا يُمكن أن يتداركها!
خسارته أعظمُ من أن تُعَوَّض!
+
استند براحتيه على الأرضيةِ لينهض والأرض تميد به، هرول إليهما باكيًا مُسرفًا في البكاء، وقع بالقرب من جسد "سلمى" مُقبِّلًا رأسها وضامًا جسدها الساكن والمسجى بلا روحٍ، غارقةٍ في بحرٍ من الدماء المتخثرة الكثيفة، يبدو أن عزيزته ماتت منذ مدةٍ طويلة.
+
اشتمَّ رائحة شعرها الممزوجةٍ بدمائها، مغمضًا أعينه بانهزام، شددَّ من ضمته لها برهبةٍ، يخشى تلاشيها من بين يديه كما تلاشت روحها.
+
لو اجتمع كلٌ الشعراءِ على الإتيان بأبياتٍ تصف شعوره الآن ما اسطاعوا!
لو حاول كل كتَّاب العالم أن يحولوا شعوره الآن لأسطرٍ وأسطرٍ من العبارت المأساوية ما وفوه حقه!
كلُ شيءٍ بعدها بات بلا قيمة، باهت، فقير!
+
وصله هسيس"منير" بثقل الكلمات:
_ سـ... سلمى!!
+
أراح "مُهند" رأس أخته برفق، ثم زحف وصولًا لجسد "منير" المرتخي فلم تعد قدماه المهزوزتان قادرتان على حمله.
ورفع رأسه بين يديه المرتجفتين، أخذ نفسًا قصيرًا أرفقه بسؤاله بشرارت غضبٍ اختلط بحطامه البيِّن في نظراته المقهورة، وتنافت نبرته الصلبة مع فؤاده الكسير:
_مين عمل فيكم كده؟!
+
بشفتين مرتجفتين، لسانٍ أثقل من الجبال، وجفونٍ شبه مُنطبقة، ووجهٍ اكتوى بالألم، جاهد "منير" لتجميع جملةٍ مفيده، فمال عليه "مُهند" يرهف السمع.
+
لفظ "منير" نَفَسَه الأخير مع آخر كلمةٍ خرجت من بين شفتيه ليسكن نهائيًا بعدها:
_الـ.... الظل!
+
تردد هذا اللقلب في عقله، اغتمَّت ملامحه أكثر من ذي قبل، اعترته موجاتٌ من الغضب المضاعف، غضبٌ شحذه بقوى عجيبةً لاستلال ثأرٍ لدماءٍ _غالية_ سُفِكَت.
+
ثورةٍ نارية دفعت جسده للوقوف باستقامةٍ، وفي عينيه نيرانٌ تأكلُ بعضها، اُخمدتَ فجأة تزامنًا مع رؤياه لابن أخته في مقابلته يقف بلا حراكٍ بداخل العتبةِ بخطوتين فقط.
+
هوى قلبه صريعًا، أحقًا "طلال" يقف بإزاءه؟!
هل شاهد كل شيءٍ دموي موجودٍ هنا؟!
+
تجمُّده، نظراتُ أعينه المُحدِّقة بوالديه، ارتجافةُ جسده، تهدُّل كتفيه، والدموع المحبوسة في أسر مقلتيه، كلُّ تلك الأشياءُ أنبأته أنه رأى وسمع، وشعر حتَّى اُعْدِمَتْ مشاعره في ساحةٍ كانت يومًا سُكناه، مأواهم و.. أمانه!
+
الفاجعة غطت على مداركه منذ قليلٍ فلم يره، لم يشعر به.
+
أحيانًا تصهرنها الحياةٌ في أفرانها، فتتخبطُ مشاعرنا، ويختفي
إدراكنا بما حولنا، فنصبح ما بين الوجود واللا موجود حيارى!
مابين الإدراك واللا إدراك تائهين!
+
حتى إذا ما اصطدمت أكتافنا بأحبتنا لم نُحِسَّ وجودهم، بعدما كنَّا نُدركهم ونحن مُغمضي الأجفان!
+
شجع "مهند" نفسه وخطا نحوه خطوةً واحدة، تزلزل كيانه مما جرى تاليًا.
+
أتى "باسل" ركضًا يشكو لوالده بملامح منزعجة:
_ بـــابــــا، نشوى مش راضية تلعَّبـ...
+
تحطمت الكلمات على حافة شفتيه، وصرخ بملأ صوته من بشاعة ما يرى.
+
ارتعد جسد "مهند" وكذلك قلبه، ودارت نظراته بينهما بوجهٍ تكسوه الدموع والانكسار والرهبة، حطَّمته ملامح الصغيرين.
+
حانت منه التفاتةً إلى وَلَده "باسل" الذي بُح صوته من الصراخ، واهتزَّ جسده يرتعش وعيونه يغشاهما الدمع وأطنانٍ من الرعب!
+
وخزه قلبه برؤياه لهما على هذا الحال، كاد يتهاوى من جديد لكنه تماسك بعُسرٍ بعدما زُوِّد ببعض الطاقة، اقترب من كليهما واحتضنهما عاصرًا عيناه كأنما سيزيل عنهما هذا المشهد.
+
أحيانًا يكون الواقع أشد سوداويةً من كوابيسنا!
وهو في هذه اللحظة تمنى لو كان في حلمٍ!
حلمٍ سينتهي ليجد أخته وصديقه الحبيبن كما تركهما ليلة أمسٍ، يتضاحكان، ويشاكس أحدهما الآخر!!
ألا ليته يكون حلمًا سيئًا!
لكنَّه يعلمُ أن الأحلام لا تحتوي كل هذا الألم!
لا ينشطرُ قلبُ المرء في حُلم!
لا تُصاب الروح بانقباضةٍ ولا تدوي الصرخاتُ الممزقة _فيها_ في حلم!
صرخاتٌ محسوسةٍ غيرُ مسموعة.
+
خطَّ الأسى خطوطه على وجهه، ونالت الأحزان من قلبه، أما الألم فلم تعد تحتويه نفسه.
وليس أسوء على المرء من فقد شخصٍ كان _يومًا_ نصف روحه!
•♡♡♡•
بعد تحقيقات الشرطة الجنائية، وبعد فحص الدماء الذي أُجْرِيَ لعيناتٍ من دماء القتيلين أفاد أن دماء "منير" بها مادةٌ مُخدرة، مما جعل المحققون يرجحون أن سبب قتله لزوجته تعاطيه للمخدرات وما دعم ذلك تقارير الطب الشرعي التي أكدت أن كليهما قتل الآخر، فبصماتها على الخنجر، وبصماته على السلاح الناري.
فخمنوا أنه _ربما_ حاول قتلها كونه لم يكن في وعيه وهي دافعت عن نفسها فقتلته بالخنجر.
تحقيقات النيابة المكثفة كانت دون جدوى أو دليلٍ ملموسٍ مع غياب أي مشتبهٍ به أُغْلِقَتْ القضية.
+
غير أن "مُهند" لم يقنع بكل هذا، لم يصدق أنهما قد يُزهقا روحي بعضما، مع حبهما الذي غرمهما وكان _هو _شاهدًا عليه، وماذا عن ولديهما؟!
شخصين مثلهما كانا نصفي روحٍ في جسدين، كيف بإمكان المرءِ أن يقتل نصف روحه!
كيف له أن يَبغض نصف قلبه!
كيف له أن يتخلى عن شخصٍ لطالما تشبَّث به في الضراء قبل السراء؟!!
+
تولى "مهند" مسؤولية ولديْ أخته، فعاشا معه في منزله.
"باسل" و "طلال" خضعا لعلاجٍ نفسيٍ مكثف دام لأشهر، حالةُ الأخير حينئذٍ كانت أكثر صعوبةً منه، كان دائم الصمت بالرغم من محاولات الأطباء الحثيثة لجعله ينطق.
+
عاد "وحيد" من الولايات المتحدة الأمريكية لأجل حفيديه، غمره حزنٌ عميقٌ وتشعبت غصون الآلام في قلبه، فزادته على سنينه سنينًا، فآثر الرحيل بصحبةٍ فلذة أكباده... حفيديه، "طلال" فخره، و"نشوى" زهرته.
+
لم يمضى إلا شهرٌ واحدٌ وانتحر "مُهند" في ظروفٍ غامضة.
اضطر "وحيد" على العودة مجددًا لأرض الوطن، وأخذ "باسل" مسافرًا."****
+
ابتسم "باسل" بحنينٍ حزينٍ فور تذكره لوالده الحبيب.
كم يحِنُّ للماضي!
خاصةً تلك الفترة التي هنأ فيها برعايةِ أبويه، وحتى بعد انفصالهما النهائي، كان "مهند" يعتني خير اعتناء، لم يقصر في واجباته تُجاهه، حفَّه بحبه واهتمامه.
كم كان يحبه وعتني به في غياب أمه!
كان له أبًا وأمًا وبطلًا وحارسًا!
كان له أبًا وصديقًا وفيًا يجده حينما يحتاجه، يعاتبه ويُفنِّدُ فعله عن الخطأ، يكافئه ويُثني عليه عند القيام بالصواب، ينصحه ويرشده للخير، ينهاه ويردعه عن الشر.
وكذلك صار له أمًا، يُحضر له الطعام وكل ما تشتهيه نفسه من لذائذ الحلوى، يقرأ له قصةً قبل النوم، يقوم بمهمةِ إيقاظه كل صباح الباكر، يلبسه ثياب المدرسة ويوصلها لها ثم يأتي به منها.
دومًا ما أحبَّ "مهند" أن يقوم بكل هذا وحده بالرغم من ثرائه، آثر أن يغرس في نفس ابنه الحنان والأمان وليجعل لنفسه _هو_ مكانًا في قلبه، ويربيه على صالح الأعمال ليسير على نهجه مع أبنائه في المستقبل.
+
كم حرص كل الحرص على عدم إشعاره بفقدان الأم حتى لا ينشأ مع شعوري النقص وال.، ولكي لا يحمل ضغينة على أقرانه المتنعمين بحنان أمهاتهم، ويهنئون بالقبلات والأحضان.
وُفِقَ "مُهند" في مسعاه ولو بشكلٍ جزئي. "
+
مازالت فكرة انتحار والده غير منطقيةٍ أو مقبولة، تمامًا كقتل والدا "طلال" لبعضهما.
ثمةً أجزاءٌ مريبة ناقصة من الصورة!
ثمةً أيدٍ مجهولةٍ معلومة تُقطِّرُ من دماء والده!
حدثه يُخبره بذلك!
+
رفع "باسل" كفيه إلى السماء داعيًا بقلبه قبل لسانه:
_ اللهم ارحم أبي كما ربَّاني صغيرًا، واغفر له، واسكنه فسيح جناتك، اللهم اكتب له الشرب من حوض النبي، واجعله يا رباه من أهل الجنة..
ـــــــــــــــــــــ
فتاةٌ في رقَّتها تنجذب نحو الأشياء الباعثة على البهجة والحياة،
تخطفها الألوان لعوالم أخرى، وتهفو روحها لتحتضن أناملها ريشة الرسم!
وكأنها تستمد حياتها وأنفاسها من لوحاتها!
تميل دومًا للرسوم المُعبرة عن جانبها الوردي، ويُقبض قلبها إن رأت لوحةً أفكارها سوداوية أو ألوانها قاتمة.
+
أوقن أن تصرفاتها تُقْتَبَسُ من اسمها، رقيقةٌ، عاطفيةٌ، منطلقةٌ، عفويَّة، تمامًا كعصفورٍ سُمْيَتَ باسم الألحان التي يُغنيها!
+
التقاها في معرضٍ للرسم، فلقد حضره مرغمًا ومجاملًا لأحد معارفه، وكان وقتئذٍ مزعوجًا حانقًا يُحافظ على ابتسامةٍ مُتملقة تكاد لا تُرى، والأجواء المملة من حوله تخنقه.... حتىَّ رآها!
+
تبدَّلت كل مشاعره السلبية لكل شعورٍ جميل، وذهب الملل بعيدًا عنه، وقتها لم يملك السلطة على حواسه، فتناءى كل شيءٍ عداها!
+
باتت أقرب إليه من أنفاسه، وأحبُّ إليه من عينيه، وأهم من دقاته!
اهتاج قلبه في صدره حينها، بخفقاته المتتابعة بتلاحق سريع، مؤلمٍ و... لذيذ!
+
_ عمو عمَّال يتصل، أعمل إيه؟!
سألته تغريدة قلبه بشتاتٍ وعيونها تُفصح له عن خوفٍ وتوجسٍ ينهشانها، فرمش مستفيقًا من تأمُّله فيها، انزعج من نفسه، وجاوبها بحنانه هامسًا:
_ رُدي عليه وقوليله الحقيقة.
+
ارتجف جسدها بفعلِ بكائها غير المنقطعِ، ووصله همسها مفطورًا ومرتعبًا:
_ مـ.. مش هقدر.
+
ساءه حالها، وأوجعه قلبه، وتفاعلت قسماته معها، إلا أنه تمسك بهدوئه المُحبِ لمَّا قال بشغفٍ متقدٍ في نظراته إليها:
_اهدي يا حبـ...
+
انقطعت كلماته في اللحظة الأخيرة، كاد يُلقبها بـ"حبيبتي"، توترت ملامحه، وانعقد لسانه، لكنها غفلت عن كل هذا إثر مداهمة وحوش الخوف لأراضيها نازعةً أمان عالمها، تدارك الأمر وتخطاه بخلاف قلبه، مستأنفًا كلماته بعدما بدَّلها بما يُناسب:
_اهدي يا تغريد وإحنا هنلاقيها.
+
أبقت عيونها على الطريق بلا صبرٍ، هاتفةً بريبةٍ تغزوها:
_ ياريت!
+
رمى إليها نظرةً أخيرة، مثبتًا أنظاره وقليلٌ من اهتمامه على الطريق، شعر بكل شيءٍ فيه ينظر لها عدا عيناه حين قال مواسيًا:
_كل شيءٍ هيكون بخير.
+
قالها _بلا اقتناعٍ_ رغبةً منه في التخفيف عنها، علَّه يحمل عنها كل ما يؤلمها لتبقى طول الدهر سعيدة، تمتمت "تغريد" برجاءٍ وتضرع:
_ يا رب!
+
نظر لجهاز الـ GPS المُثبت في سيارته أمامه، فوجد أنهما وصلا بالفعل، نطق بخفوتٍ حَذِر:
_ ده المكان إللي اتلقطت منه إشارة الفون.
+
وقبل أن يوقف المحرك سمعها تهتف بلهفةٍ كبرى:
_وقف هنا!
+
تلفتت "تغريد" حولها في الجو المظلم سريعًا وفكَّت عنها حزام الأمان في ارتباكٍ ونبضات قلبها تلاحقت، علا نهيج صدرها بإنفعالٍ، فشلت محاولاتها في فتح الباب لانفلات أعصابها، فمدَّ "سفيان" يده تُجاه الباب وفتحه لها، رآها تندفع بطريقةٍ هوجاء في الترجل منها والخوفِ يُهيُّج مشاعرها، فهتف ينبهها:
_ خلي بالك!
+
لم تسمعه، فلحق بها مترجلًا من سيارته، امتدت يده نحوها كي يوقفها، لكنه سحبها في اللحظةِ الأخيرة وطوى أصابعه، فلا يجوز أن يُقدم على هكذا فعل، حتى وإن كان في هكذا موقف، فناداها ناثرًا الهدوء بين حروفه:
_ استني، المكان هنا خطر!
+
توقفت أقدامها من تلقاء نفسها، وتهافتت العبارتُ تهبط على وجنتيها غزيرة، سار حتى وقف في مقابلتها.
+
في هذه الأثناء توقفت سيارات الشرطة، وامتلأت منطقةُ المقابر بالعساكر يُنيرون ما حولهم بالمصابيح اليدوية، أمرهم الضابط "فريد" بالانتشار في الأرجاء بحثًا عن "إيناس" أو أي دليلٍ يوصلهم لها، تقدَّم منهما موزعًا نظراته بينهما، وقف بقرب "سُفيان" الذي انتقلت إليه عدوى المشاعر من تغريدته، فانتشر الأسى على وجهه.
+
تقطَّعت نبرتها بفعل شهقاتها المرتفعة فخرجت كلماتها كالتالي وعيونها تستجديانه لانقاذ حبيبتها:
_ هتـ... هتلاقيها هنـ... هناك كده.
+
أخرج "سُفيان" سلاحه الناري من أسفل سترته الشرطية، تتبع موضع إشارةِ إصبعها بخطواته، وتبعته هي في صمتٍ إلا من شهقاتها وأنينها اللذان يفُتَّان قلبه الهائم بها، سبقها "فريد" مصوِّبًا مسدسه في كل الاتجاهات بتحفزٍ وتيقظ.
+
قطراتٌ من الدماءِ داستها أقدامهم _أثناء سيرهم بين القبور_ ومع ازدياد كثافتها أبصرتها عيونهم، اختنقت "تغريد" بشهقاتها المصدومة، وبرزت عيناها، بينما تحوَّل سيرُ "سفيان" لركضٍ، وتنبهَّت مدارك "فريد" متتبعًا آثار الدماء على التراب.
+
بُقعةُ دماءٍ كبيرة لاحت لهم، فتفاوتت مشاعرهم برؤياها، تزلزلت الأرض تحت قدمي "تغريد" اللتان التوتا ملتفتين حول بعضهما فهوت منهارةً على التراب، مزيدٌ من الشهقاتٌ المذبوحةٌ فرقت شفتيها، دموعٌ أكثر حرقةً ألهبت مقلتيها ثم خديها، انسحبت الدماء من وجهها وتركته شاحبًا، زاغت أعينها، سُحِبَت أنفاسها من رئتيها بلا تمهيد، تداعت أعمدة عالمها وتهاوى سقف قلبها، انعقد حاجبيها بألمٍ أشد.
+
"فريد" اقترب أكثر من البقعة بملامح جدِّية رغم تأثرها.
"سفيان" عاد أدراجه نحوها هرولةً وسياطٌ من نارٍ هبطت بقساوةٍ على قلبه، التمعت أعينه بالعبراتِ تأثرًا بحالها، كل جمودٍ فرضه على مشاعره سابقًا انصهر في هذه اللحظة.
+
ودَّ لو بإمكانها أن يضمَّها في هذه اللحظة، لو كانت تخلَّت عن عنادها وصارت زوجته!
كيف يرفع عنها أثقالها الآن؟
كيف ينتزع خناجر الأسى من قلبها وهو محظورٌ عليه الاقتراب؟!
كيف يُدفؤ بَرْدَ قلبها ويطفؤ نيرانه؟!
+
افترقت شفاهه في نيةٍ للكلام، وبذل عقله جهدًا كبيرًا في اختيار العبارات المواسية، إلا أن صياح "فريد" حال دون ذلك، بل وأصابها بصواعق هشَّمت ما تبقى من جدار ثباتها فانهالت الفيضانات تجرفها:
_ محدش موجود هنا، مافيش غير آثار دم!
+
حاوطتها غيماتٌ سوداءٌ فحجبت عنها الرؤية، فأغمضت عينيها مستجيبة لها، لتغرق _بإرادتها_ في إغماءةٍ مُباغتة!
تمزَّق صوته مع قلبه لمَّا صرخ باسمها:
_تغريـــــــــد!!
ــــــــــــــ
_ الأوردر إللي طلبته يا فندم!
+
قالها عامل التوصيل بهدوءٍ واحترام حينما فتح له "باسل" الباب، استلم منه الأكياس فسمعه يُردف في أدبٍ:
_ لو سمحت امضي هنا.
+
وقَّع "باسل" على طلبية الطعام في صمتٍ ووجهه مُتجهم، أغلق الباب وسار حتى المطبخ، ارتمى على مقعد السفرة الصغيرة الموجودةٍ في أحد أركانه بتثاقلٍ ووضع أكياس الطعام على عليها.
+
لم يأكل شيئًا بعد وجبة الإفطار؛ نتيجة سفره المفاجئ وانقطاع شهيته للطعام، خاصة بعد المشاداة الكلامية التي خاضتها ضد ابن عمته وأقرب الناس في الوجود لقلبه.
+
لن يغفر له إخفاؤه لخبر إصابته.... أبدًا.
+
هو صعب المراس فيما يتعلق بمن يُحب، عوضًا عن أن الأمر خطير للغاية وكان يجب على ابن عمته أن يُبغله فورًا.
+
نفخ أوداجه بحنقٍ وشيءٍ من الخذلان بات ينهش عقله، أخرج محتويات الأكياس شارعًا في تناولها بذهنٍ شارد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي الخارج، أمام الشقة، تحرك عامل التوصيل مُبتعدًا، سال الخبث من عيونه المتراقص فيها الشر، وابتسمت شفاهه في لؤمٍ، طلب رقمًا ما من هاتفه، وهتف بفخرٍ بعدما فتح الخط:
_ أيوة يا باشا، إللي قولت عليه حصل، أوامر سعادتك.
+
امتدت ابتسامته من الأذن للأذن، مر بريقٌ ظافر في حدقتيه مع استماعه للطرف الآخر والذي على ما يبدو يعده بمكافأةٍ مالية كُبرى، فهتف باعتراضٍ زائف:
_ مافيش داعي، خيرك سابق!
+
أكمل سيره ماسحًا على صدره في رضا، وأضاف بمزيجٍ من شكرٍ وسماجةٍ:
_متشكر قوي، أنا تحت الخدمة في أي وقت، سلام.
+
ضغط زر المِصعد، إزداد لمعان عينيه، فما سيحصل عليه من مالٍ سيكفيه ليعيش "ملكًا" ما تبقى من عمره، وصل المصعد الذي كان شاغرًا، فدخله وعلى شفاهه بسمةٌ واسعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
صرخت "إيناس" بملأ حنجرتها، وباتت على وشك الاشتباك معها بالأيدي، فشعور القهر نشبت أظافره في قلبها المكدوم.
+
اندفعت تجاهها راغبةً في انتزاعٍ ولو شيءٍ بسيط من حق خالتها.
دفعتها "لمياء" دفعةً عنيفة فارتدت على إثرها للوراءٍ وتعثرت بذيل ثوبها مما كاد يؤدي إلى وقوعها، ترنحت في وقفتها وتوازنت في اللحظة الأخيرة.
+
كررت "إيناس" هجومها مرارًا حتى فلحت في أن تطال وجهها بكفها في صفعةٍ مدوية مُهينة.
+
غلت دماء "لمياء" في أوردتها، وسحقت أسنانها من شدة ضغطها عليهم، صاحت بشراسةٍ بينة وشرٍ مستطرٍ ينطوي في حروفها:
_ والله ما أنا سايباكي.
+
ركضت نحوها بغضبٍ جم، وراحت تُشاجرها بالأيدي وترد لها الصفعة واللكمة بما يماثلها.
+
نهج صدر "إيناس" فهي غير مُعتادة البتة على شجارٍ محتدمٍ كهذا، ولكنها تفوقت عليها لما أوقعتها أرضًا مستخدمة قدمها.
+
تآكلها غضبها وغلها لرد الصاع صاعين واسترداد كرامتها، فوقفت "لمياء" تنفض ما علق بأيديها من ترابٍ، وحدقت فيها بنظراتٍ مشتعلة مندفعة نحوها بثورةٍ عصبيةٍ تملكت منها.
+
كانت "إيناس" متيقظة لها، ومنتظرة لحظة استئناف الاشتباك، بالرغم من الاجهاد الذي رسم سطوره على وجهها وفرض سيطرته على عضلاتها المنقبضة والنابضة بعنفٍ؛ نتيجة المجهود، تساقط قطرات العرق من جبينها متخذًا مساره إلى عينيها، انشغلت بمسحه بكفها وعيونها مُثبتة على غريمتها.
+
لم تعي "إيناس" على نفسها إلا وهي تصرخ بقوةٍ متألمة بعدما اصطدم شيءٌ صلبٌ برأسها من الخلف على حين غرةٍ.
+
تأثير الضربة عليها كان كوطأةٍ مطرقةٍ فوق مسمار!
+
اهتزَّت مجالات الرؤية لديها، وباتت ترى ما حولها كالضباب، وتفشى الألم في كامل رأسها، حاربت بكل ما تملك من خزائن الطاقة المستنفزة في جسدها لتبقى واعية لما يدور حولها، إلا أن الضربة كانت أشد من أن تتحمله مداركها، فغاصت في غياهب إغماءٍ داهم رأسها النازف.
+
ألقى الرجل العصا الغليظة من بين يديه والتي ضرب بها رأس "إيناس" من الخلف بلا سابق إنذار، ونظر لـ "لمياء" حينما هتفت تُثني عليه:
_ تسلم إيديك!
+
رمى الرجل نظرةً شاردة إلى جسدها المُلقى أرضًا، والدم يسيل مُغرقًا وجهها المملوء ألمًا والملتصق بالأرض الترابية، حجابها غير مهندمٍ وثيابها كذلك، ثم سألها في فضول:
_ ناوية تعملي فيها إيه؟!
+
أملت "لمياء" أوامرها عليه بتعبيراتٍ ناقمة:
_ شيلها وتعالى ورايا!
+
زفر مستاءً منها، واقترب إلى الغافية عنهما ومال نحولها رفعها من تحت إبطيها حتى أجلسها ثم أوقفها محافظًا على توازنها وحملها بإهمالٍ على كتفه، فتدلت رأسها وذراعيها وراء ظهره.
+
عقدت "إيناس" حاجبيها في ألمٍ مُضاعف، مشى بها متتبعًا خطوات "لمياء" إلى حيث تشاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
_كله تم، زي ما جنابك أمرت.
+
حرك "الظل" الكأس القابع بين أصابعه، والمملوء لمنتصفه بشرابٍ وقطعٍ من الثلج، رفعه إلى شفتيه وارتشف منه، لم يكن مرتديًا لقناعه، لكن الزاوية المظلمة الجالس فيها كفته شر الحاجة له، أشار لأحد رجاله فدنا منه على الفور واقفًا باستقامةٍ وأكتافه العضلية مشدودة.
+
شرب "الظل" من كأسه من جديد، ونمت على شفتيه ابتسامةٌ موحية بكل ما هو شرير ومؤذٍ، هسهس بموجز الكَلِم:
_نفَّذ.
+
أومأ الرجل فيٍ طاعةٍ، وغادره بلا كلامٍ، فامتلأ وجهه بتعبيراتٍ ظافرة، مستمتعة، وحاقدة، رأى الثلج قد ذاب بشكلٍ شبه كلي ففقد الرغبة في احتساء مشروبه فأشار بإصبعه لحارسٍ آخر، والذي أتاه هرولةً وحمل الكأس عنه متسائلًا بخضوع:
_ أملى غيره سعادتك؟
+
_ لا.
باقتضابٍ أجابه "الظل" وتشكلت ابتسامة على شفتيه لم يرها أحد لكونه في الجانب المظلم من الغرفة، رجع بظهره يسنده على المقعد الهزاز، يتحرك للأمام وللخلفف بوتيرةٍ ثابتة.
+
حاك خيوط مكيدةٍ جديدة، وها هو ينتظر النتائج التي ترضي الشر الساكن نفسه.
ـــــــــــــــــــــــــــ
"لا لن ينجو
من مزق الأمان
بالحقد والعدوان
وأجج النيران كالبركان
لا لن ينجو
من يسفك الدماء
بالمكر والدهاء
ويجلب البلاء للإنسان"
+
كانت شارةٌ المسلسل الكرتوني الشهير "المحقق كونان" يرن صداها في روحه قبل أذنيه.
+
ارتفعت زوايا فمه ببسمةٍ هازئةٍ؛ فلقد نجا من مزق أمان عالمه.
نجا من لوث طفولته الوردية بألوانٍ قاتمة، وكدَّر حاضره وحطَّم أحلام مستقبله.
+
نجا من سرق أبويه منه وقتلهما غدرًا.
نجا بحقده وعدوانه.
نجا بعدما أجج النيران في روحه وتركه يشتعل بها أمد الدهر.
نجا من سفك الدماء بمكره ودهائه.
نجا من جلب البلاء له.
+
نجا من سحب بساط الراحة _بغتةً_ من أسفل قدميه.
وعساه إن نجا من عقاب الدنيا لا ينجو من جزاء الآخرة.
+
وعلى النقيض هلك هو.
تفحَّم قلبه هو.
تكدَّر صفوه هو.
تمزَّقت روحه هو.
+
وتلوى على نصالٍ الألم وحده.
+
هذا ما دار بخلد "طلال" أثناء مشاهدته لشارة النهاية الخاصة بالمسلسل، فأطفأ شاشة التلفاز غير راغبٍ في مشاهدة المزيد.
+
ألقى رأسه المتثاقل للخلف على الأريكة الجالس عليها، طالع سقف غرفة الصالون بنظراتٍ يمتزج فيها كثيرٌ من المشاعر التي تُشتته، فلا يكاد يجزم أهو مُتعب أم منهكٌ أم حزينٌ أم مُحطمَّ إلا أشلاء وأشلاء!
+
نظراته تتضارب ما بين حزنٍ بيّنٍ لم يدخر وسعه في إخفائه، وألمٍ دفينٍ يستميت في دفنه أكثر وأكثر بداخله.
+
ما بين تعبٍ يكاد ينقض ظهره، وإنهاكٍ تفشى _بخبثٍ_ في روحه.
+
جرعته الوحيدة من الأمان والراحة لا تكون إلا في الصلاة وتلاوة القرآن؛ لذلك اعتدل في جلسته وسحب مُصحفه القريب الساكن إلى جواره في جانب الأريكة، فتحه بشكلٍ عشوائي فقابلته آياتٌ من سورة البقرة.
+
أكثرُ سورةٍ يمكن أن تبعث الأمان لروحه المرتجفة، وتذيب الجليد المحيط بقلبه فتدفئه، شرع في القراءة بخفوتٍ مُركزًا مع الآيات الربانية بقلبه وعقله وروحه، يسمح لإحساسٍ جميل فريد بأن يتغلغل في روحه العطشى كغيثٍ زار أرضًا جرداء بعد طول قحط وسنين عجاف.
+
قطع عليه قراءته صوت وصول رسالةٍ لهاتفه فضم دفتي المصحف لبعضهما واحتفظ به بين أصابعه بعدما حفظ رقم الآية والصفحة، مال على المنضدة الموجودةٍ أمامه ومد ذراعه ليأخذ الهاتف، عاد أدراجه وتفقد الهاتف بلا اهتمام، كانت رسالة نصية محتواها الآتي:
_ حبيب القلب بيودع، وأنا مهانش عليا اسيبك على عماك، بعدين ضميري يوجعني لو مبلَّغتكش، عامةً قدامه دقايق معدودة وأنتِ وحظك يا تلحقه يا متلحقوش ..... حظ موفق.
"عدوك الأبدي"
+
توسعت عيني "طلال" وشعورٌ الرعب يُهلك قلبه، رفرف رموشه مشدوهًا، فهذه طريقة "الظل" في التنبيه على خطرٍ وشيك، هبَّ واقفًا بانتفاضةٍ، وأعينه الرمادية تشتعل بألسنةٍ من لهب!!
لهبٍ من غضبٍ وخوفٍ عظيمين!!
+
لن يسمح _أبدًا_ بأي ضرر قد يصيب ابن خاله.
+
فليتق الجميع شره الآن!
+
أُثِيرت بداخله مشاعرٌ شتىٰ، غضبٌ، خوفٌ، ألمٌ و.... روع!!
+
أطياف الموت البغيضة تحوم حول ابن خاله تتنازع فيما بينها لقطف زهرة عمره الأخيرة!!
ووحوشه الفتاكة تُبرز مخالبها وأنيابها لتنقضَّ عليه وتحرمه إياه!
+
وهو لن يسمح بهذا حتى وإن قدَّم روحه قربانًا في سبيل انتشاله من بين مخالب الموت!
+
