اخر الروايات

رواية احببت عبراني الفصل الثامن عشر 18 بقلم مريم غريب

رواية احببت عبراني الفصل الثامن عشر 18 بقلم مريم غريب

( 18 )

_ رحلة ! _

تضع "آية" رأسها بحضن "قصي" لأكثر من ساعة حتي الآن ... لم تكف عيناها عن ذرف الدموع و هي تشعر بيده التي كانت في الأغلال قبل قليل تمسح علي رأسها بحنان إفتقدت تلقيه منه

كان "إبراهام" يجلس أمامهما ممسكاً بيده كأس من الماء لأجلها ، بينما لا يردد لسانها سوي عبارة واحدة موجهة لأخيها :

-سامحني قصي . لم يكن الأمر بيدي . سامحني يا أخي . سامحني !

يصوب "قصي" نظراته الوحشية تجاه "إبراهام" ..

لولا أنه يعلم ضعف موقفه هنا علي أرض ذلك الحقير لكان قاتله بإستماتة حتي يبقي أحدهما علي قيد الحياة ، لكن للأسف ، وجود "آية" أيضاً يزيد من ضعفه علي فعل أي شيء

إلي متي يستمر هذا ؟ ماذا سيحصل الآن ؟؟؟

-هلا هدأت يا حبيبتي ! .. قالها "إبراهام" بصوته الرقيق محاولاً إلتقاط نظرات "آية"

-لا توجه إليها كلاماً يا هذا ! .. صاح "قصي" بغلظة شديدة

-لقد أتيت . لن تجسر علي لمسها مرة أخري ما دمت هنا معها . عليك أن تقتلني أولاً لتفعل

نظر "إبراهام" له و قال مبتسماً :

-لا تقلق يا فتي أنا لن أؤذيك . و بالطبع لن أؤذي أختك .. فكيف أفعل ذلك ؟ و أنا أحبها بشكل لا يستطيع أحد أن يصدقه

قصي بغضب :

-لم يطلب أحد منك أن تحبها . إنها ليست لك هل تفهمني ؟ و سنرحل أنا و هي حالاً أو تقتلنا معاً

عبس "إبراهام" و قد إكتسبت لهجته نبرات جدية :

-من الذي سيرحل ؟ لا أنت و لا هي ستخرجان من هنا . لم أحضرك إلي هنا لأطلقك مجدداً . أنت هنا من أجل أختك و ستبقي حتي ننظر في أمرك . ثم لو لم أكن قد قدمت لها المساعدة في البداية و أنقذتها من مصيرها البائس ما كنت لتجدها أبداً طوال حياتك . عليك أن تشكرني لصنيعي هذا

-هلا قلت ماذا تريد منا بالضبط ؟

-بالطبع يا عزيزي سأشرح لك كل شيء . لكن الآن أريد أن أتحدث مع أختك في أمر علي إنفراد ! .. و أشار للحارسين وراء الأخوين

إنتفض "قصي" حين شعر بالأيدي الضخمة تمسك به و تنهضه بالقوة ، أخذ يتصايح بعصبية بينما تحاول "آية" مساعدته دون جدوي :

-أتركوني . أيها السفلة الـ××××× . لن أتركك أيها الوغد . أعدك بأنني سأحصد روحك يهاتين اليدين . تذكر ذلك !! .. و راح صوته يخبو بعيداً

-إنتظري هنا ! .. هتف "إبراهام" قابضاً علي رسغ "آية"

حاولت تخليص يدها من يده و هي تقول بإنفعال جم :

-إترك يدي . أريد الذهاب لأخي . إلي أين أخذوه ؟ قل ماذا ستفعل به ؟!!

قال و ما زال ممسكاً بها بسهولة :

-الآن تخافين عليه ؟ أين كان خوفك عندما كنت تسرقين هاتفي و تحدثيه من ورائي ؟ ماذا كنت تتوقعين أن يحدث غير ذلك ؟!

صرخت فيه :

-ماذا تريد أنت الآن ؟ أخبرني ؟ إذا كان من الضروري أن تقتل أحداً فليكون أنا . لن أدعك تؤذي شقيقي أتسمع ؟!!!

شدها إلي صدره و إحتضنتها عنوة و هو يتمتم لها بلطف :

-لن أقتلك يا آية . أنا أحبك . لماذا لا تستطيعين أن تؤمني بذلك ؟ أنا أحبك . و في حياتي لن أفعل شيء من شأنه أن يجرح مشاعرك . فقط إهدأي . إهدأي و إسمعيني يا حبيبتي ! .. و جرها معه نحو أقرب كرسي

أجلسها ثم ركع أمامها ، أخذ يكفكف لها الدموع التي أغرقت وجهها و هو يقول :

-أنا ممتن للقدر الذي أوقعك بطريقي أيتها الغالية . لا أعرف ما الذي كان سيحل بي لو لم أرك و أجلبك لتعيشي هنا بجواري . و في قلبي .. أنت المرأة الوحيدة التي ملكت قلبي يا آية . أنت فقط

إستمرت دموعها في الإنهمار و هي ترد عليه بصوت لاهث متحشرج :

-هذا الكلام كله لن يؤثر فيّ . هل جننت لتظن أنني سأترك ديني لأعتنق دينك أنت ؟ و من أجل الحب و الترهات التي تقولها !!!

-بل أنا الذي أريد أن أعتنق دينك يا آية !

جمدت لبرهة ، بينما يتابع بجدية :

-هل تظنين أنت أنني لا أعرف شيئاً عن دينك ؟ بلي . أنا أعرف كل شيء . لا يوجد شخص واحد في المجتمع اليهودي يجهل شيئاً عن الإسلام . نحن ندرسه . و نعرفه ربما أكثر منكم .. لكن الأسس التربوية . و العادات اليومية و المناسبات كل ذلك من شأنه أن يولد عاطفة داخل القلب تعط مناعة ضد أي كلمة حتي لو كانت كلمة الحق . تلك الإجابة حصلت عليها من هذه الآية يا آية .. "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ"

-صدق الله العظيم !! .. هكذا صدقت من بعد تلاوته و الدهشة تعتريها كلياً

إتسعت إبتسامته أكثر و هو يستطرد بهدوء :

-لقد قلت لي المرة السابقة شيئاً عن الحسد . و في الحقيقة أنا أريد أن أعترف لك بشيء . أنا فعلاً أحسدك يا آية . أحسدك علي هذا الدين الكامل المتكامل . أحسدك علي صلاتك . علي سجودك . لو تعلمين كم مرة تمنيت خلال سنوات عمري السابقة لو أني أذوق طعم هذا الشعور . السجود . و الخضوع التام بين يدي الرب . كنت أعرف كل شيء . لكني كنت خائف . مشوش . أنا أعرف و أظن أن الكثيرون منا يعرفون أن القرآن هو الناموس الأكبر . هو المكمل للوصايا و للعهد . ما من أحداً في أحبارنا إستطاع أن ينكر ذلك تماماً . كلنا نعلم ذلك . نعلم أن هذا الدين لم يهزم حتي الآن . بل أنه اليوم أكثر إنتشاراً . كل ما ورد فيه صحيح . لم يخطئ في شيء . أنه حديث الرب فعلاً . الرب لا يخطئ . الرب لا يضل . بل نحن الضالون !

و صمت يراقب ذهولها بتلذذ ، و أخيراً تكلمت مرة أخري :

-ثم ماذا ؟! .. كان صوتها يختلج بإرتباك عظيم

تنهد "إبراهام" و قال بثغر باسم :

-أنضم إليكم . لقد سئمت عبادتي الفارغة . أريد أن أصلي . أريد أن أركع و أسجد . أريد أن أصوم مثلكم . أريد أن أذهب إلي بيت الله و أري بئر هاجر و إسماعيل . أريد أن أخضع لله . أريد أن أوهب له حياتي و مماتي . أريد أن أسلم وجهي له . أريد أن أصير عبداً حقيقياً . لا أريد أن أعصاه بعد الآن . كفاني . لن أحارب الفطرة التي بداخلي أكثر من هذا !

-أنت لا تكذب ؟! .. سألته بعدم تصديق

إمتلأت عيناه دموعاً غير مبررة و هو يرد عليها بصوت أبح :

-و الله لا أكذب !

إختلجت أنفاسها للحظة ، ثم قالت و هي تحدق في عيناه بقوة :

-إذن قلها . قلها الآن بمحض إرادتك !

إبتسم لها من جديد و قام واقفاً علي قدميه ، إستوي جيداً ثم ردد بصوت واضح ملؤه الثقة :

-أشهد أن لا إله إلا الله . وحده لا شريك له . و أشهد أن محمداً عبده و رسوله

أفلتت منها ضحكة لا إرادية ، كممت فمها بسرعة و هي تنهض واقفة مقابله ، حملقت فيه بذهول أشد و هي تقول :

-أحقاً أنت قلت ذلك ؟ أنا لا أتوهم صحيح ؟ قل لي أرجوك !

إبراهام بسعادة :

-لا تتوهمين . لقد قلتها أخيراً . بعد صراع دام لسنوات .. ثم قال مداعباً :

-هل تحبينني من كل قلبك الآن !

إبتسمت "آية" و أجابت :

-أنت تعلم أنني أفعل

-أجل أعلم ! .. و مد يداه بنية أخذها بين أحضانه

-توقف ! .. سمرته في مكانه بهذه الكلمة

-ماذا الآن ؟!

-سنكرر الأمر بالطريقة الصحيحة

عقد حاجبيه قائلاً :

-نكرر ماذا ؟

تنفست بعمق و قالت بلهجة راضية :

-سنتزوج من جديد !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

كانت المروحية بإنتظارهما ، وسط الرقعة المخصصة لها فوق البرج ...

وقف "قصي" يودع أخته ، بينما يضع "إبراهام" الحقائب بالخزانة .. طوقت "آية" خصر أخيها بشدة و هي تقول :

-بلغ العم جاسم سلامي . أعتني بنفسك . طائرتك ستقلع يعد ساعة ؟ .. و تطلعت إلي وجهه العابس

قصي يجفاف :

-نعم . هل أنت واثقة مما تفعلينه يا آية ؟ هل صدقتيه ؟

آية عابسة :

-ألم تفعل أنت ؟!

صمت "قصي" حائراً ، ثم قال :

-لا أدري . أنا فقط أشعر بالقلق عليك . كنت أريد أن آخذك معي و نعود سوياً . لماذا لم يسمح لك بذلك طالما إهتدي كما يقول ؟ بإمكانه أن يأت لزيارتك عندنا

-قصي . أنا أصدقه هذه المرة . لقد فعل الكثير ليبرهن علي صدقه .. تذكر . لا شيء يجبره علي ذلك . إنه القوي بيننا

تنهد "قصي" و قال بإستسلام :

-علي كل . لقد إستودعتك عند الله . لن تضيعي ما دمت معه ! .. و إحتضنها مجدداً

-هل فرغت لحظات الوداع أم لا ؟! .. كان هذا صوت "إبراهام"

وقف خلف "آية" مباشرةً ، نظر له "قصي" و قال بصوت أجش :

-إسمعني أيها العبراني . هل تعرف كيف نراكم في مجتمعاتنا العربية ؟

عبس "إبراهام" قائلاً :

-عندي فكرة . لكن لا أمانع أن إستمع لرأيك !

قصي بفظاظة :

-ببساطة نراكم رمزاً للنذالة و الخيانة و الـآ ا ..

-قصي ! .. هكذا قاطعته "آية" محذرة

-إبراهام لم يعد مثلهم يا أخي . و هو لم يكن هكذا أصلاً . لقد عشت معه فترة و عرفته جيداً

ألقي "إبراهام" نحوها نظرة محببة ، ثم نظر لأخيها و قال :

-لا تقلق يا فتي . أعدك أنني سأحفظ عهدي لك و سأعتني بأختك جيداً . إطمئن لن يصيبها أي مكروه معي . و الآن يجب أن تذهب مع چورچ إلي المطار . لقد أرسلت حقائبك فعلاً . ستلتحق بالطائرة بمجرد وصولك . هيا أسرع !

عانقت "آية" أخيها لأخر مرة ، ثم أخذ "إبراهام" بيدها و توجها نحو المروحية .. لوّح "قصي" لها مودعاً ، ثم إستدار مغادراً ...

-هل تخافين من الإقلاع يا حبيبتي ؟! .. أفافت "آية" علي سؤال "إبراهام"

نظرت له ، إذ كانت تجلس بجواره تماماً ، قالت بينما تعبث أصابعه بلوحة التحكم الذكية :

-لم يسبق لي تجرية ذلك ! .. كانت الرجفة واضحة بصوتها

ضحك "إبراهام" و هو يضع لها سماعتي رأس ، ثم يضع لنفسه واحدة قائلاً بمرح :

-ستجدينه ممتعاً . أعدك بهذا . و لا تخافي . فأنا طيار ماهر !

و في غضون لحظات ، إرتفع هدير المحركات و بدأت المروحية ترتفع شيئاً فشيء حتي شقت طريقها وسط السحاب و الغيوم الكثيفة ...

و كانت هذه بداية للرحلة التي أعدها "إبراهام" من أجلهما إحتفالاً بزواجهما ، بدت سعيدة إلي حداً ما .. و لكن هل سيسير كل شيء علي ما يرام كما يبدو ؟ ...... !!!!!!!!!!!!

يتبـــع ..


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close