رواية الغضب الاسود الفصل الثامن عشر 18 بقلم الكاتبة كوين اسمهان
الفصل 18|كيفما شئتِ!
حين رفعت ماريغولد جفنيها وجدت أن نور الصباح المشرق يشاركها الغرفة، أزاحت اللحاف منزلة ساقيها عن الفراش، و نظرت إلى نفسها بحيرة، إنها لا تزال بثوب الحفل الأحمر! حاولت تذكر ما حدث أمس، فشهقت باضطراب:
5
«رباه! من الواضح أنني فشلتُ في مقاومة ذلك النعاس فنمتُ أمام مكتبه! و لكن... من حملني إلى هنا؟».
+
تنهدت مستطردة و شعور غريب يولد في قلبها:
+
«من غيره يمكن أن يفعل؟».
3
أخذت حماما منعشا، و جلست تمشط شعرها قبالة المرآة مفكرة في تهربه منها بعد الحفل، أحزنها أنها لم تتمكن من الإطراء على ما قام به لإسعاد سكان مزرعته، لقد اكتشفت أنه إنسان معطاء، يمكنه أن يمنح دون مقابل، و أن يسعد القلوب بنفس تلك الأشياء التي تناقض سواده. دُهِشت لتغير نظرتها إليه مع تقدم الوقت، مررت أصابعها على برواز الصورة الذي صنعه لها، أنامله نحتت هذا الشيء ببراعة فذة، رغم غضبه القاتم... فإن له روحًا تفهم الفن! التقطت وردة الأوركيد البيضاء و جعلتها ترقص ملتفة حول نفسها بين يديها، ها قد بدأت بالذبول، لكنها لا تزال عابقة بعطر خاص، بهذه الوردة عرفت أنه سمع حديثها عن رمزية الأوركيد الأبيض في المطبخ، و اتخذه وسيلة ليعتذر و يعبر عن ندمه، و كم كان ندمه حقيقيا و اعتذاره راقيا، فأجمل الرسائل لا تمتطي الألسن، و لا ترتدي الكلمات؛ و إنما تأتي في حُزمٍ صامتة، و باقات هادئة، كالورود و الموسيقى... أو حتى النظرات!
23
رتبت ماريغولد شعرها على كتفيها جيدا، تأكدت أنها وظبت كل متاعها في الحقيبة، و كان آخر ما أضافته فوق ملابسها صورة أمها و الوردة البيضاء، ابتسمت و هي تشعر أنها وضعت جزءً منه هناك، و ستأخذه معها، يبدو هذا جنونيا! لكن... ربما ستشتاق لعصبية هذا الرجل و لحنانه الذي لا يظهره! تنهدت و تخلصت من منشفة الحمام لترتدي قميص «خادي»(١) زيتي اللون بأكمام واسعة، ثم دست ساقيها داخل تنورة مريحة من قماش «الروز الين»(٢) و التي يشبه لونها القشدة، و بينما كانت ستغمد قدميها داخل حذائها الرياضي الأبيض، دقَّ أحدهم الباب، فسكنت حركتها، و أجابت بروح متيقظة:
2
"تفضل".
+
لا بُدَّ أنه هو، هكذا فكرت و هي تقف وسط الغرفة ناسية أمر الحذاء، و تتأهب لتشكره على حفل أمس، و لتعتذر أيضا إزاء حماقتها حين نامت سهوًا على مصطبة مكتبه، لكن دخول السيد لي بدلا من سيد البيت المُنتظر جعل ابتسامتها تضيق، و قلبها يرتجف خيبة، متى ستتسنى لها محادثته؟
2
"آنستي، لِيونارد بانتظاركِ لتشاركيه الفطور".
2
أومأت له بصمت، ثم تبعته نحو قاعة الطعام، أين كان لِيو يترقَّبُ انضمامها إليه متحرِّقَ الشوق، لثمت خده، و اتخذت مكانها بجانبها، و بؤسٌ غريبٌ يسيطرُ على روحها، ربما لأنها لم تجده هناك أيضا، أو ربما لأنها راحلة بعد قليل، تجنبت فتح الموضوع مع الصبي و تركته يستمتع بوجبته اللذيذة، لكنها حين رافقته إلى غرفته ليرتدي ثيابًا تناسب تريضه في الحدائق، قرفصت أمامه و أخذت وجهه البريء بين كفيها متمتمة:
3
"أعتقدُ يا صغيري... أنه قد حان وقتُ وداعنا!".
12
تراكم الحزن على وجه لِيو دافنا تحت أطلاله ابتسامته العذبة، أدمعت عيناه بسرعة و هو يعقب محاولا السيطرة على اهتزاز صوته:
3
"أنا... لا أريدكِ أن... ترحلي!".
6
"لكن... عليَّ ذلك عزيزي! أمضينا معا أوقاتا رائعة، و هكذا ستكون لديك ذكريات جميلة تسترجعها كلما فكَّرت فيَّ!".
3
داعب شعرها هامسا:
+
"هل ستعودين يوما ما؟ هل سأراكِ مجددا يا صديقتي؟".
3
كان سؤالاً عاديًّا، إلا أنه أسقط في قلبها الأسى، إنها تتمنى العودة يوما ما لرؤية لِيو، و السيد لي، و هانا، و الخادمات... و المارد الأسود... و هارولان أيضا! لكنها ليست واثقة من موقف هذا الأخير، ربما لن يسمح لها بدخول عالمه مرة ثانية!
4
ضحكت محاولة جعل الوداع مرحًا:
+
"ربما! من يدري؟".
+
_____________________________________
(١): الخادي: قماش هندي يصنع من الألياف الطبيعية، و هو صيفي، و يخفض حرارة الجسم.
11
(٢): الروز الين: قماش مريح و خفيف، واسع الشهرة و الطلب خاصة خلال الصيف لقدرته على امتصاص حرارة الجسم و منع التعرق.
_____________________________________
7
انتهى مشهد وداعهما، و راحت ماريغولد بعد ذلك تودع غرفتها، و كل شبر من البيت، لتقف في النهاية على عتبة بابه مودعة الباقين، شعرت أنها على قاب قوسين أو أدنى من الإنسلاخ عن مكان تحبُّه بشدة، الله وحده يعلم كيف و متى أحبت كينغلاند بهذا العمق؟! احتضنتها الخادمات تباعا يرددن بمحبة:
7
"يحزُّ في نفسي ذهابك آنسة موران، لقد اعتدنا وجودكِ بيننا!".
5
"رافقتكِ السلامة أيتها الملاك!".
2
"زورينا قريبًا عزيزتي!".
2
"لا تغيبي عنا كثيرًا آنسة ماريغولد!".
6
قاومت هانا دموعها بصعوبة متناولة يدي ماريغولد، و هي تردد بصوتها الدافئ:
+
"ماريغولد حبيبتي، أشعر أن نزع الكلفة بيننا أفضل، فمُذ رأيتكِ أنزلتكِ في قلبي منزلة الإبنة !".
4
اغرورقت عينا ماريغولد بالدموع، شعرت أنها تنظر في عيني أمها الحقيقيتين، و تسمع صوتها فعلا، في حين تابعت هانا بنبرتها العطوفة:
2
"إعتنِ بنفسكِ جيدًا بنيَّتي!".
+
عقبَ تلك العبارة تعانقتا للحظة طويلة صامتتين، و لم تتكلم سوى الدموع، سمعت ماريغولد صوت خطوات خلفها، فاستدارت تكتشف من المُقبل، تفاجأت بهارولان يقترب، و يقفُ على بعد خطوتين منها مؤرجحا بصره بينها و بين الحقيبة التي تسحبها، و دون أن يلقي تحية الصباح، و دون أن يبدو عليه نفور ليلة أمس، خاطبها آمرًا بهدوء:
+
"أيتها الفتاة! تعالي معي إلى مكتبي!".
46
أيتها الفتاة؟ يا له من رجل غريب! لماذا لم ينطق اسمها حتى الآن كما يفعل البقية؟ هل يجد صعوبة في مناداتها بكنيتها؟ ألا يمكنه على الأقل استخدام لقب ألطف... كالآنسة مثلا! تجاوزت ماريغولد ذلك مركزة على الشق الثاني من عبارته:
3
"أرافقكَ لمكتبك! لماذا؟ هل من خطب؟".
+
ألقى نظرة سريعة على ساعته، ثم خصَّ السيد لي بإشارة غامضة بدت كلمة سر بينهما، ليردف بثقة:
+
"ستفهمين حين نصبح في المكتب!".
6
أومأت خاضعة لإرادته، و تقدمته في السير كما ابتغى، اعتلت مصطبة البيت الصغير، و انتظرته كي يفتح الباب، ففعل، و أشار لها باحترام حتى ترتاح على مقعد هناك، جلست ماريغولد تتقاذفها أمواج التساؤلات، دون أن ترسو بها على يابسة محددة! لكن فكرة ما خطرت لها فجأة، اتسعت عيناها متذكرة الشكوى، لقد نسيت أمرها تماما! لا ريب أنه لن يُخلي سبيلها بسبب ما قالته قبل أسبوع: «سأقدم شكوى بحقك! و سترى... لن يتركوا لِيو المسكين بين يديك لثانية واحدة»! بدا لها ذلك الكلام الذي تفوهت به بعيدا جدا عن أفكارها الراهنة، عجيب أمر هذا الأسبوع الذي شهد أحداثا متقلبة يستحيل تصديقها، لكنها حدثت... و غيرت نظرتها لهذا الرجل، من وحش لا يستحق وجود لِيو معه... إلى خال عظيم يَحمي... يقلق... يُسعد... و يستحق فرصة أخرى!
2
لاحظ هارولان و هو يجلس خلف طاولة مكتبه ابتسامة حلوة تتشكل على شفتيها، فاضطرب مفكرا أنها سعيدة بقرب موعد تحررها من سجنه و قسوته، زمَّ شفتيه و سألها بلا مقدمات:
3
"لِمَ أنتِ مُصرَّةٌ على الرحيل؟".
5
تخلت عن ابتسامتها، و أجابت بثبات:
+
"لأن هذا ما يجبُ أن يحدث!".
+
غاصت بنظراتها في عينيه اللتين لمعتا كالفضة، و استطردت بابتسامة عمليَّة:
+
"أشكرك على عنايتكَ بي سيد كينغ، و آسفة على أي حماقة ارتكبتها في حقك، لكن... هكذا تجري الأمور، تبدأ من نقطة ما، لتنتهي عند نقطة أخرى، و ها هي ذي نهايتنا، إنها في مطلق الأحوال نهاية مُرضية، بدأنا بالحرب... و انتهينا بالسلام!".
7
علَّق بقوة:
+
"لم ينتهِ شيءٌ بعد!".
20
"إن كنتَ قلقا بخصوص الشكوى... فاطمئن، ليست لدي أدنى نية الآن في تقديمها!".
+
حدق بها متعجبا، كأن تلك الفكرة لم تخطر له أساسا، و سأل ثانية بنبرة مطاطة:
3
"حقا؟ أتساءل عن السبب!".
+
سحبت نفسا عميقا، و قالت بصراحة:
+
"السبب هو ما رأيته خلال أسبوع مضى!".
+
ومضت مقلتاه بشكل جميل، اتكأ بمرفقيه على حافة الطاولة، و غمغم بسؤال آخر:
2
"و ما الذي رأيتِه؟".
+
عندها أصبح صوت ماريغولد مشابها لسيمفونية الطبيعة حين تعزف بحناجر العصافير أعلى كل شجرة:
+
"رأيتُ العلاقة الجميلة التي تجمعك بلِيو، أنت بطله الأول، و مثله الأعلى، أنتَ عائلته... و من المجحف أن أكسر هذه الرابطة المميزة!".
+
تعلق نظره بثغرها الذي تابع كلماته الساحرة:
+
"لقد عاملتني منذ البداية بوحشية، و مع ذلك لم أحقد عليك، و لم أشأ أن أردَّ لك الأذى، لكن... عندما كسرتَ صورة أمي، اسودَّ العالم بنظري، شعرتُ أنك أجرمتَ بحق جزءٍ مني!".
3
أذهلتها نظرة الندم الصادق التي ظهرت في عينيه، فأسرعت تضيف باسمة:
2
"لقد كِلتُ لك كلمات قاسية بدوري، تماما كما فعلتَ أنت حين ظننتَ أنني أشكل خطرا على جزءٍ منك، أنا الآن أتفهم موقفك! كنتَ تسجنني لأنني الشخص الذي قد يحرمكَ من فلذة روحك لِيو أو قد يحاولُ استغلاله لأطماعه! حين يتعلق الأمر بما نحبه يمكن أن نقسو فنؤذي، لكن الفرصة تبقى دائما سانحة أمامنا... لنضع فوق الأذى بلسمًا!".
2
تركت مقعدها مستطردة:
+
"لذا لا حاجة بك للقلق! أعتقدُ أن لا مانع من ذهابي الآن".
+
"لستُ قلقا بشأن الشكوى، و ليس هذا ما أريد محادثتكِ بخصوصه".
1
أردف هارولان بهدوء:
+
"اجلسي! فنحن لم نناقش الموضوع الأهم".
6
أطاعته، و تساءلت مستغربة:
+
"لا أفهم! ظننتُ أن رحيلي هو الموضوع... و بالأخص الشكوى!".
+
استرخى هارولان في جلسته فشعت حوله هالة مذهلة من النفوذ و القوة، تلاعبت أصابعه بعلاَّقة مفاتيح أمامه، و قال موضحا:
+
"الشكوى لم تقلق بالي منذ البداية، لا أتوقعُ أن أي جهة قانونية قد تتحرك ضدي مهما كان وزنها في البلاد، لا تنسي أنني هارولان كينغ... المتحكم باقتصاد أستراليا منذ سنوات!".
22
ابتلعت ماريغولد ريقها، قبل أن يتابع قوله متخليا عن مقعده:
+
"سجني لكِ في ذلك الاصطبل كان سببه الوحيد هو جرأتك، فبينما يرتجف مني الرجال حتى في غيابي، وقفتِ أنتِ أمامي بكل شجاعة و تحدَّيتني دون رجفة واحدة! أردتُ كسرَ كبرياءك، و إذ بي أكسر ذات ليلةٍ شيئا آخر لا يستحقُّ الكسر!".
4
ابتسمت و قاطعته بلطف:
+
"لكنك رممت ذلك الشيء... أعني... روحي!".
12
لاذ بالصمت للحظات، و عيناه لا تفارقان تبسُّم ثغرها الصغير، لكنه سيطر على نفسه، و غير دفة الحديث قائلا بلهجة عمليَّة:
+
"كما قلت منذ قليل... لم نناقش بعد المسألة الأهم!".
1
لاحقته بعينيها و هو يلتفُّ حول الطاولة، و يجلس قبالتها، فسألته:
+
"و ما هي هذه المسألة؟".
+
قال دون مواربة:
+
"مسألة بقائك بالمزرعة".
7
رفعت حاجبيها مصححة له:
+
"تقصد مسألة رحيلي من المزرعة!".
+
"أنا لا أقصد إلا ما لفظته حرفيًّا! رحيلكِ من هنا لن يتحقق".
10
قلقت من كلامه فتمتمت واجمة:
+
"هل ستعود لاحتجازي؟ أ لن تتخلى عن محاولة كسر كبريائي؟".
+
استقام واقفا و رنا إليها مجيبا:
+
"لا أحب تكرار كلامي، لذا إحفظي جيدا التالي... لن أكسر فيكِ أي شيء من هنا فصاعدًا... لا كبرياءكِ... و لا روحكِ... و لا أي شيء آخر!".
12
حاولت التعقيب، غير أنه سبقها إلى القول مشعلاً سيجارة:
+
"أخبريني أولا! إلى أين ستذهبين إذا تركتِ كينغلاند؟".
8
شحب وجهها، و هربت بعينيها إلى الأرض، كيف فاتها أن تفكر في شيء بالغ الأهمية كهذا؟ لم يعد لديها مكان تذهب إليه! ربما أسوء ما قامت به في حياتها هو إتباعها نصيحة أوليفر و بيعها بيت طفولتها لدفع تلك الديون المتراكمة، مهلا! يمكنها أن تستأجر غرفة عند جارتها إيريكا لوريل، أجل! تلك المرأة الطيبة سترحب بها حتما. حدق فيها هارولان بحدَّة، لماذا تبتسم مجددا لأفكارها الغامضة؟ هل تفكر فيما يفكر يا تُرى؟ سحق سيجارته تحت حذائه دون أن يكملها، و سألها بفظاظة غريبة:
3
"هل ستقصدين بيت ذلك الشرطي؟".
20
استهجنت ماريغولد هذه الحشرية التي يتحدث بها، ربما يتحكم هذا الرجل باقتصاد البلاد... أو حتى العالم، لكن لا شأن له بحياتها الخاصة، صرفت أسنانها، و ردَّت بخدين متضرجين:
2
"أفضُّل الموت على اللُّجوء إلى شخص خذلني و تخلى عني بمنتصف الطريق!".
5
ضاقت عينا هارولان، و سأل فورا:
+
"اللجوء! و لِمَ عساكِ تلجئين إلى أي كان؟".
11
أدركت ماريغولد أنها ارتكبت هفوة حمقاء، إن اكتشف السيد كينغ أنها بلا مأوى، فلن تغفر للسانها هذه الزلة أبدا، عمل عقلها بجهد لاختراع كذبة بيضاء تنجدها من هذه الورطة، لكن رنين الهاتف هو الذي حفظ ماء وجهها! عبس هارولان و ضرب بذلك عرض الحائط، غير أن ماريغولد أصرت عليه كي يجيب:
2
"قد يكون أمرًا طارئًا!".
+
رمقها بحدة محاولا سبر أغوارها، ثم قرَّرَ أن يرفع السماعة أخيرا، و قال بلهجة باردة:
+
"هارولان كينغ على الخط".
+
تسرب إليه صوتُ قائد القطيع الحادي عشر آدم روس مضطربًا:
+
"أيها المعلم، وافِنَا عند منعرج نهر «دونيللي» الثالث، يجب أن ترى ما اكتشفناه هنا!".
1
"أنا مشغول حاليا!".
+
ألحَّ آدم:
+
"لو لم يكن الأمر يخص قطعاننا و كينغلاند برمَّتها لما أضعتُ وقتك بهذا الاتصال أيها المعلم!".
+
حدس هارولان خطورةً ما تترصدُ بمستقبل قطعانه و أرضه، فأغلق الخط مصمما على الذهاب إلى النهر و اكتشاف المصيبة بنفسه، وضع قبعته السوداء على رأسه، و قال لها قبل مغادرته:
+
"انتظريني في البيت، سٱعالجُ أمرا مهما و أعود لنكمل الحديث الذي بدأناه!".
11
وجدت ماريغولد أن انتظاره يعني طرقه الموضوع الذي لا تود كشفه، إن بقت سيسألها مجددا عن وجهتها، هي ليست مستعدة لتسمح له بتعاطي وضعها المادي السيء، ستستأجر غرفة في مكان ما، ستعمل بجد لتكسب قوتا يكفيها العيش بكرامة، لكنها لن تتسول شفقة أحد! تركت بيت المكتب، سحبت حقيبتها خلفها و سارت باتجاه أرض المركبات، و هناك خاطبت أحد قائدي شاحنات العلف غاري ويبر قائلة:
+
"مرحبا! هل بإمكانكَ إيصالي إلى أقرب محطة مواصلات من المزرعة؟".
+
حرر غاري رأسه من القبعة، فبرزت سمرته أكثر، و لمعت عيناه الرماديتان تحت شمس الصباح القوية حين قال:
+
"بكل سرور آنسة موران!".
+
استغربت ماريغولد معرفته لها، ثم تذكرت أنه كان بالأمس في الحفل، و قد بدا متيَّمًا بساري و لم يستطع إبعاد ناظريه عنها طوال الوقت! وضع حقيبتها على المقاعد الخلفية، ثم فتح لها الباب و منحها يده لتتخذ مكانها بكل احترام، و انطلق عابرا بوابة كينغلاند، مخلفا وراءه زوبعة حمراء، راقبت ماريغولد في المرآة الجانبية للسيارة كل شيء جميل في المزرعة يبتعد و يطويه الأفق! و حزنت بشدة لأنها لم تودع لِيو ثانية، و لم تنتظر هارولان ليتابعا حديثهما! لكن غاري كان مرافقا جيدا، نالت أحاديثه إعجابها، ألفته ذكيا واسع الإطلاع، و دمث الخلق بشكل محبب. أصر غاري أن يوصلها بنفسه إلى مدينة «ويندي هاربور»، و ذهبت كل محاولاتها لثنيه عن ذلك أدراج الرياح!
6
"آنستي! لا تخشي شيئا، لن يغضب المعلم، لسببين، أولا لأن لا عمل يشغل فرق النقل اليوم، و ثانيا لأنك أصبحتِ صديقة المزرعة، و لا بُدَّ لنا من تدليلك!".
15
ضحكت ماريغولد للمرة الأولى منذ بداية هذا اليوم، و أسلمت نفسها بارتياح لتأمل المناظر الخلابة خارج السيارة، مزارع الماشية التي تجاوزاها منذ نصف ساعة، ثم حقول الكروم و الحوامض الشاسعة التي فاحت بعطر العنب و الليمون، و بعد ذلك جاء دور الحضارة، أين تبدأ أذرع التمدن بالامتداد لاحتضانهما كلما اتجها جنوبا. في ظرف ساعة و عشرين دقيقة... قطعت السيارة ما يفوق الستين ميلاً، قبل أن تتوقف بطلب من ماريغولد وسط «شارع ميتشل».
+
"هذا يكفي سيد ويبر، سأسيرُ ما تبقى".
+
عبس و ردَّ داحضا الفكرة:
+
"هل يعقلُ أن أسمح بذلك؟".
2
لكنها أردفت بعناد أقنعه:
+
"ستسمح بذلك حين تعرف أن الجلوس في السيارة لأكثر من ساعة أرهقني، ثم إن بيتي قريب جدا الآن".
+
تبادلا الضحك بمرح، نقدته بالدولارات القليلة التي بقيت معها، و قبل غاري المال بعد جدال طويل، ثم ساعدها في تناول حقيبتها، و راقبها و هي تلوح مبتعدة نحو طريق فرعي يقودها إلى الشاطئ الذي افتقدته طيلة أسبوع، أسبوع واحد فقط مرَّ كدهر! نزلت درجًا طبيعيا شكلته الصخور البرونزية العتيقة التي حفرتها أمواج المحيط و الرياح الجنوبية، ثم اصطدمت بمنظر لم تكن تتوقعه! ركضت غير مصدقة، ارتمت عند عتبة باب بيتها باكية، شجيرة الماريغولد... ذبلت!
7
تأمل كل من آدم روس و بقية الرعاة المنظر باشمئزاز ضاغطين بمناديلهم على أنوفهم تقززا، أما هارولان فقد ظل ينظر إلى جثة رايس مخمنًا القصة الفعلية وراء موته! هشَّ ذبابةً أزعجته، و استقام مخاطبا رجاله:
3
"لا تلمسوها دون كفوف! وجود جثة هذا الوغد في النهر لا يبشر بالخير! قد ينتشر بسببها الطاعون، يجب إبلاغ السلطات المسؤولة عن البيئة في الولاية لتطهير المياه".
+
علق آدم:
+
"الشكر للسماء أن قطيعنا لم يرتوِ من النهر، لقد سيطرنا على أفراده و سقيناهم من المياه الخاصة بنا ريثما نعود إلى المزرعة!".
2
تدخل رجل آخر معاينا الجثة من بعيد:
+
"يبدو أن التماسيح أكلت ذراعه!".
3
بصق بقرف، و أضاف ممتعضا:
+
"يستحق ميتة أسوء!".
3
لم يكن هارولان واثقا أن التماسيح هي التي افترست رايس، هناك سر خطير وراء موته، خطا بعيدا عن الرجال و هو يردد بصوت مرتفع:
3
"آدم أعد القطيع إلى أرض الحضائر، سأتولى أنا إبلاغ السلطات المعنية".
+
أقفل هارولان راجعا إلى سيارته بعدما ألقى أوامره، أمضى في مكتبه قرابة الساعتين يجري اتصالاته هنا و هناك من أجل إيقاف المضخات العملاقة التي تنقل مياه النهر إلى مزارع المنطقة، و أعلم الشرطة بشكوكه حيال وفاة رايس، لكنه لم يوجه اتهاما صريحا لآل غولدمان بخصوص ذلك، و تجنب ذكر حادثة الخطف، حتى لا يتضرر آرثر، لأنه قطع وعدا بعدم التعرض له، و لأنه أيضا كان على يقين أن هذه القذارة لا يرتكبها أمثاله، لكن رايس كان من عمال مزرعة غولدمان، و هذا ما يجعله يشكُّ في شخص آخر، و يتمتم بحنق:
2
"أظنُّ أنني أعرف من يقف خلف أعمال كهذه!".
8
انطلق هارولان باتجاه البيت باحثا عن ماريغولد، حتى في خضم كل تلك المشاكل كانت في أفكاره، استقبلته سيدني في الردهة بضحكتها المشرقة و عيونها الناعسة معلنة:
3
"سيدي! الغداء جاهز في...".
+
"اهتموا فقط بإطعام لِيو و صديقته، أعلميها أنني أنتظرها بالصالون حين تنتهي من تناول وجبتها!".
+
ظلت سيدني واقفة في مكانها تنظر إليه دون رد، رمقها بنفاذ صبر مستطردا:
+
"لا تتجمدي هكذا، نفذي الأمر!".
+
"و لكن... سيدي... الآنسة موران... غادرت منذ ثلاث ساعات أو يزيد!".
6
اشتعل غضبه، و تراجعت سيدني بقلق حين سمعت سؤاله العنيف:
+
"كيف؟ من سمح لها بالمغادرة؟ هل تركت عنوانها مع أحدكم؟".
+
انجذب بقية الخدم على رأسهم السيد لي نحو الجلبة، و اصطفوا أمام السيد المنفعل ناظرين في الأرض، لا أحد منهم تذكر أخذ عنوان الضيفة التي اقتحمت حياتهم و خطفت قلوبهم... ثم تلاشت فجأة كزبد البحر! أقبل لِيو على صوت خاله أيضا، و قال بصوته الجميل:
+
"خالي، أستطيعُ مساعدتك، أنا أعرف أين تعيشُ ماريغولد!".
8
صرف هارولان الخدم بعدما هضم غضبه، و قرفص أمام الصغير يخاطبه بهدوء:
+
"هل تعرف عنوانها حقا يا بطلي؟".
+
حرَّك لِيو رأسه بالإيجاب، و عقب:
+
"لقد روت لي قصصا كثيرة عن الشاطئ الجميل الذي تعيش قربه، تقول أنها حين تفتحُ نافذتها صباحا تشاهد ولادة الشمس الأرجوانية من المحيط المحترق!".
12
"هذا لا يكفي أيها البطل، ألم تصف لك المكان بشكل أكثر جلاء؟".
+
"بلى! قالت أن هناك ثلاثة منازل فقط على صخور الشاطئ، المنزل الشرقي الذي تزينه الورود... و عليه علامة لثلاثة كفوف... هو منزل ماريغولد!".
+
شعر هارولان أن هذه القصص الحالمة و الأوصاف الشاعرية لن تقوده إلى عنوان دقيق، فالمدن المشرفة على الشواطئ في أستراليا لا حصر لها! ناهيك عن المنازل المزينة بالورود! لكن... لا مناص من المحاولة، في استطاعته دائما أن يحاول، لمعت في رأسه فكرة، فعاد أدراجه نحو مكتبه، و تفقد تسجيلات كاميرات المراقبة، و تفاجأ بمشهد ركوبها بسيارة القائد غاري ويبر، انزعج و اطمئن في نفس الوقت، فاحترامه لغاري كبير، و ثقته به أكبر، لكن إصرارها على الرحيل خلق فيه بالمقابل إصرارا غريبا على التمسك بها!
2
رفع سماعة الهاتف، دوَّن الرقم المطلوب، و انتظر حتى أجابه صوت غاري وسط ضجيج السيارات التي تسابقه:
+
"نعم معلم!".
+
اقتحم هارولان الموضوع مباشرة:
+
"أين أوصلت الفتاة؟".
3
"ويندي هاربور".
+
"أملِ عليَّ إحداثيات أدق!".
+
تلافى غاري شاحنة ذرة مسرعة، و أردف:
+
"عُلِم! تركتها في شارع ميتشل، ثم رأيتها تنعطف يمينا في طريق فرعي باتجاه الشاطئ، هذا كل ما أعرفه".
+
جففت ماريغولد يديها و دلفت غرفة الجلوس مرددة:
+
"حسنا إيريكا العزيزة، ها قد انتهى فصل غسل الأطباق، إذن... كيف كانت الوجبة؟".
2
كان كل ما لفت السيدة العجوز المتكورة على الأريكة هو اقتراب جسد ممشوق و شفاه تتحرك، و همهمات بعيدة... بعيدة للغاية تشبه المواء! أجابت معتقدة أن ماريغولد لا تزال حزينة بشأن شجيرة جاك:
2
"قلتُ لكِ أنها ستحيا مجددا! هي بحاجة للاهتمام فحسب! إنها شجرة محاربة!".
2
أيقنت ماريغولد بحزن أن إيريكا لم تسمع جيدا ما قيل لها، تفحصت سماعاتها الطبية، و أعلنت بعد زفرة طويلة أنها تلفت و خرجت عن الخدمة، و ازدادت تعاسةً حين نظرت إلى نفسها بعجز، لو كانت تمتلك دخلا جيدا لاستطاعت اقتناء غير هذه السماعات القديمة، فقد فعلت هذه المرأة الكثير من أجلها هي و والديها، و حين كان جاك يعمل في بيع الورود طيلة النهار كانت إيريكا هي التي تعتني بها كأم حقيقية!
7
كانت إيريكا لوريل من أصول فليبينية، تبدو مجرد عجوز طاعنة في السن، ببصر ضعيف، و سمع خائب، لكن من يدقق النظر في عينيها و تجاعيدها يرى خلف جدار العمر روحًا لم تعبث بها العِلل، و شعلة أمل لم يطمسها الزمن!
+
جلست ماريغولد قرب جارتها، و هي ترتب على طرف لسانها ما ستقوله بشأن زيارتها المفاجئة، ربما لن تصدق أنها انفصلت عن أوليفر، فهي التي كانت تؤجره الغرفة العلوية، و كانت دائما تشيدُ بكياسته و دماثة أخلاقه، و لكن أين أوليفر القديم من ذلك الرجل الذي نكث كل وعوده و قسمه الإنساني بمساعدة أي كان؟ حسنا، ستتفهم إيريكا دوافعها و تساندها، إنها دائما ما تفعل ذلك! و قبل أن تنبس ببنت شفة، طُرِقَ الباب بقوة، و بالطبع كانت هي فقط من سمعت ذلك و انزعجت، انطلقت صوب الباب مستغربة، و سرعان ما تحول استغرابها إلى ذهول عميق، و مضت تنزلق ببصرها المصعوق على جسد هارولان كينغ!
19
راحت أشعة الشمس تنسكب فوق قبعته وصولا إلى كتفيه كشلال من الذهب، عيناه لامعتان بطريقة جذابة، و شفتاه مطبقتان في إشارة برود لم تلامس نظراته، شكل المحيط الأزرق خلفية ممتازة لوسامته الطاغية، رأته مثل أولئك الغزاة الذين يقتحمون القرى بحثا عن نساء يُجدنَ الطاعة!
8
"من هناك عزيزتي؟".
+
أخرجها صوت إيريكا من حلم يقضتها فتمتمت متبرِّمة:
+
"سيد كينغ! ماذا تفعل هنا؟ ما الذي أتى بك؟ و كيف عرفت عنواني؟".
+
أطاح بقبعته معقبا بسخرية لاذعة دون أن يبتسم:
+
"جئتُ لاستكمال حديث عالق! سأجيب على بقية الأسئلة في الداخل".
2
ألقى نظرة مرتابة إلى المرأة القابعة على الأريكة خلفها، و استطرد:
+
"هذا إذا كان مرحَّب بي هنا!".
3
لم تجد ماريغولد ما ترد به، فاعتبر هارولان صمتها موافقة، و دخل متجاهلا حيرتها كأنه صاحب البيت، قلب نظره في كل زاوية و غرض، ثم استل يده من جيبه كما لو أنه سيدخل بها مبارزة شرسة، بينما كانت نيته مصافحة العجوز و تقديم نفسه لها:
5
"هارولان كينغ! أنا مضطر لاقتحام البيت هكذا ...!".
+
التفت يرمق ماريغولد بنظر ثاقب، و استطرد بخيلاء:
+
"... لأثبت لأحدهم أن الهرب مني مستحيل!".
+
"أنا لم أهرب! غادرت المزرعة بشكل طبيعي".
+
"مغادرتكِ في غيابي لا تعني لي سوى هربًا!".
7
احتقن وجه ماريغولد غيظا، لماذا يتقلب هذا الرجل في اليوم مليون مرة؟ لماذا يستحيل عليها الإلمام بكل أبعاد شخصيته كما تفعل بسهولة مع غيره من الناس؟ فكرت في جواب مناسب، إلا أن إيريكا تدخلت قبلها معلقة:
+
"هذا عظيم! إذن أنتَ مديرُ ماريغولد الجديد! من الرائع أن يسمح لكِ زوجكِ بالعمل!".
11
تصلب جسد هارولان، و رفع أحد حاجبيه مكررًا:
+
"زوجكِ؟!".
12
أغلقت ماريغولد الباب هامسة:
+
"لم أخبرها بعد بانفصالي عن خطيبي، لهذا تفترض أنني الآن متزوجة!".
+
"صغيرتي، لا تدعي مديركِ يقفُ هكذا كالأغراب!".
+
تركت إيريكا مكانها، و ربتت على الأريكة مخاطبة هارولان:
+
"تفضل بالجلوس بني، ماذا تشرب؟ ماريغولد تفضل القهوة دائما... و أنت؟!".
2
لاحظ أنها تعاني مشكلة في السمع، فاكتفى بهز رأسه موافقا على القهوة، تدخلت ماريغولد لتتولى عنها ذلك، لكن العجوز أجلستها إلى جواره بعنت، اتجهت صوب المطبخ مدندنة لحنا يربطها بمسقط رأسها، لتعود بعد ثوانٍ حاملة فنجانين فقط من القهوة! تناولت ماريغولد الصينية عنها مستفسرة:
+
"عزيزتي إيريكا! ألن تشاركينا القهوة؟".
+
حركت العجوز رأسها بتعب ظاهر، و اختفت داخل إحدى الغرف قائلة:
+
"طبعا سأساعدكِ! سنعالج شجيرتكِ، لكن ليس الآن و أنا أعاني هذا الصداع! سأرتاح في غرفتي قليلا، ريثما تناقشان عملكما!".
+
راقبتها ماريغولد تنسحب مغلقة الباب، تنهدت متألمة لحالها، ثم سبقت جليسها، و سرقت رشفة من فنجانها، لتُفاجأ بطعم غير متوقع! غشا الاحمرار عينيها، و ذرفت دمعة صدمت هارولان، انحنى متأملا وجهها بقلق و سأل عن سبب هذا البكاء، ليجيبه صوتها المتهدج:
3
"يبدو أن ذاكرة إيريكا بدأت بالرحيل مع سمعها! لقد... نسِيَت أنني لا أضع سُكرا في قهوتي!".
18
أي روح تملكها هذه المرأة؟ هل تبكي من أجل جارتها التي نسيت تفصيلاً صغيرًا يخصها؟ تذوق هارولان قهوته، فاكتشف أنها مُرَّة، و في صمت مطبق... بدَّل الفنجانين، و أخذ رشفة هذه المرة من الفنجان الحلو، استاءت ماريغولد مغمغمة:
5
"لا داعي لذلك، سأتدبر أمري!".
+
"تدبرته أنا و انتهى الأمر، لدي قدرة على تحمل السم حتى!“.
11
تناول رشفة أخرى مردفا:
+
”جارتكِ سيئة في قراءة الشفاه، لكنها بارعة في إعداد القهوة!“.
6
منحته ماريغولد ابتسامة مذهلة، تأمل البريق المستيقظ في مقلتيها، و تابع باهتمام:
+
”و الآن... أريد أن أعرف لماذا أنتِ هنا؟ لِمَ لستِ هناك في المنزل الشرقي؟".
+
دُهشت من دقة معلوماته، و همست:
+
"كيف تعرف أن المنزل الشرقي هو بيتي؟ فالسيد ويبر لم يرافقني إلى عتبة الباب".
2
أخذ رشفة أخرى غير متضايق من الطعم الحلو، منتشيا بآثارها التي تركتها على الفنجان، و أردف:
+
"الفضل يرجع إلى لِيو، ثم لا تجيبي عن سؤالي بسؤال آخر! لماذا لستِ في بيتك؟ لماذا هناك شمع أحمر على قفل بابكِ".
2
تجاوزت ذلك بسؤال آخر:
+
"في ماذا أردت أن نتحدث؟".
+
"لن تنالي مني شيئا حتى أعرف قصتكِ كاملة!".
8
تنهدت ماريغولد مستسلمة، شعرت أنها بحاجة للبوح، فمضت تقول مكرهة:
+
"لم يعد بيتي، لقد بعته لرجل يُدعى «هيكتور ماكمان»، كان هذا الأخير صديقا لأبي، و صاحب المحل الذي نبيع فيه ورودنا، كنتُ أظن أنه يعامل أبي بشكل لائق، لكنني اكتشفت متأخرة أن أبي كان يُعامل رغم طيبته و خبرته في الزراعة بشكل غير إنساني، و جاء اليوم الذي طرده فيه ماكمان من المحل، و أشهر في وجهه جبلا من المستندات التي تثبت أن أبي مدين بمبالغ كبيرة له، فيما أكد أبي أنه لم يقترض منه فلسا واحدا، حاولت البحث عن وظيفة غير أن أبي رفض و واصل العمل بلا رحمة عند ماكمان، حتى انهارت صحته، و فارق الحياة!".
+
حاربت دموعها متابعة بحسرة:
+
"أقنعني خطيبي ببيع البيت، و إلى غاية اللحظة لا زلت لا أصدق أنني ارتكبتُ هذا الخطأ، لقد فرطت في أغلى ما أملك مقابل تلك المستندات!".
11
نظرت إليه مستطردة بحزن:
+
"ربما استحققتُ سجنك عقابا لي على هذا التفريط! لكنني الآن سأحاول جاهدة الوقوف على قدمي، سأمكث مع إيريكا مؤقتا ريثما أجد بيتا و عملا".
2
طال الصمت بينهما، قبل أن يبادرها هارولان معلقا:
+
"لا تفكري هكذا، ثم إن لكِ بيتا!".
+
تفرست فيه باستغراب، فشرح قائلا:
+
"ستعودين معي إلى كينغلاند، إلى تلك الغرفة التي خصصتها لكِ، و ستعملين على أرضي أيضا!".
5
أفقدتها المفاجأة القدرة على النطق مؤقتا، غير أنها تجاوزت عقدة لسانها معلقة بكبرياء:
+
"آسفة، أنا أرفض!".
9
"ترفضين!".
+
لم يستوعب هارولان كيف تفكر امرأة مثلها، فرصة العمل بأراضي كينغلاند تساوي ذهبا، و لا تعوض بالنسبة لغيرها، ملايين ينتظرون هذه الفرصة بالذات سنوات طويلة لينالوا وظيفة مثلها، ردت معتدة بنفسها:
1
"لأنك تأمرني... و لا تقدم لي عرضا للعمل!".
13
تركت فنجان القهوة، و خرجت حافية باتجاه الشاطئ عاقدة ذراعيها أمام صدرها بحزن، تبعها هارولان غير أنه وقف بعيدا عنها مقلبا كلماتها داخل رأسه، ليدنو منها بعد قليل متسائلا:
+
"ما هو أكثر شيء تجيدين القيام به في الحياة؟".
1
داعبت الأمواج بقدميها مفكرة، ثم ألقت نحوه نظرتها البريئة، و تمتمت:
+
"ربما لا أجيد سوى الزراعة! إني أزرع لأتذكر أبي و أمي، و ليبقيا حيين في قلبي".
6
"ما رأيكِ لو تقبلين العيش تحت سقفي؟ و إن كنتِ تريدين العمل... فأنا أحترم العصاميَّة و الكبرياء! إذا قبلتِ... سأجعلك تشغلين مكان البستاني الشاغر و تعتني بحدائقي كيفما شئتِ!".
13
حدقت فيه ذاهلة، هل يسألها ذلك حقا بهذا اللطف؟ تابع هارولان قوله مقتربا منها، و قد بدأت الأمواج تلثم حذاءه هو الآخر:
+
"سأخصص لكِ أيضا مساحة من مروجي لتزرعي فيها ما يحلو لكِ!".
29
طرفت بجفنيها متمتمة، تحت وطأة السحر الذي بعثه صوته:
+
"هل تعني حقا ذلك؟ هل يمكنني زراعة ما أشاء؟".
+
"بالطبع!".
+
كان جوابه دلالة على الصدق، لكنها سألته مرة أخرى بشك:
+
"هل ستوافق حتى إن كان ما سأزرعه ورودًا؟!".
+
شعر هارولان بنفسه يؤدي قفزة هائلة فوق فراغ سحيق، قفزة نحو المجهول، إنه لا يعرف ما الذي سيأتيه مع هذه الفتاة! غير أنه قال بنبرة مؤثرة:
+
"موافق! سيستفيدُ لِيو من خبرتكِ في هذا المجال، سيتعلم أشياء جديدة معكِ، و ستتقاضين راتبا مناسبا لقاء عملك، أرضي و حدائقي و مروجي... تحت تصرفكِ منذ هذه اللحظة!".
34
نهاية الفصل الثامن عشر.
+
