رواية الغضب الاسود الفصل التاسع عشر 19 بقلم الكاتبة كوين اسمهان
رقصت النسمات المشبعة بعطر الملح بينهما، أغرق هارولان يديه في جيبي بنطاله، و انتظر التشبث بصوتها ثانية. كانت تنظر إلى بيتها؛ أو الذي كان! و لم تكن في عينيها سعادتها المألوفة، أشاحت ماريغولد بقلب ممزق عن منظر القطيفة الذابلة، و أولت المحيط اهتمامها مكرهة و هي تتمتم:
3
"يحزُّ في نفسي قول هذا، و لكن... أشعر أن قلبي و ذكرياتي و ضحكة أبي... و كل شيء جميل قد ذبل معها! كان تأملها هو بوصلة أملى و منبع صمودي... و الآن... لا أحتمل رؤية رؤوسها المنكسة!".
5
أرسلت ماريغولد بصرها إلى الأفق، تحاكي الشفق الذي بدأ بالذوبان تحت وطأة الأصيل، بينما ابتعد هارولان ليجيب اتصالا على هاتفه الخلوي:
+
"نعم سيد لي! هل كل شيء جاهز؟ ممتاز! هناك شيءٌ آخر أريدُك أن تقوم به...".
+
تحوَّلت الكلمات إلى همهمات مبهمة تبتعد شيئا فشيئا، طغت وشوشة الأمواج على صوته حتى اختفى، و سحبت معزوفة المد و الجزر روح ماريغولد إلى سنوات خلت، حين لم يكن شيء ذابل هنا، لا قلبها... و لا القطيفة! استرجعت نفسها أخيرا من بوتقة الذكريات، و حلقت كفراشة خارج شرنقة الماضي، تحققت من ساعة يدها، فلاحظت أن وقتا طويلا مرَّ مُذ أجاب السيد كينغ ذلك الاتصال، ولَّت وجهها شطر البيت، لتراه منحنيا فوق شجيرة الماريغولد يتفحصها باهتمام مذهل!
+
صعقها من جهة أن عدو الورود نفسه يفعل ذلك، و ذكرها من جهة أخرى بحلم راودها كثيرا في الآونة الأخيرة، رجٌل هكذا تماما... يقف منحنيا على فيراندا البيت مداعبا القطيفة، تجسد فيه جاك موران بشكل عجيب، أهذا والدها بالفعل؟
+
مارس الخداع البصري عليها ألاعيبه، أدمعت عيناها، و ركضت على الرمال المحتفظة بحرارة النهار متعثرة، بلغت الفيراندا لاهثة، عجزت عن ضبط أنفاسها و هي تضع راحتها على كتفه، كادت تُجزم أنه والدها جاك؛ لكنها الآن... و هو يستدير إليها اكتشفت كم كانت على خطأ، فهذا الرجل و رجل الأحلام أيضا ليسا إلا... سيد كينغلاند العظيمة هارولان كينغ! كيف يعقل هذا؟ كيف يمكن أن يحلم المرء بشخص قبل أن يقابله حتى؟!
+
تحركت عيناه على تعابيرها المذهولة، و رفع حاجبيه متسائلا:
+
"ما الأمر؟".
1
"أنا... هو كان هنا... أعني أنك... أوه! المعذرة سيد كينغ، لا تؤاخذني... لقد تشوش ذهني قليلاً!".
1
تخلى عن معاينة الشجيرة، و علق بهدوء:
+
"لأنك تُحمِّلين هذا الذهن فوق طاقته، و تنسين أن هنالك حلٌّ لكل شيء!".
2
حدق مجددا بالشجيرة و تابع ملتقطا إحدى الأوراق المصفرَّة بين إصبعيه:
+
"لستُ مزارعا، لكنني أوقن أنها وعكة بسيطة، رأيتُ هذا يحدث لبعض الأشجار على أرضي، و لم يتطلب الأمر سوى بعض العناية و الأدوية!".
2
تنهدت جالسة على عتبة الفيراندا، و غمغمت ساهمة:
+
"لعلك محق! لكن مكانتها الخاصة في قلبي تجعلني أشعر بالذنب تجاه ما حل بها بعد رحيلي، لو بقيتُ هنا... لو لم أبِع هذا البيت... لما ظلت وحيدة... و لما ذبلت... و لما...".
6
"هذا يكفي!".
+
أسكتها بهمسة لم تتوقعها، و فاجأها جلوسه بتواضع شديد إلى جوارها مردفا:
+
"فيمَ سينفعكِ الندم و عتاب نفسكِ؟ الأجدرُ أن تتقمصي ثانية جنونكِ و إصراركِ الخطيرين، و تحاولي منحها الحياة من جديد!".
2
حدقت فيه بشك متسائلة:
+
"هل سأنجح؟".
+
"هل أنتِ من تنطق بهذا السؤال؟ عموما... لن تعرفي دون محاولة".
+
تابع و هو يمرر أنامله على حواف العتبة:
+
"ألستِ مجنونة الإصطبل التي روضت ماردي، و قفزت وسط النيران لتنجد قطيعي، و حمت حيواناتي من السم، و حفظت صغيري لِيو من الخطر؟ أين أنتِ من تلك الفتاة التي لم يُخِفها شيء؟ أيُخيفُكِ الآن... ذبول شُجيرة؟".
+
نجحت كلماته في جعلها تبتسم، لكنه لم يحذُ حذوها، حتى صارت ماريغولد تتساءل كيف يبدو وجهه إذا ما ابتسم؟ حين يحدث ذلك يوما ما... ستكون لحظة ذهبية يخلدها التاريخ!
+
أرجعت خصلة من شعرها خلف أذنها، و قالت بصوت يقاوم:
+
"حين يتعلق الأمر بمشاعري... تخبو شجاعتي فجأة! هذه الشجيرة ترمز لأمي، لذلك كانت شيئا خاصا جدا بالنسبة لأبي... و لي الآن".
+
فكر هارولان لبرهة و هو يطارد الأمواج ببصره على امتداد الشاطئ، لينطق بعبارة جعلت النجوم التي بدأت تكشف عن نفسها... تبدو و كأنها تهوي من عليائها و تدور حولهما:
1
"إذا كانت تهمك هكذا، فمرحبا بها أيضا على أرضي".
35
رمقته ماريغولد بنظرها الحائر، رفرفت برموشها الطويلة تسأله إن كان يعني حقا ما قاله، فأومأ لها بثقة مؤكدا ذلك و استطرد:
+
"هل تعرفين ماذا يقول السيد لي؟ «من بحث عن غصن عثر على الشجرة كلها!»، لذا مرحبا بكِ معنا... و بكل ما يخصك و يعني لكِ!".
12
نون الجمع تلك جعلت الدنيا تشرق في وجهها رغم الظلام الذي أرخى أخيرا سدوله السوداء، لكنها تذكرت شيئا فقالت بتوتر:
+
"ماذا عن السيد ماكمان؟".
1
أردف بحدة:
+
"ما شأنه بهذا؟".
+
ردت ماريغولد واجمة:
+
"إنه صاحب البيت الآن، و كل ما هنا أصبح شأنه وحده! لقد رفض قبل أسبوعين أن يسمح لي بأخذها، قال أنها جزء لا يتجزأ من البيت، و هددني باللجوء للقانون! ما الذي يضمن أنه لن يقدم شكوى في حقي إن اجتثثتُ الشجيرة من مكانها؟".
2
"دعيه يحاول! سأغرسه هنا بدلا منها رأسا على عقب!".
88
بدا في أوج غضبه و هو يزمجر بذلك، استغربت ماريغولد رد فعله، هل تأثر أيضا بقصة الماريغولد الذابلة... أم أن سبب غضبه شيء غامض عنها و بعيد تماما عن توقعاتها؟
3
تمتم هارولان بوضوح:
+
"سنحضر الشجيرة لاحقا، تعالي!".
+
و بدون انتظار لتعقيبها، تناول يدها و جرها معه نحو بيت إيريكا مضيفا:
+
"هاتِ متاعكِ، سنغادر فورا!".
1
كان هناك نفوذ لذيذ يمارسه عليها، رغم شخصيتها المتمردة، استكانت لقراره، لقد طلب منها بكل أدب و توقير أن تعمل بمزرعته و تعيش بها أيضا، أخذ عزة نفسها بعين الاعتبار، و لم يخدش كبرياءها، حتى و إن أمرها الآن بأن ترافقه، فقد جاء أمره مليئا بحنان غريب، كأنه كان أبًا يأمر طفلته الصغيرة بأن تطيع ما يخدم مصلحتها، و في غمرة فرحها و هي تودع إيريكا و تسلم حقيبتها له، تساءلت بفضول عن أشياء كثيرة حوله، ما الذي حدث في حياته حتى أصبح أسود الأعماق؟ و لماذا بات عدوا للورود... ثم فجأة قرر أن يسمح لها بالتنفس على أرضه الغالية؟ حيرتها تتعمق بخصوص هذا الرجل يوما بعد يوم! إنها على قاب قوسين أو أدنى من أسبوع آخر... بل أسابيع أخرى في عالمه، لكنها لا تدري كيف ستقضيها؟
1
كان طريق العودة أمتع من الذهاب، صحيح أن الفرق بين حيوية غاري و صمت هارولان كفرق السماء عن الأرض، لكن جلوسه صامتا خلف مقوده لم يزعجها، فقد كان له حضوره الخاص، رجل مختلف، يمكن لصمته أن يتحدث، و يمكن لعينيه اللتان تجوبان الطريق بتركيز أن تسبرا أصعب الأغوار و تستقرا داخلها، كانت ماريغولد في البداية تجد جلوسه قربها مطمئنا، تلقي إليه نظرة خاطفة حينا، و تعود لتأمل الغابات الغارقة في الظلام حينا آخر؛ غير أنها لاحظت و هما يقتربان من كينغلاند أنه يضمرُ ألمًا ما، و جلده البرونزي ينضحُ عرقًا! خشيت أن تسأل فيعتبر ذلك تدخلا سافرا في شؤونه، لكنها عجزت في النهاية عن إمساك لسانها.
6
خاطبته بقلق عند المدخل بعدما ترجلا من السيارة:
+
"هل أنت على ما يُرام؟".
+
التهى بإنزال حقيبتها من السيارة، ثم رد بجفاف غريب:
+
"ما الداعي لهذا السؤال؟".
8
كانت ستردف حين لفظ باب البيت جسدا صغيرا يركض نحوها ضاحكا:
+
"جميلتي عادت!".
13
جثت ماريغولد على ركبتيها، و استقبلته بالأحضان، كم كان دافئا و عطِرًا و شديد اللطف، خصلاته الفحمية الناعمة التي تشبه خصلات خاله تنزلق بين أصابعها كالحرير، قبلته بنهم، ثم قالت قارصة خديه:
+
"أرأيت؟ لم أستطع احتمال بُعدك!".
+
خرج الخدم كذلك مرحبين بها، لا تسعهم الدنيا سعادة برؤيتها من جديد، كانت في نظر الجميع مخلوقة طيبة تستحق كل حب ممكن، نظر هارولان إلى السيد لي، فرد عليه الخادم بإيماءة خاصة، و ابتسم لماريغولد معلنا باحترام:
+
"لا ريب أنك جائعة و مرهقة آنستي، تفضلي لترتاحي!".
+
أشار بحركة لا توجه إلا للنبلاء، و استبقها إلى غرفتها القديمة، لكنها بعدما تجاوزت بابها لم تعرفها، و لم تتذكر أنها كانت هكذا حين تركتها هذا الصباح، الستائر شفافة ناعمة تسمح لضوء الشمس و نور القمر أن يتسللا ليلقيا عليها التحية، و ملاءات السرير الرمادية تغيرت إلى أخرى زهرية اللون مطرزة بحرير ذهبي، و بدل الخزانة البنية الرصينة، وضعت أخرى بيضاء تليق بٱنثى، و تتسع للعديد من الثياب و الأحذية، تخلصت من حذائها و خطت ذاهلة فوق سجاد قرمزي تركي الصنع سميك ذي وبر أعجمي ناعم، تتخلله أشكال نجوم و صوامع و أشرعة ذهبية تقطع هذا و ذاك... مخلفة بريقا يخطو معها فوق أكتاف الوبر!
3
أمسكت أنفاسها لبعض الوقت متفحصة بعينيها مزهرية بيضاء فوق المنضدة، و سمعت فجأة تِيا تقتحمُ المكان بصوتها الجميل:
+
"ما رأيكِ آنسة ماريغولد؟ آمل أن يعجبكِ ترتيبنا لغرفتكِ على ذوقنا!".
1
"إنها... مذهلة! لا أعرف كيف أشكركم على هذا اللطف!".
+
لوحت تِيا بيدها، و أردفت بعينين متعجبتين:
+
"ليس عليكِ شكرنا نحن، السيد هو من أمر بهذا".
3
ظنت ماريغولد أن الحديث يتناول الخادم، فأحنت رأسها شاكرة كما يفعل أبناء الصين، لكن السيد لي ضحك مصححا:
+
"إنها تقصد السيد الكبير!".
5
استدار الخادم على عقبيه دافعا تِيا لتهتم بأعمالها العالقة، و استطرد قبل أن يغلق الباب:
+
"سيكون العشاء جاهزًا بعد نصف ساعة!".
+
نزعت ثيابها و اختفت تحت مياه المغطس متلذذة ملمسها الدافئ، تأملت جراح يدها و ذراعيها مفكرة، لسعها سوط هذا الرجل، و حفرت جلدها أصابعه القاسية، كيف يمكن أن يكون نفسه من أصلح صورة أمها و عالجها، و وضع كل هذه الألوان المبهجة داخل غرفتها؟ منذ اليوم ستراه دائما، و ستكون أمام خيارين: إما أن تتتعايش مع غموضه... أو أن تمحو كل ذلك كاشفة عن الأسرار الكامنة خلف غضبه الأسود!
+
تركت شعرها المبلل طليقا، لم تكن تشعر بجوع شديد، لكن رفقة الخال و ابن أخته شجعتها على النزول، فتحت باب غرفتها، فتفاجأت بلِيو ينتظرها، و ما إن لمحها، حتى صاح متناولا يدها و قد أخذ منه الحماس كل مأخذ:
2
"تعالي لتري غرفتي... ستدهشين!".
8
تبعته متسائلة عن أي شيء سيدهشها هناك، و الحقيقة أن الدهشة لم تكن الوصف المناسب لمنظرها و هي تدلف غرفة الطفل، الألوان التي تشيع في الصغار السعادة غلفت كل غرض، و الألعاب التي يفضلها من في مثل سنه تغزو المكان، حتى خزانته امتلأت بثياب ملونة تناسب شكله و مكانته الاجتماعية، اختفى كل أثر للسواد و الكآبة من عالم الطفل، حدقت فيه غير مصدقة، و عانقته متسائلة:
12
"هل خالك هو من أحدث هذا التغيير؟".
+
"أجل! كانت مفاجأة رائعة".
+
ابتسمت ماريغولد و شعور لذيذ يدغدغ كيانها، ثم همست:
+
"أعتقدُ أنني حصلت على واحدة بدوري!".
3
سارا بعد لحظات إلى قاعة الطعام بينهما ضحكات و مداعبات، لكن العشاء مر كدهر من المرارة لا يُطاق، أثار قلقها غياب هارولان مرة أخرى، ساءها أن تحدق طوال الوجبة في مقعده الشاغر، و حاولت قدر الإمكان أن تستمتع بالطعام الشهي كما يفعل الصبي، تشجعت و سألت آديا حين همت برفع الصحون عن الطاولة:
+
"هل السيد كينغ في بيت المكتب الآن؟".
+
"إنه في غرفته، رفض تناول العشاء، و حذر الجميع من إزعاجه!".
19
رائع! ها هو ذا كينغ الأسود يعود إلى الواجهة! كيف يمكنه أن ينشر البهجة في مكان، و يحبس نفسه مع سواده في مكان آخر؟ كرهت أن تظل مكانها باحثة عن إجابة لسؤال عقيم، عقِب مرور نصف ساعة، وضعت لِيو في سريره و قبلت رأسه الغافي بعدما نجحت قصتها الساحرة في دفع النوم إليه، غطته جيدا، و تركته متجهة إلى غرفتها، صالتها و جالتها مرارا و تكرارا، ماذا ستفعل؟ يصعب عليها احتمال وجودها قربه دون أن تكترث لأمره، لقد بدا سيء الحال في السيارة، ربما كانت عمياء عن ذلك في «ويندي هاربور»، غشا ألمها عينيها، و لم ترَ على الشاطئ الألم المؤكد الذي كان يخفيه جاهدا، لكنها فعلت ذلك فيما بعد، و لاحظت تعرقه بشدة، هي تذكر كيف كان يقبضُ بقسوة على عجلة القيادة بين تارة و أخرى، و أحيانا تجفل عيناه، و يكز على أسنانه فينقبض فكاه، إنها دلائل معاناته من شيء ما لا محالة!
4
آخر الأمر، اتخذت ماريغولد قرارها، و قصدت غرفته مرددة في أعماقها باصرار:
+
«حسنا يا كينغ، إن كنتَ ستقبلُ ما سأزرعه على أرضك، فعليك أن تقبل ما سأزرعه داخل عالمك أيضا!".
18
وقفت محدقة ببابه طويلا، انتظرت هدوء نبضات قلبها التي وثبت بجنون عجيب، ثم تنفست بعمق و طرقت الباب مرتين لم يعقبهما سوى التجاهل، ألحت ماريغولد في المرة الثالثة، و جهرت قائلة:
+
"سيد كينغ! أنا مضطرة لإزعاجك لأنني أعلم أنك لست بخير!".
3
لم يجبها، فأضافت قلقة:
+
"هل تسمعني؟ رجاءً افتح لي!".
+
بدأت الأفكار السوداء تطرق بالها، ماذا لو حدث له مكروه ما، لم تنتظر مرور مزيد من الوقت، أدارت المقبض، و دفعت الباب بسرعة لتصبح داخل غرفته، بحثت عنه و جحظت عيناها ما إن تعثرتا به، كان هارولان مستلقيا على الأريكة قرب سريره، بدون قميصه، على كتفه ندبة غريبة، و يبدو مذبذبا، عيناه الناعستان احمرتا فجأة حين لمحها، هل يرى كابوسا أم أنها تجرأت على اقتحام غرفته بالفعل؟ ماذا يُفترض به أن يقاوم الآن... هذه الحرارة الطاغية التي تغلف جسده... أم جرأتها و عيناها العنيدتان؟
5
أسرعت نحوه ماريغولد غير مبالية بنظرته الساخطة، فليذهب غضبه إلى الجحيم! كان كل همها أن تعرف سبب تلك الندبة الملتهبة، و حين تفحصتها عن قرب أدركت مرعوبة أنها لسعة أفعى، دق قلبها بعنف، و أمسكت يده لتسحبه عن الأريكة مصرحة:
1
"متى لسعتك؟ يجب أن تذهب حالا إلى المستشفى! لماذا لم تقل أنك مصاب؟".
2
"هل أنتِ فعلا هنا؟".
12
أيقن من لمستها أنها كذلك، فالتهب سخطه أكثر، و صرف أسنانه متسائلا بعنف:
+
"ماذا... تفعلين هنا... بحق السماء؟".
+
سحب يده من قبضتها، لكنها عادت لإمساكها قائلة:
+
"أنا هنا لأنك بحاجة إلي".
1
أبعد يدها بقسوة مردفا:
+
"إذهبي! لستُ بحاجة لأحد".
1
تراجعت ماريغولد صامتة، و انطلقت خارجا دون أن تنظر إليه ثانية، ارتكز بذراعيه على الأريكة و قام مترنحا، تفرس في انعكاسه على المرآة، و لعن نفسه، لماذا كلمها بتلك الطريقة؟ سُحقا! لماذا أتت إليه بالأساس؟ إنه ليس محط شفقة أحد! هذه مجرد لسعة أفعى غير سامة، و الحمى حالة عرضية ستنتهي مع حلول الصباح.
+
كان على وشك خلع حذائه و الاستلقاء على سريره حين دلفت ماريغولد من نفس الباب ثانية، و لكن هذه المرة، كانت تحمل صندوق الإسعافات و وعاء ماء بارد، تقدمت منه ضاربة بنظراته عرض الحائط، وضعت الصندوق على المنضدة، و قالت مشيرة إلى الوعاء بين يديها:
+
"أعطاني السيد لي هذا، و بدا مؤمنا بقوة مناعتك، قال أن لسعة الأفعى ليست شيئا جديدا عليك، لكنني أرفض أن تهمل نفسك هكذا سيد كينغ، سيساعد الماء البارد على خفض حرارتك! و...".
3
ضرب هارولان الوعاء، فدلق محتواه على سجاد الغرفة الأسود، اعتقد أن ذلك قد يثني عزيمتها، غير أنها حافظت على هدوء أعصابها، و انحنت تلتقط الوعاء متجهة به إلى حمامه الخاص، أين ملأته بمياه أخرى باردة، و عادت لتقف أمامه بكل عناد قائلة:
1
"تفضل! يمكنك أن تقلبه ألف مرة، و سأحمله و أعيد ملأه مجددا... و مجددا!".
20
تشابكت نظراتهما مطولا، ضرب الصداع رأسه بعنف، و اشتد وقع الحمى عليه، شعر أنه يحترق و سينهار في أية لحظة، إلا أنه لا يزال يرفض الاستسلام... لم يشأ أن يحدث ذلك أمامها، لم ينهر من قبل أمام الرجال... فكيف سيقبل بذلك... أمام امرأة؟ كأنها قرأت أفكاره، إقتربت تلمسُ ذراعه بلطف متمتمة:
+
"أنسيت؟ لقد شاركتني اليوم ألمي، لِمَ لا تسمح لي بمشاركتك ألمك أيضا؟ لقد نظرت إلى عالمي و وقفت على حجم ضياعي في هذه الحياة!"
2
تابعت بهمس راسمة على شفتيها ابتسامة ودودة:
+
"أحببتُ غرفتي الجديدة كثيرًا! و أجد الامتنان بالقول غير كافٍ، هل من المستحيل عندك أن تمنحني فرصة لأردَّ لك الجميل على كرمك معي و لأمتنَّ بشكل أفضل!".
6
فقد شعلة انفعاله، شُلَّ لسانه، و تهالك جالسا على السرير، هزمه عنادها، و انتصر اللطف على الغضب، طهَّرت مكان اللسعة و ضمدته جيدا، ناولته مضاد الالتهاب الذي أرسله الخادم في الصندوق و قرصا فوارا لخفض الحرارة، و جسَّت نبضه، ثم وضعت المحرار بين شفتيه كأنه مجرد طفل، و الغريب أن هارولان لم يعاكسها في شيء، ثقل جفناه أكثر، فدفعته برقة ليستلقي على وسادته، و انحنت تجرده من حذائه، لتمدده على طول السرير بشكل مريح أكثر، وضعت مقعدا بالقرب منه و جلست عليه، ثم طفقت تبلل الكمادات و تضعها على جبينه برفق، في حين راح هارولان يطالعها من بين رموشه السوداء المتقاربة، كأنه يريد أن يحفظ تلك الصورة في عقله طويلا!
5
أنفقت ماريغولد ساعات طويلة من الليل عينا حارسة على رأسه، تبدل المياه الباردة و الكمادات، و تقيس حرارته دون كلل أو ملل، و عند حلول الفجر كانت نتيجة فحص حرارته مطمئنة، انخفضت إلى درجتها الطبيعية أخيرا، تنفست الصعداء باسمة، و ظلت ترمقه بنظرة حانية، حتى غلبها النعاس و مال رأسها متوسدا طرف سريره.
+
فتح هارولان عينيه، و بجهد تعود على نور الغرفة، تساءل كم الساعة، إنه عادة يستيقظ قبل شروق الشمس، حصل على جوابه فورا حين ألقى نظرة على الساعة الجدارية، الثامنة صباحا! سُحقا! هناك أعمال عدة بانتظاره، عليه أن ينهض و...، تجمد فجأة، صُعِقَ مما رآه، هي... هي هنا في غرفته، تسند رأسها على حافة فراشه و تنام بعمق! كيف حدث هذا؟ تذكر بعد عدة محاولات ما جرى أمس، أدرك أنها سهرت على راحته طوال الليل، و أمِلَ ألا يكون أحد من البيت رأى هذا المشهد، لاحظ أنها تتنهد بين نفس و آخر! هل تحلم أم أنها منهكة إلى حد بعيد! رأف بها، هزته أطياف تلك الكلمات التي تفوه بها البارحة، و مضى بيد حنون يمسح على شعرها مستطربا موسيقى تنهيداتها، لم يستطع تمالك يده من المرور إلى وجنتها المزهرة، لملمسها سحرٌ طاغٍ كما لعطرها! يا الله ماذا يفعل بهذه المرأة؟ و كيف يجنبها أذاه دون أن يقسو عليها؟ إنه لا يعرف!
2
تحركت ماريغولد مغمغمة بشيء غير واضح، فسحب يده مضطربا، و ادَّعى أنه كان يوقظها حين رفعت جفنيها مجيلة بصرها في كل شيء حولها، بدأت أحداث الأمس تعيد نفسها في ذاكرتها، فانتفضت بقلق تتحسس جبينه و تتساءل:
+
"كيف تشعر اليوم؟".
+
ترك الفراش، و أولاها ظهره مجيبا ببرود:
6
"بخير!".
+
ذُهلت لوجود علامات غريبة على ظهره، لكنها لم تعلق بشيء، ربما ضايقته أكثر من اللزوم! حملت الأغراض التي أتت بها ليلا، و قالت بخجل:
2
"أعتذرُ إذ فرضتُ عليك نفسي، لكنك ترى بعينيك الآن أن عنادي جاء بثماره، تبدو أفضل بالفعل! أتمنى ألا تهمل نفسك ثانية، لا تنس أن لِيو متعلق بك و ليس على استعداد لخسارتك".
4
حدق هارولان بالباب المغلق خلفها لحظات، و رافقه شعور مبهم خلال استحمامه و ارتداء ثياب العمل، شعور بالانجذاب لشيء غامض، لكيان قوي مجهول، لقوة لا يستطيع سلخ نفسه عنها، شحذ عقله بتذكر ما هو مقبل عليه اليوم، لديه حصة ترويضية لذلك الحصان البري الجامح، بعد فشل رجاله خلال المحاولة السابقة لكسر عنفوانه و تعويده على السرج و الفارس، ها قد أتت فرصته ليتخلص من هذا الشعور الغريب! لكن أولا... هناك ما سيقوم به هنا!
1
جلست ماريغولد إلى طاولة الفطور تساعد لِيو في دهن المربى على شريحة التوست، بينما كانت هانا تعاتب ساري في المطبخ بحدة، تطاير الشرر من عيني الطاهية سائلة بحنق:
+
"أيتها البلهاء! هل ظننتِ أنني إن غفلت عنكِ أمس، فلن أتذكر اليوم توجيه هذا السؤال لكِ؟".
3
حاصرتها بعينين ضيقتين، و أضافت مشددة على كل كلمة:
+
"لماذا اختفيتِ من الحفل بذلك الشكل؟ أحذركِ من الكذب ساري!".
+
طأطأت الفتاة رأسها هنيهة، ثم رفعته ثانية كاذبة:
+
"غادرتُ بسبب صداع، كنت بحاجة للنوم!".
+
تأملتها هانا بشك، ثم وضعت بين يديها إبريق القهوة، و أردفت في خيبة أمل:
+
"خذي هذا إلى طاولة السيد!".
+
كانت ساري على يقين أنها جرحت قلب هانا، حين رفضت الإفصاح لها بما يعتريها، على كل مصيبتها عظيمة، و لن يتحمل سماعها أحد من المحيطين بها، كادت توقع الإبريق لولا يد ماريغولد التي أنقذت الموقف، فكرت ساري أنها فتاة لطيفة و ناضجة، و لا ريب أنها تؤتمن على الأسرار، و كادت تسرُّ لها بمشكلتها... لولا اقتحام السيد كينغ للمشهد، حيته الخادمة و فرت باتجاه المطبخ، ربما ستؤجل البوح بعلة روحها للآنسة موران، أو ستبحث عن شخص آخر يحمل معها هذا الهم الثقيل!
8
تنحنحت ماريغولد، و أوشكت أن تغص بقطعة المانجو التي تناولتها للتو، ظهوره بكامل قوته و وسامته المتغطرسة كان شيئا غير متوقع، فقد ظنت أنه سيعزف عن مشاركتهما الفطور كذلك، هل خلق هذا الرجل ليعاكس التوقعات؟
+
ألقى تحية مقتضبة، ارتاح على مقعد، و بسط ساقيه الطويلتين بأريحية أمامه ملتقطا إبريق القهوة، و سكب لنفسه مشروبه المر كأنه لم يكن يصارع الحمى أمس، تذكرت كم تمنت أن يهذي ببعض أسراره كما يفعل أي شخص محموم، لكنه جانب المألوف، ليثبت لها بكل طريقة ممكنة أنه سيد نفسه حتى لو كان في غيبوبة تامة!
3
كانت تراقبه بتركيز، انتبه لها، و شدَّته نظراتها في عدة مناسبات، لكنه لم يعلق بشيء، و أنهى وجبته في صمت و تباعد، و لم يصدر عنه شيء، حتى دخل السيد لي معلنا:
+
"سيد كينغ! وصلت الأغراض التي أمرت بإحضارها أمس، لقد اهتممت بهذا الشأن بنفسي كما نوهت، لكن لا مناص من إلقائكما نظرة".
5
إلقاؤكما نظرة؟ من يقصد بالشخص الآخر؟ تساءلت ماريغولد حين كانت تتابع الحديث، و تسرق رشفة قهوة من فنجانها، بينما رد هارولان متخليا عن مقعده:
+
"أثق بك سيد لي، أنت دائما تنتقي الأفضل، ثم إنك ابن الأرض، و إن كان لا بد من إلقاء نظرة، فهذا يعود لصاحبة الأغراض".
2
توجه بعبارته الأخيرة إليها، فأفلتت فنجانها باندهاش مستفسرة:
+
"أنا... صاحبة الأغراض! أي أغراض؟".
+
اعتمر قبعته معقبا، قبل أن يترك القاعة:
+
"تعالي و ستكتشفين بنفسك!".
+
حين سارت ماريغولد في أعقابه يتبعها لِيو، و خرجت إلى نور الحديقة، ذهلت بما كان ينتظرها، كان هارولان عند وعده، ها هي ذي شجيرة القطيفة في مسرح نظرها، وضعت داخل إصيص كبير، تنتظر أن يُعاد غرسها في مكان مروي بالحب و الاهتمام!
+
ترقرقت عيناها بالدموع، و هي تتحسسها، و تشكره بنظرات صامتة لم يفهمها سواهما، التفتت تكتشف بقية الأغراض، لم يخلُ المكان من كل ما يتعلق بالزراعة، أدوات الحفر و الري و تقليب التربة، أكياس البذور و السماد، الدِّلاء الملونة و الٱصص و صناديق الأدوية الخاصة بالنباتات، و شتلات من شتى أنواع الورود المختلفة جاهزة للغرس، و علاوة على ذلك مرولة خاصة، قفازات تحمي اليدين، حذاء جلدي مرتفع للمزارعات، و قبعة عريضة معقوفة الحواف تشبه قبعات رعاة البقر!
+
ترقرقت عيناها بالدموع، و هي تتحسسها، و تشكره بنظرات صامتة لم يفهمها سواهما، التفتت تكتشف بقية الأغراض، لم يخلُ المكان من كل ما يتعلق بالزراعة، أدوات الحفر و الري و تقليب التربة، أكياس البذور و السماد، الدِّلاء الملونة و الٱصص و صناديق الأدوية الخا...
4
Oops! This image does not follow our content guidelines. To continue publishing, please remove it or upload a different image.
"هذا... مدهش!".
+
هتف لِيو بعفويته الطلقة:
+
"مرحى، ستصبح الحدائق أجمل!".
1
نظر إليها هارولان و أشار إلى سيارة جيب من نوع خاص، كسيارات الجيب الخاصة بمزارع السافانا الإفريقية، يحاكي لونها خضرة الشجر، و يشجع على الفناء عملاً في هذه الأرض!
+
"لا يزال هناك هذه السيارة التي ستتنقلين بها إلى المروج، أين ستزرعين ما يحلو لكِ، سيرافقكِ لِيو حين يكون الجو مناسبا، تجيدين القيادة، أليس كذلك؟".
4
اكتفت بهز رأسها موافقة، ما الذي ستقوله بالضبط؟ مفاجآت هذا الرجل لا حدود لها؟ شيء يعقد اللسان و يذهب العقل، أردف هارولان:
+
"جيد، سأرافقكِ إلى هناك أولا لتري الرقعة المخصصة لكِ".
2
أومأت ثانية غير قادرة على إيجاد الكلمات، و ركبت السيارة إلى جانبه مأخوذة بما يحدث، بث الحياة في المحرك، و بدأ يدعس على دواسة البنزين و يدير دولاب القيادة يمينا و يسارا قاصدا طريق المروج، تلاعبت الرياح المندفعة من كلا جانبي المركبة بخصلات شعرها، و لم يطغَ شيء على صوت العجلات و ضجيج الرياح... غير وجيب قلبها!
+
وسط دروب ساحرة من أشجار العرعر و الصنوبر و الكينا، ألفت ماريغولد نفسها تشق دربا خيالية نحو حلم لا يصدق، بدت السحب التي تحركها رياح الجنوب مشاركة في تنسيق ذلك الجمال، ترصع السماء بأشكالها المختلفة، و ألوانها الفضية المتشحة بذهب الشمس، بينما يجثو التراب الأحمر تارة خانعا للأقدام، و يثور تارة أخرى مع جنون الريح أو يتدحرج مع العجلات مرغما!
1
عاد السيد لي أدراجه إلى المطبخ، و ألفى الخادمات قد تجمعن في حزب جوسسة، يسترقن النظر من النوافذ و يتساءلن عما يجري، سألته سيدني مستغربة:
+
"سيد لي! ماذا ستفعل الآنسة موران بكل هذه الأشياء؟".
1
تلاعبت ابتسامة على شفتيه، و أجاب بحكمة يصعب فهمها:
+
"سوف تزرع بعض الحب!".
14
توقفت السيارة وسط فُرشٍ مسيجة خضراء زمردية تزين وجه الأرض، كأن كينغلاند هنا ترتدي برقعا من الإستبرق، شيء يعجز اللسان عن إيتائه حقه من الوصف، كان هارولان سيحثها على النزول لاستكشاف المكان، إلا أنه فوجئ بها تطلق ضحكة ناعمة و تترجل من مقعدها ناسية أمره، و تعدو متلهفة صوب أرض زرَّرتها زهور برية نمت رغم أنف قانون كينغ الناقم عليها! فيما وقف هارولان بمكانه يلاحق عدوها و عفويتها متعجبا، إنها تتصرف مثل لِيو تماما! بل إن لِيو في أحيان كثيرة يبدو أكثر نضجا منها! لكن هل باستطاعته لومها على كونها مليئة بالحياة و البهجة؟ إنها ليست مثله، ليست حالكة الأعماق، و لا غارقة لأذنيها في ظلام مستبد! إنه مفتون بتفاصيل عالمها، و يود لو كان يملك فيه مكانا، لكنه جلبها هي و عالمها إلى حدود عالمه الآن، و العالمان يوشكان على الإلتقاء في نقطة واحدة، في البداية عندما حدث هذا اللقاء بين العالمين أثمر عن حرب تمرد و غرور، و اليوم لا فكرة لديه عما سيخوضانه بالتقاء الماء و النار، الحرب أم السلام... أم شيء آخر في الأفق لا أحد يستطيع أن يحزره!
9
حين اكتفت ماريغولد من الركض، و تقبيل الزهور البرية، و تحاشي النحلات الغاضبة من الدخيلة ضاحكة، ارتمت بين أحضان الحشائش القصيرة تبتسم لسحب السماء، حتى أمطرت السحب وجها أسمرًا رافع الحاجبين، أطل عليها هارولان من عليائه متمتما:
+
"هل تتصرفين دائما كغزال بري؟".
32
انقلبت على بطنها معقبة بضحكة مشاكسة:
+
"فقط حين أجد جمالا خلابا كهذا!".
+
"إذن وقعتِ أسيرة سحر كينغلاند!".
1
اعترفت و هي تستوي جالسة:
+
"أعتقد أن هذا حدث مُذ وطأتُها أول مرة! كانت مذهلة خلال المطر... ودودة و قاسية!".
2
"كينغلاند تغدو متوحشة الجمال أكثر في نهاية ديسمبر! لكن احترسي من شمسها! إنها تذيب الصخر أحيانا".
5
مسحت بظهر يدها قطرات العرق التي نضجت على جبينها، و ردت:
+
"أرى هذا بجلاء الآن!".
+
قدم لها يده ليساعدها على الوقوف، لكنها امتنعت عن قبول مساعدته متمتمة:
+
"شكرا! لا داعي لذلك، ثم إن التراب لوث يدي!".
+
أمال رأسه بشكل هازئ، و لم يكن ينقصه سوى أن يبتسم، و انحنى ليلتقطها من كلتا يديها بغير جهد مرددا:
+
"ابن كينغلاند لا يتعفف عن التراب، بل يتطهر من خلاله!".
30
يا الله كم كانت كلماته رائعة! و كم سرها أنه أشار لنفسه بإبن كينغلاند لا سيدها، و الذي يعني أنه يعتبر هذه الأرض سيدته و أمًا له أورثته صلابتها و جمالها المتوحش، شد على يديها للحظات، و غرق في تأمل أمواج عسليَّة تهرب من الشمس لتتلاطم داخل عينيها! استيقظ من تأملاته، و قال فجأة:
1
"أنظري هناك!".
+
التفتت حيث يشير، و تابع هو قائلا:
+
"تلك الرقعة خالية من الزهور البرية، و من النباتات تقريبا، أنتِ مزارعة... ما رأيكِ بها؟".
+
"يجب أن أبدي رأيي عن نظرة بينة".
+
حرك رأسه في صمت، مشاطرا إياها الفكرة، و واكب خطواتها نحو المكان المنشود، أين تنبسط الأرض أكثر، و تقل الحشائش طولا و غزارة، و يغدو التراب أشد حمرة و خصوبة.
+
"الأمطار الأخيرة جعلتها أفضل و أنسب للزراعة!".
+
أردفت ماريغولد يحدوها الأمل:
+
"حتى إن كانت بورًا، سأرويها بالحياة، قد أزرع الفواكه كذلك، ستشيع الفيء و العطور الشذية، أتخيل منظرها، ألن تعارض؟".
+
هز كتفيه معقبا بتؤدة:
+
"إنها أرضكِ، وحدكِ تقررين ما ينمو عليها".
+
أجالت ماريغولد بصرها فيها، و علقت بعذوبة:
+
"إنها قلبي، ما دام قلبي ينبض، فستنبض هذه الأرض مثله!".
3
رمته بنظرة ساحرة مستطردة:
+
"إنها قلبكَ كذلك! تبدو كينغلاند بأسرها هكذا في عينيك".
+
تحرك شيء في جوف هارولان، الريح أثقلت أذنيه بصوتها الملحون، و أسكرت أنفه بعطرها المرغوب، العاطفة المشبوبة التي تطل من ضحكاتها و غمزات عينيها و كلماتها شدته نحوها، دنا منها و عقله الباطن يسوِّل له قبلة مسروقة أو حضنا خاطفا، لكن اللعنة! كل ما قام به هو إمساكه بساعدها كشخص بليد، و تمتمته ببرود:
40
"فلنعد أدراجنا، الشمس ستصبح أشد ضراوة!".
12
نهاية الفصل التاسع عشر.
+
