رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل العشرين 20 بقلم نورهان ابراهيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ده الجزء الأول من الفصل، مش راضية عنه بالرغم من إنه دسم، حاسة إني ممكن أقدم أفضل من كده، على العموم الجزء التاني هينزل بعد الامتحانات إللي خلاص على الأبواب، عارفة إني مقصرة معاكم، بس أختكم في الله مضغوطة ومزنوقة فادعولي واستمتعوا بالفصل.
+
♡.......................♡
+
بعضُ الآثام يصعب التكفير عنها!
يصعبُ تدارك خسائرها الفادحة!
ويستحيل مداواة الجراح المتسببة فيها!
فيعالجها الإنسانُ بآثامٍ أخرى، تخلِّفُ جراحًا أكثر عُمقًا، وتسبب كوارث أكبر!
+
في غرفةٍ معتمة بلا أضواء، جدرانُها وأرضيتها يكسوها رمادٌ أسود إثر حريقٍ التهم محتواياتها منذ سنواتٍ أربع.
+
مُقيدةٌ فوق مقعدٍ خشبيٍّ، رأسها مائلةٌ للأمام بحيث ذقنها يلامس مقدمة صدرها، حجابها شبه مفكوكٍ يُظهر مقدمة شعرها المُبتل عرقًا ودمًا، جفنيها منطبقين جفَّت عليهما الدماءُ المتخذة مسارًا من قمة رأسها حتى شفتيها المتشققتين، وعقلها يغوص في إغماءٍ لا إرادي.
+
انتفض جسدها مع تعالي شهقاتها بفعل إنسكاب سائلٍ فوق رأسها يتدفق إلى باقي جسدها، آلمتها جروحها فتفلتت تأوهاتٌ موجوعةٌ من شفتيها.
+
أُرغِمَت للإفاقة بالطريقة الأقسى على الإطلاق، سعلت بقوةٍ ورفرفت رموشها ببُطْءٍ وراحت تُجاهد لفتح جفنيها، في النهاية فتحتهما بعسرٍ، فما قابلها سوى وجه "لمياء" المقيت المبتسم بشرٍ يسيل من نظراتها.
+
حامت حولها تسكب وعاء البنزين _البلاستيكي_ في شكلٍ دائريٍ حتى توقفت أمامها وألقت الوعاء جانبًا، تنفض عن يديها بقايا غبارٍ وهمي، ثم وبصوتٍ يُقطِّر شرًا وببسمةٍ ثعبانية حدَّثتها:
+
_الصراحة كنت هسيبك تفوقي على مهلك، بس كده هتموتي لوحدك من غير ما آخد روحك بإيدي.
+
التقطت "إيناس" أنفاسها المُتباطئة المُتْعَبة، وتساءلت بنبرةٍ متحشرجة _إثر الألم الحالي والإغماء السابق_ تجوب بعينيها الخضراوين رُحب الغرفة:
_أنا فين؟!
+
انكمشت تعبيرات "لمياء" في ضيقٍ زائفٍ، وأردفت قائلة بتهكم بما يشبه العتاب:
_ لا لا لا، متقوليليش إنك ماتعرفتيش على المكان، ده حتى تبقى عيبة في حقك.
+
جابت "إيناس" ما حولها بعينين متعبتين، وجسدٍ منهكٍ يإن من الألم، فما قابلها إلا السواد يعمُ أرجاء الغرفة، دققت في إطارٍ معدنيٍ لصورةٍ أكلتها النيران، إطار تألفُه هي وتحبه؛ لأنها من اختاره ليحتضن صورتها بخالتها وابنها العزيزين، لمعت دموعُ الحنين المُتْبع بحسرةٍ في خضراويها، افترقت شفتيها عن كلمتين هامستين تتماوجان ما بين حبٍ وحزن:
_بيت خالتو!
+
ارتفعت زاوية فم "لمياء" بنصف ابتسامةٍ سامة، واثنت عليها بقولها المتهكم:
_اسم الله عليكي!
+
جزَّت "إيناس" على أسنانها محاولة احتواء آلامها، ونطقت سائلة بصوتٍ ينطوي الألم بين حروفه:
_عاوزة إيه مني؟
+
ربَّعت "لمياء" ساعديها، واستقامت في وقفتها المزهوة، منحتها إجابةً متوقعة بينما تبادلها النظرات الحاقدة:
_قولتلك قبل كده، بس هقولهالك تاني... أقتلك!
+
تنهدَّت "إيناس" بانهاكٍ تفشى في جسدها، وشعرت بنغزات ألمٍ تضرب رأسها الغارق في الدماء، لفظت نفسًا متعبًا وبالرغم من كل هذا جاهدت لتبدو أقوى وهي تقول بلهجةٍ صلبة وغير مُكترثة بما يحوم حولها من مخاطر وشيكة:
_طيب اتفضلي وخلصيني!
+
أخرجت "لمياء" قداحةً من جيبها وأخذت تلهو بها، تضغط عليها فتشتعل النار ثم تطفها، ونظرت لها من أسفل رموشها تخبرها في شيءٍ من السخرية:
_لازم أحققلك آخر أمنية الأول، مش دي الأصول ولا إيه؟
+
تحالفت عليها هموم دنياها، فباتت ترى كل ما حولها يزيد من معاناتها، خاصةً مع عدم ثقتها باحتمالية نجاح خطتها؛ لكونها قاب قوسين أو أدنى من لقاء حدفها، راودها سؤالٌ مُلِحٌ يناسب موقفها ولا يناسبه في ذات الآن:
_أهي حقًا جاهزة للقاء ربِّها؟!
+
حينما تستشعر قُرب أجلك، وترى بعينيك أشياءً تُهدد وجودك، أو علاماتٍ تُنذر بموتك، تُعيد حساباتك وينتابك خوفٌ عظيمٌ يؤجج بداخلك شعورًا بالرعب من القادم، تبدأ في محاسبة ذاتك على ذنوبها وزلاتها، وتنتفض بداخلك الرغبة على الالتزام ومقابلة المولى على هيئة يرضاها.
+
أفاقت من شرودها القصير المتنافي تمامًا مع ما يجب أن تكون عليه في هذه اللحظات الفارقة بين حياتها وموتها، هاتفةً بتثاقلٌ أليم:
_اظبطيلي الحجاب.
+
ارتفع حاجبا "لمياء" تلقائيًا وسألتها مذهولة:
_إيه؟!
+
ولمَّا لم تحصل منها على ردٍ، أضافت بتساؤلٍ آخر مُستعجِب:
_دي أمنيتك الأخيرة؟
+
نفت "إيناس" بإيجاز:
_لأ.
+
تجاوزت "لمياء" عن هذا وجادلتها باستهجان:
_هيفيد بإيه؟ ما كده كده هتموتي.
+
أتى قولها ملآن بالتهكم:
_على الأقل أموت مستورة.
+
وعلَّقت على ردة فعلها بتنهيداتٍ متثاقلة وجملةٍ خاملة بها سخرية:
_بعدين محسساني إنك هتخسري حاجة.
+
لوت "لمياء" فمها للجهتين مُقتربة منها، ضبطت لها حجابها وادخلت أسفله خصلاتها بغير اقتناع لطلبها العجيب، فما جدوى هذا وهي في كل الأحوال ستموت محترقـ.ـة؟!
+
حالما ابتعدت، تفاقم ارهاق "إيناس" وتثاقُل جفنيها وأنفاسها، فمنحتها رغبتها الأخيرة بعيونٍ ملؤها الإصرار والقوة رغم ارتخاء عضلاتها بخمول:
_ عاوزة أعرف.. قتلـ.. قتلتيها إزاي!
+
رفعت "لمياء" حجابها ثم زاوية فمها ببسمةٍ مستهزئة وأبدت موافقتها بكلمة واحدة:
_هقولك!
ـــــــــــــــــــــــــــ
بأنفاسٍ لاهثةٍ، وقلبٍ مقبوضٍ، وروح تكادُ من فرط مشاعرها تختنق، وقف "طلال" أمام باب المصعد، ضغط على زرٍ في لوحةِ التحكُم بسبابته المرتجفة تمامًا كحال سائر جسده، يشعرُ كأنما اُلقي به في العراء في أشد ليالي الشتاءِ برودة!
+
أدرك أن المصعد مُعطلٌ فركل بابه المعدني بحذائه بانفعالٍ اشتعلت نيرانه في أعصابه، لا ريب أن الظل هو من قام بهذا رغبة منه في عرقلته وتأخيره، وزيادةً في استثارة أعصابه المضغوطة.
+
الآن هو مُجبر أن يصعد الدرج حتى الطابق الثالث، وكلُّ دقيقة تشكل فارقًا في حياة ابن خاله، غيّر مسار خطواته السريعة نحو الدرج بهرولةٍ والغضبٌ يستعر ها هنا في حدقتيه.
+
نحنُ لا نُدرك قيمة ما نملك إلا عندما نخسره أو نُهدد بخسارته!
وهو يدرك أهمية كل شخصٍ في حياته؛ لهذا في كلِّ مرةٍ يتعرض أحد أحبته للخطر يكون من نصيبه _هو_ الألم الأكبر، والجرح الأعمق!
ــــــــــــــــ
قبل ساعتين من الآن.
+
في شقة "باسل".
+
بعدما أنهى "باسل" وجبته دفع الأطباق البلاستيكية برفقٍ إلى جانب المنضدة، ثم أراح كوعيه على سطحها مُميلًا رأسه المثقل عليهما.
+
يشعر أن كل ذرةٍ به مرهقة، فرك ما بين حاجبيه لشعوره بصداعٍ يلف رأسه، فلا يستطيع معه أن يُحدد أيُّ جزءٍ بها يؤلمه، زفر في تعبٍ بائنٍ في قسماته المرتخية.
+
وقف أمام الموقد راغبًا في تحضير مشروبٍ يخفف عنه ألم رأسه النابض، فتح الصنبور، وملأ فنجانًا أفرغه في ماكينة القهوة الكهربائية، وضع بها القهوة، وقام بتشغيلها.
+
داهمه دوارٌ غريبٌ مع رغبةٍ عارمة في النوم باتت تحتل خلاياه فتُخَدِّرها، قاوم تلك الأحاسيس بكل قواه، ورفع الغلاية ليسكب منها في الفنجان مع مقدارٍ مناسبٍ من السكر.
+
اختلَّ توازنه، وترنح في وقفته فاهتز الفنجان وانسكب بعض ما فيه على جلد يده فلسعها، عقد حاجبيه مستعجبًا ومنزعجًا ممَّا آل إليه حاله، جذب المقعد وتشبث به علَّه يحول دون سقوطه، ثم جلس عليه.
+
احتسى _بصعوبةٍ_ نصف الفنجان، ومع كلِّ رشفةٍ يتضاعف استيلاء جيوش النوم على مداركه وكأن مفعول القهوة عُكِسَ!
+
أصبح يرى من كل شيءٍ نسختين، فتزايد شعوره بالانزعاج؛ ولذلك عندما أراد أن يضع الكوب على المنضدة سقط منه على الأرض وتهشَّم وتناثرت قطعه على قدميه فجرحته..
+
كلَّما حاول أن يستند على الطاولة الصغيرة وجد نفسه لا يلمس سوى الهواء، بعد عناءٍ وقف مترنحًا، جفونه تكاد تتلاقى، فقد سلطته تمامًا على حواسه وعقله.
+
سار بخطى مموجةٍ تجاه الباب وقبل أن يدرك الخروج من المطبخ أُغشي عليه... ليغفو عقله وجسده في نومٍ إجباري ومريب!
ـــــــــــــــــــــــــــ
منزل "غيث أبو النجا".
_بنتي فين يا "غيث"؟ رد عليا، "إيناس" فين؟!
صرخت "صفيَّة" بانهيارٍ تهزُّه بقوةٍ من ياقته ودموعها تنساب بتتابع لا ينقطع، فأطرق رأسه بلا حيلةٍ وبقلبٍ يكاد يتفتت من هول ما يُعانيه.
+
احتدَّ بكاؤها مُستشعرة عجزه الصريح عن حماية ابنتهما أو على الأقل معرفة مكانها، وارتخت أصابعها المشتدةِ على ثيابها لتهمس مستجدية بصوتٍ مبحوحٍ وبقلب أمٍ ملتاعٍ على قطعةٍ من روحها:
_رجعلي بنتي يا "غيث"!
+
غارت جيوش الأسى على تعبيرات وجهه الحزين فزادته عجزًا وحسرة، وانشقَّ فؤاده مع عبارتها اللائمة، تُحمِّله مسؤولية ما ألم بابنتهما ولا يعلمانه:
_إنتَ إللي ضيعتها.
+
سرى الانفعال الممزوج برعبه على ابنته في عروقه فعملا على إفاقته من غفلته وتسمره السابقين، فسار مندفعًا نحو الباب الخارجي لمنزله، قاصدًا منزل شقيقه ناويًا استجواب "تغريد" علَّها على علمٍ بشيءٍ عنها.
+
سيبحث عنها حتى وإن جهل بمكانها، ولن يعود إلا وهي معه مهما كلفه الأمر.
+
فتح الباب وقبل ان يخطو للخارج تسمر في موضعه، وتحولت تعبيراته للاندهاش برؤياه لزوجة أخيه واقفة ورافعة يدها في نية لطرق الباب، أفسح لها المجال للدخول، ففعلت بصمتٍ بالرغم من التساؤلات التي جالت في رأسها عن سبب مظهره المتعجل، أوشكت أن تفوه بشيءٍ ما فحال دون ذلك اصطدام عيونها بوجه "صفية" المحتقن، ودموعها المتزاحمة في حدقتيها المهتزتين بتوترٍ وخوف، اعتصر قلب "فريال" بانقباضة متوجسة، وبادرت بتساؤلٍ مرتعب حينما وضعت كفها على ذراعها في تضامنٍ ومؤازرة:
_ مالك يا "صَفيَّة"؟
+
ناظرتها "صفيَّة" بعيونٍ شوشتها عبراتها المنسابة بسخاءٍ، باحثةً في عينيها عن أمانٍ فقيد، ارتعشت شفتاها بفعل بكائها وهلعها مع همسها بالتياعٍ:
_بنتي.
+
توسعت عينا "فريال" واضطرب خافقها في صدرها، جفَّ حلقها بسؤالها المتخوف:
_مالها؟!
+
انهمر مزيدٌ من العبرات على خدي "صفيَّة"، واعتراها مشاعر شتى، فلم تعد قادرة على تحديد أي سبب يبكيها، وأتت إجابتها مُفعمةٌ بالمرارة العالقة في حلقها، وبأعينٍ ضائعة:
_بنتي ضاعت، ضاعت زي أختي.
+
أفلتت شهقة مصدومة من "فريال" مع تعقيبها المشدوه:
_إيه؟
+
تصوَّر عقلها مشاهدًا مروعة، واختنق حلقها بغصةٍ، وداهمت الدموع عينيها، فشاركت قرينتها البكاء المُنفطر، بدون أن تعلم ما جرى بالتفصيل، لم تدري وهي قادمة لتصتحب ابنتها أن مصيبة كهذه وقعت فوق رؤسهم، إلى هذا الحد من التفكير تاهت أنفاسها مع مراودة فكرةٍ سوداوية لرأسها المشوش، فهتفت بما بدى كصراخٍ مرتاع:
_و... وتغريد؟!
+
انهارت أعصاب "صفية" رغم محاولاتها في الصمود، وتعقدت ملامحها المكفهرة، تقطع صوتها جاء ردها مستنكرًا وبه خوفٌ على ابنة أخ زوجها:
_مش... مش عارفة، هي مش في البيت؟ دي مابتردش على اتصالات عمها.
+
زاغت أبصار "فريال" وتحطم قلبها إلى أشلاء، اختل اتزانها، فكاد جسدها يتهواى لولا إسناد "صفية" لها، صارخةً باسمها:
_ فريال!
+
ضمتها "صفية" إلى صدرها في حنو، شاطرتها البكاء المكلوم على غاليتيهما، ظلت عينا "فريال" مفتوحتان بجمودٍ أليمٍ، وتباطأت أنفاسها، دُكَّ صدريهما بثقلٍ كالجبال أو أعظم، فكلتاهما تعلمان مدى خطورة واختلال تلك المرأة وإقدامها على أفعالٍ قاسية، لا آدمية، وشنيعة!
+
بقي "غيث" ممسكًا بالباب يراقبهما محسورًا عاجزًا حتى عن طمأنتهما أو مواساتهما، فما ألم بقلبه ليس أقل منهما.
+
بدا كملكٍ هُزِمَ في معاركه وحروبه الطاحنة، واستولى أعداؤه على ممكلته وجيشه وأسروا شعبه، وما بقي له إلا الخزي ومرارة الخسران!
ـــــــــــــــــــــــــــ
سائرٌ في أحد أروقة الڤيلا، هاتفه مفتوحٌ بين بنانه يتصفح فيه مواقع وطبيقات التواصل الاجتماعي، علَّه يجد شيئًا مضحكًا يُرفِّه عنه أو شيئًا حزينًا ينسيه كآبة أيامه.
+
تفقَّد رسائل الواتس آب، تحديدًا الـ"شات" الخاص به هو وطلال، فوجد رسالة منه تحتوي على رابط ما، وقبل أن يضغط عليه رأى رسائل أخرى، وكانت على التوالي:
_ ده الڤيديو إللي قولتلك عليه.
_ملاقيتش رابط لڤيديو اليوتيوب فبعت رابط لنفس الڤيديو على الفيسبوك.
_شوف الڤيديو مع باباك، صدقني ده هيكون أحسن ليكم.
+
استوقفته أُخْرَاهُم وركَّزت عيونه على كلماتها وحروفها، قرأها مراتٍ عدة، فملأه التعجُّب وتعقدت ملامحه بعدما تمعن في قراءة العبارة الثانية التي عدَّها غامضة، كأنما "طلال" توقع ردة فعله.
لما يريده أن يشاهد هكذا ڤيديو مع والده؟ ما جدوى ذلك؟!
+
زفر "سامي" بقوةٍ مُستأنفًا المسير، وغاص في بحر أفكاره المتلاطمة.
+
أتعلم شعور أن تكون وسط عائلتك وتشعر بالوحدة؟!
أن يكون حولك أشخاصٌ يُفترض أن يكونوا أُنْسًا لك فيبصيبونك بالوَحشة؟!
+
وهل جربت يومًا أن تعيش مع أشخاصٍ يمتصون طاقتك دومًا ويحوِّلون مزاجك للأسوأ، يُغرقونك يوميًا بكلماتٍ تُشعرك أنك بلا قيمة، مهمل، بلا شعور؟
+
هل تم تجاهلك كأنكَ غير موجود، وإن أخطأت عوملت بقسوةٍ تُشعرك أنك أسوأ كائنٍ في الوجود؟!
هذا _تمامًا_ هو حاله مع والده.
+
غيَّر "سامي" اتجاهه نحو غرفة والده واجمًا، طرق الباب ودخل، رأى "آسر" منغمسٌ في العمل اللانهائي، فأزعجه هذا وامتلأت نفسه بالحنق، فوالده يهتم بالعمل أكثر من أي شيء، أما هو فلا يناله منه سوى التقريع والتعنيف المتواصلان، كاد يعود أدراجه حينما التفت بملامحه المكفهرة لكن "آسر" ضمَّ دفتي الملف واضعًا إياه بقربه وخلع نظارة القراءة مناديًا عليه بهدوء:
_عاوز إيه؟
+
اقترب منه بلا كلام، حتَّى جلس بقربه، وشغَّل الڤيديو الخاص بالشيخ الشعرواي _رحمه الله، ليشاهدا محتواه سويًا، فكان كالآتي:
" _الجسم الذي يستحمله أنت ويكون ذاتك يبقى كارهك، وروحك كارهاك.. أمتى؟
إذا خالفت منهجها؛ لأنها مسبحة، عابدة، ذاكرة مافيش لها هوى ولا شهوة إنما المراد بتاعك هو إللي أفسدها، تبقى لما تعمل عمل مناقض لمنهج الله تلعنُك روحُك، وتلعنُكَ أبعاضك وتلعنك ذراتُك... ليه؟ لإن مانتش منسجم وياها، لكن إذا كنت طائع منهج الله تُسرُّ بكَ الروح، ويُسرُّ بكَ الجسم، وتسر بك ذراتك، وتفضل كويسة معاك والكون بتاعك ده كون منسجم فإذا حدثت العربدة... الكون إللي إنتَ فيه ده منسجم وإنتَ عاصي، يحصل إيه؟
بُغض، ويحصل كره.. تقوم بقى لما الذرات دي ماطيقش معاصيك الله يرحمها فإنه يديك تتلهي تنام عشان تريح إيه؟
ريح أبعاضك يا أخي، أبعاضك تعبت من معاصيك، مانتش منسجم وياها، هي طائعة وإنتَ مُعَرْبِد. فاتلهي ونام.. ساعة ما ينام تقوم الأعضاء والذرات تاخد إيه؟
راحتها في العبادة ولا مُعاند لها، مافيش لها مُعاند من إرادتك تقوم قايم من النوم مبسوط، تقوم أنتَ مبسوط ليه؟ لإن حصل تعادل وارتاحت الذرات إللي كانت قلقانة ولما ارتاحت الذرات إللي كانت قلقانة بقيت مُشرق ومنبسط ومش عارف إيه!
ولذلك ناس يقولوا إيه مثلًا الواحد لما يروح مكة والمدينة بينام نص ساعة وبتقضّيه، نقوله ليه بقى؟
لإن أنتَ منسجم مع أبعاضك، أبعاضك هترتاح منك من النوم ليه بقى؟!
لذلك آدي السبب في إن سيدنا رسول الله ﷺ يقولك إيه؟ "تنام عينه ولا ينام قلبه"؛ لإن أبعاضه منسجمة معاه دائمًا، فحياته خيرٌ لها ونومه خيرٌ لها."
ــــــــــــــــــــ
جاثٍ بقربها، يضمُّ يديه إلى بعضهما بعجزٍ يُنهكُ قلبه الهائم في بحورِ عشقها حد الغرق!
+
يشعرُ كأنه مُقيدٌ بأغلالٍ لا تُرى، مقيدٌ بأخلاقه، وتعاليم دينه، وعدم الرغبة في عصيان ربه حتى وإن كان قلبه يتهشَّمُ في الثانية آلاف المرات بمرآها على هذا الحال المُؤلم له قبل أن يكون لها!
+
كأنما يُشاركها _بلا إدراكٍ_ آلامها!
+
احتضنت عيناه تقاسيم وجهها التي تنبسط حينًا وتنقبض حينًا آخر، وُضِعَت يدٌ على كتفه بمؤازرةٍ، تلاها هذه الجملة الجادة مع امتداد يدٍ أخرى بزجاجةِ ماء:
_ خد، حاول تفوقها.
+
أخذها "سُفْيَان" وعيونه تأبيان إلا مُطالعتها، ورغم ذلك التفت لـ"فريد" بنظراتٍ تتوسل ذرة اطمئنان تُعيدُ لروحه _المرتجفة_ الأمان، فزايد "فريد" من ضغطه على كتفه بشكلٍ يطمنئه ولا يؤذيه، وواساه بكلمتين هادئتين:
_هتكون كويسة.
+
سكب "سُفْيَان" قليلًا من المياه في كفه، ثم نثرها برفقٍ على وجهها، كأنما يخشى أن يؤذيها بشيءٍ وإن كان قطراتُ مياه.
+
ارتجف جفنيها، باعدت ما بينهما تأِنُّ في ألمٍ، وضغطت بإصبعيها على جبهتها النابضةِ بألمٍ يَصْحبُ صداعًا بغيضًا.
+
رأته يُطِلُّ عليها بنظراته الوجلة، حاجبيه معقودين بانزعاجٍ وتألم، وشفاهه مضغوطةٌ يخشى التفوه بشيءٍ يزيدها ألمًا، لم يأبه بأي شيءٍ لمَّا قال والحروف تتراقص في فمه:
_إنتِ كويسة، يا حبيبة قلبي؟!
+
هبَّت جالسة وعيونها تدور في المكان المظلم تبحثُ عن شيءٍ ما، ابتلعت ريقها فوجدته مُرًا، التفتت تُجاهه تستجديه بنبرةٍ راجية:
_بالله عليك قولي إنها كويسة!
+
قابلها منه صمتٌ مصحوبٌ بإشاحته لنظراته عنها، لم يعثر على ما يليق قوله في هكذا موقفٍ شائكٍ وخطير، فتابعته بنظراتها مستغربة التي تحوَّلت فجائيًا من الهلع إلى شُحناتٍ من الغضب، مع همسها بعبارةٍ وجدها غامضة:
_أنا عارفة ممكن تكون فين.
ـــــــــــــــــ
في شقة "باسل".
+
شيءٌ ما اخترق رئتيه هيَّجها، وجعله يسعلُ باتصالٍ وسبب له ضيقًا عظيمًا في تنفسه، تقلَّب في إغماءته كأنَّما يصارع _ماديًا ومعنويًا_ شيئًا ما.
+
حلمٌ مزعجٌ اقتحم غيابات نومته الإجبارية، ففاقم من تكدُّرِها.
+
رفع قدميه الحافيتين متأملًا الرمل الساخن أسفلهما، ضاق ما بين حاجبيه مصدومًا من وجوده هنا، تلفت حوله واكتنفت عيناه ما يحيط به من أشجارٍ للنخيل، وشجرِ صبارٍ صحراوي، على امتداد بصره كيلومتراتٍ من الرمال الخاوية من الحياة، ضوءٌ من السماء سُلِطَ على بُقعةٍ من الأرض أغشى عيونه فأخفاها بساعده، خفت الضوء واختفى فأنزل ذراعه ليُباغت بشخصٍ يقف في تلك البقعة، يقابله ظهره وفورما التفت نصف التفاتةً صدِمَ من هويته.
إنه والده، لكن لما يتجلَّى الغضب على مُحياه؟!
_بابا!
+
ناداه بملء شوقه وحنينه إليه واستغرابه، لم يُحرك "مُهند" ساكنًا، ولم يرد عليه، هرول تجاهه فوجده فوجده يتباعد عنه، وكلَّما ناداه يلقاه مُعرِضًا عنه، يأبى الكلام معه، إن أقترب منه خطوةً ابتعد عشرًا.
+
استجداه بنبرةٍ منكسرة وقلبٍ يخفق خوفًا من فقده مجددًا:
_خدني معاك.
+
واصل رجاءه الحار بهتافه المكتئب:
_مش عاوز أفضل في الدنيا دي.
+
لم يلتفت له وواصل الابتعاد والإعراض، وقبل أن يهمَّ بالركض خلفه تلاشى كأنه لم يكن، غامت عسليتاه بضيقٍ وحزنٍ عميقين، وجثا مكانه على الرمال أسفل شمسٍ حارقة وبكى مفطورًا!
+
لم تنفك الكوابيس تتقاذه لبعضها، حتى ظنَّها حقيقة وواقعًا ملموسًا، فتارةً يرى طفولته البائسة وما حوته من آلامٍ وأوجاعٍ يمتدُ أثرها عبر السنين، ويشاهد وحوشًا ومفترساتٍ تركض خلفه لتنال منه وتفتك به تارةً أخرى، فتضاعفت معانته.
ــــــــــــــــــــــــــ
في شقة "سندس" المقابلة لشقة "باسل".
+
تلوَّت على سريرها بغير راحةٍ، وجهها مُتعرِّقٌ، حاجبيها معقودين، والدموع تنساب من جفنيها المغمضين لتتشربهم وسادتها.
+
شهقت بعنفٍ، وانتفضت جالسة، مستيقظةً من كابوسٍ عانت _نفسيًا_ داخله، لم تملك زمام دموعها التي تزايد هطولها على خديها، وبكت بحرقةٍ متأثرة ببشاعة ما رأته في نومها غير الهانيء.
+
رددت بعينين فائضتين بالدمع وبلوعةٍ ظاهرة:
_باسل!
+
مسحت عن وجنتيها العبرات، ووقفت مندفعة من فوق سريرها فأدى ذلك لإصابتها بدوارٍ قصير المدى، سارت مستندة على الجدار الأقرب لها، ثم خرجت من الغرفة، تقدمت بمزيدٍ من الاندفاع نحو باب شقتها، أمسكت المقبض وكادت تديره إلا أنها توقفت بغتة متأمِّلة ثيابها غير اللائقة للخروج.
+
أخذت نفسًا مشحونٍ بضيقٍ وقلق بالغين، أحيانًا ينتابنا شعورٌ سيء حيال أمرٍ ما فينغص علينا أحلامنا ويحليها كوابيسًا، وأحيانًا يروادنا شعورٌ بالقلق على من نُحِب فيؤرق ليالينا، ثم يحدث أن تتحقق مخاوفنا، وهذا جُل ما يخيفها الآن، فحدثها دومًا صائب.
+
خاطبت "سندس" نفسها بصوتٍ هامس يغمره قلقٌ عجيب راح يوغلُ مخالبه في قلبها:
_قلبي مش مطمن!
+
جمَّعت خصلاتها ولفتهم بشكلٍ دائري، وهي في طريق عودتها لغرفتها.
حملت هاتفها عن السرير تنوي إجراء مكالمة ما، بحثت بين الأسماء حتَّى برز لها اسم "طلال" وضغطت عليه بلهفةٍ، قرضت أَظْفُرها بلا صبرٍ تنتظر إجابته على اتصالها، انقطع الرنين ولم يُجب فعاودت الكرة بلا جدوى.
+
احتوت رأسها بين راحتيها، وهوت بجسدها جالسة على السرير، قاومت شعوري القلق والاحباط اللذان غزا خلاياها بعدما رأت الوقت في هاتفها متأخرًا.
+
كيف تطمئن عليه الآن؟
لا يجدر بها الخروج في وقتٍ متأخرٍ كهذا، وإن خرجت فماذا سيقول عنها الجيران حينما يرونها واقفة عند بابه؟
+
ولا يمكنها حتى أن تعود للنوم، فهي على يقينٍ من أنها ستحلم بكوابيس مختلفة عن نفس الشيء، سيظل عقلها يلقيها من كابوسٍ إلى كابوس، لن تنعم بنومها الليلة خاصة مع قلقها وخوفها غير المبررين عليه.
+
جذب انتباهها صوت تحرك عقارب ساعة الحائط، راقبت حركتها فوجدتها تُشير للعاشرة إلا ربع وهي التي ظنت أن التوقيت يتخطى منتصف الليل؛ لكونها غفت فور مجيئها من العمل لشدة تعبها، ويبدو أن أختها الصغرى عبثت في إعدادات الهاتف وقدَّمت الساعة، ومع ذلك فالوقت ليس مبكرًا لتذهب إليه.
+
تمتمت بدعاءٍ صادقٍ ينبع من عمق فؤادها الوجِل:
_ يا رب أحميه!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
وضعته الحياة _من جديد_ في موقفٍ مصيري، مأساوي و... حاسم!
ما سيجري الآن سيتحدد عليه مسار حياته القادمة، وهو يرجو ألا تتحول للأقسى!
+
جهله بمصاب ابن خاله عزَّز اشتعال دواخله بنيران القلق والرهبة، وتخيلاته _عن الأمر_ كلها لا تؤدي إلا لكل ما هو كارثي!
+
أن تفقد الأعز إلى قلبك لهو أمرٌ بالغ الألم والبشاعة ولكن أن تُهدد بفقد البقية المتبقية من أحبَّتك وإنسانيتك فهذا ما يعجز العقل عن وصفه!
+
كأن تُسحب روحك منك _عنوة_ وتتمزَّق نصب عينيك!
كأن تتساقط عليك نجومٌ مشتعلة من السماء وأنتَ بلا سقفٍ يحميك من لهبها!
كأن تلتف حولك قطعانٌ من الذئاب في غابة موحشة وأنتَ مُجرد من أي سلاح أو وسيلة للزود عن نفسك الهالكة لا محالة!
+
كل الكلام لا يفي هذه اللحظات حقها، كل اللغات فقيرة بإزاء ما يمر به الآن، كل المشاعر لا تكفي لتوصيف ما يضطرم بدواخله!
+
لماذا لا يعثر على كلمةٍ واحدة في كل معاجم اللغة تواسيه على مأساته؟
لماذا لا شيء في حياته يبعث على الاطمئنان؟
ولما هكذا من الصعب عليه العثور على راحةٍ حتى وإن كانت مؤقتة؟!
+
اعتلى آخر ثلاث درجاتٍ بخطوةٍ واحدة واسعة، ومشى الهرولة نحو شقة ابن خاله والرعب المفزوع ينهش فؤاده بأظفرٍ قاسية، تتابعت أنفاسه بتسارعٌ إثر صعوده الراكض_ على السلم _لثلاثة طوابق، اضطربت دقاته في صدره المكلوم أثناء إدخاله للبطاقة في مكانها في الباب الذي فُتِح كاشفًا عمَّا بالداخل، قابلته رائحةٌ يألفها، ففاقمت من هلعه، رائحةُ غازٍ انتشر كفيروسٍ في زوايا المنزل يُهدد حياة من يقطنه!
+
دفع "طلال" الباب واندفع للداخل، مرَّ على الصالة يطوف بمقلتاه أرجاءها الخالية، وبمزيد من الاندفاع اتَّجه لغرفة ابن خاله، ولكنِّ خطاه توقفت إجباريًا حيمنا لمح بطرف عينه شيئًا ما، شيئًا أصاب قلبه بأوجاعٍ لن تُنسى ولن تُمحى ولن يجد لها دواءً!
+
أبصرت عيناه الوجلتين "باسل" المُلَقى على الأرض نصف جسده بداخل المطبخ ونصفه العلوي خارجه، يسعلٌ بخفوتٍ في غفوته، وشكله يوحي أنه غارقٍ في إغماءٍ منذ مدة لا يعلمها.
+
الهواء حوله مُعبءٌ بالغاز تضيق به أنفاسه، وقلبه يُحتضر في صدره.
+
خناجرٌ مسمومة طعنت صدره، تجمدت عيونه على المشهد المُروِّع المُماثل لما مرَّا كلاهما به منذ سنواتٍ مضت.
وقفته هي نفسها على بابٍ حتى وإن اختلفت الأماكن والأزمان، وأمامه شخصٌ عزيز على قلبه، ملقى أيضًا حتى وإن اختلفت الطريقة يبقى الألم واحدًا، يبقى الجرح مُشابهًا، وتظل الروح تعاني!
حينذاك كان طفلًا كُسِر قلبه وتلوثت طفولته، ولم يكن وقتها ذا قوة، لكنَّه الآن شابًا عتيًا والتصدع الذي كان في قلبه اتسع.
+
لما عليه أن يتذكر تلك الأحداث ثم يعايشها من جديد في يومٍ واحد؟
+
هزَّ "طلال" رأسه للجانبين، اضطربت أنفاسه كغريقٍ يحارب أمواج أبحر الحياة العاتية، مرددًا بلا وعي وبانفعال:
_يا رب لأ!
+
فقد السلطة _تمامًا_ على لسانه فما برح ينطق بالشهادة بشكلٍ أقرب للهستيريا:
_لا إله إلا الله!
+
يرجو الله ألَّا يكون ابن خاله هو الفقيد القادم!
يتضرع بروحه وقلبه وعقله لله، يدعوه ألَّا يقبض روح ابن خاله!
+
تدفق الأدرنالين في جسده فلم يشعر بقدميه وهما تتراكضان نحوه، مدفوعًا بخوفه المهيج لأعصابه، هوى بقربه يرنو جسده المسجى بأعينٍ غُرِزَتْ بها نصال الألم المتجددة، فلم يدرك حينها أيهما في حالة خطيرة!
+
اشتمَّ "طلال" حوله رائحة أخرى غير الغاز، أقوى وأكثر تدميرًا، رائحةُ الموت الجاثمة على القلوب والأنفاس، وخُيِّل له أن أطياف الموت ووحوشه الضارية ها هنا تحوم حولهما، راغبةً في انتزاع روحٍ أخرى غالية بمخالبها الفتاكة، وأنيابُ وحوشه برزت تُهدد باختطافها!
+
ماذا تريد دنياه منه؟
كأنَّما تدفعه عمدًا للانفصال عن بقايا إنسانيته التي يتشبث بها بما بقي من قواه الخائرة!
+
تسلل الاختناق إلى رئتيه بفعل كم الغاز الذي استنشقه فداهمه سعالٌ متصلٌ تضررت على إثره حنجرته، فهبَّ واقفًا ومقاومًا كل رغبةٍ تدعوه بإلحاحٍ للسقوط، للاستلام، للتراخي وترك ما دافع عنه طويلًا.
+
رفعه من إبطيه ليتمكن من إمساكه بعنايةٍ كأنه يمسك روحه بين يديه ويخشى عليها من الفرار أو الأذى، وجر جسده مُجبرًا نفسه على التماسك!
+
لماذا يشعر أن به شخصان يتصارعان فيما بينهما حول أحقيتهما للسيطرة عليه؟
+
فأحدهما شديد الهشاشة يرغب في موتٍ رحيمٍ، والآخر شديد القساوة يصبو لنيل انتقامٍ تغاضى عنه أمدًا طويلًا.
+
فلأيِّهما سيصغي؟!
لأيِّهما سيسلم زمام نفسه؟
وكيف ستكون النتائج إن ترك لأحدهما المجال للتصريف؟!
+
والسؤال الأهم:
_أما آن لهذا الألم أن ينتهي؟
ـــــــــــــــــــــــــــ
سار في رواق مشفاه الخاص، واضعٌ يديه في جيبي ثيابه الطبية البيضاء، ملامحه هادئة مسترخية، فأكثر ما يعدِّل له مزاجه هي أوقاته التي يقضيها ها هنا.
+
أبدت عيونه إعجابها _القديم_ بكل ما يراه، فلقد برع "طلال" في تصميم هذه المستشفى لتصير متفردة، مميزة عن غيرها من المستشفيات، مستشفى "ضياء الحسيني".
+
رنَّ هاتفه فتحوَّلت ملامحه كليًا، وبات الانزعاج والعبوس مرسومان عليها، أخرجه من جيبه وتفقدَّه فتضاعف انزعاجه وضاق ما بين حاجبيه برؤياه لاسم زوجته، فماذا عساها تريد منه؟
+
سحب الشاشة بشيءٍ من العنف مجيبًا عليها بقولٍ ضائق وملامح يتجلى بها التذمُّر:
_ ألو يا حبيبتي، خير؟
+
فورًا سألته بنوعٍ من الهجوم:
_إنتَ فين؟
+
أجابها بتبرمٍ والاستياء يسيطر على معالم وجهه:
_كالعادة، في المستشفى.
+
أمرته بلهجةٍ صارمة لم يستصغها:
_طيب أفتح الكاميرا.
+
ضغط على شفاهه بغيظٍ بائنٍ، وعقب على جملتها هامسًا:
_برضو مش واثقة فيا؟
+
_أه.
بلا تفكير ردت عليه بصوتٍ محتدٍ، فتشنجت تعبيراته وحدَّثها بحدةٍ قبل أن يغلق الخط في وجهها:
_ وأنا مش فاتح.
+
تمتم بعدها بنبرةٍ يملؤها الحنق:
_كنت ناقصك على المسا!
+
زفر مُستاءً وألقى الهاتف في جيبه بلا اكتراث، ماضيًا في طريقه، حتَّى غرفة العمليات.
+
هرولت تُجاهه ممرضة وهتفت بصوتها اللاهث:
_دكتور"ضياء"، فيه حالة محتاجة عملية ضرور....
+
قاطعها هاتفًا بكثيرٍ من الجدية وهو يلج غرفة ما:
_ فين دكتور التخدير؟
+
_مع الحالة يا دكتور.
جاوبته من فورها، فعاود سؤالها ريثما يخرج هاتفه من جيبه ويضعه على رفٍّ بقربه مع خاتم زواجه الفضي والمعطف الأبيض:
_تمام، ومؤشراتها الحيوية؟
+
_كله تمام.
هتفت الممرضة بنبرة جادة، هزَّ الطبيب "ضياء" رأسه إيجابًا فانصرفت لتقوم بدورها، تزامنًا مع ارتدائه لغطاءٍ أزرق اللون مُعَقَمًا فوق رأسه.
+
ضبط القناع الطبي على أنفه وفمه، وشرع في تعقيم يديه أمام الحوض، بدا حَذِرًا في طريقة فتحه للصنور ووضعه للمواد المُعَقِمَة تجنبًا للجراثيم.
+
فور انتهائه سار نحو بابٍ آخر في نهاية الغرفة يؤدي إلى غرفةٍ أخرى بها الثياب الطبية، فرفع يديه للأعلى لكي لا يلمس شيئًا ثم دفع الباب بظهره.
+
اقترب "ضياء" من طاولةٍ ما، جفف يديه بمنديلين ورقيين موضوعين عليها وألقاهما في سلة المهملات القريبة.
+
انشغل فكره بحياته المملة وما يمر به يوميًا من شجارٍ لا تكاد تنطفؤ جذوته بينه وبين زوجته، مما يدفعه تلقائيًا لقضاء أغلب أوقاته هنا بين المرضى وفي غرف العمليات.
+
انتهى من ارتداء قفازيه الطبيين، و"الجاون" وهي ثبابٌ طبية زرقاء مفتوحةٌ من الخلف وبها رباطٌ يغلقها.
+
استدار وقبل أن يخطو خطوة واحدة عاود هاتفه الرنينَ ووصله الصوت واضحًا من الغرفة المجاورة، تنهدَّ بسأمٍ ولم يلتفت مُخمنًا أنها زوجته اتصلت لتواصل شجارها المعتاد معه، فقال في خفوتٍ مُغتاظ:
_والله ما أنا رادد.
+
حمل صوته _أيضًا_ شيئًا من السخرية، لكونه حتى وإن رغب في الرد عليها لن يستطيع لأن ثيابه ويديه سيتلوثان إضافة إلى العملية الجراحية المستعجلة التي عليه إجراءها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_رُد يا "ضياء"!
+
صاح "طلال" بغضبٍ، راميًا هاتفه جانبه بعصبية بينة، تفادى سيارةً قادمة تجاهه في اللحظة الأخيرة، لينجو بأعجوبةٍ من موت وشيك،
تضاغطت أسنانه بمزيد من العصبية متوعدًا له بعقابٍ قاسٍ لعدم رده على اتصالاته المتكررة:
_حسابك معايا هيبقى زي وشك، بس أصبر على رزقك!
+
ظل يدعو الله في سره وعلنه، وتدفقت إلى ذاكرته مقطفاتٌ من خُطبٍ شاهدها سابقًا، لشيوخٍ مختلفين، مما ساهم في تخفيف الحمول عن قلبه وبالتالي إحاطته بفيضٍ من أمانٍ ودفء، هدأت أعصابه المستثارة _نوعًا ما_ بمرور جملةٍ على ذهنه، والأجمل أنه تذكرها بصوت الشيخ "محمد حسَّان" كأنه يسمعها الآن:
+
"_الشكوى إلى الله تختلف عن الشكوى من الله، فالشكوى إلى الله هي تمام العبودية."
+
ألقى نظرة خاطفة للمقاعد الخلفية للسيارة حيث يتمدد جسد "باسل" بسكونٍ مُقلق، ثم أدار وجهه مُستمرًا في القيادة للمستشفى، هتف _بحاجبين معقودين_ بملء عجزه وإيمانه ويقينه بالله:
_يا رب أشكو إليك ضعفي وقلة حيلتي وهواني على الناس!
+
لاح في ثنايا عقله بيتٌ شعريٌ قرأه سابقًا لأبي العلاء المعري، يُعبر تمامًا عمَّا يتلقاه _دومًا_ من الحياة سواء ألم أو مصائب متتابعة أم خسارة وراء خسارة أم جراحٌ لا تلتئم:
"تُحطِّمنا الأيامُ حتَّى كأنَّنا زجاجٌ ولكن لا يُعاد له سبكُ"
+
لم يكف لسانه عن ترديد الاستغفار عسى الله يخفف عنه وطأة مصيبته:
_استغفر الله العظيم رب العرش العظيم وأتوب إليه!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
+
