رواية اسيرة عشقه المميت الفصل التاسع عشر 19 بقلم حبيبة خالد
وووووو تقدم منها بخطوات بطيئة يزيح بيده وسادة ملقاة على الأرض وعيناه لا تفارق عينيها:
— بقى عايزة تنيميني في أوضة تانية يا ميساء... وكمان بتشجعي العيال عليا ده انتي اتغيرتي خالص
ميساء رفعت ذقنها بتحد رغم الرجفة التي سرت في جسدها:
— أيوه عشان تتعلم إنك لما تتمادى هيكون فيه عقاب وبعدين ماري ومريم وحشوني واللعب معاهم أرحم بكتير من مناقراتك ده انت رخم صح اي ده
رؤوف وصل لحافة السرير وانحنى بجسده الضخم فوقها حتى أصبح وجهه لا يفصله عن وجهها سوى إنشات قليلة وهمس بصوت رخيم يقطر تملكاً:
— اللعب معاهم أرحم... ماشي يا سلطانة قلبي.. بس أنا مش طفل عشان يتعاقب بكلمتين.... أنا المعلم رؤوف وعقابي بيكون من جنس العمل
فجأة وبحركة خاطفة سحب الغطاء من فوقها ليرتفع جسدها معه بشهقة قصيرة قبل أن يحيط خصرها بذراعيه ويجذبها إليه لتستقر في حضنه دفن وجهه في عنقها مستنشقاً عطرها الذي يجننه وهمس بجانب أذنها:
— ااااااخخ بلاش تلعبي بالنار يا ميسو.. عشان النار دي مش بتحرق غيرك في الآخر.. والنهاردة مفيش حد هينقذك مني لا ماري ولا مريم كل يوم بتعملي حاجه تجنن من التانية وفي الاخر بتزعلي
استسلمت ميساء لسطوته ويدها التي كانت تنوي دفعه استقرت فوق كتفه العريض وهمست بضعف:
— أنت فظيع يا رؤوف.. مش بتديني فرصة حتى أزعل منك بجد
ابتسم رؤوف بانتصار وطبع قبلة طويلة على جبينها قبل أن يحملها ليعيد ترتيب عالمهما الخاص بعيدا عن هذ الفوضى
في تلك الأثناء في الجناح في الطابق السفلي..
كانت رفيف تقف خلف الباب تفرك يديها بتوتر وعيناها تلمعان بدموع حبيسة وهي تتلفت حول الغرفة الكبيرة الغريبة عنها الجناح فخم هادئ ومريح لكنه بالنسبة لها متاهة موحشة لأنها لأول مرة ستنام في غرفة منفصلة
خرجت من غرفتها بخطوات مرتعشة تمشي على أطراف أصابعها ببطء في الممر الطويل حتى وصلت لغرفة سلطان طرقت الباب طرقات خافتة تكاد لا تسمع وصوتها يخرج مرتعشاً:
— أبية.. يا أبييية.. أنت نمت
داخل الغرفة كان سلطان قد خلع جلبابه وارتدى قميصاً قطنيا مريحا وكان يهم بالاستلقاء حين سمع صوتها تنهد بضيق ممزوج بحنان يداريه دائما وقام فتح الباب بطلته المهيبة:
— جرى إيه يا بت عمي.. إيه اللي مطلعك من فرشتك في الواقت ده.. عيل صغير خايف من البعبع عاد..
رفيف أول ما شافت عينه بربشت بدموعها ومسكت في
طرف قميصه زي الطفلة:
— مابعرفش يا أبية.. مابعرفش أنام والحيطان دي غريبة عليا الدار كبيرة قوي يا أبية والضلمة هنا واعرة استنستك تيجي ومجتش وبعدين انت عارف مبعرفش انام عند حد غير دارنا...خليني أنام جنبك زي ما كنا في دارنا والله ما هطلع صوت واصل
سلطان حاول يشد ملامحه بقسوة مصطنعة:
— رفيف إحنا هنا في مصر في دار جابر المعلم.. عيب في حقنا وحقك يقولوا إيه واعية لسنك ولا لساتك في الكتاب
رفيف بدأت تشهق بصمت:
— ماليش صالح بمصر ولا بدار المعلم.. مابينامش عيني إلا لما يدك تطبطب على راسي وتجرا لي قران.. بالله عليك يا أبية ما تسبنيش لحالي قلبي واجعني وخائفة انام لوحدي علشان خطررري
سلطان الجبل اللي ما بيهتزش انكسر قدام دموعها تنهد بعمق وسحبها من إيدها ودخلها الغرفة وقفل الباب:
— ادخلي يا آخرة صبري.. ادخليي
أشار لها على الكنبة الكبيرة الموجودة في ركن الغرفة لكن رفيف جرت على سريره وارتمت في ركنه البعيد وتغطت باللحاف لحد عينيها وهي بتبصله برجاء وضحك وبتطلع لي لسانة وبتغيظه
سلطان هز راسه بيأس وقعد على طرف السرير وبدأ يمرر إيده الخشنة على شعرها بحنان أبوي طاغ ويهمس بآيات من القرآن بصوته الرجولي الرخيم
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
(...............................)
رفيف تدريجياً بدأت أنفاسها تهدا وعينيها تغفل وهي ماسكة في صباعه بقوة وكأنها بتقول للعالم كله أنا في أمان ما دام أبية هنا وبيطبطب عليا سلطان فضل باصص
لوشها الهادي وشرود غريب في عينه
**********
في الصباح اليوم الثاني الفيلا كانت بتغلي من الحركة سراج مشي بدري يخلص ورق وشغل وحجات تبع شقته ورؤوف كان بيشرف على الترتيبات الأخيرة في الجنينة مع سلطان اللي كان واقف لابس عباية بيضاء وشاله على كتفه وعينه بتراقب كل صغيرة وكبيرة مع روؤف
فجأة رفيف خرجت للبلكونة اللي بتطل على الجنينة كانت لسه ببيجامة رقيقة وشعرها مفرود وأول ما شافت سلطان تحت نادت هي مأخذتش بالها من روؤف طبعا فنادت علي سلطان بصوت عالي وعفوي :
— أبية يا أبية.. الشاي بتاعك جاهز أنزلهولك ولا تطلع تشربه اهنه؟
سلطان أول ما سمع صوتها ملامحه اتغيرة 180 درجة وبص لها ببرق عين وعيون كانت باين عليها الغضب خلى رفيف تتنفض وتدخل لجوه بسرعة وهي بتبرطم:
يا مري.. نسيت إني في مصر والناس شايفة ورؤوف واقف ي حزنك ي رفيف سلطان هيموتنيي مش هاخد في أيده ثانية ينهار حلاااااااوة
رؤوف ضحك وهو بيعدل ياقة قميصه:
— براحة على البنت يا سلطان دي لسه صاحية.. وبعدين إنت هنا في بيت أخوك مفيش حد غريب
سلطان بص لرؤوف بجدية:
— ومصر دي غير دارنا.. المهم يا ولد العم الرجالة اللي قولتلك عليهم وصلوا المطار الحساب اللي بينا وبين مدحت السكري لازم يتصفي النهاردة والناس اللي بيوقعوا بينا وبينكم مش لازم يشوفوا ضي الشمس بعد الفرح نخلص معاهم نشوفهم عاوزين ويغوروا في ستين داهية تخدهم وهما واللي شبه الطينة مدحت
رؤوف عينيه اسودت وابتسم ابتسامة مرعبة:
— مدحت السكري وقع في شر أعماله لما فكر يمس عيلة المعلم والهوارة في وقت واحد.. اجهز يا سلطان
النهاردة الفرح انا عارف هيجي النهاردة البني آدم ده لزقة ومن ساعة ما عرف إننا اتجمعنا وهو عمال يلف ويدور عايز يدخل وسطنا ويناسب العيلة بالعافية
سلطان نفخ بضيق وهو بيعدل شاله:
— مدحت ده راجل مراري كلامه كتير وفعله قليل وأني مابحبش الواد اللي بيتمسح في الرجالة ده عامل زي النسوان ده لو جه وفتح بقه بكلمة ماسخة هخليه يروح بيته ماشي على إيده مش على رجله هخلي منسون
رؤوف ضحك:
— هدي نفسك يا ابن الهواري إحنا في فرح.. خليه يجي يتفرج على أسياده ويمشي
في الوقت ده.. ميساء وحنان وشروق كانوا في البيوتي سنتر اللي رؤوف حجزه ليهم بالكامل.. شروق كانت بتوزع بونبوني على الناس وبتقول لرفيف:
— يا بنتي فكي بقى.....من أبية بتاعك ده ماهو بعيد عننا دلوقتي.. النهاردة هخليكي أحلى عروسة صعيدية افرحي كده معانا ده انا بجد مفرحتش الا مجيت مصر مصصصصصصر اممممم الدنيااااا
رفيف بضحكة مكسورة:
— انتي عسل اوووي ومجنونة والله انا خايفة يا شروق.. أبية لو شافني باللي أنتي عايزة تعمليه ده هيسفرني الصعيد في قطر البضاعة ده هيدبحني هو مش بيقولي حاجه لما بكون في دارنا بس بره الدار بيقلب
شروق ضحكت بصخب وهي بتمسك ذراع رفيف وتشدها للمراية:
— قطر بضاعة إيه بس يا فقرية ده أنتي هتبقي بطلة الليلة.. وبعدين سيبك من أبية دلوقتي خلينا نركز في المهم النهاردة فرح سراج وحنان يعني مفيش حد يقدر يفتح بقه وفكك منه مش هيعمل حاجه متخافيش
ميساء كانت بتساعد حنان في وضع اللمسات الأخيرة وقربت من رفيف بابتسامة حنونة:
— متقلقيش يا رفيف سلطان قلبه أبيض والله بس هيبته هي اللي بتخوف.. وشروق عندها حق إنتي طالعة زي القمر فرفشي كده والله يبنتي وانا والله خايفة من روؤف انا كمان رجالة فظيعة
********
في المساء.. الفيلا في أبهى صورها الأنوار غطت الأشجار والفرش الفخم ملأ الجنينة والدي جي بدأ يزف المعازيم عملوا الفيلا شبه قاعة جابر المعلم كان واقف في الاستقبال بهيبته وجنبه زهرة اللي كانت زي الملكة بترحب بالضيوف وماهيتاب كانت واقفة متابعة كل صغيرة وكبيرة بابتسامة فخر
وزياد كان خف وواقف وبيسلم على الضيوف ويستقبلهم هو كمان وماري ومريم لابسين فساتين زي الأميرات وبيرقصوا حوالين نفسهم
ببهجة طفولية خطفت أنظار المعازيم وكل شوية يجروا على ميساء يمسكوا في فستانها وهما بيضحكوا:
— مامي.. شوفي بنرقص زي العروسة إزاي
ميساء بابتسامة ساحرة طبعت قبلة على رؤوسهم:
— زي القمر يا حبايب مامي.. روحوا لتيتا زهرة خليها تديكوا الشوكولاتة
البنات جروا بضحكهم اللي كان مالي المكان
********
خارج الفيلا في ساحة الاستقبال....
رؤوف وسلطان كانوا واقفين زي الصقور كل واحد ببدلته وهيبته اللي تخوف قبل ما تطمن.... العربيات الفخمة كانت بتنزل ضيوف من كبار رجال الأعمال وأعيان الصعيد وفجأة نزلت عربية مرسيدس سوداء وخرج منها مدحت السكري رجل أربعيني قذر بمعني الكلمة
مدحت ده كان سوسة المجتمع راجل قذر بمعنى الكلمة مشهور إنه صائد عواجيز بيجري ورا الستات الكبار اللي عندهم ثروات يتجوزهم ويشفط فلوسهم ويخليهم يكتبوا له كل حاجة قبل ما يودعوا وفوق كل ده كان عنده إصابة قديمة في إيده الشمال مسببة له شبه شلل
فكان دايماً حاططها في جيب الجاكيت بتمثيلية البرستيج عشان يداري عجزه بس حقد قلبه كان باين في عينيه وبيكره اي حد ناجح شايف نفسه يستاهل كل حاجه وأنه كل حاجه تكون لي ومينفعش حد ينافسه ا
مدحت دخل بابتسامة صفراء وأول ما شاف رؤوف وسلطان وقف يعدل ياقته بإيده السليمة وقرب منهم وهو بيتكلم من تحت ضرسه بغل كده :
— يا ألف نهار أبيض المعلم رؤوف و سلطان بيه.. ده أنا قولت الفيلا منورة ليه أتاري الأسود كلها هنا
سلطان بص له من فوق لتحت بقرف ورد ببرود يخلي الدم يتجمد:
— أهلاً يا مدحت.. منور بيك ادخل جوه البوفيه هناك كبير.. والواجب عندنا أصول بس الأصول للي يعرفها
مدحت بلع ريقه وحس بنبرة التهديد بس وقاحته غلبت عليه فدخل وهو عينه بتدور على صيدة جديدة.
******
في ركن الحريم المعازيم من الستات كانوا في القاعة المخصصة ليهم بس شروق بطلتها المشاكسة خرجت تجيب حاجة من الطاولة اللي في الممر القريب من الاستقبال مدحت السكري كان بيمشى وإيده المشلولة في جيبه وأول ما لمح شروق بجمالها الصارخ وفستانها اللي كان بيلمع وقف مكانه مسحور
شروق مكنتش عارفاه مكنتش تعرف إن ده هو نفسه مدحت اللي رؤوف وسلطان اتكلموا عليه الصبح هي شافت راجل لابس بدلة شيك بس عينه فيها نظرة مش مظبوطة
مدحت قرب منها بغلظة وبصوت ناعم ومستفز همس:
— إيه الجمال ده..... هو فيه كدة في الدنيا....ده أنا قولت الفرح ده بتاع سراج بس الظاهر إن العروسة الحقيقية تاهت مننا هنا
شروق وقفت رفعت حاجبها وبصتله بتحدي وقالت بلسانها السليط:
— جرى إيه يا أستاذ إنت تايه ولا حد غماك.... العروسة جوه، وإنت مكانك مع الرجالة بره..... ولا إنت من نوع الخفيف اللي بيحب يدخل وسط الستات
مدحت اتصدم من رد فعلها وشه احمر وحاول يداري كسفته بضحكة سخيفة وقرب خطوة:
— يا حلو أنت.. بس الجمال ده ملوش حق يزعل أنا مدحت السكريي وصداقتي بالمعلم رؤوف قديمة قوي يعني إحنا أهل
شروق لوت بوزها بقرف:
— مدحت السكري الاسم لوحده يسد النفس وبعدين أهل مين يا بابا رؤوف ملوش أهل شبهك اتفضل بقى من هنا بدل ما أنادي المعلم روؤف يفرملك إيدك اللي إنت خايف تطلعها من جيبك دي.. الظاهر إنها محتاجة تصليح
الكلمة دي نزلت على مدحت زي السكين لأن شروق جابت التايهة وخبطت في وجعه إيده المشلولة عينه اسودت من الغل وقبل ما ينطق ظهر ظل ضخم وراه كان سلطان
سلطان كان شايف الحوار من بعيد وقرب بهدوء يسبق العاصفة وحط إيده على كتف مدحت بضغط خلى عظام مدحت تطقطق:
— جرى إيه يا دكتور مدحت الحريم ليهم مكان
والرجالة ليهم ساحة وإنت الظاهر نظرك خف
ومبقتش تميز الأبواب
مدحت لف برعب: سلطان بيه أنا.. أنا كنت بس بسلم على الآنسة مكنتش أعرف إنها....
سلطان قاطعه بصوت رجولي قوي :
— دي شروق المعلم يعني ظلها برقبتك والآنسة مبتردش على أشكال السكري اللي زيك اتفضل ادخل جوه ولو لمحت خيالك قريب من حريمنا تاني هخلي الشلل يوصل لسانك يا مدحت وبطل لملمة شوية
شروق بصت لسلطان بإعجاب من قوتة وقالت: تسلم ي عمو سلطان ده راجل رخم قوي اووف
سلطان بص لشروق بحدة: عمووو !!!!
ادخلي جوه يا شروق.. ومشوفكيش خارجة من القاعة دي طول ما الفرح شغال.. فاهمة
شروق نفخت بضيق طفولي وفي سرها :
حاضر يا خويا حاضر ده انت طلعت فظيع علي رئي رفيف اي الرجالة دي
شروق دخلت القاعة وهي بتبرطم بكلمات مش مفهومة وأول ما شافت رفيف وميساء راحت عليهم وهي بتنهج من الغيظ:
— شوفتوا اللي اسمه سلطان ده قلب الوش التاني في ثانية عشان واحد رخم كان واقف يرمي بيض.. ده بجد فظيع زي ما بتقولي يا رفيف أنا قولت هيفرد إيد الراجل اللي شبه الزنبرك ده قدامي ده هانه والراجل اتكسف وبعدين راح مزعقلي انا كمان وقالي ادخل جوه
رفيف شهقت وحطت إيدها على بوقها:
— يا مري قولتلك يا شروق أبية سلطان لما بيقفل بتبقى ليلته واعرة... ربنا يستر وميقلبش الفرح عزا ميهمهوش حاجه والله العظيم
ميساء ضحكت وهي بتهديهم:
— خلاص يا بنات حصل خير.. المهم دلوقتي العرسان..
الصوت بدأ يعلى بره والكل مستني
لحظة الانفجار السعيد.. دخول العرسان
فجأة الأضواء كلها في الجنينة والقاعة انطفت وبدأت إضاءة سبوت لايت واحدة تتحرك ناحية الباب الرئيسي للفيلا الموسيقى الهادية بدأت تعلى تدريجيا وفجأة انفجرت القاعة بصوت زغاريد شروق وزهرة وماهيتاب
مع أغنية طلة العروسة اللي هزت المكان
من فوق السلم الرخامي ظهر سراج وهو لابس بدلة سموكن سودة شيك جداً ملامحه كانت بتلمع بفرحة مكنش قادر يداريها وبجانبه كانت حنان اللي كانت طالعة زي الحلم فستانها الأبيض الملكي المنفوش بذيله الطويل كان بيلمع تحت الإضاءة وشعرها الطويل اللي كان شروق ورفيف بيساعدوها فيها قبل شوية دلوقت بقت مفرود وراها بوقار
سراج كان ماسك إيد حنان بحرص كأنه ماسك جوهرة خايف تتكسر ونزلوا السلم ببطء وسط تصفيق حاد من الضيوف المعلم جابر كان واقف تحت السلم عينه دمعت وهو شايف بنته عروسة
رؤوف قرب من ميساء وسحبها في حضنه وهو بيهمس في ودنها:
— عقبال فرحنا يا سلطانة.. بس المرة دي هحبسك في أوضة مفيش فيها ماري ولا مريم انا وانتي بس والشيطان تالتنا احلي حاجه نتكلم بس على بعض براحتنا ووو....
ميساء ضحكت بخجل وضربته بخفة في كتفه:
— بس يا رؤوف، الناس بتتفرج استحي شوية
ميساء لفت وشها وبصت للعرسان اللي وصلوا لآخر السلم
جابر المعلم تقدم بخطوات واثقة وفتح دراعه لسراج اللي ارتمى في حضنه جابر همس في ودنه:
— مبروك ي ابني النهاردة بقيت راجل ومسؤول
صن أمانتك وشيلها في عينك انتوا الاتنين ولادي ربنا يعلم اني بعتبرك ابني ي سراج
سراج باس إيد والد حنان وبص لحنان اللي كانت واقفة زي الملاك قرب من ودن حنان وهمس بصوت دافي هز كيانها:
— أخيراً يا حنان.. بقيتي مراتي.. بقيتي حلالي يا ست البنات
حنان وشها بقى زي الطماطم وابتسمت برقة:
ربنا يخليك ليا يا سراج.. أنا مش مصدقة إننا هنا.
زياد قرب من سراج وحنان وبان على وشه التأثر وهو شايف أخته الوحيدة عروسة زي القمر سراج مد إيده وسلم على زياد بحرارة وزياد ضغط على إيده بقوة وقال بصوت رجولي فيه نبرة فخر:
— مبروك يا سراج.. حنان مش بس أختي دي حتة من قلبي وأنا واثق إنك الراجل اللي هيحافظ عليها ويصونها.. النهاردة أنا بسلمك أمانتي وأنا مطمن
سراج بص لزياد بتقدير كبير وباس راس حنان:
— في عيني يا زياد.. حنان دلوقت بقت مراتي وحلالي ووعد مني قدام الكل مفيش دمعه هتنزل من عينيها طول ما أنا عايش
حنان حضنت أخوها زياد بقوة وهي بتهمس له:
شكراً يا زياد.. شكراً إنك كنت سندي لحد ما وصلتني لليوم ده
زياد ابتسم لها بحنان وباس جبينها: ألف مبروك يا قلب أخوكي.. اتهني يا عروسة
تقدم رؤوف بخطواته الثقيلة وهيبته المعتادة والكل وسع له الطريق. وصل عند حنان اللي أول ما شافته فتحت دراعاتها بلهفة رؤوف حضنها حضن قوي كأنه بيطمنها إنه هيفضل سندها لآخر العمر وهمس في ودنها بصوت مليان حنان:
— مبروك يا نور عيني.. النهاردة أسعد يوم في حياتي وأنا شايفك ملكة في بيتك سراج أخويا وعارف إنه هيشيلك في عينه بس لو زعلك في يوم
باب أخوكي رؤوف مفتوح لك قبل أي حد
حنان عيطت من الفرحة وهي في حضنه:
ربنا يخليك ليا يا رؤوف.. لولاك مكنتش وصلت للي أنا فيه النهاردة، إنت مش بس أخويا إنت أبويا وسندي.
رؤوف باس راسها وبص لسراج وضغط على إيده:
أمانتي عندك يا سراج
سراج رد بصدق: في نني عيني يا رؤوف
ميساء بجمالها الهادي قربت وحضنت حنان:
— ألف مبروك يا حنة.. طالعة زي القمر ربنا يسعدك يا حبيبتي ويرزقك بالذرية الصالحة
شروق بجنانها المعتاد فضلت تزغرد وترقص حواليهم وهي بترمي البونبوني:
— أيوة بقى يا حنان أهو سراج وقع وما حدش سمى عليه.. النهاردة ليلتنا وهنولعها رقص للصبح
زهرة بابتسامتها الأمومة الحنونة مسكت إيد حنان وقرأت عليها المعوذات:
— ما شاء الله يا بنتي.. الله أكبر في عين كل حسود
يا قلب أمك يا حنان.. النهاردة كأني اتولدت من جديد وأنا شيفاكي بالأبيض في بيت الراجل اللي اختاره قلبك.
ربنا يرضى عنك ويسعدك يا بنتي ويجعل أيامك كلها هنا وسرور.
حنان باست إيد والدتها وهي بتعيط: "
دعواتك ليا يا أمي.. لولا دعاكي مكنتش وصلت للسعادة دي في الوقت ده، ماهيتاب قربت بطلتها الشيك وابتسامتها اللي فيها فخر ومسحت دموع حنان بمنديل حرير وقالت برقيّ:
— خلاص يا زهرة مش عايزين دموع دلوقت النهاردة يوم الفرح مبروك يا حنان يا حبيبة خالتك.. سراج طول عمره ابن أصول ودلوقت بقى هو السند والظهر ليكي بعد رؤوف وزياد
ماهيتاب كملت كلامها وهي بتبص لسراج بنظرة فخر:
— خد بالك منها يا سراج حنان جوهرة وإحنا مأمنينك عليها عشان عارفين إنك قد الشيلة
سراج هز راسه بوقار: في سواد عيوني يا ست الكل
الفرح كان شغال على آخره والكل مندمج في الرقص والبهجة ماري ومريم كانوا بيلفوا حوالين حنان بفساتينهم البيضا المنفوشة كأنهم فراشات صغيرة وزهرة عينيها منزلتش من على بنتها وهي بتقرأ في سرها الرقية الشرعية عشان تحفظها من أي عين صابتها.
لكن بعيد عن الأنوار دي كلها كان فيه سلطان
سلطان كان واقف ساند ظهره على عمود رخامي عينه مش على العرسان عينه كانت بتدور على رفيف.
رفيف كانت واقفة مع ميساء وشروق بتضحك بكسوف وهي شايفة الفرحة اللي في الفيلا. فجأة حست بنظرات سلطان اللي بتخترقها رفعت عينيها وشافته سلطان شاور لها بعينه بهدوء إنها تروح له
رفيف مشيت وسط الزحمة لحد ما وصلت عنده وقفت قدامه وهي بتفرك إيديها:
— نعم يا أبية
سلطان وطى صوته لدرجة الهمس عشان محدش يسمعهم وسط الدوشة:
— مش قولتلك تدخلي جوه إيه اللي موقفك اهنه في وش المعازيم والرجالة ده عينيها بتلف زي الحنش مش سايبه حد تجريبي تدخل جوه
رفيف بلعت ريقها: يا أبية والله كنت واقفة مع ميساء وشروق مكنتش لحالي واصل
سلطان ملامحه لانت لثانية وهو شايف خوفها بس رجع شدها تاني:
— شروق مجنونة وميساء في حضن جوزها لكن إنتي لساتك كتكوت ميعرفش الصقر من الغراب ادخلي يا رفيف امسحي اللي على شفايفك ده وادخلي اداري جوه مش عايز حد يشوف خيالك طول ما الغريب في غريب
حسابك عمال يتقل معايا جوووي
رفيف ببرطمة خفيفة: حاضر يا أبية.. أمرك
الأنوار هديت خالص، والـ سبوت لايت الأبيض ركز بس على سراج وحنان سراج سحب حنان من وسط الدايرة براحة ولف دراعه حول خصرها بتملك وهي حطت إيديها المرتعشة على كتافه ودفنت وشها في صدره سراج كان بيتحرك بيها ببطء على أنغام أغنية (من أول دقيقة )وكان بيشم ريحة عطرها اللي جننه
سراج ميل راسه وهمس في ودنها بصوت واطي ومنخفض جداً صوته كان طالع فيه " بحة من أثر الفرحة:
— عارفة يا حنان.. أنا النهاردة حاسس إني مش على الأرض الفستان ده مكنش المفروض يلبسه حد غيرك الأبيض عليكي مش مجرد لون ده كأنه نور طلع فجأة في حياتي أنا النهاردة بقيت ملك عشان أنتي بقيتي ملكتي
حنان شهقت بصوت واطي ورفعت عينيها اللي كانت بتلمع بالدموع وبصتله سراج ضغط على خصرها بقوة طفيفة وقربها منه أكتر وهمس تاني:
— من أول يوم شوفتك فيه في وأنا قولت البنت دي خطفت قلبي من غير استئذان كنت بحاول أبان تقيل بس من جوايا كنت بتقطع عشان اللحظة دي. النهاردة يا حنة أنتي بقيتي حلالي مراتي على سنة الله ورسوله.. يعني مفيش مخلوق يقدر يمس طرفك طول ما أنا فيّ النفس أنتي أمانتي يا ست البنات وأنا صاين الأمانة بعمري كله
حنان ردت عليه وهي بتضغط على كتافه بكسوف ورقة:
— أنا كنت بدعي ربنا كل يوم يخليك من نصيبي يا سراج.. كنت بخاف أحلم بيك ليكون الحلم بعيد بس النهاردة أنا في حضنك بجد. أنا ماليش سند غيرك بعد ربنا وأخواتي وامي وأبويا
سراج ابتسم ابتسامة من اللي بتدوب القلوب وباس جبينها بوسة طويلة وهادية قدام الكل وكمل همسه:
— أنا سندك وضهرك وأمانك يا حنان لو الدنيا كلها جت عليكي أنا الحيطة اللي هتسندي عليها ارفعي راسك يا عروسة النهاردة ليلتك وأنا النهاردة أسعد راجل في الدنيا عشان بقيتي نصيبي
في اللحظة دي سراج شدد قبضته على خصرها ولف بيها لفة هادية ومحترفة وخلى شعرها الطويل يطير وراها بمنظر خيالي خطف أنفاس المعازيم.
بعد ما خلصت الرقصة السلو اللي خطفت القلوب سراج طبع قبلة أخيرة على إيد حنان وهو لسه مش مصدق إنها بقت معاه فجأة الإضاءة اتغيرت تماماً والدي جي فجر المكان بصوت قوية أعلنت إن وقت الجنان بدأ بجد
والدي جي صرخ في المايك بصوت حماسي:
كله يوسع للمعللللم... الفرح ده فرح عيلة المعلم يعني ملوش زي ارمي السلام لسراج وعروسته.. ويلا بينااااا!
أضرب تعظيم سلام للشباب اللي منورة الساحة
وسراج وزياد سيطروا على الساحة رقص وجنان
الشباب شالوا سراج وزياد على الأكتاف وبقوا يحدفوهم للسما وسط الشماريخ والدخان اللي غطى المكان والكل بيصرخ: عاش يا وحوش الساحة
وزياد وهو فوق الأكتاف لمح مدحت السكري واقف وشه أصفر ف شاور له بصباعه رقم واحد وغمز له بسخرية وكأنه بيقوله: موت بغلك.. إحنا الأسياد.
وصوته طالع مع الأغنية:
— أندال أندال أندال.. والساحة للجدعان ولاد المعلم أسياد
فجأة الموسيقى الشعبية هديت ودخلت دقة مزمار صعيدي حرشة تخلي الدم يغلي في العروق سلطان كان واقف بهيبته الصخرية عدل شاله وتقدم لوسط الساحة بخطوات جبل مبيتهزش
رؤوف شاف نظرة سلطان فـ ضحك وفهم الفولة.. خلع جاكيت البدلة ورماه لزياد ببرود وشمر أكمام قميصه الأبيض وبص لسلطان بتحدي سلطان مسك عصايته الأبنوس ولفها في الهوا بخفة يد جبارة وصاح بصوت جهوري:
— يا ولد العم.. مصر منورة بناسها بس الصعيد أصوله مابتتنسيش.. تلاعبني ولا الهيبة خفت مع القميص والبنطلون
رؤوف خد عصاية من أحد رجالة الهوارة ووزنها في إيده باحترافية ورد بضحكة زلزلت المكان:
— الهيبة في الدم يا ابن الهواري.. والقميص والبنطلون مايخبوش المعلم
بدأ المزمار يعلى وصوت الطبل البلدي يدق في الدماغ سلطان ورؤوف بدأوا يلفوا حوالين بعض في دايرة واسعة عيونهم صقور مابتبرمش فجأة سلطان هجم عصايته لفت وصفرت في الهوا ونزلت على عصاية رؤوف اللي صدها بقوة خلت الخشب يطقطق
الكل كان واقف مبهور ميساء حاطة إيدها على قلبها وهي شايفة رؤوف بعضلاته البارزة بيتحرك بمرونة جبارة ورفيف كانت بتبص لسلطان بذهول وكأنها أول مرة تشوف سلطان الهواري اللي بيرعب الصعيد بكلمة وهو دلوقت بيرقص بالعصايا كأنه بيكتب تاريخ
سلطان لف بالعصاية ونزل لتحت وحاول يضرب رجل رؤوف، بس رؤوف نط في الهوا ببراعة ورجع لورا وهو بيلف العصاية فوق راسه بسرعة تخطف العين وصوت تصادم الخشب بقى هو اللحن الوحيد اللي بيسمعه المعازيم بذهول
سلطان وهو بينهج بقوة وابتسامة نصر:
عفارم عليك يا رؤوف.. لساتك وحش
رؤوف رد وهو بيصد ضربة تانية ويغمزله بمكر:
تلميذك يا سلطان.. بس التلميذ النهاردة عايز يغلب الأستاذ في داره ما انت اللي كنت معلمهالي
شروق كانت بتصوت بذهول:
يخرب بيت الهيبة دول بيحاربوا مش بيرقصو وزياد وسراج كانوا واقفين يسقفوا بحماس،
والرجالة الصعايدة بيضربوا نار في الهوا تعظيما اللي بيعلموا الكل يعني إيه أصول
في اللحظة دي سلطان ورؤوف وقفوا قصاد بعض العصايتين مشتبكين في الهوا بضغط جبار وعيونهم بتلمع بفخر
انتهت الرقصة بحضن قوي بين رؤوف وسلطان هز الفيلا وسلطان بص لرفيف اللي كانت واقفة بعيد وعيونها بتلمع بفخر فعدل شاله بوقار وكأنه بيطمنها إن أمانها لسه واقف على رجله.
بدأت أنوار الفيلا تخفت والهدوء يحل مكان الزيطة والمزيكا وكأن المكان بيستعد للحظة الفراق المعازيم انسحبوا ومبقتش غير العيلة
حنان كانت واقفة في نص الصالة بفستانها الأبيض وشها اللي كان منور بالفرحة دلوقت غيم بدموع الوداع قربت من أبوها جابر المعلم ارتمت في حضنه وفضلت تعيط زي الطفلة وجابر كان بيطبطب على ضهرها بإيد مرتعشة وهو بيحبس دموعه:
— خلاص يا حنة.. كبرتي وبقيتي عروسة وهتفتحي بيت.. شيلي سراج في عينيكي يا بنتي هو دلوقت أمانك وسندك
راحت لزهرة اللي كانت بتبكي بصوت مكتوم وهي بتعدل لها طرحتها وتشم ريحتها:
يا ضنايا يا حنان.. البيت هيفضى عليا يا بنتي ربنا يسعدك ويهنيكي
وودعت خالتها ماهيتاب بكسرة قلب وماهيتاب بكلماتها الرقيقة كانت بتصبرها وتطمنها.
أما اللحظة اللي هزت الكل،
لما حنان وقفت قدام رؤوف وزياد.. رؤوف سحبها لحضنه حضن قوي لدرجة إن عظامها طقطقت، كان بيضمها كأنه بيودع حتة من روحه وهمس في ودنها بصوت مكتوم من الأثر:
— دمعة واحدة من عينك يا حنان تزلزل الدنيا وتحتها رؤوف.. سراج أخويا بس إنتي بنتي اللي ربيتها
روحي يا نور عيني بيتك منور بيكي
وزياد راح وباس إيدها بحنان وهو بيقول لها بابتسامة باهتة: هتوحشيني يا فقرية.. مين اللي هيناقر فيا دلوقتي مبروك يا ست البنات
سلمت على ميساء وشروق بحضن طويل وكأنهم بيتعاهدوا إن اللمة دي مش هتتفض وودعت رفيف اللي كانت بتبكي معاهم بتأثر كبير سراج قرب بوقار وباس رأس حماته وحماه ومسك إيد حنان اللي كانت بتترعش وهمس لها:
كفاية عياط يا قلب سراج.. أنا أهلك كلهم دلوقتي وسحبها وخرجوا لتبدأ رحلة شهر العسل
