اخر الروايات

رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل الثامن عشر 18 بقلم نورهان ابراهيم

رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل الثامن عشر 18 بقلم نورهان ابراهيم


الفصل الثامن عشر. "تنفيذ الخطة"



                                              

قبل البدء في قراءة الفصل أسألكم الدعاء لأهلنا في غزة. 


+



•♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡• 


+



جرحىٰ القلوب لا تُشفى جروحهم، لا تطيب وإن مر عليهم أزمان وأزمان. 

كيف تروي نهرًا جفَّت منابعه؟ 

كيف تنعش قلبًا ماتت دقاته منذ أمد؟ 

كيف ترسم بسمةً على شفاهٍ شوهها العبوس؟ 


+



ليس كل ما تراه عيناكَ وتسمعه أذناكَ فهو حقيقة، أعلم أن الحقيقة ربما تتوارىٰ خلف الصورة الظاهرة لكَ، فلا تخدعك المظاهر... 


+



هبَّ "فراس" من على مقعده مندفعًا وثائرًا كثوران البراكين النائمة منذ آلاف السنين ويكون انفجارها خطيرًا وغير متوقع زمانه، وصاح بلهجةٍ حادة مُستنكرة: 

_يعني إيه الكلام ده؟!!! 


+



رفع "طلال" له عينيه الرماديتين ببطء، وطالبه بهدوءٍ: 

_أهدا يا فراس وأقعد. 


+



تعصَّب "فراس" لذلك وأشار نحوه مُعنفًا: 

_إنتَ بالذات متقوليش أهدا، سامعني؟ 


+



تدخَّل "سفيان" في محاولة للتخفيف من حدة النقاش القائم بينهما: 

_هنفهمك الموضوع.... 


+



لم يعطه "فراس" المجال لإكمال حرف آخر، واستوقفه بكلامه المُتدافع من فمه كالحصى: 

_دا أنا اتصلت عليك يا أخي وكنت هموت من خوفي على الزفت طلال وإنتَ منطقتش ولا قولت إنك عارف كل حاجة ومراقبهم. 


+



أحنى "سفيان" رأسه بلا أدنى رد شفهي، فمهمة شرح الأمر للآخر ليست سهلة كما أعتقد هو و "طلال" هذا الأخير الذي هتف بتعجبٍ ظاهر: 

_ أنا قولت إنك أكتر واحد هتتفهم. 


+



ضغط "فراس" فنجان القهوة_ نصف الممتليء_ بين أنامله بعصبيةٍ، وأتى قوله كذلك متعصبًا: 

_أتفهَّم إيه يا "طلال"؟ 


+



وأشار نحوه مُضيفًا بلهجة اتهام: 

_سعادتك مخلتش فيا عقل عشان يفهم. 


+



"طلال" مُدرك فداحة ما اقترفته يداه هذه المرة في حق أحبائه الذين لن يصمتوا إن تعرض للأذى، فماذا إن كان هو الجاني على نفسه؟!! 


+



لذا ترك جِلسته غير المريحة على مقعده الذي لم يغادره من بداية الحوار واتَّجه نحوه واضعًا يده على كتفه برفقٍ يهمس في جدية: 

_خد الأمور ببساطة يا فراس وأخزي الشيطان. 


+



أزاح "فراس" يده بضيقٍ، وصرخ فيه بغضبٍ مفرطٍ: 

_كلامك بيفور دمي، ياريت تسكت خالص. 


+



وضع بعدها فنجانه على الطاولة بعنفٍ كأنه يريد كسرهما فتناثرت القهوة الساخنة على راحة يده الممسكة بالفنجان من الأعلى، لُسعت يده ولم يبالي. 


+



ونتيجة لتناثر القهوة على الطاولة حتى أن بعض القطرات لطخت بذلة "سفيان" الذي انتفض في حنقٍ بادٍ على تقاسيمه المنقبضة ووبخه بهتافٍ ساخطٍ: 

_إنتَ اتجننت ياض ولا إيه؟ 


+



ربع "فراس" ساعديه بمزيدٍ من العصبية وهو يرفع حاجبه ليرد بتحدٍ: 

_أه. 


+



في الآونة الأخيرة، تحديدًا ليلة إصابة "طلال" تكونت رابطة صداقة متينة بين ثلاثتهم، فصاروا يخشون على بعضهم، يقلق كل واحد منهم من أن يصيب الآخرين ضرر ما؛ لهذا "سفيان" يتفهم ردود أفعاله المهتاجة وهذا أيضًا ما دفعه للصمت وعدم رد الإساءة بمثلها. 


+



 

لكن "سفيان" ومع ذلك أراد أن يخفف غضبته منه فنفض بذلته الرسمية البيضاء بأطراف أصابعه وبعدها اجتذب مناديلًا ورقية يمسحها بها فوجد بقعًا بنية انتشرت عليها ففارت دماؤه في أوردته غيظًا ورمى المناديل بعنفوانٍ هامسًا من بين أسنانه الملتحمة: 

_عيل حلوف. 


+



سمعه "فراس" واشتاط لذلك وكاد أن يجري نحوه كسهمٍ منطلقٍ من قوسٍ شُدَّ خيطه، عرقل "طلال" تقدمه بيده التي وضعها على صدره وأرجأه لمكانه مستأنفًا حديثه بلينٍ يريد أن يُهدأه: 

_ سيبك منه وخليك معايا.


+



 بوجه مُحتقنٍ سأله "فراس" بنبرةٍ عدائية _نوعًا ما: 

_عاوز إيه؟ 


+



جاوبه "طلال" يبدي ندمه ورجاؤه المسامحة:

_عارف إنك مش طايقني وبتفكر إني عرضت نفسي للخطر رغم إني كنت عارف النتيجة مش كده؟! 


+



حدجه "فراس" بنظرةٍ محتدةٍ، فحينما تُكنُ الحب لأحدٍ ويُصاب بمكروه وهو عالمٌ به تغضب منه وتثور عليه وتنتفض بداخلك الرغبة في حمايته وتأنيبه، لهذا دمدم بإيجازٍ حانقٍ: 

_أه. 


+



مسح "طلال" ببطن يده من جبينه حتى شعره مع شعوره بصداعٍ بغيض ألمَّ برأسه، وراح يسترسل شرحه بشيء من الهدوء : 

_الحقيقة إني كنت متفق مع سفيان إني أساعده يوصل للي مشغل الولاد دول ومكنتش متخيل إنها ممكن توصل للطعن، سفيان كان بيتواصل معايا وكان الاتفاق إنه هييجيلي قبل ما يحصل حاجة ويقبض عليهم، لكن الوضع خرج عن السيطرة. 


+



لهذا رفع رأسه بإباءٍ وقال بنبراتٍ عنيدة: 

_ده مش مبرر بردو إنك تروح للخطر برجليك. 

لو لم يكن يهتم لأمره ما كان ليغضب منه أو يستاء، فإن أحببت أحدًا بصدقٍ لن تتوانى عن ردع كل المحاولات لإيذائه وربما ستفديه بروحك إن تطلب الأمر. 


+



و "فراس" يُضمر له احترامًا مُرفق بحبٍ أخوي نما مع الأيام والمواقف، سابقًا لم يكن يصف علاقتهما بالصداقة _ربما هذا على الأقل من وجهة نظره هو_ ولكنها أكثر متانة من مجرد صداقة، وإن أردنا الدقة فعلاقتهما مبنية على الإنسانية والإيخاء. 


+



تفشت أساطيل الألم في ملامح "طلال" المنقبضة، وشعر بقلبه ينشطر ورغم هذا استكمل وصلة اعترافاته: 

_ ولو عايز الصراحة أنا اللي اتطوعت يعني "سفيان" مليهش ذنب، هو رفض لكني أصريت وكان فات الأوان عشان أنا حطيته قدام الأمر الواقع لما مشيت في وقت متأخر، يعني أنا اللي لازم أتحمل كل العواقب. 


+



الغضب الذي كان يسكن خلايا "فراس" أصبح مُتفشيًا فيه كفيروسٍ ما، لهذا حدجه بنظراتٍ مُتقدة قائلًا والكلمات تتلون بألوان غضبه: 

_عذر أقبح من ذنب. 


+



سأله "طلال" مباشرةً بلا مواربة وعلى محياه علامات الاستياء جليَّةً: 

_يعني إنتَ عايز إيه دلوقتي عشان ترضى؟! 


+



تركه "فراس" خلفه متجهًا لأريكة ما وجلس عليها براحةٍ، وأخبره بمنتهى البساطة نافضًا ثلوج البرود على شرارتٍ غضبه: 

_أضربكم. 


+




        

          


                

شخصٌ _مثله_ لديه من الجنون ما يوازي عقلانيته يستطيع أن يوازن بين مقداريهما، لذلك لم يستغرب "طلال" تصرفه، على عكس سفيان الذي لوى شفاهه ساخرًا ورفع حاجباه المنعقدان بشدةٍ، وهتف من فوره بكلمة واحدة أبْدت عدم رضاه: 

_ نـــــعـــم!!!!!! 


+



أنفٌ "فراس" المرفوع بشموخٍ دليل حيٌ على تكبرٍ زائف، وقوله المُفعم بالاصرار يأتيهما صارمًا: 

_هو ده اللي عندي. 


+



عاود "طلال" جلوسه باسترخاء يستأنف مراجعته للأوراق المهمة على نفس المقعد، وغمغم بالموافقة: 

_ وأنا موافق. 


+



لم يرتضى "سفيان" قبوله لهذا الطلب السخيف وتمرَّدت ملامحه على هدوئها منذ برهةٍ لتغيم بغيومٍ حنقٍ أغشت مُحياه وهو يرد بصفته ضابطًا لا كونه صديقهما: 

_وأنا استحالة أوافق. 


+



أرفق حديثه بوقوفه بحدةٍ مُفرطة وهو يحدق فيهما بنظراتٍ سائمة لكونهما يتصرفان بطريقة صبيانية لا تليق برجلين عاقلين مثلهما، استطرد مختتمًا لقاءه بهما: 

_أنا هشتري دماغي وصحتي وأروح، وهستنى لما أعصابك تروق على أقل من مهلك وبعدين هتسامحني من نفسك. 


+



قصد فراس بكلامه السابق والتفت يغادر لكن بغتة استدار لـ "طلال" هذه المرة يخبره بجديةٍ: 

_ في كلام تاني بينا لما أخلص مشاغلي. 


+



_ بخصوص سامي؟ 

فورما نطق بها "طلال" أتاه الجواب صامتًا على هيئة إيماءة من رأس "سُفيان" وقبل دلوفه للخارج ودعهما: 

_سلام! 

_باي! 

قالها "فراس" بهتافٍ مشتعل، ثم وجَّه جل نظراته صوب "طلال" قائلًا بهمسٍ ساخر: 


+



_متخافش، أكيد مش هضربك، أنا بس كنت بغيظ سفيان عشان كان عارف كل حاجة وأنا لأ. 


+



لاحت بسمة صغيرة على شفاه "طلال" ولم ينطق، فهو كان متأكدًا كل التأكيد أن شريكه لن يُقدم على ذاك الفعل الأحمق حتى وإن صرَّح به. 


+



_ بس متفكرش مجرد تفكير إني سامحتك بعد اللي عملته في نفسك. 


+



مشى "فراس" خطواتٍ خفيفة حتى وصل لمقعد المكتب الخاص بالآخر وجلس عليه فصار مُقابلًا له، أراح ظهره للخلف وشابك أصابعه مع تأمله له بعيناه الهادئتان رغم الغضب الظاهر بهما وسأله فورًا بلا تمهيد: 


+



_واتأكدت بقى من اللي كنت شاكك فيه؟! 


+



لم يلبث "طلال" على صمته ولا ثانية مجيبًا بهدوءٍ شديد وباختصار: 

_أيوة. 


+



ضيق "فراس" عيناه مُفكرًا مع ثبوت نظراته المصوبة كالسهامٍ تجاهه، فك تشابك أصابعه واستقام في جِلسته وأعطاه تخمينه التالي جادًا مُشوّبًا بالذهول: 


+



_مش معقول، طلعوا من طَرفه؟!! 


+



وقف "طلال" واضعًا ذراعيه خلف ظهره ويده ترسو على الآخرى، أما وقفته فظلت ثابتة عكس العواصف الهادرة داخله تُدمر كل ما يعترض طريقها، تنفس بتثاقلٍ أثناء انفلات الكلمات من شفاهه: 

_ ليهم علاقة بالظل، بس مش هو اللي باعتهم، رغم إنه عارف بكل اللي حصل لي، وعارف إنهم جايين ليا...  


+




        

          


                

ألقىٰ إليه نظرة خاطفة وحينها أخبره بكل ما يجول في عقله من أفكار وتحليلات: 

_ بس مكانش مخطط للي حصل، الموضوع اتطور وخرج عن سيطرتنا كلنا..... 


+



زاغت أبصاره عنه واستطرد بخفوتٍ وصل أسماع "فراس" وزلزل كيانه وأوقف قلبه عن النبض لثوانٍ: 

_الظل خطورته أكبر من الانتقام اللي بيني وبينه، أكبر بكتير!!! 


+



وعلى غفلة منه أضاف في شراسةٍ: 

_بس مش هسمحله أبدًا يقرب من إللي بحبهم، لو كان عايز يقتلني مافيش مانع.


+



زوى "فراس" ما بين حاجبيه بغير استيعاب، محاولًا التوصل لما يعنيه الآخر بجملته المريبة تلك، بدأ يحلل الأمور وكل حين تزداد عقدة حاجبيه ويتضاعف تعقيد تعبيراته واشتعال ملامحه، جمع كل المعلومات التي تظهر له من عين الحدث: ابتداءً بعدم اكتراث "طلال" لتحذيرات "راغب" وسفره بمفرده ليلًا، مهاجمةٍ هؤلاء الشبان له، مرورًا بمكالتهما سويًا وما سمعه في تلك الليلة، كلامه منذ قليلٍ عن جرمه في حق نفسه، انتهاءًا بتكراره لرغبته في الموت وإلقاء نفسه في الخطر من غير أن يأبه..


+



الصورة باتت واضحة المعالم أمام ناظريه، إن "طلال" كان يريد أن....


+



انتفض "فراس" من مكانه مقاطعًا سلسلة تحليلاته وأفكاره المنهمرة على عقله كالمطر، واندفع تجاهه كسيارةٍ بلا مكابح، قبض على ياقته بغلٍ يغذيه غضبه منه، هزه غير مهتم البتة، وصرخ في وجهه في حرقةٍ بعدما فك الخيوط المتشابكة واصلًا لحل اللغز: 


+



_استنى عليا كده، الكلام إللي قولته قدام "سفيان" كان كدب؟!! إنتَ مكنتش تعرف بوجود العيال دي؟!! كنت رايح عشان تسهل للظل قتلك؟!! كنت مفكر إنه مش هيفوت الفرصة دي وهيتعرضلك، وكنت عارف إني حتى لو جبت سفيان معايا مش هنلحقك لإنه هيكون خلص عليك خصوصًا إنك مستسلم؟!!! إنتَ روحتله برجليك عشان يخلص حسابه معاك ويسيب باسل وعيلتك في حالهم، صح؟!! 


+



رمش "طلال" مستفيقًا من غيبوبته القصيرة والتي باح فيها بما كان يخفيه، توترت معالمه برؤياه لهياج "فراس" الذي ألحق عبارته الصارخة بأخرى: 

_ لكنك اتفاجئت بالولاد دول، نزلوك من العربية وفتشوا فيها ملاقوش المخدرات إللي الظل كان هيبعتها لهم؛ ولإنك اتصلت عليا فكروك بتبلغ عنهم فطعنوك، حتى الظل مكانش متعمد يبعتهم وبرضو ممنعهمش يروحوا هناك، قال هشوف الأمور هتوصل لإيه وحب يلعب بيك وبينا كلنا زي عادته.


+



تحولت ملامحه كليًا، فباتت قاسية، غاضبة، كأنما استحال شخصًا آخر مغاير لما كان عليه، ترك ياقته بعدما بعثر له ثيابه و... قلبه، أشار نحوه بكثيرٍ من إتهامٍ موجهًا له نظراتٍ لائمة: 

_وإنتِ إللي اديت له الفرصة لده. 


+



أنى لشخصٍ مثله على قدرٍ من الإيمان أن يقدم على فعل انتحاري كهذا؟!! 

أوصل به اليأس إلى هذا الحد؟! 

ألأن ماضيه يلاحقه في كل نفسٍ يأخذه وفي كل رمشة عين وفي كل مكان يطؤه؟!! 

حقًا إن الآلام والشعور الدائم بالخوف على من نحب قادران على تحويلنا بجدارةٍ لنسخٍ أخرى لا تشبهنا... 


+




        

          


                

تمامًا مثل "طلال"... 


+



تنفس "طلال" بصعوبةٍ، زاغت عيناه بعيدًا، بعيدًا للغاية عن هنا، فهزه "فراس" بمزيدٍ من قسوةٍ تغلف عتابًا له، هتف سائلًا وغضبه لازال يتحكم به: 

_ليه عملت في نفسك وفينا كده؟ ليه؟ قــــــول! 


+



تراخى جسد "طلال" فبات هامدًا، رفع عيونه في عيني الآخر ناظرًا إلى أعماقهما، بينما انطلق لسانه مسترسلًا في تساؤلاتٍ تهلك عقله وتُرجف قلبه مع ذلك كان صوته خافتًا رغم كل آلامه المتفجرة بدواخله: 

_عشان تعبت، تعبت، أنا إنسان، بحس، بخاف، بتألم، وعندي قدرة تحمل وطاقة والاتنين خلصوا خلاص، ليه لازم أظهر بشكل القوة؟! ليه لازم أكون طلال الجامد إللي أمه وأبوه اتقتـــ.لوا قدامه ومتهزش؟!! 

ليه لازم أكون متماسك وأنا كل يوم بيوصلني تهديد على حد بحبه، ليه مش عارف أكون قريب من اللي بحبهم ودايمًا ببعدهم عني؟! 


+



صمت "طلال" قليلًا، وعيناه رصدتا دموعًا متدفقة في عيون "فراس"، اختنق أكثر وأكثر ثم فاجؤه بصراخه المحتد: 

_ليه يا فراس رد عليـــــــا؟! 


+



ضاقت الدنيا على صدره، داهمه دوارٌ غادر أربك جسده فتمايل في وقفته، صرخ "فراس" باسمه بذعرٍ تملك منه: 

_طـــلال!! 


+



أسنده إليه، وحافظ نوعًا ما على توازن جسده؛ فـ "طلال" رغم إعيائه والدوار المُلم برأسه جاهد كي لا يثقل على "فراس" والذي بدوره سار به نحو أقرب مقعدٍ وأجلسه برفقٍ عليه، جلب كوب الماء الموضوع بالقرب منهما ثم ناوله إياه، ارتشف منه "طلال" بضع رشفاتٍ وأعاده إليه مغمضًا عيناه بيأسٍ عظيم. 


+



حياته لا تصفو إلا لحظاتٍ ثم تعود لتكدرها العريق، لم يعد قادرًا على حمل ذنبٍ وحيدٍ يثقل كاهله منذ ما قبل الحادث وحتى الآن، ينهشه بوازعه الديني. 


+



لم يدري ماذا دهاه حينذاك ليقي بنفسه في غياباتٍ شرٍ مستطر! 

مبرره الوحيد أنه فعل ما فعل بدافع الحماية لمن يحب. 


+



عقب استفاقته من العملية التي أُجريت له شعر بعظم خطئه في حق ربه، إن الروح التي تسكن جسده مُلكًا لله وحده وهو _سبحانه_ من له الحق في أخذها وقتما شاء _عز وجل.


+



غمغم "طلال" بدعاءٍ لازم لسانه طيلة الوقت المنصرم، عسى الله يغفر له، دعا ولازال على إغماضه لعيناه: 

_اللهم أنتَ ربي، لا إله إلا أنتَ، خلقتني وأنا عبدكَ، وأنا على عهدكَ ووعدكَ ما استطعت، أغوذ بكَ من شر ما صنعت، أبوء لكَ بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. 


+



احتوى "فراس" كوب الماء بين راحتيه، واعتذر له بعيونه بلا قدرة له على الكلام، شعور الذنب يفتتُ قلبه ممزوجُ بعتابٍ أخويٍ راح يسيل من نظراته القلقة.


+



أطلَّ عليه يطالعه متعاطفًا معه، الحمل على أكتافه أثقل من أن يحمله إنسانٌ بمفرده، وهو اعتاد منه أن يكون مُتجلدًا، صلبًا، مؤمنًا أمام المحن، فحرر الكلمات المحبوسة في صدره مسترسلًا في الحديث: 


+




        

          


                

_ أنا مش مصدق إنك ممكن تعمل كده يا طلال، أنتَ مؤمن بربنا، إزاي عملت كده؟! عارف إنه عشان تحمي اللي بتحبهم؛ بس ليه ترمي نفسك في النار بدون حساب؟! 


+



تنهَّد وكف عن حديثه لوهلة، تخلى عن كوب الماء واضعًا إياه على سطح المكتب، ثم عاد وجلس حذاءه، أضاف يبين له موقفه مما يجري: 

_أنا مش آسف على إللي قولته ليك من شوية، لإن كل كلمة قولتها عشان أمرك يعنيني ومش هشوفك بتأذي نفسك واسكت. 


+



اكتفى "طلال" بصمته المأساوي وإنصاته بلا أي تعليق، فأردف "فراس" مربتًا على كتفه في تضامنٍ: 

_إللي عاوزك تفضل فاكره هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم "اعمل لدنياكَ كأنك ستعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك ستموت غدًا". 


+



أومأ "طلال" مُميلًا رأسه وأرخى كتفيه بتعبٍ انقض ظهره، مسح على جبينه وشعور الدوار يقل تدريجيًا تاركًا في رأسه صداعًا مؤلمًا، تنفس ببطء وضربات قلبه صارت بطيئة. 


+



ثقلٌ كالجبال نال من صدره، قلبه اُعتُصِرَ ألمًا، وروحه تتلوى على فحمٍ ندمه المتقد، ردد في همسٍ شديد الخفوت: 

_لا إله إلا أنتَ سبحانك، إني كنت من الظالمين. ربي إني ظلمت نفسي. 


+



إن نظر إليه أحدهم الآن لظن أنه ملكٌ خسر وطنه وشعبه وحلفائه ولم يبقى له سوى جيوشٍ من الأعداء ذوي بروج مُشيدة! 


+



كل يومٍ له آلاف المعارك مع نفسه ومع عدوه القديم، يلجم الشر المركون في داخله، لا يسمح له بالظهور، يقيده، يعيق تحكمه بعقله، أصله الطيب فقط هو ما يبقيه متوازنًا، فلا يزل أو يميل، وليت الشر يظل محبوسًا!!! 


+



فهل سيبقى هكذا يذوب بصمتٍ أم أن طوفان غضبه قادم؟! 


+



لمَ تقترن به الآلام والمشكلات دونًا عن غيره؟! 

ألم يحن الأوان ليستريح قليلًا؟! 

ألا يوجد نهاية لهذا العناء؟! 

ألن يكف الخطر عن حومه حوله كل ثانية؟! 

أم أن مجريات الأمور ستكون أشد وطأة عليه؟! 

ــــــــــــــ


+



أحقًا يشيب المرء وهو في عمر الزهور؟! 

يكبر على عمره أعمارًا؟ تزداد سنواته وتتضاعف بلا تغيّر في الزمن وإنما التغير هو في الروح المُنهكةٍ حد التهالك؟ 

أيحدث أن يرفع ذراعًا فيتراخى سائر جسده، وأن يفتح فمًا فيطبق، وأن يرسم على شفاهه ابتسامة بريشةٍ وهمية فتنزف الألوان ماحية هذه الابتسامة الفقيرة كما تفعل الممحاة في خط القلم المرسوم على ورقة؟!! 


+



أيقعل أن ينزف الفؤاد بلا جرح، وأن يختنق الحلق بلا يدان تعصره؟! 

أيمكن أن يصل الإنسان لحافةٍ هاويةٍ الألم فيتوقف اضطراريًا عن إكمال طريقه لئلا يودي بحياته وفي نفس الوقت يزهد التقاط أنفاسه كي لا يُعايش مزيدًا من الألم الذي ينخر في سنين عمره كالسوس؟!! 


+



لا ريب أن يحدث هذا إن كان الفقيد عزيزًا. 


+



هكذا اجتمعت أحاسيس متناقضة وتزاحمت في صدرها الضائق ذرعًا بكل شيء وأي شيء، امتدت جذور أشجار الحزن في حشاشتها، واستولت جيوش الألم على أراضيها، وأكلتها وحوش الحزن ولم يبقى منها إلا رُفات فتاة. 


+




        

          


                

فتاةٌ جريحة جفَّت أعشاب عينيها حتى صارت فتاتًا قاسيًا وخفيفًا تزروه الرياح أينما حلت. 


+



هذا الفتات الذي اشتعل الآن برعدٍ دوى صوته في روحها، فالتهبت النيران ها هنا في حدقتيها الغاضبتان الحزينتان. 


+



ولما كان من الصعب على "تغريد" مجاراة ما تراه في عينيّ ابنة عمها ماتت كل الكلمات الحكيمة على شفتيها واستبدلت بها حديثها الممازح الممزوج بتعقلٍ توارىٰ بخجلٍ خلف حروفها: 

_ بيقولوا إن التظاهر بالسعادة بيخلي الإنسان سعيد، وإن اللي بيتظاهر بالسعادة ويبتسم بيحس بالسعادة حقيقي، وممكن يعدي اللي حواليه ويخليهم سعداء زيه. 


+



انسلخت "إيناس" عن أفكارها وشرودها وتلقت أذناها كلماتٍ حطت على قلبها كنفخةٍ أمٍ على لسعةٍ طفلها، لا تُداوي ولكنها تُخفف وطأة الألم وتوجه الأفكار لشيء غيره، رمتها "إيناس" بنظرةٍ لازالت مشتعلة وبها لمحةَ حزنٍ بدأ بالانسحاب، سألتها بنبرةٍ أهدأ من تهويدة أمٍ لطفلها المقبل على النوم: 

_من امتى وإنتِ بتقولي كلام عميق كده؟ 


+



غامت عيني "تغريد" بمشاعر غامضة حيَّرت الأخرى، خاصة وهي تجيب بعينيها الغائمتين الموجوعتين: 

_من ساعة ما الدنيا جات عليا. 


+



اختلج "إيناس" شعورٌ بالشفقة عليها، ومع إمعانها في النظر لعينيها أمكنها تبيُّن هذه المشاعر والتي كانت على الترتيب: 

شعورٌ مُبهمٌ صريحٌ بالفقدِ قُبِضَ له قلبها. 

شعورٌ لاذعٌ بالحنينِ لحبيبٍ لن تجمع بينهما الأيام ولياليها السوداء. 

شعورٌ فقيرٌ بالاحتياجِ لشخصٍ ما أصبحت _هي_ الآن على دراية بهويته. 


+



وعلى عكس الرد المتوقع قابلتها "إيناس" بعينين منطفئتين حاولت جاهدة أن تزرع في حقولهما المحترقة لمعة مرحٍ منطفيء، وجالت برأسها فكرة نقلتها على لسانها حيث قالت لها باستنكارٍ: 

_الدنيا جات عليكِ.... إنتِ؟!! 


+



تذكرت "تغريد" أمرًا ما يُعكر صفو راحتها فأجابت في غفلةٍ منها: 

_أيوة، كل واحد فينا جواه همومه، بيخبي في قلبه شيء مزعله، حد مُشتاق ليه واستحالة يوصله مهما عمل، وبتفضل ما بينا وبين اللي بنحبهم سدود عالية بتمنعنا حتى نشوفهم. 


+



لمست "إيناس" شيئًا غامضًا في حديثها لم يخطئه حدسها، فعلمته فورًا وأبقت معرفتها له بين جنبات قلبها، وتألق وجهها ببسمةٍ صغيرة داعمة وبالرغم من صِغرها ولا مصداقيتها إلا أنها تفي بالغرض.. 

تسألون لماذا بسمتها تفتقر للمصداقية؟ 

لأنها ليست راضية مرتاحة وإنما مغصوبة مريرة. 

فخالتها وكل ما يتعلق بها يشغل عقلها ليل نهار، فلا تنفك تبحث عن ثغور توصلها للحقيقة المجردة بلا أي شوائب شكٍ أو ظنون واهمة لن تحقق لها ما تصبو إليه. 


+



بدت لها "تغريد" في هذه اللحظة كعجوزٍ بائسة سُحِبَتْ سجادة العمر من أسفل قدميها المجعدتين وتُرِكَتْ بقايا إنسانة، حين همست بخفوتٍ مشحونٍ بأشجانها: 

_ ومين فينا الدنيا مسابتش فيه بصمتها؟! 


+




        

          


                

حطَّمت العبارةُ "إيناس" وفتَّت قناع تماسكها الواهن فانفلتت من صدرها زفرة حارة مخنوقة وخيالاتها تأخذها عنوة لبحور آلامها. 

أطرقت بوجهها في ألمٍ تمادت جذوره حتى أعماق أعماقها. 


+



أتراه الألم سيستمر بقطف زهور عمرها واحدة تلو الأخرى بلا شفقة؟ 

أتراه ماضيها المشؤوم لن يكف عن زرع أشواكه المسمومة في طريق سعادتها؟! 

أتراه قلبها لن يكف عن نزيفه العريق ويترأف بحالها؟! 

أم أن قوافل معاناتها ستظل تدور في مراعي عينيها المزهرة لتنتشل العشب وتغرس مكانه ألف نوع من السم لا ترياق له؟! 

أم أن غزو الحنين لن يردع أحدهم توغله في شرايينها؟!! 


+



"حنين" كلمة من أربعة حروف في معاجم اللغة ولكنها تجرفها كالطوفان منذ سنين وحتى الآن! 


+



بقيت كلتاهما تتطلعان _بصمتٍ مطولٍ_ لبعضهما بعيونٍ شاردةٍ وعقول مشغولة بما يهم كل واحدة منهما. 


+



حتى تلاقت وديان أفكارهما في سؤالٍ طرحته "تغريد" على عجلٍ: 

_هنتحرك أمتى؟


+



التفتت "إيناس" فجأة لجانبها الأيمن كأنما أفاقت لتوها من غفوةٍ اليقظة التي كانت تغط بها منذ قليل، وردت عليها بنبرةٍ تحمل الألم في طياتها مصحوبًا بغموضٍ حديث عهد: 

_لما ييجي الوقت المناسب. 


+



ومن ثم أردفت بخليطٍ من توجسٍ وترقبٍ ولهجةٍ قيادية: 

_استني إشارتي، ممكن الوقت المناسب يكون أي وقت. 


+



لبرهة فقط حلَّ عليهما صمتُ قطعته "تغريد" تتلاعب بحاجبيها في مكرٍ قائلة: 

_ناوية أبات معاكِ النهاردة. 


+



في التو سمعت الرفض من "إيناس" التي تبدلت مشاعرها كليًا ليطفو الحنق فوق ملامحها: 

_متحلميش. 


+



عقدت "تغريد" حاجبيها في ضيقٍ وعبوسٍ متسائلة: 

_ليه؟ 


+



لهجة التأنيب الحار في حديث "إيناس" كانت جوابًا وافيًا لسؤالها: 

_يا عديمة الإحساس والمفهومية، بباكِ مسافر وحضرتك عاوزة تسيبي مماتك لوحدها في البيت وتباتي هنا؟!! 


+



صفعت "تغريد" جبهتها بادراكٍ لسهوها غير المقبول لهذا الأمر، وتمتمت بنبرةٍ تفوح ندمًا: 

_أه، عندك حق، فاتتني إزاي دي؟ 


+



وبَّختها "إيناس" بعبارةٍ بدت هجومية: 

_عشان إنتِ مبتفكريش غير في نفسك. 


+



لأنها اخطأت في حساباتها، ولم تضع حسبانًا لشأن والدتها الحبيبة تقبلت "تغريد" التأنيب بلا تبرمٍ، إلا أنها عَلقت بأسلوبٍ ساخر: 

_مقبولة منك يا ست البنات. 


+



اعتدت "إيناس" بنفسها، ورفعت أنفها عاليًا قائلةً بملامح غرست بها تعابير الغرور الزائف: 

_ ما أنتِ معندكيش خيار تاني. 


+



ظهرت بسمة سطحية مصطنعة على شفاه "تغريد" وهي تضيف بطريقة هزلية: 

_مين قالك كدة؟ افتحي تلاجة بيتنا وإنتِ تلاقيها ملايانة خيار. 


+




        

          


                

نقلت "إيناس" نظراتها بعيدًا عنها وهي ترد عليها بسخرية: 

_نكتة تافهة زي صاحبتها. 


+



ارتدت "تغريد" ثوب المرح الذي كان دومًا يليق بها ما عدا الآن، نطقت تحاول ملاطفتها: 

_شوفي إنتِ بتجري شكلي بس أنا هعمل بأصلي وأسكت. 


+



إبان قولها لهذا رتبت حجابها المفكوك _بعض الشيء_ تهذب شكله وتضمن تغطية خصلاتها كاملة، وقفت تودعها بقولها: 

_مش هتقل عليكِ أكتر من كدة، سلام. 


+



سارت خطوتين بعيدة عنها فأتاها تعليق "إيناس" هادئًا ومفعمًا بمشاعرها الأخوية: 

_إنتِ عارفة إنك مش بتقلي عليا، دايمًا أنا موجودة جنبك... 


+



لمعت أعين "تغريد" بتأثرٍ والكلمات ترضيها وتهدهدها بصنفٍ رائع من الفرحة، فالتفتت لها وعلى محياها ابتسامةٌ حقيقية رقيقة وممتنة، وبصوتٍ يؤثر به التَّبسمُ همست تختتم حديثهما لليوم: 

_تصبحي على خير. 


+



ولأن "إيناس" تفهمها وتقرأها كما تتقن قراءة لغتها الأم بادلتها الابتسامة مدركةً أنها استطاعت تحسين مزاجها وإن بقدرٍ طفيف، وردت لها التحية: 

_وإنتِ من أهل الخير. 


+



كادت تغادر لولا استوقفتها "إيناس" بهمسها الموجز المُلتحف بالغموض: 

_إنسيه!! 


+



علمت ما ترمي إليه، فتبسمت بصعوبة، وأبقت عيونها على مقبض الباب الملتف حوله أناملها، وانتشرت المرارة في حقها ممزوجة بحلاوة غريبة حينما واجهتها بكلامها لا وجهها: 

_لو كان النسيان سهل فأنتِ الأولىٰ بيه!!!


+



اكتفت بهذا القدر لتغادر، تابعتها "إيناس" بخضراويها الهائجتين بمشاعر عاصفة، مزيج من كل شيء راح يغرس مخالبه المشحذوة في صدرها، زفرت على مهلٍ تخفف عنه أحمالًا لا تُرى لكنها تُحس. 


+



فابنة عمها مُحقة، لو كان النسيان سهلًا فهي الأولىٰ به، لو كان سهلًا لكانت نست خالتها وابنها الحبيبان؛ لكنها لا ترغب في النسيان مهما بلغ بها الزمان، ومهما احترق قلبها من الحرمان، ستظل تحبهما، تفقدهما، وتتمنى رؤيتهما، وستحصل لها على انتقامهما مهما كانت العواقب. 


+



 لم يحدث يومًا أن نصحت أحدهم بفعل شيءٍ عجزت هي عن فعله إلا الآن، ربما لرغبتها في رؤية ابنة عمها سعيدة، ربما لأن ألم الشوق كبير للغاية على قلب الإنسان وهي لا تريد لها الألم. 


+



مددت جسدها لجانب السرير وجذبت دفترها من فوق "الكوميدينو".

رفعت عيونها العشبية نحو الجدار من أعلى وهذه حركتها المتأصلة في التفكير، وبينما القلم في يدها خطرت على بالها فكرة تحولت في ذهنها لكلمات ظلت تُعيدها لكي لا تنساها، خبأتها بين سطور دفتر مذكراتها لئلا يطلع عليها أحد سواها: 


+



" يظنون الحياة تمنحهم السعادة والفرح على هيئة بشر يصيرون أحب إليهم من أنفسهم، ويزعمون أيضًا أنها تعطيهم الحزن والألم بأخذها لهؤلاء الأشخاص لتترك في قلوبهم مرارة الفقد ولذاعة الحنين الذي لا فائدة منه، وينسون _جاهلين_ أن الله هو من يعطي ويأخذ، فالله ما أعطى ولله ما أخذ. "


+




        

          


                

ــــــــــــــــــــــــــــــــ


+



_كنت فين يـا ولـــد؟! 

دوى هدير صوت والده بحدةٍ معهودة منه، فتوقفت قدما "سامي" عن سيره المتمهل لداخل الڤيلا، تنهد بتعبٍ بيِّن وضغط على جبهته بأصابعه منتظرًا وصلة التأنيب والتقريع اليومية لتأخره الدائم في المجيء للمنزل. 


+



_على أساس إنك مش عارف يــا.... بـــابـــا... 

قالها "سامي" بهدوءٍ ساخر وبرودة أعصاب أسفر عنها غليان دم والده الحار غضبًا، لم يلتفت له، فالنيران المنبعثة من عيون والده عندما يغضب كفيلة بإحراقه وتحويله لرمادٍ بلا قيمة تمامًا كنظرته المستصغرة لشأنه. 


+



هبَّ "آسر" واقفًا من فوق مقعده الذي ارتدَّ تلقائيًا بسبب وقوفه المفاجيء ومن ثم ركله بكعب حذائه للوراء فنتج عن هذا صوت مزعج، صدره يغلي غضبًا وعيونه تقدح شررًا ملتهبًا، سار نحوه بخطواتٍ خفيفة سريعة يحركه الغضب الأعمى، جذبه بعنفٍ ولفَّه ليصير مقابلًا له، صاح "آسر" وهو يشد على كتف ابنه: 

_ إزاي تكلمني بالطريقة دي يا ولــــد؟!! إنتِ.... 


+



أكمل "سامي" بدلًا عنه والسخرية فاحت من كلماته مقاطعًا استرساله في الحديث: 

_قليل الأدب ومش متربي. 


+



قبضة "آسر" تزداد قساوة على كتفه المتهدل وتأثير العبارة عليه عظيم، غاص حلق "سامي" في مرارةٍ حارقة حينما تسائل والألم الأليم يسيل من نظراته: 

_تعرف أنا ليه مش متربي؟!! 


+



تلافى لقاء عينيه بعيني والده تزامنًا مع إجابته على السؤال: 

_ عشان سعادتك يا "باشا" مربتنيش، اللي ربتني ماتت ومات معاها أدبي وأخلاقي.. 


+



شيء داخله تحطم فورما قال ما قال، قلبه انقبض يتلوى على نصال الوجع، حاجباه انعقدت ألمًا، وعيونه باتت غائمة بفقرٍ لكل شعورٍ إنساني جميل يجمع الأبناء بآبائهم وأمهاتهم. 


+



تقهقر والده "آسر" خطوتين للخلف، وتاهت أنفاسه لوهلةٍ، وجد صعوبة في التحكم بالأحاسيس العجيبة التي تغزوه كقطعانٍ من المفترسات، كجيوشٍ من التاتار تنهش كل ثنية من ثنايا فؤاده الهرم منذ ماتت زوجته. 


+



ارتخت جفونه تغطي بحارًا من المرارة تجوس في دواخله، استكان على وضعيته لبرهاتٍ وبرهات، وفي نهاية المطاف فتحها بقوةٍ بعدما برع في غرس القساوةٍ في أعماقهما يخفي خلفها أطنانًا من الآلام، حدق بابنه كما يفعل المرء بأنداده، لا رفق في عينيه ولا لمحة من حنان الأبوة، صدى صوت ابنه لازال يرن في أذنيه، يضغط على أعصاب. 

أصبح تحت تأثير حزنه وغضبه الذان انقلبا حقدًا موجه للشخص الخطأ، رفع يده عاليًا ثم هبط بها على وجنة ابنة بصفعةٍ قاسية، قوية، ومؤلمة _لكليهما_ مع صياحه المُنفعل: 

_ اخرس يا حيــــــــوان!! 


+



التفّ وجه "سامي" للجانب من قوةٍ كف والده، وعيناه جاحظتان، جامدتان، مدهوشتان، فوالده لطالما آذاه بالكلام دون ضربٍ أو أي نوعٍ من التعنيف الجسدي، كل حوارٍ معه يكون مؤذيٍ نفسيًا. 


+




        

          


                

شهق "آسر" شهقة اختناق لا تفاجؤ، وكأن الصفعة كانت من نصيب قلبه لا وجه ابنه، رفع يده أمام أعينه غير مصدق البتة أنه أقدم على هذا الفعل الشنيع في نظره.... 


+



أتته كلماتُ ابنه محطمة لما بقي من قلبه: 

_ لو ماما لسة عايشة مكانتش سمحت بده يحصل، لو ماما لسة عايشة مكانش ده يبقى حالي. 


+



ولأنه يحمل في أعماقه هشاشةً لا يرغب في رؤية أحدهم لها حتى وإن كان ابنه الوحيد، غادر "آسر" في صمتٍ مأساوي يصعد الدرج ويده تقبض على مِسنده المعدني بمزيدٍ من قسوةٍ تواري ضعفًا عظيمًا..... 


+



هوى "سامي" للأسفل فاصتدمت ركبتاه برخام الأرضية القاسي والذي للعجب لا يُضاهي قسوة والده. 


+



اختنق كغريقٍ تُرِكَ بلا نجدة، واضطربت أنفاسه المسروقة منه كعداءٍ قطع مسافات ركضًا بلا توقف، فتحركت يداه المتيبستان بتلقائيةٍ تفكان أزرار قميصه الأصفر المُبهج بلون والدته المُفضل المُعاكس تمامًا لألوان حياته القاتمة في عينيه بعدها.... 


+



ـــــــــــــــ


+



في يومٍ آخر، صباحًا.

في الأسكندرية. 


+



طاولة بسيطة و راقية في آنٍ واحد موضوعة بتنسيقٍ قرب الشاطيء عليها أصناف إفطار لا أبالغ إن قلتُ: مَلَكِيّ. 


+



و مع نسائم البحر المحفزة لكل ما هو جميل حظي "باسل" بإفطار لذيذ، و زادته الأجواء الرقيقة شهية حتى أنه ليقسم في نفسه استعداده لتناول صحنه كاملًا. 


+



وعن يمينه "إيڤا" جالسة تشاركه الطعام، حاملة الملعقة في يدٍ و هاتفها المحمول في الأخرى تقلب في وسائل التواصل الاجتماعي بمداومةٍ على عادتها القديمة منذ بدأت العمل في شركات المنسي، فلا مجال للهو واللعب في أوقات العمل الثمينة. 


+



" لا مكان للعابثين والمقصرين" هذا شعار كل فرعٍ من فروع الشركات التي يترأسها "طلال" ويشرف على إدارتها عن بُعدٍ. 

وكذلك في مقابلتها "راغب" يأكل أو يمثل أنه يفعل ذلك،  ففي الآونة الأخيرة بات يستعصي عليه مداراة إعجابـه بها خاصة مع لقاءاتهما المستمرة، ولا ريب أن مشاعره تتغلب عليـه في كثير من الأحيان، لا سيما أنها تكون معه أكثر أوقات العمل. 


+



رفع لها عينين مترددتين يطالعها خفيةً وهـي تأكل باستقراطية مع جلوسها جِلسةً لبقة تليق بـثيابها العصرية التـي تظهرها كممثلات هوليوود الجاذبات لنظرات الإعجاب من رجال العالم، بل ونساءه أيضًـا. 


+



طوّحت شعرها المجعد _المصفف_ للوراء لكونه يعيق متابعتها لوجبتها اللذيذة، ورفعت رأسها بعفويةٍ لتُقابل عيونها عيونًـا غارقة في تأمل أدق تفاصيلها، رمشت فـي توتر تزايد فـي نفسها، وهزت رأسها تسأله بالإشارة عن سبب مقنع لتحديقه فيها. 


+



خفق قلبـه خفقةً مباغتة نتيجة التقاء زوج عينيه بالزوج الذي تملكـه هـي، وتدارك الوضع مبررًا فـي تلبكٍ أضفى عليه نوعًـا من الجاذبية: 

_ لو سمحتــﻲ يا "إيڤا" ممكن تناولينـﻲ الملح؟ كنت لسة هطلبه منك. 


+




        

          


                

شيء في عينيه اللتان غلفهما الغموض بعد ثوانٍ فقط من كشفها لمطالعته _الخفية_ لها، شيء مكنون في نبرته المتواري فيها قليل من تلبك، شيء في يده المشيرة لها بحركة عصبية حدثت دون إرادته، كل هذه الأشياء أشعرتها أنه يكذب عليها، يخفي عنها أمرًا ربما لن يروقها، و ما الذي يجعلها موقنة أنه لن يروقها؟!! 

لا إجابة لديها. 


+



في عينيها قوة غريبة رغم رقة قسماتها ولين نظراتها، خبأ عينيه سريعًا عنهما، لن يقدر على مقابلة هذه النظرات المُركزة على حدقتيه، ناولته ما طلب، قائلة بهدوء جذاب: 

_انتفضل. 


+



رفع رأسه لها، يهمهم بما لا تستطيع تفسيره أو سماعه بوضوح، يناظرها بعيونٍ غابت في الشرود من جديد، وسألها بغير تركيز: 

_إيه؟ 


+



خاطبته بصوتٍ متذمرٍ مُوجَزٍ: 

_ الملح. 


+



رأى انزعاجها مرسومًا على هيئة عبوسٍ طفيف، فأخذ منها العلبة الصغيرة، وعيونه تهرب مجددًا في تحرجٍ، وشكرها بنبرة خافتة: 

_شكرًا. 


+



_العفو. 

كان ردها بسيطًا ومقتضبًا، لتنشغل عنه بهاتفها، رماهما "باسل" بنظراتٍ تحليلية مدققة، فهو يشعر بشراراتٍ غير مرئية انتشرت في الأجواء الصباحية، هز رأسه بغير اكتراثٍ، وقرر مناقشة الأمر مع "راغب" لاحقًا، لعله يُقر بما يكمن في أغوار قلبه. 


+



مررت "إيڤا" عيونها على عناوين الأخبار المنشورة على موقع إخباري شهير بريادته لكل ما هو مثير لاهتمام الرأي العام، وأثناء تمريريها للشاشة للأعلى لفت انتباهها خبر ما وقد لمحت كلمات عابرة كتبت ضمنه، منها "رجل الأعمال الشهير" وأيضًا "طلال" ،  "حادث" ،  "اعتداء" ، مما جعلها تمرر الشاشة للأسفل وقد نما في صدرها شعورٌ بغيض، امعنت النظر جيدًا للنص المكتوب بخط واضح وعريض وكان كالتالي: 

"_ إصابة رجل الأعمال الشاب طلال المنسي في طريق عودته للقاهرة. "


+



تفقدت البيان المكتوب أسفل العنوان والذي ينص على: 

_ " اتتنا معلومات وافية من جانب مجهول أن رجل الأعمال الشاب "طلال المنسي" تعرض لهجومٍ من قِبَلِ مجموعة شبابٍ، وتطور الأمر _بشكل ما_ إلى أن طعنوه بسلاح أبيض أدى لملازمته المشفى نصف شهر، و....... "


+



وليت الأمر انتهى هنا، حيث إن الموقع أرفق صورًا حقيقية للحادثة يُرى فيها ملامح "طلال" بنوع من الوضوح، ومجموعة الشباب وجوههم ليست بينة بالكامل، حتى أنهم أيضًا نشروا صورة له لحظة تعرضه للطعن، وكأن الحادث لم يكن إلا فيلمًا له مخرجه ومصوروه.


+



" وهذا يُصرح أنه إما كان مُراقبًا ليلة الواقعة وإما كانت مُدبرة له بفعل واحد من أعدائه، ربما. "


+



هذا ما جال بفكر "إيڤا" المُبعثر، فإن وصل الخبر للإعلام فلا أحد يستطيع منعه من الوصول لـ "باسل". 


+



أشارت بعينها لـ "راغب" الجالس مقابلًا لها، فهز رأسه مع ڪتفيه يسألها بلغة الإشارة عمّا تريد قوله، فرفعت هاتفها بطريقة تسمح له برؤية العنوان البارز بالفعل. 


+




        

          


                

بُهِتَ لونـه، وخُطِفَتْ الدماء من عروقه، وتسارعت دقات قلبه، وها هما يتشاركان حمل عبء آخر. 

من أين حُدِفَتْ عليه هذه المُصيبة الجديدة؟ 


+



هو بالكاد ظن أنه تخلص منها، لتظهر له بشكل آخر، أكثر وضوحًا و صعوبةً، و أشد تدميرًا للرابطة التي بينهم، هو و "طلال" و "باسل". 

هذا الأخير الذي لن يغفر لهما هذه المرة إن عَلِم الخبر.

_ أنا شبعت. 


+



_ وأنا ڪمان، خديني معاڪي يا "إيڤا" أغسل إيديا. 

انسحبا بلباقةٍ، يمثلان عليه الثبات، محاولان إظهار الأمور طبيعية ولا يشوبها تعكير.


+



انتبه "باسل" لحركةٍ غير طبيعية تحدث بينهما، خطف نظرة فاحصة لأطباقهما الشبه ممتلئة، وسألهما مُستغربًا: 

_ مش هتكملوا فطارڪم؟ 


+



ترك شوكته، وابعد صحنه، ليرنوهما بنظراته، مُربعًا ساعديه بتحفزٍ، فـ حدسه حول وجود شيء مريب بينهما يزداد.


+



ابتلعت "إيڤا" ريقها فوجدته مُرًا صعب البلع، لتشرب من كوب الماء، وتضعه مكانه على الطاولة، رمشت بعيونها مُرتبكة، وضبطت غرتها خلف أذنها، لتبتسم ابتسامة مرتعشة وهي تجيبه بربكةٍ حقيقية: 

_ما.. ما أنا شبعت. 


+



طالعها بنظرةٍ مُشڪڪة، ومن ثم وجه لـ "راغب" نظرة استفهامية، قابلها "راغب" ببسمةٍ لبقةٍ رغم توتره وعقب على جملتها: 

_وأنا ڪمان. 


+



مالبث أن أردف بعيونٍ مُغتاظةٍ، ونبرةٍ مُشتاطة: 

_ بعدين مفكر نفسك هتجبرنا ناڪل غصب عننا ولا إيه؟


+



برع في تمثيله جيدًا، فأنطلت الخُدعة على "باسل" فمسألة نشوب شجارٍ بينهما في أي وقت واردة، لهذا ظنه حقًا يتميز من الغيظ، ليقول هو الآخر بضجرٍ نما في نفسه: 

_ لا، هجبركم ليه يعني؟ إنتو أحرار. 


+



رمقهما بنظرةٍ مُستاءة أخيرة، ليجذب صِحنه بعنف، ويتناول منه بغير شهية. 


+



حزنت "إيڤا" لأجله، وحدثته بنبرتها اللينة الخالية من العملية: 

_معلش يا باسل، إنتَ أڪتر حد عارف راغب، وبعدين مش جديد عليڪم الخناقات دي.


+



_عارف يا "إيڤا"، عارف. 


+



رددها "باسل" بهدوئه المُستجد تطييبًا لخاطرها، ثم أتت نبرته التالية كلها خيبة أملٍ وانزعاج: 

_ بس "راغب" مبيعرفش يفرق بين ڪلامي اللي أقصد استفزه بيه وأناڪفه، وبين ڪلامي اللي عشان بهتم بيه وأمره يعنيني، بس يلا، مجاتش عليه. 


+



قضم بعدها قطعة الجبن يلوڪها مَغصوبًا، وسحقها بين أسنانه ڪأنما ينتقم منها ويفرغ فيها بعضًا من غضبه، فتابعاه مُستاءان لأجله، وجداه يضيف بحدسٍ صادق يؤرقهما وعيناه مُنزعجتان: 

_ حتى "طلال" حاسس إنه مخبي حاجة عليا، يمكن حاجة خطيرة، واللي حاسه إنڪم عارفينها ومخبيبن عليا، وڪأني طفل صغير مش مأمنين على سرڪم معاه ليروح يفضحڪم ويقوله لڪل الناس، أو يعيط ويولول ويصدع دماغڪم. 


+




        

          


                

أطلق "باسل" سِهامًا ثنائية من عينيه نحوهما، يستطرد بنبرةٍ مُغايرة: 

_ بس أوعدكم لما أعرف مش هسامح أي واحد فيكم، وهطلع عليكم زعابيبي. 


+



إنه يُهددهم رسميًا ، بدون مواربة في الحديث أو تملق. 

أحسَّ "راغب" بالخطر المُحدق به من ما سمع، زهد الجدال، وسئم الكذب والحيل الكلامية، لكنه استرسل إنكاره ونفيه للمسألة الحتمية غير راضٍ عما يقول: 

_ لما يكون في حاجة الأول أبقى اعمل ما بدالك.


+



حدجه "باسل" بعينيه يرميه بسهامٍ أخرى، واستوعده قائلًا بتصميمٍ: 

_هعمل، هعمل كتير وهتشوفوا ! 


+



ـــــــــــــــــــــ

قبل شهرين وبضعة أيام من الآن، قبل منتصف الليل بنصف ساعة، في تلك الليلة المشؤومة. 


+



*****

_طلال أرجع، وجودك في الوقت ده ولواحدك مش أمان ليك، أرجع يا طلال بقولك، حياتك في خطر.


+



ظل "سفيان" يصرخ بهذه الجملة مرارًا وتكرارًا مع غياب الشبكة الحاملة لصوته، بينما "طلال" لم يسمع شيئًا ولم يكف عن ترديد كلمة واحدة: 

_ألو... ألو... 


+



مجموعة الشباب السكارى كانت تحت مراقبة "سفيان" منذ مدة، يعلم تحركاتهم، ويترقب الأنشطة المشبومة المُكفلين بها من قِبَلِ من هم أعلى منهم، فوجأ بـ "طلال" يسافر للقاهرة في ذاك الوقت وبمفرده، فعمد إلى تنبيهه بالطريقة الوحيدة المتاحة، لكنه لم يحصد أية فائدة من سعيه الحثيث. 


+



قرَّب "طلال" الهاتف من أذنه أكثر، مردفًا بصوتٍ أكثر علوًا من السابق: 

_ سفيان إنتَ سامعني؟!! 


+



أجابه "سفيان" واليأس المتبوع بهلع تملكه: 

_أيوة سامعك، أرجع يا طلال، بقولك إرجع. 


+



وكمحاولة أخيرة صاح "طلال": 

_ألو يا سفيان، صوتك مش واصلني. 


+



رأى أن لا فائدة من مواصلة المكالمة خاصة والشبكة سيئة من أولها، فهتف لعل الآخر يسمعه: 

_ أنا هضطر أقفل معاك، عشان مش سامع حاجة.


+



ركل "سفيان" قطعة الأثاث التي كانت بقربه مع سماعه لصوت انتهاء المكالمة، وقف مكانه عاجزًا وهو يرى خطته وعمله لأشهر يذهب سدى، والأدهى من ذلك أن حياة شخص يهمه معرضة لخطر وشيك.


+



كان وقتئذٍ في منزله ببجامة نومه، هرع إلى خزانته يعبث فيها بلا هدى، ود لو ترك بذلته الشرطية خارجها، وبعد بحثٍ حثيثٍ أسفر عن بعثرته لكل ملابسه حوله وجدها، ارتداها على عجالةٍ ظنًا منه أنه بذلك يُقلل من إهدار الوقت. 


+



جمع ما استطاع أن يجمعه من أفراد الشرطة المُكلفين بهذه المهمة، وركب سيارته قاصدًا مكان "طلال"، رنَّ هاتفه خلال هذا الآن وكان المتصل "فراس" الذي ذهب برفقته...******


+



أفاق "سفيان" من شروده المطول فيما حدث سالفًا، تنهد في انزعاجٍ لكون "طلال" لم يمكنه من تحقيق هدفه من ذهابه له في مكتبه مساء أمس، وبدلًا من أن يتحدث بالأمر المتعلق بعمله وجده يقاطعه ويعترف بتحمله لمسؤولية حادث الطعن. 


+




        

          


                

هو يشك أن "طلال" على علمٍ بشيءٍ ما، شيء يجهله هو، شيء أكثر خطورةً من مجموعة مدمنين.


+



ربما لم يكن لديه معرفة بوجود هؤلاء الشباب؛ إلا أنه لا محالة لديه دراية بأمورٍ تدميرية!!! 


+



دار في عقله تساؤلات شتى منها: 

_لماذا يخفي عنه تلك الأمور؟!! وماذا ستكون النتائج إن بحث خلفه؟! 

ـــــــــــــــــــــ


+



بوقفةٍ ثابتة وعيونٍ خضراء متربصة بكل من يمر بمجال بصره تابع "عرفة"  تحديقه بالمارةٍ يرصد تحركاتهم ويبحث بينهم عن ضالته. 


+



شعرٌ أشقرٌ ناعم مفرود على ظهرٍ نحيلٍ صغيرٍ يليق بقامةٍ وعمرٍ طفولي جذب أنظاره، فغدت عيناه متوهجتان بظفرٍ، وها هو يحصل على ما أتىٰ بحثًا عنه، وما عزز ذلك الشعور بداخله هو الفتاة التي التفتت تجاهه غافلة عن تربصه بها..


+



تحرك من مكانه عازمًا على الوصول إليها، ترددت في ثنابا عقله جملة أخته "إيناس" الصارمة: 

"_ دورك في الخطة جه، ولازم تتحرك فورًا. " 


+



كان هذا منذ دقائق معدودة، شعر وقتئذٍ بطاقةٍ من حماسٍ غريبٍ تستولي على جوارحه، وتخيل نفسه بطلًا ما. 


+



ولأنه استغرق في شروده طويلًا لم ينتبه إلى ذلك الجسد الضخم الذي اصطدم به جاعلًا إياه يرتدُّ بسرعةٍ للوراء وسقط على ظهره مُتمددًا، واستيقظ من أحلام يقظته، سمع صوتًا غليظًا متحشرجًا يعنفه ويهينه: 

_ ما تفتح يا أخينا، هي ناقصة أشكالك ع الصبح؟!! 


+



ابتلع "عرفة" ريقه بعسرٍ ومعه إهانته وحنقه وألمه من السقوط المفاجيء، رمش بعيونه رافعًا هامته بترقبٍ وبطء فرأى في مقابلته رجلًا سمينًا بشوارب غليظة كصوته.


+



لو ترك لنفسه البربرية العنان لاشتبك به ورد له الإهانة بمثلها ولانتهى الأمر به مع إصاباتٍ بليغة، هو يعرف قدر نفسه فحجمه لا يقارن بهذا الرجل العملاق.


+



أنزل مستوى بصره فشاهده يمسك في يده يدًا صغيرة للغاية لطفلٍ لم يتجاوز الثالثة من عمره، مشابه تمامًا للرجل في الملامح؛ كاد يصفه بالبراءة لولا سمعه يكمل تقريع والده بقوله المتلعثم بمخارج حروفٍ أغلبها غير واضحة: 

_هو إنتَ أعمىٰ، مبتشوفش؟!! 


+



رفع "عرفة" حاجبيه واتسعت عيونه ذهولًا، لم يتحرك من مكانه وظل ماكثًا على التطلع للطفل بنفس النظرات. 


+



انصرف الرجل رفقة ابنه، فاعتدل "عرفة" في جلسته على الأرض ثم استند عليها قائمًا ينفض عن ثيابه الغبار، رمق ظهر الرجل بنظراتٍ مغايرة متشحة بنيران الحنق لكونه لم يسترد حقه منه، إلا أن الاستغراب في عينيه كان أكثر وضوحًا حين همس لنفسه مستعجبًا أمرهما:

_يا سبحان الله، فولة واتقسمت نصين! 


+



ذُهِلَ حقًا من مدى التشابه العجيب بين الرجل وابنه، أوقف أفكاره عن التفكير في هذا الأمر السخيف مقارنةً بما ينبغي عليه أن يقوم به. 


+




        

          


                

نظر إلى المكان التي كانت الفتاة به فلم يجدها، صفع جبهته بسخط وسار يعيد بحثه عنها، على بعد شارعٍ منه شاهدها تركل الكرة مع أطفالٍ أكبر سنًا منها.


+



واصل سيره مع ملاحظته لفتاةٍ أخرى تطالعها بنظراتٍ مريبة ترجمها على أنها حقد وما أثبت له ذلك هو أنها اندفعت نحوها بغليلٍ حينما أخطئت الهدف وتدحرجت الكرة بعيدًا. 


+



زايد من وتيرة سيره حتى صار هرولة، فالفتاة الغاضبة جذبت الأخرى المسكينة من خصلاتها الشقراء مما أدى إلى بكائها وإمساكها لها من يديها تحاول بكل ما أوتيت من قوى أبعادها عنها إلا أن أصابع الأخرى التفت بعنفٍ أكبر على شعرها وضاعفت من ألمها ونحيبها مع ذلك استمرت في الزود عن نفسها.


+



وصل أخيرًا إليهما وضغط بيديه بلا شعورٍ على يديّ تلك الحاقدة فصاحت بألمٍ ورمته بنظرةٍ حارقة يملؤها الغضب، فارت دماؤها صارخة تأمره في عصبية: 

_سيب أيدي!!! 


+



في حياته لم يحسب أنه سيصل لهذه الدرجة من العنف، يبدو أن استيائه من التعنيف الذي تتعرض له تلك الفتاة المسالمة أفاق الجزء الشرس من شخصيته ليدافع عنها فقط، من ضغطه على أصابع "چنى" تعاظم ألمها، فراحت تصرخ من الألم؛ ولكنها لم ترتدع، لم تدع خصلات "نهى" وشأنها، وكلما ضغط فعلت هي المثل، جن جنونه فكل ما يفعله لا يثمر ولا يأتي إلا بنتائج عكسية. 


+



حله الوحيد هو أن يفك أصابعها واحدًا تلو الآخر وهذا ما شرع في فعله. 


+



احترقت أعصاب "چنى" بانفعالٍ فائق وهي تشعر أن موازين القوى اختلت وبعد أن كانت هي الأقوى ظهر من هو أقوى منها بفارق في العمر.


+



 مع إفلاته لآخر إصبع من أصابع يديها دفعها برفقٍ كان كافيًا لأن يزيحها عن طريقه، وغادر جاذبًا "نهى" المنفجرة في البكاء بوجهها الأحمر وشعرها المبعثر وفروة رأسها التي تؤلمها. 


+



مدَّ "عرفة" يده نحو رأسها فنأت بنفسها بقدرما استطاعت ولولا يده المتشبثة بكفها لكانت فرت هاربة، مسح على رأسها مغمضًا عينيه بإدراكٍ لردة فعلها وباشفاقٍ فطر قلبه عليها، أنبه ضميره لعنفه غير المسبوق مع تلك الفتاة، سألها رغم تجلي الإجابة نصب أعينه: 

_إنتِ كويسة؟!! 


+



انزلقت من أعينها الخضراء عبراتٍ ساخنة تجري وراء بعضها على خدها الملتهب، لامست بيدها فروة رأسها متأوهةً، ثم أجابته إجابتها المتوقعة من قبله بمنتهى الشفافية والبراءةُ خالطت نبرتها الطفولية: 

_شعري بيوجعني.. 


+



استأنف سيره بها، شادًا على يدها بعزمٍ على تنفيذ ما كُلِفَ به، فهل سيوفق في مسعاه؟!! 

ــــــــــــ

توقفت خطاها على بعد أمتارٍ من« قسم الشرطة».


+



"_قولتلك استني مني الإشارة وإنها ممكن تكون في أي وقت، وده وقتها!! "


+



تردد صوت ابنة عمها في أذنها، هذا ما أخبرتها به منذ ساعة، دورها في الخطة أتىٰ، وعساها تقوم به على أكمل وجه! 


+




        

          


                

قصف قلبها في صدرها، جفّ حلقها تمامًا وانزلقت حبيبات العرق الباردة على جبينها، أخرجت مِنديلًا من حقيبتها تمسح على جبينها بكفٍ مُرتعشٍ ريثما تستأنف خطواتها المتخشبة نحو المدخل الواقف على بابه عسكريان، ازدردت ريقها بصعوبةٍ وهي تعبر من بينهما، تنفست بعمقٍ تهدأ من روعاتها فهكذا سيشك أحدهم بأمرها، سيظنونها ارتكبت جُرمًا ما وهي بعيدة للغاية عن الإجرام. 


+



مر عسكري من جوارها فنادته برفقٍ ونبرة مرتبكة: 

_لو سمحت وقف.


+



استجاب لها متوقفًا عن السير ورفع حاجبه بصمتٍ، فتقهقرت هي خطوة للخلف محاولة الاحتماء من شيء ما، ربما من نظراته الفاحصة، ونطقت تسأله باحترام بلهجةٍ متلعثمة: 

_ مـ... متعرفش فين مكـ... مكتب "سفيان" باشا؟! 


+



رمقها بنظرةٍ صارمةٍ وأشار بكفه يجيبها بهدوءٍ جاد قبل أن ينصرف: 

_هناك كدة، آخر الطرقة. 


+



شكرته بهمسٍ شديد الخفوت لم يسمعه لكونه غادر بالفعل: 

_متشكرة. 


+



مزيدًا من الارتجاف عصف بقلبها، رمشت بارتباكٍ غزا دواخلها، هي مُقبلة الآن على خطوةٍ لم تتخيل يومًا أن تخطوها وبمليء إرادتها، تريد أن تولي بالفرار، أن تختفي وتتلاشى كالغبار فلا يلاحظها أحد، تمهلت في سيرها نحو وجهتها المقصودة. 


+



غدا قلبها خافقًا بعنفوان يغني لحنًا مُقتبسًا من اسمها، وصلت إلى مكتبه بشق الأنفس فسكنت قدميها _أمامه_ إجباريًا، وصار من العسير عليها التنفس بشكل طبيعي.


+



 تردد صوتها في الوسط بينها وبين العسكري عندما قالت بأنفاسٍ مسلوبة: 


+



_عاوزة أدخل للظابط سفيان. 


+



في جديةٍ خشنة سألها العسكري الشاب:

_نقوله مين؟ 


+



بدت ثابتة متجلدة حينما صرَّحت باسمها بتبلكٍ طفيف:

_تغريد، قوله تغريد.


+



رده كان أن أومأ صامتًا ومن ثم ولج غرفة المكتب تاركًا إياها على وقفتها.

تأَّملت هي كل ما حولها بنظراتٍ زائغة، فتارةً ترى عساكر يمرون مصطحبين بعض المجرمين المقيدين بالأغلال الحديدية، وتلاحظ أفرادًا من الشرطة يسيرون منفردين تارة أخرى. 

وخيالها يأخذها عنوةً لما مضى منذ زمن قريب، قريب جدًا... 


+



ظنت _واهمةً_ أنها استطاعت طوي هذه الصفحات الوردية من كتاب حياتها، وخدعت نفسها أن بإمكانها تخطي كل شيء بدون أن تتأثر، ورددت دومًا أدعيةً على روح ما دفنته داخلها...


+



ـــــــــــــــــــــــــــــ


+



قضايا شائكة، أوراق شديدة الأهمية، ملفات مفتوحة، وقليل من الراحة، هكذا كان يوم الضابط المتفاني "سفيان نصّار" مزدحم بعملٍ وافر... 


+



طُرِقَ الباب فأعطى للطارق إذنه بالدخول، أدى العسكري التحية العسكرية ووقف باستقامة ومن ثم أبلغه بطريقةٍ رسمية: 

_في واحدة واقفة برة وعاوزة تقابل حضرتك يا باشا.


+




        

          


                

بتعبيراتٍ ثابتة وصوتٍ جادٍ سأله: 

_واحدة؟ مين دي؟ 


+



عقد العسكري حاجبيه مُحاولًا تذكر اسمها الغريب على مسامعه، ومن ثم هتف بحيرةٍ: 

_بتقول إنها اسمها، اسمها تـ... تسنيم، تنغيم.


+



رفع "سفيان" حاجبيه معًا باستغرابٍ، في حين أضاف العسكري بسرعةٍ: 

_ أه تغريد. 


+



توقف قلبه عن الخفقان لوهلة، ثم عاد يضخ الدماءَ في أوردته بقوة، كان لاسمها على روحه وقلبه بالغ الأثر، الذهول الممزوج بالفرحة احتلَّ كيانه فارتعشت يده لحظيًا قبل أن يمسح بها على شعره يبعده عن جبهته، همس مدهوشًا يمطُّ حروف اسمها مطًا: 

_تغـريـــــــد؟!!!!!


+



أيعقل أن تكون هي؟!! 

أم أنه مجرد تشابه في الأسماء؟! 

إن كان هذا أو ذاك إذًا ما جدوى العيش إن لم يُدركها قلبه قبل أن تُدركها عيناه؟!!!! 


+



بلهفةٍ طاغية على قسماته وبعينين شغوفتين أمره باندفاعٍ: 

_دخلها بسرعة. 


+



رأى العسكري يؤدي التحية هاتفًا بانصياع وتجليل: 

_تمام يا فندم. 


+



انصرف بعدها مُختفيًا عن أنظاره، فغرق هو في واحات مشاعره المكنونة في نفسه.

فيا لسعده بلقياها، ويا لهنائه برؤياها! 


+



لم يُطق مواصلة الجلوس على مقعده فهبَّ واقفًا يتنفس الهواء بشراهةٍ كأنما حاجته له تزايدت، وتأهبت عينيه وأذنيه لأي شيء قد يدخل من الباب..... 

ــــــــــــــــــــــــــ

بعدما أُغلق الباب من ورائها تيبست أقدامها في موضعها كوتدٍ دُقَّ في أرضٍ قاسية. 


+



عُرِفَت دومًا بخفةٍ ظِلها ومرحها وحيويتها، لكن لم يعهدها أحدهم في حالٍ كحالها هذا....


+



نفسٌ المشاعر التي اجتاحتها منذ ساعاتٍ تغزوها الآن وبقوةٍ، فتسلب منها ثباتها ورجاحة عقلها. 

وأقوى هذه المشاعر هو شعور الحنين.... 


+



الفارق أنها الآن تراه، نصب أعينها، في مرمى بصرها، يبادلها النظرات المشتاقةٍ بأشد منها.... وهناك بينهما جسورٌ مُهترئة لا تضمن لها سلامة العبور للجانب الآخر، فلا يمكنها سوى أن تراقبه من ذاك الجانب البيعد عنه القريب منه! 


+



حالما رآها أشرق الكون في عيناه، وانتفض قلبه رهبة في حضرتها، وتألقت مُقلتاه بوميضٍ جذاب خلب فؤادها سارقًا منه عدة دقاتٍ مجنونة، ثم وبصوتٍ هامس ملآن بالشوق أخبرها: 

_وحشتيني.


+



رمشت ترفرف أجفانها، تُخفي عنه نظرات أعينها التي لا محالة ستشي بها، أطلقت من صدرها زفراتٍ متوترة، في حين تتقدم منه.


+



وقفت على بعدٍ صغيرٍ منه، قضمت شفاهها مترددة في نطق ما في جوفها من كلمات، ولمّا رأت أن وقوفها هنا صامتة غريبًا خاصة مع تركز أنظاره المدققة بتأمّلٍ عليها وفي قسماته ولغة جسده عاطفةً وأدتها هي بنبرتها الخافتة السريعة تدفع لسانها الجبان ليتحرك: 

_هتخليني أندم إني جيت لك.


+




        

          


                

حزنت عيناه، وانكمشت قسماته بألمٍ لثوانٍ قبل أن يغلفها بغطاءٍ باردٍ واهٍ، يُقلدها في إخفاء هذه المشاعر ما دامت لا ترغب في رؤيتها، وهذا في حد ذاته آلمه أشد الألم....


+



ملامحها جامدةً، شفاهها مُطبقة، أعصابها باردةً ظاهريًا، عيونها فقط هي التي كانت تحكي سطورًا من شعر الغرام... 


+



وهو المستقيم بوقفةٍ شامخة على بُعدٍ بسيطٍ منها رأى ذلك في عسليتيها، لهذا رقص قلبه ينبض بعنفٍ وعنفوان، وعلى نقيض خفقانه المتلاحقتة كانت ملامحه كملامحها مُفعمة بالبرود والجمود..... إلا عينيه الدافئتين اللتين تستقبلان تعاويذ السحر المنبعث من عينيها القاتلتين..... 


+



ما تلك المشاعر الجارفة والتي تجتاح كيانه الآن بلا هوادة؟ 

ما كل هذا الشوق المنبعث _دون إرادةٍ_ من عينيه؟


+



بات يشعر بها مِلأ روحه وسمعه وبصره. 


+



لطالما كانت تغريدة العصفور فوق شُباكِ غرفته كل صباح، كأنما في رؤيتها يتنحى الظلام عن دنياه، وتُشرق عيناه من قبس نورها. 


+



كل حين يأخذ أنفاسًا ثقيلة فحضورها المُباغت أخذه على حين غرة، أشار لها بكفه في حين يخاطبها بما يخالف كل ما يفكر به:  

_اتفضلي يا تغريد، أقعدي.


+



جلست تنصاع لقوله، مع همسها بكلمةِ شكرٍ واحدة: 

_شكرًا. 


+



لم يكد يستقر بجلسته على المقعد في مقابلها حتى سألها وعيونه تلتمع بوهجٍ جميل: 

_مش ناوية تغيري رأيك؟ 


+



عبثت "تغريد" بطرف حجابها الطويل وأجابته والحروف تُعاندها: 

_بلاش السيرة دي الله لا يسأك. 


+



ليتها لم تفكر في المجيء إليه بأقدامها! 

ليتها فقط بعثت من يقوم بالأمر عنها!

ليتها!!!! 


+



زفراتٌ مختنقة خرجت من فمه مع كلماته الجادة: 

_لازم نتناقش يا تغريد. 


+



تلافت لقاء عينيها بحدقتيه ولم ترد، ثبتت نظراتها المتحرجة على حذائها كأنها لا تعرف شكله، وللعجب اكتشفت به قطعًا صغيرًا!! 

ستوبخ البائع فورما تخرج من هنا، كيف يبيعها حذاءً به عطب كهذا؟ 

وكأن الأمر يشكل هذه الأهمية لديها!

أما الحقيقة فهي تريد أن تشتت تفكيرها بأي شيء خيرًا لها من أن تفكر بما يقول....


+



رفع صوته قليلًا والضيق يرسم خطوطه على وجهه لكونه لاحظ شرودها _المتعمد_ عنه : 


+



_ لازم أعرف ليه رافضة الارتباط بيا؟!!! 


+



ابتلعت ريقها المكتسب مرارةً في حلقها الجاف من كل ما تعايشه منذ حضورها للقسم وحتى الآن، لم تعثر على ما يليق قوله في هكذا موقفٍ حرج، فعاجلها "سفيان" يفصح لها عن مخاوفه وتخميناته: 

_لو بتكرهيني قوليلي وأنا هبعد نهائي عن طريقك. 


+



ترقرقت مقلتاها بعبارتٍ إبان قوله السابق، وانصهر الجمود عن قسماتها، ورفعت إليه عيونها بترددٍ، وارتعشت نبرتها وهي تنفي بهزات متتابعة من رأسها: 

_لا، لا، لا مش بكرهك أبدًا. 


+




        

          


                

رجع للوراء مُسندًا ظهره على المقعد، وراح يُناظرها بعيونه الفاحصة المركزة مع ردود أفعالها العجيبة في نظره، وتسائل بين جنبات عقله عن سبب منطقي لرفضها، أخذ قلمًا من المقلمة الاسطوانية الموضوعة على سطح مكتبه، لعب به بين بنانه ولكن عيونه ماكثة على مطالعته لها حينها سألها بفضولٍ ينهشه: 

_طيب إيه بقى اللي مخيلكي مش عاوزة تتجوزيني؟ 


+



تهربت من عيونه وهي تجيب بهمس موجز: 

_أهلك. 


+



سقط القلم بين يديه على الأرضية، وانزوى ما بين حاجبيه، واستولت عليه صدمة قوية، فقد السيطرة تمامًا فهتف مذهولًا: 

_إيه؟؟!!!! 


+



وجدت "تغريد" نفسها مُضطرة لأن توضح له كل ما رفضت أن تبوح به قبلًا، تذبذبت أنفاسها وأغمضت أجفانها فانزلقت دمعة على خدها مسحتها سريعًا وقالت مُكرهة: 

_أهلك مش بيحبوني، مش طايقيني، بيستحقروني عشان مستوانا الاجتماعي مختلف. 


+



بدا "سفيان" غير مُقتنع بأسبابها، وغير واعٍ لمعاناتها وتأثير عائلته الطاغي عليها، فنطق بعدما تدبر قولها: 

_إنتِ هتتجوزيني أنا ولا هتتجوزي أهلي؟ 


+



شجعت نفسها لتفتح عيونها تراه ينتظر منها إجابة شافية لما يعتمر دواخله من اضطراب وعدم اقتناع، فجاوبته بنبرة شديدة الخفوت قوية التأثير: 

_أنتو الاتنين. 


+



لم يعطي أي ردة فعل لثوان، ثم مال للأمام يقرب وجهه ناحيتها ويغير من وضعية جلسته تزامنًا مع تساؤله المقتضب: 

_نعم؟ 


+



شعرت بأنواع من الاختناقات تجتاح صدرها فمسحت عليه بكفها تفركه لعلها تخفف عنه وخزات الآلآم، ضغطت زر هاتفها المحمول تطالع خلفية شاشته تناور بهذا غارات الألم. 


+



أن تكون مرفوضًا من أحدهم لهو أمر مؤلم وقاسٍ جدًا، النظراتُ عليكَ تكون حارقة، نافرة، مؤذيّة تذيبك بالتدريج، الابتساماتُ المتملقة المغصوبة تصطدم بوجهك كالشوك النابت في الورد تمزققك تمزيقًا، والكلماتُ الغامضة التي تحمل ألف معنى سيء ومعنى واحد جيد تقسم قلبك لأنصافٍ وأنصاف. 


+



هذا إن كان شخص واحد لا يطيق رؤيتك، فماذا بعائلة كاملة؟!!! 


+



_بشكل أو بآخر أهلك هيأثروا على جوازنا وأنا مقبلش أكون مرفوضة وأشوف نظرات استحقار في عيونهم. 


+



قالتها والجزء الجاد الحكيم من عقلها يصحو، قالتها وهي تعنيها، فعائلته سيؤثرون على زواجهما حتى وإن ابتعدا عنهم، سيأتي يوم ويجتمعون سويًا، يتحدثون، ربما في المناسبات أو في أوقاتٍ أخرى. 


+



في كل الأحوال سيلتقون، وستكون هي مُجبرة على معايشة ما لا تطيق نفسها....


+



لم تصله رسالاتها الواضحة في كلماتها، لم يفهم بعد مسار أفكارها، لم يتفهم وجهة نظرها؛ لذا عقب "سفيان" على جملتها بضيقٍ يفوح من حروفه: 

_أه، بس يرضيكي أحس إني مرفوض لسبب غير منطقي..... 


+




        

          


                

خيَّب آمالها، ازعجها، وزاد من ارهاق روحها... 


+



فمن جانب هي لا تود _أبدً_ أن تكون وسط أُناسٍ لا يرغبونها، ومن جانب آخر ينشطر قلبها آلاف المرات برؤياها لحزنه وبؤسه؛ لهذا كانت تفضل البعاد وتتلافى أي احتمال للوصال..... 


+



كم هو متعب أن تحب شخصًا لا يوافقك في التفكير! 

أن تميل على كتفٍ وأنتَ خائف من ألا يسدنك... 

أن تتشبث بيدٍ والرعب يملؤك أنها _ربما_ ستفلتك... 


+



استنغت عن المناقشة العقيمة معه، وهمست تعاتبه بنبرةٍ مرتخية تنم عن إعياء في فؤادها لا جسدها: 

_مكنتش عاوزة أخوض في الموضوع ده، لإنك عمرك ما هتفهم وجهة نظري وده سبب تاني يخليني أتراجع واتردد في الارتباط بيك. 


+



آلمه حديثها، وأشعره أنه بعيد كل البعد عنها حتى وإن حسب أنه قريب منها ولو بقدرٍ بسيط، اسدل رموشه ناظرًا في عمق العسل في عينيها وهو يسألها كمن فقد الأمل في شيء عزيز عليه: 

_يعني ده آخر كلام؟ 


+



توسلته عيونها أن يكف عمَّا يفعله بها وبقلبها، اصتبغت نبرتها بالرجاء واليأس بقولها: 

_كفاية يا "سفيان"، أنا مش حمل ضغوط. 


+



تلهفت عيناه تدوران على ملامحها، يحاول أن يرصد أي أمارة للتعب أو الألم في قسماتها، لم يعثر على أي تعبير يدل على ألم جسدي، فأوقن أنها مستنزفة نفسيًا، سألها قلبه بلهفة قبل لسانه: 

_ ليه؟ مالك؟ 


+



لمعت نجومه الصفراء في عينيها، فامتزج لونها الذهبي بلون العسل فيهما، مما أكسب حدقتيها جاذبية مُضاعفة، فخفق قلبه بتمرد، أبعد عيونه عن أنهار العسل الجارية حول بؤبؤيها وفضّل مطالعة ملفٍ ما بدلًا من الغوص بعيونه هناك. 


+



ظلت عيونها تحدق بالنجوم على كتفيه بانبهارٍ، بفخر، باعجاب، وربما هروب أيضًا، تسارعت وتيرة خفقاتها حين أبلغته على عجالة: 

_ مش وقته الكلام ده، المهم إني عاوزة أقدم بلاغ. 


+



توقفت أنامله قسرًا عن العبث بأوراق إحدى الملفات المهمة، رفع هامته بسرعةٍ فتلاقت أعينهما، خوفه عليها غلب شوقه إليها فوجد نفسه يهتف بحمية: 

_ بلاغ؟!! في مين وليه؟ 


+



عيونها تأسرانه بقيودٍ ناعمة، وتلك الرموش الرقيقة تجرح قلبه كلما رفرفت كفراشةٍ بهيَّة، وأما صوتها الغامض فقد أخرجه عنوة من كل هذا: 

_ هقولك على التفاصيل. 


+



أومأ في جديةٍ دون النظر لها قبل أن يحدثها: 

_طيب، هطلبلك حاجة تشربيها. 


+



استحسنت قوله، وصرَّحت بهذا بعبارتها القصيرة: 

_ياريت والله. 


+



عجيب أمرهما مع الحب!!! 


+



ماذا فهل الحب بهما؟!  وإلى أين أوصلهما؟! 

بل كيف أضاعهما من أنفسهما؟! 


+



يخطفهما من عالمهما ويلقيهما في عالمٍ آخر مغاير تمامًا، يرمي بهما في أحضان أوطانٍ غير أوطانهما، يسرق منهما دقات قلوبهما وزفرات أنفاسهما وهويات أرواحهما، ليزرهما في تخبط وشتات..... 


+




        

          


                

بعض الحب يدواي جروحًا فُقِدَ الأمل في شفائها، وبعضه يجرح القلوب بأشواك وروده، أما حبهما فهو يُخلف فيهما جروحًا غائرة يظناها لن تطيب أبدًا، ثم يُداويهما كأنما لم يشعرا بألمٍ قط، ثم يعود ليجرحهما...... 

ويستمر الحال على ما هو عليه.... 


+



الحب يضعفنا أم يقوينا؟ 

يسلبنا أماننا أم يؤوينا؟ 

يضمد جروحنا أم يؤذينا؟ 

أم تراه يفعل بنا كل هذا وأكثر؟!! 


+



ــــــــــــــــــــــــــــــــــ


+



في الاسكندرية. 

موقع البناء التابع لشركة "المنسي". 


+



عمالٌ كُثر، مهندسون، مقاولون، كل هؤلاء منتشرون في المكان، كُلٌ يقوم بدوره على أكمل وجه، يتفقدون اللمسات الأخيرة على العقار الذي أخذ وقتًا مُتعبًا في العمل عليه، وهناك وقف "فداء" يراقب سير العمل، يعطي تعليماته للعمال، وعلى وجهه تعبيرات الجدية والصرامة.... 


+



وصلت سيارةٌ زرقاء، ثوانٍ وفُتِحَ بابها يُطلٌ منه "باسل"، راقب بحدقتيه المهتمتين كل ما حوله من تحركات، تسربت الراحة إلى صدره فأثلجته، فاليوم هو الأخير في هذا المشروع الذي أوكله إليه "طلال"، وهو أبدًا لا يريد أن يخيب آماله به، ولا ريب من أنه اشتاقه، ولا يطوق الانتظار حتى يعود إليه مُحملًا بإنجازه. 


+



سار نحو الرجل الخمسيني، وحياه بهتافٍ ودود: 


+



_السلام عليكم يا يا عمو فداء.


+



التفت له "فداء" والتفاجؤ مرسوم على وجهه المجعد _نوعًا ما_، ثم بادله التحية ببشاشة: 

_وعليكم السلام يا باسل يا ابني. 


+



وقف "باسل" إلى جواره يتمعن في كل ما حولهما من نشاط العمال  وهمتهم لإنهاء العمل في وقته المناسب، وكذلك فعل "فداء" الذي وبعد لحظاتٍ من التأمل والصمت تحدث بخفوت: 

_ألف سلامة على الباشا. 


+



رمش "باسل" متفاجئًا ومستغربًا مما سمع، ظن أنه يُخيل له لهذا سأله مستفهمًا بجهلٍ بيّن: 

_الباشا؟!! الباشا مين؟ 


+



ضيّق "فداء" أعينه يطالعه بتعجبٍ شديدٍ، وأجابه غير مقتنع بجهله العجيب للأمر:  

_طلال بيه. 


+



اتسعت عيونه، وخفق قلبه بقوةٍ مؤلمةً، وشعر أن هناك خطب ما، فصاح بشدوه: 

_طلال؟!!!! 


+



زاد ضيق عيني "فداء" وهو يردد متسائلًا: 

_هو أنت مدريتش ولا إيه؟ 


+



شعر بالدماء تُسحب من قلبه ومن وجهه فبدا شاحبًا تائه الأنفاس عندما قال بشيء من الرجاء وكثيرٍ من الارتعاش في نبرته: 

_مش فاهم والله يا عم فداء، ممكن توضح لي؟ 


+



واصل "فداء" حديثه الغامض وغير المفهوم للآخر: 

_دي الجرايد كلها بتتكلم عن الحادثة.


+



صواعقٌ من خوفٍ ضربت بدنه، شعر "باسل" بعالمه يتداعى أمام أعينه، وبأنفاسه تُخطف منه بلا تمهيد، وبلحاف الأمان يُشد غدرًا من فوق جسده فيتركه في غابات الرعب بدون غطاءٍ...... 


+




        

          


                

لوهلةٍ لم يقوى لسانه على السؤال، وعلى صدره سقط ثقل الجبال، ظن أنه لن ينجو أبدًا من تلك الأهوال، فمن يحميه ويأويه بات صعب المنال، ابن عمته كان له أخًا يدافع عنه كالأبطال، ولن يحلو له عيش بدونه فأخوتهما يُضرب بها المثال..... 


+



أتاه حديث "فداء" كسكاكينٍ من نارٍ تُغرس في قلبه بضراوة فلتهبه: 

_دي حتى القنوات الفضائية بتاعة الأخبار من إمبارح وهي بتذيع الخبر. 


+



كان "باسل" في هذا الآن شاردًا يائسًا.... ومرتعبًا، مسح على شعره وتنفس باضطراب، وطرد الشرود عن عقله قدرما يسطيع لينطق بحروفٍ بطيئة تنم عن ضياعٍ يسكن جنباته: 

_جرايد وقنوات أخبار وخبر؟! معلش خدني على قد عقلي وفهمني حصل إيه لكل ده؟ وإزاي أنا معنديش خبر؟! 


+



بدلًا من أن يشرح له "فداء" قرر أن يريه بأمٍ عينيه ليصدق، فتح هاتفه وبحث به قليلًا ثم أعطاه له قائلًا: 

_بص كدة يا بني. 


+



ناظره "باسل" بترقبٍ ورعب عظيمٍ راح يعوث فسادًا في قلبه، ألقىٰ بنظرةٍ خاطفة نحو الهاتف، باتت أنفاسه تضيع منه، نسي كيف يتنفس، الهواء من حوله اختفى، عيونه لاتزال مُثبتة على الأخبار المنشورة بعناوين مثيرة لاهتمام غيره ولألمه هو...... 


+



أنىٰ له بثباتٍ الآن؟! 

أنىٰ له بقلبٍ آخر يحمل عن قلبه هذا الثقل البالغ؟! 

كيف حدث هذا بابن عمته؟!! 

بل كيف ولما أخفىٰ عنه هذا الحادث الأليم؟!! 

ألم يكونا شريكي فرحٍ وحزنٍ وراحةٍ وألم؟!!  


+



ـــــــــــــــ

فتح غرف الڤيلا جمعيها ولم يجد "باسل" في أيٍ منها. 


+



أين رحل صديقه؟!! 

بل كيف غفل عنه؟!! 

أيعقل أن تكون والدته هي السبب في اختفائه؟!! 


+



لقد بحث عنه في موقع البناء وفي كل مكان في الڤيلا بلا جدوى، ولم يعد في رأسه عقل ليستوعب إلى إين ذهب، باتت الحيرة تأكل من عقله كل حينٍ جزءًا، ومرارة العجز أنشبت حرائقها في قلبه. 


+



فقد "راغب" القدرة على التحكم بأعصابه لينهار مرتميًا على أقرب أريكة، دبدب بقدميه على الأرض وأخذ يفكر في كل الأماكن التي من المحتمل وجوده فيها، انتفض ناهضًا وكل الاحتمالات لا تؤدي إلا لما يخشى... فإما أن يكون حَاَدَثَ والدته وإما أن يكون وصل إليه الخبر والنتيجة في كلتا الحالتين كارثية!!! 


+



"باسل" شخص عاطفيٌ يتأثر بكل ما حوله، يؤذيه الأذى الذي يصيب أحبته، فإن تعرض له أحدهم لن يتأثر بقدرما يتعرض شخص مِن مَن يحب لأي ضرر، وهذا ما يرعب "راغب" على صديقه المتهور. 


+



كانت عيونه عليه، يراقبه خفية، يعلم ما يقوم به؛ لكنه لم يحسب حسابًا لاختفائه المباغت هذا. 

ما كان يريحه سابقًا أنه نبَّه على كل العمال بعدم التفوه بأي حرف يمد للحادث بصلة؛ لكي لا يعلم "باسل" بما جرى.... إلا شخص واحد!!!! 


+



شخص واحد قادر على أن يقلب الموازين. 

شخص قريب جدًا من "باسل".... وهذا الشخص هو.... 


+



هتف "راغب" بإدراكٍ وبلا وعيٍ منه: 

_فداء!!!!! 


+




        

          


                

ولأنه لا يملك رقمه، اتصل بـ"إيڤا" وانتظر على أحر من الجمر ردها عليه، فُتِحَ الخط من قبلها فعاجلها بكلامه المُغلف بالقلق: 

_ ألو يا إيڤا، مش لاقي باسل في الڤيلا، ومش عارف أعمل إيه!! 


+



على الجانب الآخر دارت "إيڤا" حول مكتبها، ووقفت في منتصفه ثم حاولت أن تهدأ من روعه على صديقه بقولها الرفيق: 

_ طيب حاول تهدى، وهنلاقيه ... 


+



صرَّح "راغب" بما يعتريه من مخاوف: 

_ مش قادر أهدى، خصوصًا إن في احتمال يكون جراله حاجة. 


+



قابله الصمت من طرفها يدل على قلقها هي الأخرى، فأردف سائلها: 

_ تعرفي رقم فداء؟!! 


+



سمعها تتسائل بجهل: 

_ مين فداء ده؟!! 


+



أوضح لها بخفوت: 

_ ده المقاول اللي شغال في الموقع. 


+



أحس أنها لم تتذكره أو لم تتعرف عليه أصلًا لكونها لا تذهب للموقع فهي لا تهتم إلا بالشؤون القانونية في الشركة ولأجل هذا لم يستغرب ردها التالي: 

_لأ، معرفش رقمه... 


+



اتخذّ طريقه للخروج بغية الذهاب إلى الموقع لمقابلة ذاك المقاول بعدما تأكد من وجود مفاتيحه وهاتفه، لم يجد بدًا من إنهاء المكالمة، تمتم مختتمًا حواره معها: 

_خلاص، شكرًا وآسف على الازعاج.


+



أبدت "إيڤا" عدم رضاها عما قاله وأضافت إليه استعدادها الكامل لمساندته في محنته: 

_ مافيش داعي لا للأسف ولا للعتذار، أنا اللي إسفة لإني مقدرتش أساعدك، بس هدور معاك على باسل وأكيد هنلاقيه. 


+



شعورٌ أن هناك شخصٌ ما يقف جوارك في أحلك ظروفك لهو أمر باعث على الدفء، يكفيك كلمة "أنا بجانبك" حتى وإن لم يقوى ذاك الشخص على مساعدتك، يكفيك أنه موجودٌ لأجلك حتى وإن كان غريبًا عنك....


+



ردد يترك الأمر لربه، لعله يحفظ له صديقه أو يجعل طرقهما تتقاطع: 

_إن شاء الله. 


+



لدى كلٍ منا جانب رقيق هش يحتاج لمن يحتويه ويحميه، نحن بحاجة ماسةٍ لمن يمد لنا يد العون حينما نسقط، من يحتضننا حينما نبكي ويتقاسم معنا دموعنا وألمنا، نحن فقراء إلى الحنان والأمان دائمًا وأبدًا.... 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تجولت بين رفوف الكتب في مكتبة والدها، تبحث عن كتابٍ ما، خُطِفَ قلبها من قِبَل مجموعة من العناوين البراقة، احتضنت ما نال إعجابها من كتب وروايات كأنما حصلت على أكثر شيء ثمين في الكون. 


+



مر بخضراويها بريقُ بهيٌ يليق بها، وأصبحت ملامحها أكثر نضرة، فالكتب تمنحها رونقًا وتُعيد إلى جسدها الحيوية، تُنشط خلايا عقلها،  وتربتُ بلطفٍ على جراحها، فتُنسيها الألم، وتمحو عنها أحزانها... 


+



وضعت كل ما في يدها على طاولة كانت الأقرب إليها من أي غرض آخر، وأبقت على كتابٍ واحد بين أناملها مقررة مُطالعته الآن وفورًا، كان عنوانه باعثًا على الأمل والطاقة الإيجابية التي تفتقر هي إليها "الطريق إلى النجاح" للدكتور "إبراهيم الفقي". 


+




        

          


                

دومًا ما أحبت مشاهدة مقاطع الڤيديو المنشورة له على اليوتيوب، فصار مثلها الأعلى، وواظبت على متابعة كل ما نُشر عنه، نبرته الهادئة، شرحه المُبسط، أسلوبه المريح ساهموا في رفع بعض الثقل عن قلبها، ثم بعد ذلك انتقلت للقراءة له... 


+



قرأت حوالي خمس صفحاتٍ وهي واقفة في مكانها بلا حراكٍ وبتركيز شديد، رفعت وجهها من بين صفحات الكتاب باحثة عن والدها بأعينها، حينما وجدته يميل ليضع كُتبًا في رفٍ منخفض تركت كتابها وسارت تجاهه تساعده في ذلك ببسمة واسعة بشوشة. 


+



_شكرًا يا حبيبتي. 

قالها "غيث" بحبٍ فياض من عينيه مع ابتسامة واسعة على شفتيه.


+



تضاءلت ابتسامتها وهي ترد عليه بصوتها الهاديء: 

_العفو يا حبيبي، لا شكر على واجب. 


+



رجعت خطوة للخلف عندما رأته يسير نحو رفٍ آخر يمسح عن محتواياته القيِّمة ترابًا ناعمًا، فأردفت بلا تأخير: 

_بابا، عاوزة أطلب من حضرتك طلب اعتبره هدية نجاحي اللي مطلبتهاش. 


+



دون أن يلتفت لها قال باسهابٍ والعجز الممزوج بقلة حيلةٍ صبغ صوته: 

_أطلبي يا حبيبة باباكِ وأنا انفذلك كل طلباتك، وهدية نجاحك ملهاش دعوة باللي هتطلبه؛ لإنها مني أنا، سبب تأخرها يا بنتي إنتِ عارفاه، الظروف مش مساعداني. 


+



لمست عجزًا في كلماته، فاعتراها الندم لما فاهت به، مشت تجاهه لتقف أمامه وراحت تمسح على كتفه برفقٍ مع قولها الهامس المتشبع باعتذار غير منطوق: 

_ يا حبيبي مش بقول كدة عشان حاجة، دائمًا وأبدًا إنتَ أجمل هدية يا أستاذ غيوث. 


+



عقد حاجبيه مُستغربًا وقع اللقب على مسامعه، فانكمش وجهه المُجعد قليلًا، مُرددًا باستهجان: 

_غيوث؟! 


+



راقت لها تعبيرات والدها، ولكنها قالت في خفوت: 

_أه، مش وقته استغرابك يا بابا. 


+



هزَّ "غيث" كتفيه باستسلام، وتشدق ببسمةٍ صغيرة: 

_ماشي يا قلب غيوث. 


+



انبثقت على شفاهها بسمةٌ واسعة، ولمعت خضروايها كعشبٍ سقطت عليه قطراتُ الندى.... 


+



علاقتها بوالدها علاقة صديقة بصديقها، حبيبة بحبيبها، وأخيرًا ابنة بأبيها، التفاهم أساس بينهما، الحب عهد لا يُخلفانه، والاحتواء دستور يسيران وفقه....


+



أجبرت نفسها أن تخوض في حديثٍ شائك، خطير، ومزجع لوالدها، أخذت نفسًا طويلًا وزفرته ببطء، ومن ثم ألقت بقنبلتها في وجهه: 

_عاوزة أروح عند خالتو وحشتني قوي، اديلي زمن مزرتهاش. 


+



بنوعٍ من البلاهة الدخيلة عليه تمتم "غيث": 

_بس خالتك ميتة، هتزوريها إزاي؟ 


+



تفهمت حالة والدها، لابد أنه لم يعي بعد مقصدها، بالرغم من وضوح مطلبها، تنهدت تفسر له برفقٍ والاشتياق لحبيبتها يسيل من نظراتها: 

_هزور قبرها هي وأيمن ابنها وهقرأ لهم الفاتحة واسقي الزرع إللي جنبهم هناك. 


+




        

          


                

تجمَّد" غيث" مكانه، وارتعشت أصابعه الملفوفة حول قطعة القماش الصغيرة التي كان يمسح بها الرفوف، فوقعت منه عند أقدامه، ضاق صدره كثيرًا، وانقبض قلبه لفكرة ذهابها هناك، فالفتف لها يهتف بحنانه وخوفه الأبوي: 

_يا إيناس يا بنتي! كل ما بتروحي هناك بترجعي منهارة ومعيطة وبتفضلي تحلمي بيهم وتقومي في نص الليل تدوري عليهم. 


+



سألته "إيناس" بصوتها الهامس وزرعت في نبرتها حزنًا لم تتكبد إظهاره كي تؤثر فيه: 

_معنى كلامك إنك مش موافق يا بابا؟ 


+



تقدم نحوها نافيًا من فوره: 

_لا يا حبيبة بابا، أنا عامل عليكِ وعلى تعبك. 


+



وضع كف يده على خدها يمسح عليه بحنوٍ، واستمتمع لحديثها التالي: 

_متقلقش يا حبيبي، مش هتعب بإذن الله. 


+



لم يقتنع ولو بمثقال ذرة، فهو كان شاهدًا على كل انهيارات السابقة، ومع ذلك أخبرها بجدية: 

_خلاص يبقى رجلي على رجلك. 


+



لم تمنحه الفرصة ليذهب معها، فيفسد _عن غير عمدٍ_ ما تخطط له، فسارعت بقولها الجاد رغم مرحه: 

_مافيش داعي تتعب نفسك، أنا هاخد تغريد معايا وأهو تعملها حاجة مفيدة بدال قعدتها في البيت. 


+



النظرة التي منحها إياها احتوت على تردد، خوف عليها، وشيء من الاستسلام سبح في عينيه..... 


+



كل شيء يسير حسب الخطة، وعسى القادم يكون أقل وطأةً عليهم جميعًا.... 


+



هي تعلم أنها ترمي بنفسها أمام قطارٍ سريع خرج عن مساره متجهًا نحوها، نحوها مباشرةً... 

ــــــــــــــــــــــــــــ

_ محسيتش بنفسي غير وأنا بقوله كده، ساعتها شوفت في عنيه نظرة وجع حسستني بالذنب، مكنتش عايز أسببله الألم، رغم إنه على طول بيوجع قلبي بكلامه، وبيدوس على مشاعري من غير ذرة ندم، مش عارف ليه حسيت كإنه اتفاجيء بكلامي، مع إنه عارف إنه الحقيقة، يمكن عشان الحقيقة بتوجع وهو كاره يكون ضعيف قدامي، كنت مفكر إني بكلامي بأذيه هو لوحده، بس عرفت إني أذيت نفسي قبله، المفروض إن الأب يكون حنين على ولاده، يتفهمهم، يراعي مشاعرهم لكن بابا لأ، بابا شخص قاسي وعمره ما هيتغير، أنا... أنا تعبان أوي يا "طلال"، حاسس إني مخنوق، حاسس نفسي بموت، بضيع، مش عارف مالي.... 


+



اصغى "طلال" لحديث "سامي" المطول عبر الهاتف، لم يقاطعه وتركه يبوح بما يؤذيه، لعله عندما يتشارك معه الألم يخف عنه ولو قليلًا، يكفيه أن يشعر أن هناك شخص ما يعنيه أمره وينصت له بلا مقابل... 


+



كل ما بدر من "طلال" في هذا الآن أنه سار في حديقته الخلابة بتؤدةٍ، عقب الجدال المحتدم بينه وبين "فراس" أصرَّ عليه الأخير أن يعود لمنزله كي يحظى بقليلٍ من الراحة نظرًا لحالته المتدهورة مؤخرًا، وهو بالطبع رحب بالفكرة تاركًا حمول العمل على عاتق شريكه وصديقه مؤخرًا.


+



أغمض عيناه مستمتعًا بمزيج الروائح المنبعثة من الأزهار المتنوعة والذي يداعب أنفه فيزيده راحةً واستمتاعًا، اصطدم تيارٌ ليليٌ في بشرته فأجبره على الابتسام وقتئذٍ فاجأه بسؤاله المُحطِم لتوقعاته: 

_صليت العشاء؟! 


+




        

          


                

_أنا... أنا... 

تلعثم "سامي" ونبرة صوته حملت لونًا من الاحراج المصحوب بتيه يغزو كيانه، مما زايد من رغبة "طلال" في إرشاده للطريق الصواب ومعاونته على درأ كل المعوقات التي تحول بينه وبين الصلاة.. 


+



تابع "طلال" مجيبًا بالنيابة عنه: 

_يبقى مصليتهاش، صليها وأبقى كلمني، العشاء أربع ركعات ولو لاقيت أي مشكلة رن عليا مش هنام غير لما نخلص كلامنا، OK؟! 


+



ولمَّا طال انتظاره لسماع أي إجابة منه استرسل في حديثه يحببه في هذه الفريضة: 


+



_عارف إنك متوقعتش تكون دي ردة فعلي، لكن الصلاة هي أكتر شيء هيريحك وهيخفف عنك، لإنك وإنتَ بتصلي هتكون قدام ربنا بتشكيله همومك وكل شيء مزعلك.... 


+



أتاه صوت "سامي" خائرًا متراخيًا ومليء بالتردد: 

_ مش متأكد إذا كنت هقدر أصلي أو لأ... 


+



كان "طلال" لينًا معه منذ البداية لذلك انتهج نفس الطريق قائلًا بحنانه الممزوج بجديته: 

_بص يا سامي، خد دي مني قاعدة "الكسل بيجر كسل والنشاط بيجر نشاط وإياك والتسويف في العبادة أو الدراسة أو أي شيء". 


+



بمزيدٍ من التراخي أجابه "سامي" بخمولٍ: 

_تمام، هصلي واتصل بيك. 


+



تبسمَّ "طلال" وصبغ نبرته بالحنان حين أخبره بصدقٍ: 

_وأنا مستنيك، وافتكر إني طول ما أنا عايش مش هتردد أبدًا عن مساعدتك... 


+



مع انتهاء المكالمة زفر "طلال" مرهقًا مما مر به طوال اليوم خاصةً وما يمر به على مدار حياته عامةً، رفع وجهه للسماء الغنية بألوانٍ الغروب هامسًا بعمق حاجته وعجزه وإيمانه: 

_ يا الله، آمن فؤادي. 


+



_ أهلًا بالحبيب الغالي!! 

ترددت هذه العبارة في أذنيه بغتة، فمال حاجبيه ينخفضان مع تشكل عقدة بينهما، بدا على "طلال" أنه غارق في المفاجأة وغير مستوعبٍ بعد أنه يسمع صوته هنا... أنه أتى إليه هكذا بدون أن يكون له خبر بحضوره، ويكاد يكذب نفسه التي لمست السخرية والخذلان في حروف الآخر بدلًا من الشوق والمودة...  


+



 رفع "طلال" عيونه في وجه "باسل" الواقف على مقربة منه يطالعه بنظراتٍ حملت ألوانًا من المشاعر التي أغلبها قُبِضَ لها قلبه، 

وبلسانٍ ثقيل فقد قدرته على تجميع أي حروف أخرى من حروف الأبجدية ناداه "طلال" ولازال تحت وطأة دهشته: 

_باسل؟!!!!!! 

ــــــــــــــــــــــ


+



جثت على ركبتيها فوق التراب أمام قبر خالتها، مررت أصابعها الرفيعة على حروف اسمها المكتوب بلونٍ أسود، ذرفت عيونها الدموع بلا إرادةٍ منها، تمتمت بحسرة تناجي طيف فقيدتها: 

_وحشتيني أوي يا خالتو، كإنك خدتي روحي مني ومشيتي، بقيت بعدك زي التايهة في الدنيا دي، إنتي كنتي مثلي الأعلى، كنتي حلم طفولتي، عمري ما قلدت أي حد في تصرفاته غيرك، عمري ما حلمت أكون زي حد غيرك، وحشتيني يا غالية.... 


+



انسابت الدموع الجارية من خضراويها بلا سيادةٍ لها عليها، كل محاولاتها في التخفيف من غصص فؤادها المكلوم راحت هباءً. 


+



أشد أنواع الشوق قساوةً هو ذاك الذي نحمله في قلوبنا _المنكسرة_ تُجاه مفقودينا، من لن تجمعنا الحياة _الفانية_ بهم، ونبقى متخبطين متحيرين نتمزق ما بين عجزٍ بغيض وحنين لاذع، نتمنى لو يعود الزمن بنا لنضمهم لثوانٍ فقط، لو بإمكاننا أن نطلب مسامحتهم، لو نسمع أصواتهم الغائبة ونُحس أنفاسهم المنقطعة. 


+



شهقاتٌ ألم فرت من شفاهها المُنفرجة انتزعتها عنوةً من شرودها الأليم وألقتها في بقعةٍ أشدُ إيلامًا مع شعورها بنصلٍ حادٍ ينغرس في لحم كتفها الأيسر من الخلف، اتسعت أعينها من قوة الألم، وضاقت أنفاسها وهي تسمع هسيسًا حاقدًا ومرعبًا يخترق طلبتا أذنيها: 

_وليه الشوق ده كله، مدام إنتي أصلًا هتحصليها؟!!!!!! 


+



التاسع عشر من هنا 


الفصل الثامن عشر. "تنفيذ الخطة"



                                              

قبل البدء في قراءة الفصل أسألكم الدعاء لأهلنا في غزة. 


+



•♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡• 


+



جرحىٰ القلوب لا تُشفى جروحهم، لا تطيب وإن مر عليهم أزمان وأزمان. 

كيف تروي نهرًا جفَّت منابعه؟ 

كيف تنعش قلبًا ماتت دقاته منذ أمد؟ 

كيف ترسم بسمةً على شفاهٍ شوهها العبوس؟ 


+



ليس كل ما تراه عيناكَ وتسمعه أذناكَ فهو حقيقة، أعلم أن الحقيقة ربما تتوارىٰ خلف الصورة الظاهرة لكَ، فلا تخدعك المظاهر... 


+



هبَّ "فراس" من على مقعده مندفعًا وثائرًا كثوران البراكين النائمة منذ آلاف السنين ويكون انفجارها خطيرًا وغير متوقع زمانه، وصاح بلهجةٍ حادة مُستنكرة: 

_يعني إيه الكلام ده؟!!! 


+



رفع "طلال" له عينيه الرماديتين ببطء، وطالبه بهدوءٍ: 

_أهدا يا فراس وأقعد. 


+



تعصَّب "فراس" لذلك وأشار نحوه مُعنفًا: 

_إنتَ بالذات متقوليش أهدا، سامعني؟ 


+



تدخَّل "سفيان" في محاولة للتخفيف من حدة النقاش القائم بينهما: 

_هنفهمك الموضوع.... 


+



لم يعطه "فراس" المجال لإكمال حرف آخر، واستوقفه بكلامه المُتدافع من فمه كالحصى: 

_دا أنا اتصلت عليك يا أخي وكنت هموت من خوفي على الزفت طلال وإنتَ منطقتش ولا قولت إنك عارف كل حاجة ومراقبهم. 


+



أحنى "سفيان" رأسه بلا أدنى رد شفهي، فمهمة شرح الأمر للآخر ليست سهلة كما أعتقد هو و "طلال" هذا الأخير الذي هتف بتعجبٍ ظاهر: 

_ أنا قولت إنك أكتر واحد هتتفهم. 


+



ضغط "فراس" فنجان القهوة_ نصف الممتليء_ بين أنامله بعصبيةٍ، وأتى قوله كذلك متعصبًا: 

_أتفهَّم إيه يا "طلال"؟ 


+



وأشار نحوه مُضيفًا بلهجة اتهام: 

_سعادتك مخلتش فيا عقل عشان يفهم. 


+



"طلال" مُدرك فداحة ما اقترفته يداه هذه المرة في حق أحبائه الذين لن يصمتوا إن تعرض للأذى، فماذا إن كان هو الجاني على نفسه؟!! 


+



لذا ترك جِلسته غير المريحة على مقعده الذي لم يغادره من بداية الحوار واتَّجه نحوه واضعًا يده على كتفه برفقٍ يهمس في جدية: 

_خد الأمور ببساطة يا فراس وأخزي الشيطان. 


+



أزاح "فراس" يده بضيقٍ، وصرخ فيه بغضبٍ مفرطٍ: 

_كلامك بيفور دمي، ياريت تسكت خالص. 


+



وضع بعدها فنجانه على الطاولة بعنفٍ كأنه يريد كسرهما فتناثرت القهوة الساخنة على راحة يده الممسكة بالفنجان من الأعلى، لُسعت يده ولم يبالي. 


+



ونتيجة لتناثر القهوة على الطاولة حتى أن بعض القطرات لطخت بذلة "سفيان" الذي انتفض في حنقٍ بادٍ على تقاسيمه المنقبضة ووبخه بهتافٍ ساخطٍ: 

_إنتَ اتجننت ياض ولا إيه؟ 


+



ربع "فراس" ساعديه بمزيدٍ من العصبية وهو يرفع حاجبه ليرد بتحدٍ: 

_أه. 


+



في الآونة الأخيرة، تحديدًا ليلة إصابة "طلال" تكونت رابطة صداقة متينة بين ثلاثتهم، فصاروا يخشون على بعضهم، يقلق كل واحد منهم من أن يصيب الآخرين ضرر ما؛ لهذا "سفيان" يتفهم ردود أفعاله المهتاجة وهذا أيضًا ما دفعه للصمت وعدم رد الإساءة بمثلها. 


+



 

لكن "سفيان" ومع ذلك أراد أن يخفف غضبته منه فنفض بذلته الرسمية البيضاء بأطراف أصابعه وبعدها اجتذب مناديلًا ورقية يمسحها بها فوجد بقعًا بنية انتشرت عليها ففارت دماؤه في أوردته غيظًا ورمى المناديل بعنفوانٍ هامسًا من بين أسنانه الملتحمة: 

_عيل حلوف. 


+



سمعه "فراس" واشتاط لذلك وكاد أن يجري نحوه كسهمٍ منطلقٍ من قوسٍ شُدَّ خيطه، عرقل "طلال" تقدمه بيده التي وضعها على صدره وأرجأه لمكانه مستأنفًا حديثه بلينٍ يريد أن يُهدأه: 

_ سيبك منه وخليك معايا.


+



 بوجه مُحتقنٍ سأله "فراس" بنبرةٍ عدائية _نوعًا ما: 

_عاوز إيه؟ 


+



جاوبه "طلال" يبدي ندمه ورجاؤه المسامحة:

_عارف إنك مش طايقني وبتفكر إني عرضت نفسي للخطر رغم إني كنت عارف النتيجة مش كده؟! 


+



حدجه "فراس" بنظرةٍ محتدةٍ، فحينما تُكنُ الحب لأحدٍ ويُصاب بمكروه وهو عالمٌ به تغضب منه وتثور عليه وتنتفض بداخلك الرغبة في حمايته وتأنيبه، لهذا دمدم بإيجازٍ حانقٍ: 

_أه. 


+



مسح "طلال" ببطن يده من جبينه حتى شعره مع شعوره بصداعٍ بغيض ألمَّ برأسه، وراح يسترسل شرحه بشيء من الهدوء : 

_الحقيقة إني كنت متفق مع سفيان إني أساعده يوصل للي مشغل الولاد دول ومكنتش متخيل إنها ممكن توصل للطعن، سفيان كان بيتواصل معايا وكان الاتفاق إنه هييجيلي قبل ما يحصل حاجة ويقبض عليهم، لكن الوضع خرج عن السيطرة. 


+



لهذا رفع رأسه بإباءٍ وقال بنبراتٍ عنيدة: 

_ده مش مبرر بردو إنك تروح للخطر برجليك. 

لو لم يكن يهتم لأمره ما كان ليغضب منه أو يستاء، فإن أحببت أحدًا بصدقٍ لن تتوانى عن ردع كل المحاولات لإيذائه وربما ستفديه بروحك إن تطلب الأمر. 


+



و "فراس" يُضمر له احترامًا مُرفق بحبٍ أخوي نما مع الأيام والمواقف، سابقًا لم يكن يصف علاقتهما بالصداقة _ربما هذا على الأقل من وجهة نظره هو_ ولكنها أكثر متانة من مجرد صداقة، وإن أردنا الدقة فعلاقتهما مبنية على الإنسانية والإيخاء. 


+



تفشت أساطيل الألم في ملامح "طلال" المنقبضة، وشعر بقلبه ينشطر ورغم هذا استكمل وصلة اعترافاته: 

_ ولو عايز الصراحة أنا اللي اتطوعت يعني "سفيان" مليهش ذنب، هو رفض لكني أصريت وكان فات الأوان عشان أنا حطيته قدام الأمر الواقع لما مشيت في وقت متأخر، يعني أنا اللي لازم أتحمل كل العواقب. 


+



الغضب الذي كان يسكن خلايا "فراس" أصبح مُتفشيًا فيه كفيروسٍ ما، لهذا حدجه بنظراتٍ مُتقدة قائلًا والكلمات تتلون بألوان غضبه: 

_عذر أقبح من ذنب. 


+



سأله "طلال" مباشرةً بلا مواربة وعلى محياه علامات الاستياء جليَّةً: 

_يعني إنتَ عايز إيه دلوقتي عشان ترضى؟! 


+



تركه "فراس" خلفه متجهًا لأريكة ما وجلس عليها براحةٍ، وأخبره بمنتهى البساطة نافضًا ثلوج البرود على شرارتٍ غضبه: 

_أضربكم. 


+




        

          


                

شخصٌ _مثله_ لديه من الجنون ما يوازي عقلانيته يستطيع أن يوازن بين مقداريهما، لذلك لم يستغرب "طلال" تصرفه، على عكس سفيان الذي لوى شفاهه ساخرًا ورفع حاجباه المنعقدان بشدةٍ، وهتف من فوره بكلمة واحدة أبْدت عدم رضاه: 

_ نـــــعـــم!!!!!! 


+



أنفٌ "فراس" المرفوع بشموخٍ دليل حيٌ على تكبرٍ زائف، وقوله المُفعم بالاصرار يأتيهما صارمًا: 

_هو ده اللي عندي. 


+



عاود "طلال" جلوسه باسترخاء يستأنف مراجعته للأوراق المهمة على نفس المقعد، وغمغم بالموافقة: 

_ وأنا موافق. 


+



لم يرتضى "سفيان" قبوله لهذا الطلب السخيف وتمرَّدت ملامحه على هدوئها منذ برهةٍ لتغيم بغيومٍ حنقٍ أغشت مُحياه وهو يرد بصفته ضابطًا لا كونه صديقهما: 

_وأنا استحالة أوافق. 


+



أرفق حديثه بوقوفه بحدةٍ مُفرطة وهو يحدق فيهما بنظراتٍ سائمة لكونهما يتصرفان بطريقة صبيانية لا تليق برجلين عاقلين مثلهما، استطرد مختتمًا لقاءه بهما: 

_أنا هشتري دماغي وصحتي وأروح، وهستنى لما أعصابك تروق على أقل من مهلك وبعدين هتسامحني من نفسك. 


+



قصد فراس بكلامه السابق والتفت يغادر لكن بغتة استدار لـ "طلال" هذه المرة يخبره بجديةٍ: 

_ في كلام تاني بينا لما أخلص مشاغلي. 


+



_ بخصوص سامي؟ 

فورما نطق بها "طلال" أتاه الجواب صامتًا على هيئة إيماءة من رأس "سُفيان" وقبل دلوفه للخارج ودعهما: 

_سلام! 

_باي! 

قالها "فراس" بهتافٍ مشتعل، ثم وجَّه جل نظراته صوب "طلال" قائلًا بهمسٍ ساخر: 


+



_متخافش، أكيد مش هضربك، أنا بس كنت بغيظ سفيان عشان كان عارف كل حاجة وأنا لأ. 


+



لاحت بسمة صغيرة على شفاه "طلال" ولم ينطق، فهو كان متأكدًا كل التأكيد أن شريكه لن يُقدم على ذاك الفعل الأحمق حتى وإن صرَّح به. 


+



_ بس متفكرش مجرد تفكير إني سامحتك بعد اللي عملته في نفسك. 


+



مشى "فراس" خطواتٍ خفيفة حتى وصل لمقعد المكتب الخاص بالآخر وجلس عليه فصار مُقابلًا له، أراح ظهره للخلف وشابك أصابعه مع تأمله له بعيناه الهادئتان رغم الغضب الظاهر بهما وسأله فورًا بلا تمهيد: 


+



_واتأكدت بقى من اللي كنت شاكك فيه؟! 


+



لم يلبث "طلال" على صمته ولا ثانية مجيبًا بهدوءٍ شديد وباختصار: 

_أيوة. 


+



ضيق "فراس" عيناه مُفكرًا مع ثبوت نظراته المصوبة كالسهامٍ تجاهه، فك تشابك أصابعه واستقام في جِلسته وأعطاه تخمينه التالي جادًا مُشوّبًا بالذهول: 


+



_مش معقول، طلعوا من طَرفه؟!! 


+



وقف "طلال" واضعًا ذراعيه خلف ظهره ويده ترسو على الآخرى، أما وقفته فظلت ثابتة عكس العواصف الهادرة داخله تُدمر كل ما يعترض طريقها، تنفس بتثاقلٍ أثناء انفلات الكلمات من شفاهه: 

_ ليهم علاقة بالظل، بس مش هو اللي باعتهم، رغم إنه عارف بكل اللي حصل لي، وعارف إنهم جايين ليا...  


+




        

          


                

ألقىٰ إليه نظرة خاطفة وحينها أخبره بكل ما يجول في عقله من أفكار وتحليلات: 

_ بس مكانش مخطط للي حصل، الموضوع اتطور وخرج عن سيطرتنا كلنا..... 


+



زاغت أبصاره عنه واستطرد بخفوتٍ وصل أسماع "فراس" وزلزل كيانه وأوقف قلبه عن النبض لثوانٍ: 

_الظل خطورته أكبر من الانتقام اللي بيني وبينه، أكبر بكتير!!! 


+



وعلى غفلة منه أضاف في شراسةٍ: 

_بس مش هسمحله أبدًا يقرب من إللي بحبهم، لو كان عايز يقتلني مافيش مانع.


+



زوى "فراس" ما بين حاجبيه بغير استيعاب، محاولًا التوصل لما يعنيه الآخر بجملته المريبة تلك، بدأ يحلل الأمور وكل حين تزداد عقدة حاجبيه ويتضاعف تعقيد تعبيراته واشتعال ملامحه، جمع كل المعلومات التي تظهر له من عين الحدث: ابتداءً بعدم اكتراث "طلال" لتحذيرات "راغب" وسفره بمفرده ليلًا، مهاجمةٍ هؤلاء الشبان له، مرورًا بمكالتهما سويًا وما سمعه في تلك الليلة، كلامه منذ قليلٍ عن جرمه في حق نفسه، انتهاءًا بتكراره لرغبته في الموت وإلقاء نفسه في الخطر من غير أن يأبه..


+



الصورة باتت واضحة المعالم أمام ناظريه، إن "طلال" كان يريد أن....


+



انتفض "فراس" من مكانه مقاطعًا سلسلة تحليلاته وأفكاره المنهمرة على عقله كالمطر، واندفع تجاهه كسيارةٍ بلا مكابح، قبض على ياقته بغلٍ يغذيه غضبه منه، هزه غير مهتم البتة، وصرخ في وجهه في حرقةٍ بعدما فك الخيوط المتشابكة واصلًا لحل اللغز: 


+



_استنى عليا كده، الكلام إللي قولته قدام "سفيان" كان كدب؟!! إنتَ مكنتش تعرف بوجود العيال دي؟!! كنت رايح عشان تسهل للظل قتلك؟!! كنت مفكر إنه مش هيفوت الفرصة دي وهيتعرضلك، وكنت عارف إني حتى لو جبت سفيان معايا مش هنلحقك لإنه هيكون خلص عليك خصوصًا إنك مستسلم؟!!! إنتَ روحتله برجليك عشان يخلص حسابه معاك ويسيب باسل وعيلتك في حالهم، صح؟!! 


+



رمش "طلال" مستفيقًا من غيبوبته القصيرة والتي باح فيها بما كان يخفيه، توترت معالمه برؤياه لهياج "فراس" الذي ألحق عبارته الصارخة بأخرى: 

_ لكنك اتفاجئت بالولاد دول، نزلوك من العربية وفتشوا فيها ملاقوش المخدرات إللي الظل كان هيبعتها لهم؛ ولإنك اتصلت عليا فكروك بتبلغ عنهم فطعنوك، حتى الظل مكانش متعمد يبعتهم وبرضو ممنعهمش يروحوا هناك، قال هشوف الأمور هتوصل لإيه وحب يلعب بيك وبينا كلنا زي عادته.


+



تحولت ملامحه كليًا، فباتت قاسية، غاضبة، كأنما استحال شخصًا آخر مغاير لما كان عليه، ترك ياقته بعدما بعثر له ثيابه و... قلبه، أشار نحوه بكثيرٍ من إتهامٍ موجهًا له نظراتٍ لائمة: 

_وإنتِ إللي اديت له الفرصة لده. 


+



أنى لشخصٍ مثله على قدرٍ من الإيمان أن يقدم على فعل انتحاري كهذا؟!! 

أوصل به اليأس إلى هذا الحد؟! 

ألأن ماضيه يلاحقه في كل نفسٍ يأخذه وفي كل رمشة عين وفي كل مكان يطؤه؟!! 

حقًا إن الآلام والشعور الدائم بالخوف على من نحب قادران على تحويلنا بجدارةٍ لنسخٍ أخرى لا تشبهنا... 


+




        

          


                

تمامًا مثل "طلال"... 


+



تنفس "طلال" بصعوبةٍ، زاغت عيناه بعيدًا، بعيدًا للغاية عن هنا، فهزه "فراس" بمزيدٍ من قسوةٍ تغلف عتابًا له، هتف سائلًا وغضبه لازال يتحكم به: 

_ليه عملت في نفسك وفينا كده؟ ليه؟ قــــــول! 


+



تراخى جسد "طلال" فبات هامدًا، رفع عيونه في عيني الآخر ناظرًا إلى أعماقهما، بينما انطلق لسانه مسترسلًا في تساؤلاتٍ تهلك عقله وتُرجف قلبه مع ذلك كان صوته خافتًا رغم كل آلامه المتفجرة بدواخله: 

_عشان تعبت، تعبت، أنا إنسان، بحس، بخاف، بتألم، وعندي قدرة تحمل وطاقة والاتنين خلصوا خلاص، ليه لازم أظهر بشكل القوة؟! ليه لازم أكون طلال الجامد إللي أمه وأبوه اتقتـــ.لوا قدامه ومتهزش؟!! 

ليه لازم أكون متماسك وأنا كل يوم بيوصلني تهديد على حد بحبه، ليه مش عارف أكون قريب من اللي بحبهم ودايمًا ببعدهم عني؟! 


+



صمت "طلال" قليلًا، وعيناه رصدتا دموعًا متدفقة في عيون "فراس"، اختنق أكثر وأكثر ثم فاجؤه بصراخه المحتد: 

_ليه يا فراس رد عليـــــــا؟! 


+



ضاقت الدنيا على صدره، داهمه دوارٌ غادر أربك جسده فتمايل في وقفته، صرخ "فراس" باسمه بذعرٍ تملك منه: 

_طـــلال!! 


+



أسنده إليه، وحافظ نوعًا ما على توازن جسده؛ فـ "طلال" رغم إعيائه والدوار المُلم برأسه جاهد كي لا يثقل على "فراس" والذي بدوره سار به نحو أقرب مقعدٍ وأجلسه برفقٍ عليه، جلب كوب الماء الموضوع بالقرب منهما ثم ناوله إياه، ارتشف منه "طلال" بضع رشفاتٍ وأعاده إليه مغمضًا عيناه بيأسٍ عظيم. 


+



حياته لا تصفو إلا لحظاتٍ ثم تعود لتكدرها العريق، لم يعد قادرًا على حمل ذنبٍ وحيدٍ يثقل كاهله منذ ما قبل الحادث وحتى الآن، ينهشه بوازعه الديني. 


+



لم يدري ماذا دهاه حينذاك ليقي بنفسه في غياباتٍ شرٍ مستطر! 

مبرره الوحيد أنه فعل ما فعل بدافع الحماية لمن يحب. 


+



عقب استفاقته من العملية التي أُجريت له شعر بعظم خطئه في حق ربه، إن الروح التي تسكن جسده مُلكًا لله وحده وهو _سبحانه_ من له الحق في أخذها وقتما شاء _عز وجل.


+



غمغم "طلال" بدعاءٍ لازم لسانه طيلة الوقت المنصرم، عسى الله يغفر له، دعا ولازال على إغماضه لعيناه: 

_اللهم أنتَ ربي، لا إله إلا أنتَ، خلقتني وأنا عبدكَ، وأنا على عهدكَ ووعدكَ ما استطعت، أغوذ بكَ من شر ما صنعت، أبوء لكَ بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. 


+



احتوى "فراس" كوب الماء بين راحتيه، واعتذر له بعيونه بلا قدرة له على الكلام، شعور الذنب يفتتُ قلبه ممزوجُ بعتابٍ أخويٍ راح يسيل من نظراته القلقة.


+



أطلَّ عليه يطالعه متعاطفًا معه، الحمل على أكتافه أثقل من أن يحمله إنسانٌ بمفرده، وهو اعتاد منه أن يكون مُتجلدًا، صلبًا، مؤمنًا أمام المحن، فحرر الكلمات المحبوسة في صدره مسترسلًا في الحديث: 


+




        

          


                

_ أنا مش مصدق إنك ممكن تعمل كده يا طلال، أنتَ مؤمن بربنا، إزاي عملت كده؟! عارف إنه عشان تحمي اللي بتحبهم؛ بس ليه ترمي نفسك في النار بدون حساب؟! 


+



تنهَّد وكف عن حديثه لوهلة، تخلى عن كوب الماء واضعًا إياه على سطح المكتب، ثم عاد وجلس حذاءه، أضاف يبين له موقفه مما يجري: 

_أنا مش آسف على إللي قولته ليك من شوية، لإن كل كلمة قولتها عشان أمرك يعنيني ومش هشوفك بتأذي نفسك واسكت. 


+



اكتفى "طلال" بصمته المأساوي وإنصاته بلا أي تعليق، فأردف "فراس" مربتًا على كتفه في تضامنٍ: 

_إللي عاوزك تفضل فاكره هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم "اعمل لدنياكَ كأنك ستعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك ستموت غدًا". 


+



أومأ "طلال" مُميلًا رأسه وأرخى كتفيه بتعبٍ انقض ظهره، مسح على جبينه وشعور الدوار يقل تدريجيًا تاركًا في رأسه صداعًا مؤلمًا، تنفس ببطء وضربات قلبه صارت بطيئة. 


+



ثقلٌ كالجبال نال من صدره، قلبه اُعتُصِرَ ألمًا، وروحه تتلوى على فحمٍ ندمه المتقد، ردد في همسٍ شديد الخفوت: 

_لا إله إلا أنتَ سبحانك، إني كنت من الظالمين. ربي إني ظلمت نفسي. 


+



إن نظر إليه أحدهم الآن لظن أنه ملكٌ خسر وطنه وشعبه وحلفائه ولم يبقى له سوى جيوشٍ من الأعداء ذوي بروج مُشيدة! 


+



كل يومٍ له آلاف المعارك مع نفسه ومع عدوه القديم، يلجم الشر المركون في داخله، لا يسمح له بالظهور، يقيده، يعيق تحكمه بعقله، أصله الطيب فقط هو ما يبقيه متوازنًا، فلا يزل أو يميل، وليت الشر يظل محبوسًا!!! 


+



فهل سيبقى هكذا يذوب بصمتٍ أم أن طوفان غضبه قادم؟! 


+



لمَ تقترن به الآلام والمشكلات دونًا عن غيره؟! 

ألم يحن الأوان ليستريح قليلًا؟! 

ألا يوجد نهاية لهذا العناء؟! 

ألن يكف الخطر عن حومه حوله كل ثانية؟! 

أم أن مجريات الأمور ستكون أشد وطأة عليه؟! 

ــــــــــــــ


+



أحقًا يشيب المرء وهو في عمر الزهور؟! 

يكبر على عمره أعمارًا؟ تزداد سنواته وتتضاعف بلا تغيّر في الزمن وإنما التغير هو في الروح المُنهكةٍ حد التهالك؟ 

أيحدث أن يرفع ذراعًا فيتراخى سائر جسده، وأن يفتح فمًا فيطبق، وأن يرسم على شفاهه ابتسامة بريشةٍ وهمية فتنزف الألوان ماحية هذه الابتسامة الفقيرة كما تفعل الممحاة في خط القلم المرسوم على ورقة؟!! 


+



أيقعل أن ينزف الفؤاد بلا جرح، وأن يختنق الحلق بلا يدان تعصره؟! 

أيمكن أن يصل الإنسان لحافةٍ هاويةٍ الألم فيتوقف اضطراريًا عن إكمال طريقه لئلا يودي بحياته وفي نفس الوقت يزهد التقاط أنفاسه كي لا يُعايش مزيدًا من الألم الذي ينخر في سنين عمره كالسوس؟!! 


+



لا ريب أن يحدث هذا إن كان الفقيد عزيزًا. 


+



هكذا اجتمعت أحاسيس متناقضة وتزاحمت في صدرها الضائق ذرعًا بكل شيء وأي شيء، امتدت جذور أشجار الحزن في حشاشتها، واستولت جيوش الألم على أراضيها، وأكلتها وحوش الحزن ولم يبقى منها إلا رُفات فتاة. 


+




        

          


                

فتاةٌ جريحة جفَّت أعشاب عينيها حتى صارت فتاتًا قاسيًا وخفيفًا تزروه الرياح أينما حلت. 


+



هذا الفتات الذي اشتعل الآن برعدٍ دوى صوته في روحها، فالتهبت النيران ها هنا في حدقتيها الغاضبتان الحزينتان. 


+



ولما كان من الصعب على "تغريد" مجاراة ما تراه في عينيّ ابنة عمها ماتت كل الكلمات الحكيمة على شفتيها واستبدلت بها حديثها الممازح الممزوج بتعقلٍ توارىٰ بخجلٍ خلف حروفها: 

_ بيقولوا إن التظاهر بالسعادة بيخلي الإنسان سعيد، وإن اللي بيتظاهر بالسعادة ويبتسم بيحس بالسعادة حقيقي، وممكن يعدي اللي حواليه ويخليهم سعداء زيه. 


+



انسلخت "إيناس" عن أفكارها وشرودها وتلقت أذناها كلماتٍ حطت على قلبها كنفخةٍ أمٍ على لسعةٍ طفلها، لا تُداوي ولكنها تُخفف وطأة الألم وتوجه الأفكار لشيء غيره، رمتها "إيناس" بنظرةٍ لازالت مشتعلة وبها لمحةَ حزنٍ بدأ بالانسحاب، سألتها بنبرةٍ أهدأ من تهويدة أمٍ لطفلها المقبل على النوم: 

_من امتى وإنتِ بتقولي كلام عميق كده؟ 


+



غامت عيني "تغريد" بمشاعر غامضة حيَّرت الأخرى، خاصة وهي تجيب بعينيها الغائمتين الموجوعتين: 

_من ساعة ما الدنيا جات عليا. 


+



اختلج "إيناس" شعورٌ بالشفقة عليها، ومع إمعانها في النظر لعينيها أمكنها تبيُّن هذه المشاعر والتي كانت على الترتيب: 

شعورٌ مُبهمٌ صريحٌ بالفقدِ قُبِضَ له قلبها. 

شعورٌ لاذعٌ بالحنينِ لحبيبٍ لن تجمع بينهما الأيام ولياليها السوداء. 

شعورٌ فقيرٌ بالاحتياجِ لشخصٍ ما أصبحت _هي_ الآن على دراية بهويته. 


+



وعلى عكس الرد المتوقع قابلتها "إيناس" بعينين منطفئتين حاولت جاهدة أن تزرع في حقولهما المحترقة لمعة مرحٍ منطفيء، وجالت برأسها فكرة نقلتها على لسانها حيث قالت لها باستنكارٍ: 

_الدنيا جات عليكِ.... إنتِ؟!! 


+



تذكرت "تغريد" أمرًا ما يُعكر صفو راحتها فأجابت في غفلةٍ منها: 

_أيوة، كل واحد فينا جواه همومه، بيخبي في قلبه شيء مزعله، حد مُشتاق ليه واستحالة يوصله مهما عمل، وبتفضل ما بينا وبين اللي بنحبهم سدود عالية بتمنعنا حتى نشوفهم. 


+



لمست "إيناس" شيئًا غامضًا في حديثها لم يخطئه حدسها، فعلمته فورًا وأبقت معرفتها له بين جنبات قلبها، وتألق وجهها ببسمةٍ صغيرة داعمة وبالرغم من صِغرها ولا مصداقيتها إلا أنها تفي بالغرض.. 

تسألون لماذا بسمتها تفتقر للمصداقية؟ 

لأنها ليست راضية مرتاحة وإنما مغصوبة مريرة. 

فخالتها وكل ما يتعلق بها يشغل عقلها ليل نهار، فلا تنفك تبحث عن ثغور توصلها للحقيقة المجردة بلا أي شوائب شكٍ أو ظنون واهمة لن تحقق لها ما تصبو إليه. 


+



بدت لها "تغريد" في هذه اللحظة كعجوزٍ بائسة سُحِبَتْ سجادة العمر من أسفل قدميها المجعدتين وتُرِكَتْ بقايا إنسانة، حين همست بخفوتٍ مشحونٍ بأشجانها: 

_ ومين فينا الدنيا مسابتش فيه بصمتها؟! 


+




        

          


                

حطَّمت العبارةُ "إيناس" وفتَّت قناع تماسكها الواهن فانفلتت من صدرها زفرة حارة مخنوقة وخيالاتها تأخذها عنوة لبحور آلامها. 

أطرقت بوجهها في ألمٍ تمادت جذوره حتى أعماق أعماقها. 


+



أتراه الألم سيستمر بقطف زهور عمرها واحدة تلو الأخرى بلا شفقة؟ 

أتراه ماضيها المشؤوم لن يكف عن زرع أشواكه المسمومة في طريق سعادتها؟! 

أتراه قلبها لن يكف عن نزيفه العريق ويترأف بحالها؟! 

أم أن قوافل معاناتها ستظل تدور في مراعي عينيها المزهرة لتنتشل العشب وتغرس مكانه ألف نوع من السم لا ترياق له؟! 

أم أن غزو الحنين لن يردع أحدهم توغله في شرايينها؟!! 


+



"حنين" كلمة من أربعة حروف في معاجم اللغة ولكنها تجرفها كالطوفان منذ سنين وحتى الآن! 


+



بقيت كلتاهما تتطلعان _بصمتٍ مطولٍ_ لبعضهما بعيونٍ شاردةٍ وعقول مشغولة بما يهم كل واحدة منهما. 


+



حتى تلاقت وديان أفكارهما في سؤالٍ طرحته "تغريد" على عجلٍ: 

_هنتحرك أمتى؟


+



التفتت "إيناس" فجأة لجانبها الأيمن كأنما أفاقت لتوها من غفوةٍ اليقظة التي كانت تغط بها منذ قليل، وردت عليها بنبرةٍ تحمل الألم في طياتها مصحوبًا بغموضٍ حديث عهد: 

_لما ييجي الوقت المناسب. 


+



ومن ثم أردفت بخليطٍ من توجسٍ وترقبٍ ولهجةٍ قيادية: 

_استني إشارتي، ممكن الوقت المناسب يكون أي وقت. 


+



لبرهة فقط حلَّ عليهما صمتُ قطعته "تغريد" تتلاعب بحاجبيها في مكرٍ قائلة: 

_ناوية أبات معاكِ النهاردة. 


+



في التو سمعت الرفض من "إيناس" التي تبدلت مشاعرها كليًا ليطفو الحنق فوق ملامحها: 

_متحلميش. 


+



عقدت "تغريد" حاجبيها في ضيقٍ وعبوسٍ متسائلة: 

_ليه؟ 


+



لهجة التأنيب الحار في حديث "إيناس" كانت جوابًا وافيًا لسؤالها: 

_يا عديمة الإحساس والمفهومية، بباكِ مسافر وحضرتك عاوزة تسيبي مماتك لوحدها في البيت وتباتي هنا؟!! 


+



صفعت "تغريد" جبهتها بادراكٍ لسهوها غير المقبول لهذا الأمر، وتمتمت بنبرةٍ تفوح ندمًا: 

_أه، عندك حق، فاتتني إزاي دي؟ 


+



وبَّختها "إيناس" بعبارةٍ بدت هجومية: 

_عشان إنتِ مبتفكريش غير في نفسك. 


+



لأنها اخطأت في حساباتها، ولم تضع حسبانًا لشأن والدتها الحبيبة تقبلت "تغريد" التأنيب بلا تبرمٍ، إلا أنها عَلقت بأسلوبٍ ساخر: 

_مقبولة منك يا ست البنات. 


+



اعتدت "إيناس" بنفسها، ورفعت أنفها عاليًا قائلةً بملامح غرست بها تعابير الغرور الزائف: 

_ ما أنتِ معندكيش خيار تاني. 


+



ظهرت بسمة سطحية مصطنعة على شفاه "تغريد" وهي تضيف بطريقة هزلية: 

_مين قالك كدة؟ افتحي تلاجة بيتنا وإنتِ تلاقيها ملايانة خيار. 


+




        

          


                

نقلت "إيناس" نظراتها بعيدًا عنها وهي ترد عليها بسخرية: 

_نكتة تافهة زي صاحبتها. 


+



ارتدت "تغريد" ثوب المرح الذي كان دومًا يليق بها ما عدا الآن، نطقت تحاول ملاطفتها: 

_شوفي إنتِ بتجري شكلي بس أنا هعمل بأصلي وأسكت. 


+



إبان قولها لهذا رتبت حجابها المفكوك _بعض الشيء_ تهذب شكله وتضمن تغطية خصلاتها كاملة، وقفت تودعها بقولها: 

_مش هتقل عليكِ أكتر من كدة، سلام. 


+



سارت خطوتين بعيدة عنها فأتاها تعليق "إيناس" هادئًا ومفعمًا بمشاعرها الأخوية: 

_إنتِ عارفة إنك مش بتقلي عليا، دايمًا أنا موجودة جنبك... 


+



لمعت أعين "تغريد" بتأثرٍ والكلمات ترضيها وتهدهدها بصنفٍ رائع من الفرحة، فالتفتت لها وعلى محياها ابتسامةٌ حقيقية رقيقة وممتنة، وبصوتٍ يؤثر به التَّبسمُ همست تختتم حديثهما لليوم: 

_تصبحي على خير. 


+



ولأن "إيناس" تفهمها وتقرأها كما تتقن قراءة لغتها الأم بادلتها الابتسامة مدركةً أنها استطاعت تحسين مزاجها وإن بقدرٍ طفيف، وردت لها التحية: 

_وإنتِ من أهل الخير. 


+



كادت تغادر لولا استوقفتها "إيناس" بهمسها الموجز المُلتحف بالغموض: 

_إنسيه!! 


+



علمت ما ترمي إليه، فتبسمت بصعوبة، وأبقت عيونها على مقبض الباب الملتف حوله أناملها، وانتشرت المرارة في حقها ممزوجة بحلاوة غريبة حينما واجهتها بكلامها لا وجهها: 

_لو كان النسيان سهل فأنتِ الأولىٰ بيه!!!


+



اكتفت بهذا القدر لتغادر، تابعتها "إيناس" بخضراويها الهائجتين بمشاعر عاصفة، مزيج من كل شيء راح يغرس مخالبه المشحذوة في صدرها، زفرت على مهلٍ تخفف عنه أحمالًا لا تُرى لكنها تُحس. 


+



فابنة عمها مُحقة، لو كان النسيان سهلًا فهي الأولىٰ به، لو كان سهلًا لكانت نست خالتها وابنها الحبيبان؛ لكنها لا ترغب في النسيان مهما بلغ بها الزمان، ومهما احترق قلبها من الحرمان، ستظل تحبهما، تفقدهما، وتتمنى رؤيتهما، وستحصل لها على انتقامهما مهما كانت العواقب. 


+



 لم يحدث يومًا أن نصحت أحدهم بفعل شيءٍ عجزت هي عن فعله إلا الآن، ربما لرغبتها في رؤية ابنة عمها سعيدة، ربما لأن ألم الشوق كبير للغاية على قلب الإنسان وهي لا تريد لها الألم. 


+



مددت جسدها لجانب السرير وجذبت دفترها من فوق "الكوميدينو".

رفعت عيونها العشبية نحو الجدار من أعلى وهذه حركتها المتأصلة في التفكير، وبينما القلم في يدها خطرت على بالها فكرة تحولت في ذهنها لكلمات ظلت تُعيدها لكي لا تنساها، خبأتها بين سطور دفتر مذكراتها لئلا يطلع عليها أحد سواها: 


+



" يظنون الحياة تمنحهم السعادة والفرح على هيئة بشر يصيرون أحب إليهم من أنفسهم، ويزعمون أيضًا أنها تعطيهم الحزن والألم بأخذها لهؤلاء الأشخاص لتترك في قلوبهم مرارة الفقد ولذاعة الحنين الذي لا فائدة منه، وينسون _جاهلين_ أن الله هو من يعطي ويأخذ، فالله ما أعطى ولله ما أخذ. "


+




        

          


                

ــــــــــــــــــــــــــــــــ


+



_كنت فين يـا ولـــد؟! 

دوى هدير صوت والده بحدةٍ معهودة منه، فتوقفت قدما "سامي" عن سيره المتمهل لداخل الڤيلا، تنهد بتعبٍ بيِّن وضغط على جبهته بأصابعه منتظرًا وصلة التأنيب والتقريع اليومية لتأخره الدائم في المجيء للمنزل. 


+



_على أساس إنك مش عارف يــا.... بـــابـــا... 

قالها "سامي" بهدوءٍ ساخر وبرودة أعصاب أسفر عنها غليان دم والده الحار غضبًا، لم يلتفت له، فالنيران المنبعثة من عيون والده عندما يغضب كفيلة بإحراقه وتحويله لرمادٍ بلا قيمة تمامًا كنظرته المستصغرة لشأنه. 


+



هبَّ "آسر" واقفًا من فوق مقعده الذي ارتدَّ تلقائيًا بسبب وقوفه المفاجيء ومن ثم ركله بكعب حذائه للوراء فنتج عن هذا صوت مزعج، صدره يغلي غضبًا وعيونه تقدح شررًا ملتهبًا، سار نحوه بخطواتٍ خفيفة سريعة يحركه الغضب الأعمى، جذبه بعنفٍ ولفَّه ليصير مقابلًا له، صاح "آسر" وهو يشد على كتف ابنه: 

_ إزاي تكلمني بالطريقة دي يا ولــــد؟!! إنتِ.... 


+



أكمل "سامي" بدلًا عنه والسخرية فاحت من كلماته مقاطعًا استرساله في الحديث: 

_قليل الأدب ومش متربي. 


+



قبضة "آسر" تزداد قساوة على كتفه المتهدل وتأثير العبارة عليه عظيم، غاص حلق "سامي" في مرارةٍ حارقة حينما تسائل والألم الأليم يسيل من نظراته: 

_تعرف أنا ليه مش متربي؟!! 


+



تلافى لقاء عينيه بعيني والده تزامنًا مع إجابته على السؤال: 

_ عشان سعادتك يا "باشا" مربتنيش، اللي ربتني ماتت ومات معاها أدبي وأخلاقي.. 


+



شيء داخله تحطم فورما قال ما قال، قلبه انقبض يتلوى على نصال الوجع، حاجباه انعقدت ألمًا، وعيونه باتت غائمة بفقرٍ لكل شعورٍ إنساني جميل يجمع الأبناء بآبائهم وأمهاتهم. 


+



تقهقر والده "آسر" خطوتين للخلف، وتاهت أنفاسه لوهلةٍ، وجد صعوبة في التحكم بالأحاسيس العجيبة التي تغزوه كقطعانٍ من المفترسات، كجيوشٍ من التاتار تنهش كل ثنية من ثنايا فؤاده الهرم منذ ماتت زوجته. 


+



ارتخت جفونه تغطي بحارًا من المرارة تجوس في دواخله، استكان على وضعيته لبرهاتٍ وبرهات، وفي نهاية المطاف فتحها بقوةٍ بعدما برع في غرس القساوةٍ في أعماقهما يخفي خلفها أطنانًا من الآلام، حدق بابنه كما يفعل المرء بأنداده، لا رفق في عينيه ولا لمحة من حنان الأبوة، صدى صوت ابنه لازال يرن في أذنيه، يضغط على أعصاب. 

أصبح تحت تأثير حزنه وغضبه الذان انقلبا حقدًا موجه للشخص الخطأ، رفع يده عاليًا ثم هبط بها على وجنة ابنة بصفعةٍ قاسية، قوية، ومؤلمة _لكليهما_ مع صياحه المُنفعل: 

_ اخرس يا حيــــــــوان!! 


+



التفّ وجه "سامي" للجانب من قوةٍ كف والده، وعيناه جاحظتان، جامدتان، مدهوشتان، فوالده لطالما آذاه بالكلام دون ضربٍ أو أي نوعٍ من التعنيف الجسدي، كل حوارٍ معه يكون مؤذيٍ نفسيًا. 


+




        

          


                

شهق "آسر" شهقة اختناق لا تفاجؤ، وكأن الصفعة كانت من نصيب قلبه لا وجه ابنه، رفع يده أمام أعينه غير مصدق البتة أنه أقدم على هذا الفعل الشنيع في نظره.... 


+



أتته كلماتُ ابنه محطمة لما بقي من قلبه: 

_ لو ماما لسة عايشة مكانتش سمحت بده يحصل، لو ماما لسة عايشة مكانش ده يبقى حالي. 


+



ولأنه يحمل في أعماقه هشاشةً لا يرغب في رؤية أحدهم لها حتى وإن كان ابنه الوحيد، غادر "آسر" في صمتٍ مأساوي يصعد الدرج ويده تقبض على مِسنده المعدني بمزيدٍ من قسوةٍ تواري ضعفًا عظيمًا..... 


+



هوى "سامي" للأسفل فاصتدمت ركبتاه برخام الأرضية القاسي والذي للعجب لا يُضاهي قسوة والده. 


+



اختنق كغريقٍ تُرِكَ بلا نجدة، واضطربت أنفاسه المسروقة منه كعداءٍ قطع مسافات ركضًا بلا توقف، فتحركت يداه المتيبستان بتلقائيةٍ تفكان أزرار قميصه الأصفر المُبهج بلون والدته المُفضل المُعاكس تمامًا لألوان حياته القاتمة في عينيه بعدها.... 


+



ـــــــــــــــ


+



في يومٍ آخر، صباحًا.

في الأسكندرية. 


+



طاولة بسيطة و راقية في آنٍ واحد موضوعة بتنسيقٍ قرب الشاطيء عليها أصناف إفطار لا أبالغ إن قلتُ: مَلَكِيّ. 


+



و مع نسائم البحر المحفزة لكل ما هو جميل حظي "باسل" بإفطار لذيذ، و زادته الأجواء الرقيقة شهية حتى أنه ليقسم في نفسه استعداده لتناول صحنه كاملًا. 


+



وعن يمينه "إيڤا" جالسة تشاركه الطعام، حاملة الملعقة في يدٍ و هاتفها المحمول في الأخرى تقلب في وسائل التواصل الاجتماعي بمداومةٍ على عادتها القديمة منذ بدأت العمل في شركات المنسي، فلا مجال للهو واللعب في أوقات العمل الثمينة. 


+



" لا مكان للعابثين والمقصرين" هذا شعار كل فرعٍ من فروع الشركات التي يترأسها "طلال" ويشرف على إدارتها عن بُعدٍ. 

وكذلك في مقابلتها "راغب" يأكل أو يمثل أنه يفعل ذلك،  ففي الآونة الأخيرة بات يستعصي عليه مداراة إعجابـه بها خاصة مع لقاءاتهما المستمرة، ولا ريب أن مشاعره تتغلب عليـه في كثير من الأحيان، لا سيما أنها تكون معه أكثر أوقات العمل. 


+



رفع لها عينين مترددتين يطالعها خفيةً وهـي تأكل باستقراطية مع جلوسها جِلسةً لبقة تليق بـثيابها العصرية التـي تظهرها كممثلات هوليوود الجاذبات لنظرات الإعجاب من رجال العالم، بل ونساءه أيضًـا. 


+



طوّحت شعرها المجعد _المصفف_ للوراء لكونه يعيق متابعتها لوجبتها اللذيذة، ورفعت رأسها بعفويةٍ لتُقابل عيونها عيونًـا غارقة في تأمل أدق تفاصيلها، رمشت فـي توتر تزايد فـي نفسها، وهزت رأسها تسأله بالإشارة عن سبب مقنع لتحديقه فيها. 


+



خفق قلبـه خفقةً مباغتة نتيجة التقاء زوج عينيه بالزوج الذي تملكـه هـي، وتدارك الوضع مبررًا فـي تلبكٍ أضفى عليه نوعًـا من الجاذبية: 

_ لو سمحتــﻲ يا "إيڤا" ممكن تناولينـﻲ الملح؟ كنت لسة هطلبه منك. 


+




        

          


                

شيء في عينيه اللتان غلفهما الغموض بعد ثوانٍ فقط من كشفها لمطالعته _الخفية_ لها، شيء مكنون في نبرته المتواري فيها قليل من تلبك، شيء في يده المشيرة لها بحركة عصبية حدثت دون إرادته، كل هذه الأشياء أشعرتها أنه يكذب عليها، يخفي عنها أمرًا ربما لن يروقها، و ما الذي يجعلها موقنة أنه لن يروقها؟!! 

لا إجابة لديها. 


+



في عينيها قوة غريبة رغم رقة قسماتها ولين نظراتها، خبأ عينيه سريعًا عنهما، لن يقدر على مقابلة هذه النظرات المُركزة على حدقتيه، ناولته ما طلب، قائلة بهدوء جذاب: 

_انتفضل. 


+



رفع رأسه لها، يهمهم بما لا تستطيع تفسيره أو سماعه بوضوح، يناظرها بعيونٍ غابت في الشرود من جديد، وسألها بغير تركيز: 

_إيه؟ 


+



خاطبته بصوتٍ متذمرٍ مُوجَزٍ: 

_ الملح. 


+



رأى انزعاجها مرسومًا على هيئة عبوسٍ طفيف، فأخذ منها العلبة الصغيرة، وعيونه تهرب مجددًا في تحرجٍ، وشكرها بنبرة خافتة: 

_شكرًا. 


+



_العفو. 

كان ردها بسيطًا ومقتضبًا، لتنشغل عنه بهاتفها، رماهما "باسل" بنظراتٍ تحليلية مدققة، فهو يشعر بشراراتٍ غير مرئية انتشرت في الأجواء الصباحية، هز رأسه بغير اكتراثٍ، وقرر مناقشة الأمر مع "راغب" لاحقًا، لعله يُقر بما يكمن في أغوار قلبه. 


+



مررت "إيڤا" عيونها على عناوين الأخبار المنشورة على موقع إخباري شهير بريادته لكل ما هو مثير لاهتمام الرأي العام، وأثناء تمريريها للشاشة للأعلى لفت انتباهها خبر ما وقد لمحت كلمات عابرة كتبت ضمنه، منها "رجل الأعمال الشهير" وأيضًا "طلال" ،  "حادث" ،  "اعتداء" ، مما جعلها تمرر الشاشة للأسفل وقد نما في صدرها شعورٌ بغيض، امعنت النظر جيدًا للنص المكتوب بخط واضح وعريض وكان كالتالي: 

"_ إصابة رجل الأعمال الشاب طلال المنسي في طريق عودته للقاهرة. "


+



تفقدت البيان المكتوب أسفل العنوان والذي ينص على: 

_ " اتتنا معلومات وافية من جانب مجهول أن رجل الأعمال الشاب "طلال المنسي" تعرض لهجومٍ من قِبَلِ مجموعة شبابٍ، وتطور الأمر _بشكل ما_ إلى أن طعنوه بسلاح أبيض أدى لملازمته المشفى نصف شهر، و....... "


+



وليت الأمر انتهى هنا، حيث إن الموقع أرفق صورًا حقيقية للحادثة يُرى فيها ملامح "طلال" بنوع من الوضوح، ومجموعة الشباب وجوههم ليست بينة بالكامل، حتى أنهم أيضًا نشروا صورة له لحظة تعرضه للطعن، وكأن الحادث لم يكن إلا فيلمًا له مخرجه ومصوروه.


+



" وهذا يُصرح أنه إما كان مُراقبًا ليلة الواقعة وإما كانت مُدبرة له بفعل واحد من أعدائه، ربما. "


+



هذا ما جال بفكر "إيڤا" المُبعثر، فإن وصل الخبر للإعلام فلا أحد يستطيع منعه من الوصول لـ "باسل". 


+



أشارت بعينها لـ "راغب" الجالس مقابلًا لها، فهز رأسه مع ڪتفيه يسألها بلغة الإشارة عمّا تريد قوله، فرفعت هاتفها بطريقة تسمح له برؤية العنوان البارز بالفعل. 


+




        

          


                

بُهِتَ لونـه، وخُطِفَتْ الدماء من عروقه، وتسارعت دقات قلبه، وها هما يتشاركان حمل عبء آخر. 

من أين حُدِفَتْ عليه هذه المُصيبة الجديدة؟ 


+



هو بالكاد ظن أنه تخلص منها، لتظهر له بشكل آخر، أكثر وضوحًا و صعوبةً، و أشد تدميرًا للرابطة التي بينهم، هو و "طلال" و "باسل". 

هذا الأخير الذي لن يغفر لهما هذه المرة إن عَلِم الخبر.

_ أنا شبعت. 


+



_ وأنا ڪمان، خديني معاڪي يا "إيڤا" أغسل إيديا. 

انسحبا بلباقةٍ، يمثلان عليه الثبات، محاولان إظهار الأمور طبيعية ولا يشوبها تعكير.


+



انتبه "باسل" لحركةٍ غير طبيعية تحدث بينهما، خطف نظرة فاحصة لأطباقهما الشبه ممتلئة، وسألهما مُستغربًا: 

_ مش هتكملوا فطارڪم؟ 


+



ترك شوكته، وابعد صحنه، ليرنوهما بنظراته، مُربعًا ساعديه بتحفزٍ، فـ حدسه حول وجود شيء مريب بينهما يزداد.


+



ابتلعت "إيڤا" ريقها فوجدته مُرًا صعب البلع، لتشرب من كوب الماء، وتضعه مكانه على الطاولة، رمشت بعيونها مُرتبكة، وضبطت غرتها خلف أذنها، لتبتسم ابتسامة مرتعشة وهي تجيبه بربكةٍ حقيقية: 

_ما.. ما أنا شبعت. 


+



طالعها بنظرةٍ مُشڪڪة، ومن ثم وجه لـ "راغب" نظرة استفهامية، قابلها "راغب" ببسمةٍ لبقةٍ رغم توتره وعقب على جملتها: 

_وأنا ڪمان. 


+



مالبث أن أردف بعيونٍ مُغتاظةٍ، ونبرةٍ مُشتاطة: 

_ بعدين مفكر نفسك هتجبرنا ناڪل غصب عننا ولا إيه؟


+



برع في تمثيله جيدًا، فأنطلت الخُدعة على "باسل" فمسألة نشوب شجارٍ بينهما في أي وقت واردة، لهذا ظنه حقًا يتميز من الغيظ، ليقول هو الآخر بضجرٍ نما في نفسه: 

_ لا، هجبركم ليه يعني؟ إنتو أحرار. 


+



رمقهما بنظرةٍ مُستاءة أخيرة، ليجذب صِحنه بعنف، ويتناول منه بغير شهية. 


+



حزنت "إيڤا" لأجله، وحدثته بنبرتها اللينة الخالية من العملية: 

_معلش يا باسل، إنتَ أڪتر حد عارف راغب، وبعدين مش جديد عليڪم الخناقات دي.


+



_عارف يا "إيڤا"، عارف. 


+



رددها "باسل" بهدوئه المُستجد تطييبًا لخاطرها، ثم أتت نبرته التالية كلها خيبة أملٍ وانزعاج: 

_ بس "راغب" مبيعرفش يفرق بين ڪلامي اللي أقصد استفزه بيه وأناڪفه، وبين ڪلامي اللي عشان بهتم بيه وأمره يعنيني، بس يلا، مجاتش عليه. 


+



قضم بعدها قطعة الجبن يلوڪها مَغصوبًا، وسحقها بين أسنانه ڪأنما ينتقم منها ويفرغ فيها بعضًا من غضبه، فتابعاه مُستاءان لأجله، وجداه يضيف بحدسٍ صادق يؤرقهما وعيناه مُنزعجتان: 

_ حتى "طلال" حاسس إنه مخبي حاجة عليا، يمكن حاجة خطيرة، واللي حاسه إنڪم عارفينها ومخبيبن عليا، وڪأني طفل صغير مش مأمنين على سرڪم معاه ليروح يفضحڪم ويقوله لڪل الناس، أو يعيط ويولول ويصدع دماغڪم. 


+




        

          


                

أطلق "باسل" سِهامًا ثنائية من عينيه نحوهما، يستطرد بنبرةٍ مُغايرة: 

_ بس أوعدكم لما أعرف مش هسامح أي واحد فيكم، وهطلع عليكم زعابيبي. 


+



إنه يُهددهم رسميًا ، بدون مواربة في الحديث أو تملق. 

أحسَّ "راغب" بالخطر المُحدق به من ما سمع، زهد الجدال، وسئم الكذب والحيل الكلامية، لكنه استرسل إنكاره ونفيه للمسألة الحتمية غير راضٍ عما يقول: 

_ لما يكون في حاجة الأول أبقى اعمل ما بدالك.


+



حدجه "باسل" بعينيه يرميه بسهامٍ أخرى، واستوعده قائلًا بتصميمٍ: 

_هعمل، هعمل كتير وهتشوفوا ! 


+



ـــــــــــــــــــــ

قبل شهرين وبضعة أيام من الآن، قبل منتصف الليل بنصف ساعة، في تلك الليلة المشؤومة. 


+



*****

_طلال أرجع، وجودك في الوقت ده ولواحدك مش أمان ليك، أرجع يا طلال بقولك، حياتك في خطر.


+



ظل "سفيان" يصرخ بهذه الجملة مرارًا وتكرارًا مع غياب الشبكة الحاملة لصوته، بينما "طلال" لم يسمع شيئًا ولم يكف عن ترديد كلمة واحدة: 

_ألو... ألو... 


+



مجموعة الشباب السكارى كانت تحت مراقبة "سفيان" منذ مدة، يعلم تحركاتهم، ويترقب الأنشطة المشبومة المُكفلين بها من قِبَلِ من هم أعلى منهم، فوجأ بـ "طلال" يسافر للقاهرة في ذاك الوقت وبمفرده، فعمد إلى تنبيهه بالطريقة الوحيدة المتاحة، لكنه لم يحصد أية فائدة من سعيه الحثيث. 


+



قرَّب "طلال" الهاتف من أذنه أكثر، مردفًا بصوتٍ أكثر علوًا من السابق: 

_ سفيان إنتَ سامعني؟!! 


+



أجابه "سفيان" واليأس المتبوع بهلع تملكه: 

_أيوة سامعك، أرجع يا طلال، بقولك إرجع. 


+



وكمحاولة أخيرة صاح "طلال": 

_ألو يا سفيان، صوتك مش واصلني. 


+



رأى أن لا فائدة من مواصلة المكالمة خاصة والشبكة سيئة من أولها، فهتف لعل الآخر يسمعه: 

_ أنا هضطر أقفل معاك، عشان مش سامع حاجة.


+



ركل "سفيان" قطعة الأثاث التي كانت بقربه مع سماعه لصوت انتهاء المكالمة، وقف مكانه عاجزًا وهو يرى خطته وعمله لأشهر يذهب سدى، والأدهى من ذلك أن حياة شخص يهمه معرضة لخطر وشيك.


+



كان وقتئذٍ في منزله ببجامة نومه، هرع إلى خزانته يعبث فيها بلا هدى، ود لو ترك بذلته الشرطية خارجها، وبعد بحثٍ حثيثٍ أسفر عن بعثرته لكل ملابسه حوله وجدها، ارتداها على عجالةٍ ظنًا منه أنه بذلك يُقلل من إهدار الوقت. 


+



جمع ما استطاع أن يجمعه من أفراد الشرطة المُكلفين بهذه المهمة، وركب سيارته قاصدًا مكان "طلال"، رنَّ هاتفه خلال هذا الآن وكان المتصل "فراس" الذي ذهب برفقته...******


+



أفاق "سفيان" من شروده المطول فيما حدث سالفًا، تنهد في انزعاجٍ لكون "طلال" لم يمكنه من تحقيق هدفه من ذهابه له في مكتبه مساء أمس، وبدلًا من أن يتحدث بالأمر المتعلق بعمله وجده يقاطعه ويعترف بتحمله لمسؤولية حادث الطعن. 


+




        

          


                

هو يشك أن "طلال" على علمٍ بشيءٍ ما، شيء يجهله هو، شيء أكثر خطورةً من مجموعة مدمنين.


+



ربما لم يكن لديه معرفة بوجود هؤلاء الشباب؛ إلا أنه لا محالة لديه دراية بأمورٍ تدميرية!!! 


+



دار في عقله تساؤلات شتى منها: 

_لماذا يخفي عنه تلك الأمور؟!! وماذا ستكون النتائج إن بحث خلفه؟! 

ـــــــــــــــــــــ


+



بوقفةٍ ثابتة وعيونٍ خضراء متربصة بكل من يمر بمجال بصره تابع "عرفة"  تحديقه بالمارةٍ يرصد تحركاتهم ويبحث بينهم عن ضالته. 


+



شعرٌ أشقرٌ ناعم مفرود على ظهرٍ نحيلٍ صغيرٍ يليق بقامةٍ وعمرٍ طفولي جذب أنظاره، فغدت عيناه متوهجتان بظفرٍ، وها هو يحصل على ما أتىٰ بحثًا عنه، وما عزز ذلك الشعور بداخله هو الفتاة التي التفتت تجاهه غافلة عن تربصه بها..


+



تحرك من مكانه عازمًا على الوصول إليها، ترددت في ثنابا عقله جملة أخته "إيناس" الصارمة: 

"_ دورك في الخطة جه، ولازم تتحرك فورًا. " 


+



كان هذا منذ دقائق معدودة، شعر وقتئذٍ بطاقةٍ من حماسٍ غريبٍ تستولي على جوارحه، وتخيل نفسه بطلًا ما. 


+



ولأنه استغرق في شروده طويلًا لم ينتبه إلى ذلك الجسد الضخم الذي اصطدم به جاعلًا إياه يرتدُّ بسرعةٍ للوراء وسقط على ظهره مُتمددًا، واستيقظ من أحلام يقظته، سمع صوتًا غليظًا متحشرجًا يعنفه ويهينه: 

_ ما تفتح يا أخينا، هي ناقصة أشكالك ع الصبح؟!! 


+



ابتلع "عرفة" ريقه بعسرٍ ومعه إهانته وحنقه وألمه من السقوط المفاجيء، رمش بعيونه رافعًا هامته بترقبٍ وبطء فرأى في مقابلته رجلًا سمينًا بشوارب غليظة كصوته.


+



لو ترك لنفسه البربرية العنان لاشتبك به ورد له الإهانة بمثلها ولانتهى الأمر به مع إصاباتٍ بليغة، هو يعرف قدر نفسه فحجمه لا يقارن بهذا الرجل العملاق.


+



أنزل مستوى بصره فشاهده يمسك في يده يدًا صغيرة للغاية لطفلٍ لم يتجاوز الثالثة من عمره، مشابه تمامًا للرجل في الملامح؛ كاد يصفه بالبراءة لولا سمعه يكمل تقريع والده بقوله المتلعثم بمخارج حروفٍ أغلبها غير واضحة: 

_هو إنتَ أعمىٰ، مبتشوفش؟!! 


+



رفع "عرفة" حاجبيه واتسعت عيونه ذهولًا، لم يتحرك من مكانه وظل ماكثًا على التطلع للطفل بنفس النظرات. 


+



انصرف الرجل رفقة ابنه، فاعتدل "عرفة" في جلسته على الأرض ثم استند عليها قائمًا ينفض عن ثيابه الغبار، رمق ظهر الرجل بنظراتٍ مغايرة متشحة بنيران الحنق لكونه لم يسترد حقه منه، إلا أن الاستغراب في عينيه كان أكثر وضوحًا حين همس لنفسه مستعجبًا أمرهما:

_يا سبحان الله، فولة واتقسمت نصين! 


+



ذُهِلَ حقًا من مدى التشابه العجيب بين الرجل وابنه، أوقف أفكاره عن التفكير في هذا الأمر السخيف مقارنةً بما ينبغي عليه أن يقوم به. 


+




        

          


                

نظر إلى المكان التي كانت الفتاة به فلم يجدها، صفع جبهته بسخط وسار يعيد بحثه عنها، على بعد شارعٍ منه شاهدها تركل الكرة مع أطفالٍ أكبر سنًا منها.


+



واصل سيره مع ملاحظته لفتاةٍ أخرى تطالعها بنظراتٍ مريبة ترجمها على أنها حقد وما أثبت له ذلك هو أنها اندفعت نحوها بغليلٍ حينما أخطئت الهدف وتدحرجت الكرة بعيدًا. 


+



زايد من وتيرة سيره حتى صار هرولة، فالفتاة الغاضبة جذبت الأخرى المسكينة من خصلاتها الشقراء مما أدى إلى بكائها وإمساكها لها من يديها تحاول بكل ما أوتيت من قوى أبعادها عنها إلا أن أصابع الأخرى التفت بعنفٍ أكبر على شعرها وضاعفت من ألمها ونحيبها مع ذلك استمرت في الزود عن نفسها.


+



وصل أخيرًا إليهما وضغط بيديه بلا شعورٍ على يديّ تلك الحاقدة فصاحت بألمٍ ورمته بنظرةٍ حارقة يملؤها الغضب، فارت دماؤها صارخة تأمره في عصبية: 

_سيب أيدي!!! 


+



في حياته لم يحسب أنه سيصل لهذه الدرجة من العنف، يبدو أن استيائه من التعنيف الذي تتعرض له تلك الفتاة المسالمة أفاق الجزء الشرس من شخصيته ليدافع عنها فقط، من ضغطه على أصابع "چنى" تعاظم ألمها، فراحت تصرخ من الألم؛ ولكنها لم ترتدع، لم تدع خصلات "نهى" وشأنها، وكلما ضغط فعلت هي المثل، جن جنونه فكل ما يفعله لا يثمر ولا يأتي إلا بنتائج عكسية. 


+



حله الوحيد هو أن يفك أصابعها واحدًا تلو الآخر وهذا ما شرع في فعله. 


+



احترقت أعصاب "چنى" بانفعالٍ فائق وهي تشعر أن موازين القوى اختلت وبعد أن كانت هي الأقوى ظهر من هو أقوى منها بفارق في العمر.


+



 مع إفلاته لآخر إصبع من أصابع يديها دفعها برفقٍ كان كافيًا لأن يزيحها عن طريقه، وغادر جاذبًا "نهى" المنفجرة في البكاء بوجهها الأحمر وشعرها المبعثر وفروة رأسها التي تؤلمها. 


+



مدَّ "عرفة" يده نحو رأسها فنأت بنفسها بقدرما استطاعت ولولا يده المتشبثة بكفها لكانت فرت هاربة، مسح على رأسها مغمضًا عينيه بإدراكٍ لردة فعلها وباشفاقٍ فطر قلبه عليها، أنبه ضميره لعنفه غير المسبوق مع تلك الفتاة، سألها رغم تجلي الإجابة نصب أعينه: 

_إنتِ كويسة؟!! 


+



انزلقت من أعينها الخضراء عبراتٍ ساخنة تجري وراء بعضها على خدها الملتهب، لامست بيدها فروة رأسها متأوهةً، ثم أجابته إجابتها المتوقعة من قبله بمنتهى الشفافية والبراءةُ خالطت نبرتها الطفولية: 

_شعري بيوجعني.. 


+



استأنف سيره بها، شادًا على يدها بعزمٍ على تنفيذ ما كُلِفَ به، فهل سيوفق في مسعاه؟!! 

ــــــــــــ

توقفت خطاها على بعد أمتارٍ من« قسم الشرطة».


+



"_قولتلك استني مني الإشارة وإنها ممكن تكون في أي وقت، وده وقتها!! "


+



تردد صوت ابنة عمها في أذنها، هذا ما أخبرتها به منذ ساعة، دورها في الخطة أتىٰ، وعساها تقوم به على أكمل وجه! 


+




        

          


                

قصف قلبها في صدرها، جفّ حلقها تمامًا وانزلقت حبيبات العرق الباردة على جبينها، أخرجت مِنديلًا من حقيبتها تمسح على جبينها بكفٍ مُرتعشٍ ريثما تستأنف خطواتها المتخشبة نحو المدخل الواقف على بابه عسكريان، ازدردت ريقها بصعوبةٍ وهي تعبر من بينهما، تنفست بعمقٍ تهدأ من روعاتها فهكذا سيشك أحدهم بأمرها، سيظنونها ارتكبت جُرمًا ما وهي بعيدة للغاية عن الإجرام. 


+



مر عسكري من جوارها فنادته برفقٍ ونبرة مرتبكة: 

_لو سمحت وقف.


+



استجاب لها متوقفًا عن السير ورفع حاجبه بصمتٍ، فتقهقرت هي خطوة للخلف محاولة الاحتماء من شيء ما، ربما من نظراته الفاحصة، ونطقت تسأله باحترام بلهجةٍ متلعثمة: 

_ مـ... متعرفش فين مكـ... مكتب "سفيان" باشا؟! 


+



رمقها بنظرةٍ صارمةٍ وأشار بكفه يجيبها بهدوءٍ جاد قبل أن ينصرف: 

_هناك كدة، آخر الطرقة. 


+



شكرته بهمسٍ شديد الخفوت لم يسمعه لكونه غادر بالفعل: 

_متشكرة. 


+



مزيدًا من الارتجاف عصف بقلبها، رمشت بارتباكٍ غزا دواخلها، هي مُقبلة الآن على خطوةٍ لم تتخيل يومًا أن تخطوها وبمليء إرادتها، تريد أن تولي بالفرار، أن تختفي وتتلاشى كالغبار فلا يلاحظها أحد، تمهلت في سيرها نحو وجهتها المقصودة. 


+



غدا قلبها خافقًا بعنفوان يغني لحنًا مُقتبسًا من اسمها، وصلت إلى مكتبه بشق الأنفس فسكنت قدميها _أمامه_ إجباريًا، وصار من العسير عليها التنفس بشكل طبيعي.


+



 تردد صوتها في الوسط بينها وبين العسكري عندما قالت بأنفاسٍ مسلوبة: 


+



_عاوزة أدخل للظابط سفيان. 


+



في جديةٍ خشنة سألها العسكري الشاب:

_نقوله مين؟ 


+



بدت ثابتة متجلدة حينما صرَّحت باسمها بتبلكٍ طفيف:

_تغريد، قوله تغريد.


+



رده كان أن أومأ صامتًا ومن ثم ولج غرفة المكتب تاركًا إياها على وقفتها.

تأَّملت هي كل ما حولها بنظراتٍ زائغة، فتارةً ترى عساكر يمرون مصطحبين بعض المجرمين المقيدين بالأغلال الحديدية، وتلاحظ أفرادًا من الشرطة يسيرون منفردين تارة أخرى. 

وخيالها يأخذها عنوةً لما مضى منذ زمن قريب، قريب جدًا... 


+



ظنت _واهمةً_ أنها استطاعت طوي هذه الصفحات الوردية من كتاب حياتها، وخدعت نفسها أن بإمكانها تخطي كل شيء بدون أن تتأثر، ورددت دومًا أدعيةً على روح ما دفنته داخلها...


+



ـــــــــــــــــــــــــــــ


+



قضايا شائكة، أوراق شديدة الأهمية، ملفات مفتوحة، وقليل من الراحة، هكذا كان يوم الضابط المتفاني "سفيان نصّار" مزدحم بعملٍ وافر... 


+



طُرِقَ الباب فأعطى للطارق إذنه بالدخول، أدى العسكري التحية العسكرية ووقف باستقامة ومن ثم أبلغه بطريقةٍ رسمية: 

_في واحدة واقفة برة وعاوزة تقابل حضرتك يا باشا.


+




        

          


                

بتعبيراتٍ ثابتة وصوتٍ جادٍ سأله: 

_واحدة؟ مين دي؟ 


+



عقد العسكري حاجبيه مُحاولًا تذكر اسمها الغريب على مسامعه، ومن ثم هتف بحيرةٍ: 

_بتقول إنها اسمها، اسمها تـ... تسنيم، تنغيم.


+



رفع "سفيان" حاجبيه معًا باستغرابٍ، في حين أضاف العسكري بسرعةٍ: 

_ أه تغريد. 


+



توقف قلبه عن الخفقان لوهلة، ثم عاد يضخ الدماءَ في أوردته بقوة، كان لاسمها على روحه وقلبه بالغ الأثر، الذهول الممزوج بالفرحة احتلَّ كيانه فارتعشت يده لحظيًا قبل أن يمسح بها على شعره يبعده عن جبهته، همس مدهوشًا يمطُّ حروف اسمها مطًا: 

_تغـريـــــــد؟!!!!!


+



أيعقل أن تكون هي؟!! 

أم أنه مجرد تشابه في الأسماء؟! 

إن كان هذا أو ذاك إذًا ما جدوى العيش إن لم يُدركها قلبه قبل أن تُدركها عيناه؟!!!! 


+



بلهفةٍ طاغية على قسماته وبعينين شغوفتين أمره باندفاعٍ: 

_دخلها بسرعة. 


+



رأى العسكري يؤدي التحية هاتفًا بانصياع وتجليل: 

_تمام يا فندم. 


+



انصرف بعدها مُختفيًا عن أنظاره، فغرق هو في واحات مشاعره المكنونة في نفسه.

فيا لسعده بلقياها، ويا لهنائه برؤياها! 


+



لم يُطق مواصلة الجلوس على مقعده فهبَّ واقفًا يتنفس الهواء بشراهةٍ كأنما حاجته له تزايدت، وتأهبت عينيه وأذنيه لأي شيء قد يدخل من الباب..... 

ــــــــــــــــــــــــــ

بعدما أُغلق الباب من ورائها تيبست أقدامها في موضعها كوتدٍ دُقَّ في أرضٍ قاسية. 


+



عُرِفَت دومًا بخفةٍ ظِلها ومرحها وحيويتها، لكن لم يعهدها أحدهم في حالٍ كحالها هذا....


+



نفسٌ المشاعر التي اجتاحتها منذ ساعاتٍ تغزوها الآن وبقوةٍ، فتسلب منها ثباتها ورجاحة عقلها. 

وأقوى هذه المشاعر هو شعور الحنين.... 


+



الفارق أنها الآن تراه، نصب أعينها، في مرمى بصرها، يبادلها النظرات المشتاقةٍ بأشد منها.... وهناك بينهما جسورٌ مُهترئة لا تضمن لها سلامة العبور للجانب الآخر، فلا يمكنها سوى أن تراقبه من ذاك الجانب البيعد عنه القريب منه! 


+



حالما رآها أشرق الكون في عيناه، وانتفض قلبه رهبة في حضرتها، وتألقت مُقلتاه بوميضٍ جذاب خلب فؤادها سارقًا منه عدة دقاتٍ مجنونة، ثم وبصوتٍ هامس ملآن بالشوق أخبرها: 

_وحشتيني.


+



رمشت ترفرف أجفانها، تُخفي عنه نظرات أعينها التي لا محالة ستشي بها، أطلقت من صدرها زفراتٍ متوترة، في حين تتقدم منه.


+



وقفت على بعدٍ صغيرٍ منه، قضمت شفاهها مترددة في نطق ما في جوفها من كلمات، ولمّا رأت أن وقوفها هنا صامتة غريبًا خاصة مع تركز أنظاره المدققة بتأمّلٍ عليها وفي قسماته ولغة جسده عاطفةً وأدتها هي بنبرتها الخافتة السريعة تدفع لسانها الجبان ليتحرك: 

_هتخليني أندم إني جيت لك.


+




        

          


                

حزنت عيناه، وانكمشت قسماته بألمٍ لثوانٍ قبل أن يغلفها بغطاءٍ باردٍ واهٍ، يُقلدها في إخفاء هذه المشاعر ما دامت لا ترغب في رؤيتها، وهذا في حد ذاته آلمه أشد الألم....


+



ملامحها جامدةً، شفاهها مُطبقة، أعصابها باردةً ظاهريًا، عيونها فقط هي التي كانت تحكي سطورًا من شعر الغرام... 


+



وهو المستقيم بوقفةٍ شامخة على بُعدٍ بسيطٍ منها رأى ذلك في عسليتيها، لهذا رقص قلبه ينبض بعنفٍ وعنفوان، وعلى نقيض خفقانه المتلاحقتة كانت ملامحه كملامحها مُفعمة بالبرود والجمود..... إلا عينيه الدافئتين اللتين تستقبلان تعاويذ السحر المنبعث من عينيها القاتلتين..... 


+



ما تلك المشاعر الجارفة والتي تجتاح كيانه الآن بلا هوادة؟ 

ما كل هذا الشوق المنبعث _دون إرادةٍ_ من عينيه؟


+



بات يشعر بها مِلأ روحه وسمعه وبصره. 


+



لطالما كانت تغريدة العصفور فوق شُباكِ غرفته كل صباح، كأنما في رؤيتها يتنحى الظلام عن دنياه، وتُشرق عيناه من قبس نورها. 


+



كل حين يأخذ أنفاسًا ثقيلة فحضورها المُباغت أخذه على حين غرة، أشار لها بكفه في حين يخاطبها بما يخالف كل ما يفكر به:  

_اتفضلي يا تغريد، أقعدي.


+



جلست تنصاع لقوله، مع همسها بكلمةِ شكرٍ واحدة: 

_شكرًا. 


+



لم يكد يستقر بجلسته على المقعد في مقابلها حتى سألها وعيونه تلتمع بوهجٍ جميل: 

_مش ناوية تغيري رأيك؟ 


+



عبثت "تغريد" بطرف حجابها الطويل وأجابته والحروف تُعاندها: 

_بلاش السيرة دي الله لا يسأك. 


+



ليتها لم تفكر في المجيء إليه بأقدامها! 

ليتها فقط بعثت من يقوم بالأمر عنها!

ليتها!!!! 


+



زفراتٌ مختنقة خرجت من فمه مع كلماته الجادة: 

_لازم نتناقش يا تغريد. 


+



تلافت لقاء عينيها بحدقتيه ولم ترد، ثبتت نظراتها المتحرجة على حذائها كأنها لا تعرف شكله، وللعجب اكتشفت به قطعًا صغيرًا!! 

ستوبخ البائع فورما تخرج من هنا، كيف يبيعها حذاءً به عطب كهذا؟ 

وكأن الأمر يشكل هذه الأهمية لديها!

أما الحقيقة فهي تريد أن تشتت تفكيرها بأي شيء خيرًا لها من أن تفكر بما يقول....


+



رفع صوته قليلًا والضيق يرسم خطوطه على وجهه لكونه لاحظ شرودها _المتعمد_ عنه : 


+



_ لازم أعرف ليه رافضة الارتباط بيا؟!!! 


+



ابتلعت ريقها المكتسب مرارةً في حلقها الجاف من كل ما تعايشه منذ حضورها للقسم وحتى الآن، لم تعثر على ما يليق قوله في هكذا موقفٍ حرج، فعاجلها "سفيان" يفصح لها عن مخاوفه وتخميناته: 

_لو بتكرهيني قوليلي وأنا هبعد نهائي عن طريقك. 


+



ترقرقت مقلتاها بعبارتٍ إبان قوله السابق، وانصهر الجمود عن قسماتها، ورفعت إليه عيونها بترددٍ، وارتعشت نبرتها وهي تنفي بهزات متتابعة من رأسها: 

_لا، لا، لا مش بكرهك أبدًا. 


+




        

          


                

رجع للوراء مُسندًا ظهره على المقعد، وراح يُناظرها بعيونه الفاحصة المركزة مع ردود أفعالها العجيبة في نظره، وتسائل بين جنبات عقله عن سبب منطقي لرفضها، أخذ قلمًا من المقلمة الاسطوانية الموضوعة على سطح مكتبه، لعب به بين بنانه ولكن عيونه ماكثة على مطالعته لها حينها سألها بفضولٍ ينهشه: 

_طيب إيه بقى اللي مخيلكي مش عاوزة تتجوزيني؟ 


+



تهربت من عيونه وهي تجيب بهمس موجز: 

_أهلك. 


+



سقط القلم بين يديه على الأرضية، وانزوى ما بين حاجبيه، واستولت عليه صدمة قوية، فقد السيطرة تمامًا فهتف مذهولًا: 

_إيه؟؟!!!! 


+



وجدت "تغريد" نفسها مُضطرة لأن توضح له كل ما رفضت أن تبوح به قبلًا، تذبذبت أنفاسها وأغمضت أجفانها فانزلقت دمعة على خدها مسحتها سريعًا وقالت مُكرهة: 

_أهلك مش بيحبوني، مش طايقيني، بيستحقروني عشان مستوانا الاجتماعي مختلف. 


+



بدا "سفيان" غير مُقتنع بأسبابها، وغير واعٍ لمعاناتها وتأثير عائلته الطاغي عليها، فنطق بعدما تدبر قولها: 

_إنتِ هتتجوزيني أنا ولا هتتجوزي أهلي؟ 


+



شجعت نفسها لتفتح عيونها تراه ينتظر منها إجابة شافية لما يعتمر دواخله من اضطراب وعدم اقتناع، فجاوبته بنبرة شديدة الخفوت قوية التأثير: 

_أنتو الاتنين. 


+



لم يعطي أي ردة فعل لثوان، ثم مال للأمام يقرب وجهه ناحيتها ويغير من وضعية جلسته تزامنًا مع تساؤله المقتضب: 

_نعم؟ 


+



شعرت بأنواع من الاختناقات تجتاح صدرها فمسحت عليه بكفها تفركه لعلها تخفف عنه وخزات الآلآم، ضغطت زر هاتفها المحمول تطالع خلفية شاشته تناور بهذا غارات الألم. 


+



أن تكون مرفوضًا من أحدهم لهو أمر مؤلم وقاسٍ جدًا، النظراتُ عليكَ تكون حارقة، نافرة، مؤذيّة تذيبك بالتدريج، الابتساماتُ المتملقة المغصوبة تصطدم بوجهك كالشوك النابت في الورد تمزققك تمزيقًا، والكلماتُ الغامضة التي تحمل ألف معنى سيء ومعنى واحد جيد تقسم قلبك لأنصافٍ وأنصاف. 


+



هذا إن كان شخص واحد لا يطيق رؤيتك، فماذا بعائلة كاملة؟!!! 


+



_بشكل أو بآخر أهلك هيأثروا على جوازنا وأنا مقبلش أكون مرفوضة وأشوف نظرات استحقار في عيونهم. 


+



قالتها والجزء الجاد الحكيم من عقلها يصحو، قالتها وهي تعنيها، فعائلته سيؤثرون على زواجهما حتى وإن ابتعدا عنهم، سيأتي يوم ويجتمعون سويًا، يتحدثون، ربما في المناسبات أو في أوقاتٍ أخرى. 


+



في كل الأحوال سيلتقون، وستكون هي مُجبرة على معايشة ما لا تطيق نفسها....


+



لم تصله رسالاتها الواضحة في كلماتها، لم يفهم بعد مسار أفكارها، لم يتفهم وجهة نظرها؛ لذا عقب "سفيان" على جملتها بضيقٍ يفوح من حروفه: 

_أه، بس يرضيكي أحس إني مرفوض لسبب غير منطقي..... 


+




        

          


                

خيَّب آمالها، ازعجها، وزاد من ارهاق روحها... 


+



فمن جانب هي لا تود _أبدً_ أن تكون وسط أُناسٍ لا يرغبونها، ومن جانب آخر ينشطر قلبها آلاف المرات برؤياها لحزنه وبؤسه؛ لهذا كانت تفضل البعاد وتتلافى أي احتمال للوصال..... 


+



كم هو متعب أن تحب شخصًا لا يوافقك في التفكير! 

أن تميل على كتفٍ وأنتَ خائف من ألا يسدنك... 

أن تتشبث بيدٍ والرعب يملؤك أنها _ربما_ ستفلتك... 


+



استنغت عن المناقشة العقيمة معه، وهمست تعاتبه بنبرةٍ مرتخية تنم عن إعياء في فؤادها لا جسدها: 

_مكنتش عاوزة أخوض في الموضوع ده، لإنك عمرك ما هتفهم وجهة نظري وده سبب تاني يخليني أتراجع واتردد في الارتباط بيك. 


+



آلمه حديثها، وأشعره أنه بعيد كل البعد عنها حتى وإن حسب أنه قريب منها ولو بقدرٍ بسيط، اسدل رموشه ناظرًا في عمق العسل في عينيها وهو يسألها كمن فقد الأمل في شيء عزيز عليه: 

_يعني ده آخر كلام؟ 


+



توسلته عيونها أن يكف عمَّا يفعله بها وبقلبها، اصتبغت نبرتها بالرجاء واليأس بقولها: 

_كفاية يا "سفيان"، أنا مش حمل ضغوط. 


+



تلهفت عيناه تدوران على ملامحها، يحاول أن يرصد أي أمارة للتعب أو الألم في قسماتها، لم يعثر على أي تعبير يدل على ألم جسدي، فأوقن أنها مستنزفة نفسيًا، سألها قلبه بلهفة قبل لسانه: 

_ ليه؟ مالك؟ 


+



لمعت نجومه الصفراء في عينيها، فامتزج لونها الذهبي بلون العسل فيهما، مما أكسب حدقتيها جاذبية مُضاعفة، فخفق قلبه بتمرد، أبعد عيونه عن أنهار العسل الجارية حول بؤبؤيها وفضّل مطالعة ملفٍ ما بدلًا من الغوص بعيونه هناك. 


+



ظلت عيونها تحدق بالنجوم على كتفيه بانبهارٍ، بفخر، باعجاب، وربما هروب أيضًا، تسارعت وتيرة خفقاتها حين أبلغته على عجالة: 

_ مش وقته الكلام ده، المهم إني عاوزة أقدم بلاغ. 


+



توقفت أنامله قسرًا عن العبث بأوراق إحدى الملفات المهمة، رفع هامته بسرعةٍ فتلاقت أعينهما، خوفه عليها غلب شوقه إليها فوجد نفسه يهتف بحمية: 

_ بلاغ؟!! في مين وليه؟ 


+



عيونها تأسرانه بقيودٍ ناعمة، وتلك الرموش الرقيقة تجرح قلبه كلما رفرفت كفراشةٍ بهيَّة، وأما صوتها الغامض فقد أخرجه عنوة من كل هذا: 

_ هقولك على التفاصيل. 


+



أومأ في جديةٍ دون النظر لها قبل أن يحدثها: 

_طيب، هطلبلك حاجة تشربيها. 


+



استحسنت قوله، وصرَّحت بهذا بعبارتها القصيرة: 

_ياريت والله. 


+



عجيب أمرهما مع الحب!!! 


+



ماذا فهل الحب بهما؟!  وإلى أين أوصلهما؟! 

بل كيف أضاعهما من أنفسهما؟! 


+



يخطفهما من عالمهما ويلقيهما في عالمٍ آخر مغاير تمامًا، يرمي بهما في أحضان أوطانٍ غير أوطانهما، يسرق منهما دقات قلوبهما وزفرات أنفاسهما وهويات أرواحهما، ليزرهما في تخبط وشتات..... 


+




        

          


                

بعض الحب يدواي جروحًا فُقِدَ الأمل في شفائها، وبعضه يجرح القلوب بأشواك وروده، أما حبهما فهو يُخلف فيهما جروحًا غائرة يظناها لن تطيب أبدًا، ثم يُداويهما كأنما لم يشعرا بألمٍ قط، ثم يعود ليجرحهما...... 

ويستمر الحال على ما هو عليه.... 


+



الحب يضعفنا أم يقوينا؟ 

يسلبنا أماننا أم يؤوينا؟ 

يضمد جروحنا أم يؤذينا؟ 

أم تراه يفعل بنا كل هذا وأكثر؟!! 


+



ــــــــــــــــــــــــــــــــــ


+



في الاسكندرية. 

موقع البناء التابع لشركة "المنسي". 


+



عمالٌ كُثر، مهندسون، مقاولون، كل هؤلاء منتشرون في المكان، كُلٌ يقوم بدوره على أكمل وجه، يتفقدون اللمسات الأخيرة على العقار الذي أخذ وقتًا مُتعبًا في العمل عليه، وهناك وقف "فداء" يراقب سير العمل، يعطي تعليماته للعمال، وعلى وجهه تعبيرات الجدية والصرامة.... 


+



وصلت سيارةٌ زرقاء، ثوانٍ وفُتِحَ بابها يُطلٌ منه "باسل"، راقب بحدقتيه المهتمتين كل ما حوله من تحركات، تسربت الراحة إلى صدره فأثلجته، فاليوم هو الأخير في هذا المشروع الذي أوكله إليه "طلال"، وهو أبدًا لا يريد أن يخيب آماله به، ولا ريب من أنه اشتاقه، ولا يطوق الانتظار حتى يعود إليه مُحملًا بإنجازه. 


+



سار نحو الرجل الخمسيني، وحياه بهتافٍ ودود: 


+



_السلام عليكم يا يا عمو فداء.


+



التفت له "فداء" والتفاجؤ مرسوم على وجهه المجعد _نوعًا ما_، ثم بادله التحية ببشاشة: 

_وعليكم السلام يا باسل يا ابني. 


+



وقف "باسل" إلى جواره يتمعن في كل ما حولهما من نشاط العمال  وهمتهم لإنهاء العمل في وقته المناسب، وكذلك فعل "فداء" الذي وبعد لحظاتٍ من التأمل والصمت تحدث بخفوت: 

_ألف سلامة على الباشا. 


+



رمش "باسل" متفاجئًا ومستغربًا مما سمع، ظن أنه يُخيل له لهذا سأله مستفهمًا بجهلٍ بيّن: 

_الباشا؟!! الباشا مين؟ 


+



ضيّق "فداء" أعينه يطالعه بتعجبٍ شديدٍ، وأجابه غير مقتنع بجهله العجيب للأمر:  

_طلال بيه. 


+



اتسعت عيونه، وخفق قلبه بقوةٍ مؤلمةً، وشعر أن هناك خطب ما، فصاح بشدوه: 

_طلال؟!!!! 


+



زاد ضيق عيني "فداء" وهو يردد متسائلًا: 

_هو أنت مدريتش ولا إيه؟ 


+



شعر بالدماء تُسحب من قلبه ومن وجهه فبدا شاحبًا تائه الأنفاس عندما قال بشيء من الرجاء وكثيرٍ من الارتعاش في نبرته: 

_مش فاهم والله يا عم فداء، ممكن توضح لي؟ 


+



واصل "فداء" حديثه الغامض وغير المفهوم للآخر: 

_دي الجرايد كلها بتتكلم عن الحادثة.


+



صواعقٌ من خوفٍ ضربت بدنه، شعر "باسل" بعالمه يتداعى أمام أعينه، وبأنفاسه تُخطف منه بلا تمهيد، وبلحاف الأمان يُشد غدرًا من فوق جسده فيتركه في غابات الرعب بدون غطاءٍ...... 


+




        

          


                

لوهلةٍ لم يقوى لسانه على السؤال، وعلى صدره سقط ثقل الجبال، ظن أنه لن ينجو أبدًا من تلك الأهوال، فمن يحميه ويأويه بات صعب المنال، ابن عمته كان له أخًا يدافع عنه كالأبطال، ولن يحلو له عيش بدونه فأخوتهما يُضرب بها المثال..... 


+



أتاه حديث "فداء" كسكاكينٍ من نارٍ تُغرس في قلبه بضراوة فلتهبه: 

_دي حتى القنوات الفضائية بتاعة الأخبار من إمبارح وهي بتذيع الخبر. 


+



كان "باسل" في هذا الآن شاردًا يائسًا.... ومرتعبًا، مسح على شعره وتنفس باضطراب، وطرد الشرود عن عقله قدرما يسطيع لينطق بحروفٍ بطيئة تنم عن ضياعٍ يسكن جنباته: 

_جرايد وقنوات أخبار وخبر؟! معلش خدني على قد عقلي وفهمني حصل إيه لكل ده؟ وإزاي أنا معنديش خبر؟! 


+



بدلًا من أن يشرح له "فداء" قرر أن يريه بأمٍ عينيه ليصدق، فتح هاتفه وبحث به قليلًا ثم أعطاه له قائلًا: 

_بص كدة يا بني. 


+



ناظره "باسل" بترقبٍ ورعب عظيمٍ راح يعوث فسادًا في قلبه، ألقىٰ بنظرةٍ خاطفة نحو الهاتف، باتت أنفاسه تضيع منه، نسي كيف يتنفس، الهواء من حوله اختفى، عيونه لاتزال مُثبتة على الأخبار المنشورة بعناوين مثيرة لاهتمام غيره ولألمه هو...... 


+



أنىٰ له بثباتٍ الآن؟! 

أنىٰ له بقلبٍ آخر يحمل عن قلبه هذا الثقل البالغ؟! 

كيف حدث هذا بابن عمته؟!! 

بل كيف ولما أخفىٰ عنه هذا الحادث الأليم؟!! 

ألم يكونا شريكي فرحٍ وحزنٍ وراحةٍ وألم؟!!  


+



ـــــــــــــــ

فتح غرف الڤيلا جمعيها ولم يجد "باسل" في أيٍ منها. 


+



أين رحل صديقه؟!! 

بل كيف غفل عنه؟!! 

أيعقل أن تكون والدته هي السبب في اختفائه؟!! 


+



لقد بحث عنه في موقع البناء وفي كل مكان في الڤيلا بلا جدوى، ولم يعد في رأسه عقل ليستوعب إلى إين ذهب، باتت الحيرة تأكل من عقله كل حينٍ جزءًا، ومرارة العجز أنشبت حرائقها في قلبه. 


+



فقد "راغب" القدرة على التحكم بأعصابه لينهار مرتميًا على أقرب أريكة، دبدب بقدميه على الأرض وأخذ يفكر في كل الأماكن التي من المحتمل وجوده فيها، انتفض ناهضًا وكل الاحتمالات لا تؤدي إلا لما يخشى... فإما أن يكون حَاَدَثَ والدته وإما أن يكون وصل إليه الخبر والنتيجة في كلتا الحالتين كارثية!!! 


+



"باسل" شخص عاطفيٌ يتأثر بكل ما حوله، يؤذيه الأذى الذي يصيب أحبته، فإن تعرض له أحدهم لن يتأثر بقدرما يتعرض شخص مِن مَن يحب لأي ضرر، وهذا ما يرعب "راغب" على صديقه المتهور. 


+



كانت عيونه عليه، يراقبه خفية، يعلم ما يقوم به؛ لكنه لم يحسب حسابًا لاختفائه المباغت هذا. 

ما كان يريحه سابقًا أنه نبَّه على كل العمال بعدم التفوه بأي حرف يمد للحادث بصلة؛ لكي لا يعلم "باسل" بما جرى.... إلا شخص واحد!!!! 


+



شخص واحد قادر على أن يقلب الموازين. 

شخص قريب جدًا من "باسل".... وهذا الشخص هو.... 


+



هتف "راغب" بإدراكٍ وبلا وعيٍ منه: 

_فداء!!!!! 


+




        

          


                

ولأنه لا يملك رقمه، اتصل بـ"إيڤا" وانتظر على أحر من الجمر ردها عليه، فُتِحَ الخط من قبلها فعاجلها بكلامه المُغلف بالقلق: 

_ ألو يا إيڤا، مش لاقي باسل في الڤيلا، ومش عارف أعمل إيه!! 


+



على الجانب الآخر دارت "إيڤا" حول مكتبها، ووقفت في منتصفه ثم حاولت أن تهدأ من روعه على صديقه بقولها الرفيق: 

_ طيب حاول تهدى، وهنلاقيه ... 


+



صرَّح "راغب" بما يعتريه من مخاوف: 

_ مش قادر أهدى، خصوصًا إن في احتمال يكون جراله حاجة. 


+



قابله الصمت من طرفها يدل على قلقها هي الأخرى، فأردف سائلها: 

_ تعرفي رقم فداء؟!! 


+



سمعها تتسائل بجهل: 

_ مين فداء ده؟!! 


+



أوضح لها بخفوت: 

_ ده المقاول اللي شغال في الموقع. 


+



أحس أنها لم تتذكره أو لم تتعرف عليه أصلًا لكونها لا تذهب للموقع فهي لا تهتم إلا بالشؤون القانونية في الشركة ولأجل هذا لم يستغرب ردها التالي: 

_لأ، معرفش رقمه... 


+



اتخذّ طريقه للخروج بغية الذهاب إلى الموقع لمقابلة ذاك المقاول بعدما تأكد من وجود مفاتيحه وهاتفه، لم يجد بدًا من إنهاء المكالمة، تمتم مختتمًا حواره معها: 

_خلاص، شكرًا وآسف على الازعاج.


+



أبدت "إيڤا" عدم رضاها عما قاله وأضافت إليه استعدادها الكامل لمساندته في محنته: 

_ مافيش داعي لا للأسف ولا للعتذار، أنا اللي إسفة لإني مقدرتش أساعدك، بس هدور معاك على باسل وأكيد هنلاقيه. 


+



شعورٌ أن هناك شخصٌ ما يقف جوارك في أحلك ظروفك لهو أمر باعث على الدفء، يكفيك كلمة "أنا بجانبك" حتى وإن لم يقوى ذاك الشخص على مساعدتك، يكفيك أنه موجودٌ لأجلك حتى وإن كان غريبًا عنك....


+



ردد يترك الأمر لربه، لعله يحفظ له صديقه أو يجعل طرقهما تتقاطع: 

_إن شاء الله. 


+



لدى كلٍ منا جانب رقيق هش يحتاج لمن يحتويه ويحميه، نحن بحاجة ماسةٍ لمن يمد لنا يد العون حينما نسقط، من يحتضننا حينما نبكي ويتقاسم معنا دموعنا وألمنا، نحن فقراء إلى الحنان والأمان دائمًا وأبدًا.... 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تجولت بين رفوف الكتب في مكتبة والدها، تبحث عن كتابٍ ما، خُطِفَ قلبها من قِبَل مجموعة من العناوين البراقة، احتضنت ما نال إعجابها من كتب وروايات كأنما حصلت على أكثر شيء ثمين في الكون. 


+



مر بخضراويها بريقُ بهيٌ يليق بها، وأصبحت ملامحها أكثر نضرة، فالكتب تمنحها رونقًا وتُعيد إلى جسدها الحيوية، تُنشط خلايا عقلها،  وتربتُ بلطفٍ على جراحها، فتُنسيها الألم، وتمحو عنها أحزانها... 


+



وضعت كل ما في يدها على طاولة كانت الأقرب إليها من أي غرض آخر، وأبقت على كتابٍ واحد بين أناملها مقررة مُطالعته الآن وفورًا، كان عنوانه باعثًا على الأمل والطاقة الإيجابية التي تفتقر هي إليها "الطريق إلى النجاح" للدكتور "إبراهيم الفقي". 


+




        

          


                

دومًا ما أحبت مشاهدة مقاطع الڤيديو المنشورة له على اليوتيوب، فصار مثلها الأعلى، وواظبت على متابعة كل ما نُشر عنه، نبرته الهادئة، شرحه المُبسط، أسلوبه المريح ساهموا في رفع بعض الثقل عن قلبها، ثم بعد ذلك انتقلت للقراءة له... 


+



قرأت حوالي خمس صفحاتٍ وهي واقفة في مكانها بلا حراكٍ وبتركيز شديد، رفعت وجهها من بين صفحات الكتاب باحثة عن والدها بأعينها، حينما وجدته يميل ليضع كُتبًا في رفٍ منخفض تركت كتابها وسارت تجاهه تساعده في ذلك ببسمة واسعة بشوشة. 


+



_شكرًا يا حبيبتي. 

قالها "غيث" بحبٍ فياض من عينيه مع ابتسامة واسعة على شفتيه.


+



تضاءلت ابتسامتها وهي ترد عليه بصوتها الهاديء: 

_العفو يا حبيبي، لا شكر على واجب. 


+



رجعت خطوة للخلف عندما رأته يسير نحو رفٍ آخر يمسح عن محتواياته القيِّمة ترابًا ناعمًا، فأردفت بلا تأخير: 

_بابا، عاوزة أطلب من حضرتك طلب اعتبره هدية نجاحي اللي مطلبتهاش. 


+



دون أن يلتفت لها قال باسهابٍ والعجز الممزوج بقلة حيلةٍ صبغ صوته: 

_أطلبي يا حبيبة باباكِ وأنا انفذلك كل طلباتك، وهدية نجاحك ملهاش دعوة باللي هتطلبه؛ لإنها مني أنا، سبب تأخرها يا بنتي إنتِ عارفاه، الظروف مش مساعداني. 


+



لمست عجزًا في كلماته، فاعتراها الندم لما فاهت به، مشت تجاهه لتقف أمامه وراحت تمسح على كتفه برفقٍ مع قولها الهامس المتشبع باعتذار غير منطوق: 

_ يا حبيبي مش بقول كدة عشان حاجة، دائمًا وأبدًا إنتَ أجمل هدية يا أستاذ غيوث. 


+



عقد حاجبيه مُستغربًا وقع اللقب على مسامعه، فانكمش وجهه المُجعد قليلًا، مُرددًا باستهجان: 

_غيوث؟! 


+



راقت لها تعبيرات والدها، ولكنها قالت في خفوت: 

_أه، مش وقته استغرابك يا بابا. 


+



هزَّ "غيث" كتفيه باستسلام، وتشدق ببسمةٍ صغيرة: 

_ماشي يا قلب غيوث. 


+



انبثقت على شفاهها بسمةٌ واسعة، ولمعت خضروايها كعشبٍ سقطت عليه قطراتُ الندى.... 


+



علاقتها بوالدها علاقة صديقة بصديقها، حبيبة بحبيبها، وأخيرًا ابنة بأبيها، التفاهم أساس بينهما، الحب عهد لا يُخلفانه، والاحتواء دستور يسيران وفقه....


+



أجبرت نفسها أن تخوض في حديثٍ شائك، خطير، ومزجع لوالدها، أخذت نفسًا طويلًا وزفرته ببطء، ومن ثم ألقت بقنبلتها في وجهه: 

_عاوزة أروح عند خالتو وحشتني قوي، اديلي زمن مزرتهاش. 


+



بنوعٍ من البلاهة الدخيلة عليه تمتم "غيث": 

_بس خالتك ميتة، هتزوريها إزاي؟ 


+



تفهمت حالة والدها، لابد أنه لم يعي بعد مقصدها، بالرغم من وضوح مطلبها، تنهدت تفسر له برفقٍ والاشتياق لحبيبتها يسيل من نظراتها: 

_هزور قبرها هي وأيمن ابنها وهقرأ لهم الفاتحة واسقي الزرع إللي جنبهم هناك. 


+




        

          


                

تجمَّد" غيث" مكانه، وارتعشت أصابعه الملفوفة حول قطعة القماش الصغيرة التي كان يمسح بها الرفوف، فوقعت منه عند أقدامه، ضاق صدره كثيرًا، وانقبض قلبه لفكرة ذهابها هناك، فالفتف لها يهتف بحنانه وخوفه الأبوي: 

_يا إيناس يا بنتي! كل ما بتروحي هناك بترجعي منهارة ومعيطة وبتفضلي تحلمي بيهم وتقومي في نص الليل تدوري عليهم. 


+



سألته "إيناس" بصوتها الهامس وزرعت في نبرتها حزنًا لم تتكبد إظهاره كي تؤثر فيه: 

_معنى كلامك إنك مش موافق يا بابا؟ 


+



تقدم نحوها نافيًا من فوره: 

_لا يا حبيبة بابا، أنا عامل عليكِ وعلى تعبك. 


+



وضع كف يده على خدها يمسح عليه بحنوٍ، واستمتمع لحديثها التالي: 

_متقلقش يا حبيبي، مش هتعب بإذن الله. 


+



لم يقتنع ولو بمثقال ذرة، فهو كان شاهدًا على كل انهيارات السابقة، ومع ذلك أخبرها بجدية: 

_خلاص يبقى رجلي على رجلك. 


+



لم تمنحه الفرصة ليذهب معها، فيفسد _عن غير عمدٍ_ ما تخطط له، فسارعت بقولها الجاد رغم مرحه: 

_مافيش داعي تتعب نفسك، أنا هاخد تغريد معايا وأهو تعملها حاجة مفيدة بدال قعدتها في البيت. 


+



النظرة التي منحها إياها احتوت على تردد، خوف عليها، وشيء من الاستسلام سبح في عينيه..... 


+



كل شيء يسير حسب الخطة، وعسى القادم يكون أقل وطأةً عليهم جميعًا.... 


+



هي تعلم أنها ترمي بنفسها أمام قطارٍ سريع خرج عن مساره متجهًا نحوها، نحوها مباشرةً... 

ــــــــــــــــــــــــــــ

_ محسيتش بنفسي غير وأنا بقوله كده، ساعتها شوفت في عنيه نظرة وجع حسستني بالذنب، مكنتش عايز أسببله الألم، رغم إنه على طول بيوجع قلبي بكلامه، وبيدوس على مشاعري من غير ذرة ندم، مش عارف ليه حسيت كإنه اتفاجيء بكلامي، مع إنه عارف إنه الحقيقة، يمكن عشان الحقيقة بتوجع وهو كاره يكون ضعيف قدامي، كنت مفكر إني بكلامي بأذيه هو لوحده، بس عرفت إني أذيت نفسي قبله، المفروض إن الأب يكون حنين على ولاده، يتفهمهم، يراعي مشاعرهم لكن بابا لأ، بابا شخص قاسي وعمره ما هيتغير، أنا... أنا تعبان أوي يا "طلال"، حاسس إني مخنوق، حاسس نفسي بموت، بضيع، مش عارف مالي.... 


+



اصغى "طلال" لحديث "سامي" المطول عبر الهاتف، لم يقاطعه وتركه يبوح بما يؤذيه، لعله عندما يتشارك معه الألم يخف عنه ولو قليلًا، يكفيه أن يشعر أن هناك شخص ما يعنيه أمره وينصت له بلا مقابل... 


+



كل ما بدر من "طلال" في هذا الآن أنه سار في حديقته الخلابة بتؤدةٍ، عقب الجدال المحتدم بينه وبين "فراس" أصرَّ عليه الأخير أن يعود لمنزله كي يحظى بقليلٍ من الراحة نظرًا لحالته المتدهورة مؤخرًا، وهو بالطبع رحب بالفكرة تاركًا حمول العمل على عاتق شريكه وصديقه مؤخرًا.


+



أغمض عيناه مستمتعًا بمزيج الروائح المنبعثة من الأزهار المتنوعة والذي يداعب أنفه فيزيده راحةً واستمتاعًا، اصطدم تيارٌ ليليٌ في بشرته فأجبره على الابتسام وقتئذٍ فاجأه بسؤاله المُحطِم لتوقعاته: 

_صليت العشاء؟! 


+




        

          


                

_أنا... أنا... 

تلعثم "سامي" ونبرة صوته حملت لونًا من الاحراج المصحوب بتيه يغزو كيانه، مما زايد من رغبة "طلال" في إرشاده للطريق الصواب ومعاونته على درأ كل المعوقات التي تحول بينه وبين الصلاة.. 


+



تابع "طلال" مجيبًا بالنيابة عنه: 

_يبقى مصليتهاش، صليها وأبقى كلمني، العشاء أربع ركعات ولو لاقيت أي مشكلة رن عليا مش هنام غير لما نخلص كلامنا، OK؟! 


+



ولمَّا طال انتظاره لسماع أي إجابة منه استرسل في حديثه يحببه في هذه الفريضة: 


+



_عارف إنك متوقعتش تكون دي ردة فعلي، لكن الصلاة هي أكتر شيء هيريحك وهيخفف عنك، لإنك وإنتَ بتصلي هتكون قدام ربنا بتشكيله همومك وكل شيء مزعلك.... 


+



أتاه صوت "سامي" خائرًا متراخيًا ومليء بالتردد: 

_ مش متأكد إذا كنت هقدر أصلي أو لأ... 


+



كان "طلال" لينًا معه منذ البداية لذلك انتهج نفس الطريق قائلًا بحنانه الممزوج بجديته: 

_بص يا سامي، خد دي مني قاعدة "الكسل بيجر كسل والنشاط بيجر نشاط وإياك والتسويف في العبادة أو الدراسة أو أي شيء". 


+



بمزيدٍ من التراخي أجابه "سامي" بخمولٍ: 

_تمام، هصلي واتصل بيك. 


+



تبسمَّ "طلال" وصبغ نبرته بالحنان حين أخبره بصدقٍ: 

_وأنا مستنيك، وافتكر إني طول ما أنا عايش مش هتردد أبدًا عن مساعدتك... 


+



مع انتهاء المكالمة زفر "طلال" مرهقًا مما مر به طوال اليوم خاصةً وما يمر به على مدار حياته عامةً، رفع وجهه للسماء الغنية بألوانٍ الغروب هامسًا بعمق حاجته وعجزه وإيمانه: 

_ يا الله، آمن فؤادي. 


+



_ أهلًا بالحبيب الغالي!! 

ترددت هذه العبارة في أذنيه بغتة، فمال حاجبيه ينخفضان مع تشكل عقدة بينهما، بدا على "طلال" أنه غارق في المفاجأة وغير مستوعبٍ بعد أنه يسمع صوته هنا... أنه أتى إليه هكذا بدون أن يكون له خبر بحضوره، ويكاد يكذب نفسه التي لمست السخرية والخذلان في حروف الآخر بدلًا من الشوق والمودة...  


+



 رفع "طلال" عيونه في وجه "باسل" الواقف على مقربة منه يطالعه بنظراتٍ حملت ألوانًا من المشاعر التي أغلبها قُبِضَ لها قلبه، 

وبلسانٍ ثقيل فقد قدرته على تجميع أي حروف أخرى من حروف الأبجدية ناداه "طلال" ولازال تحت وطأة دهشته: 

_باسل؟!!!!!! 

ــــــــــــــــــــــ


+



جثت على ركبتيها فوق التراب أمام قبر خالتها، مررت أصابعها الرفيعة على حروف اسمها المكتوب بلونٍ أسود، ذرفت عيونها الدموع بلا إرادةٍ منها، تمتمت بحسرة تناجي طيف فقيدتها: 

_وحشتيني أوي يا خالتو، كإنك خدتي روحي مني ومشيتي، بقيت بعدك زي التايهة في الدنيا دي، إنتي كنتي مثلي الأعلى، كنتي حلم طفولتي، عمري ما قلدت أي حد في تصرفاته غيرك، عمري ما حلمت أكون زي حد غيرك، وحشتيني يا غالية.... 


+



انسابت الدموع الجارية من خضراويها بلا سيادةٍ لها عليها، كل محاولاتها في التخفيف من غصص فؤادها المكلوم راحت هباءً. 


+



أشد أنواع الشوق قساوةً هو ذاك الذي نحمله في قلوبنا _المنكسرة_ تُجاه مفقودينا، من لن تجمعنا الحياة _الفانية_ بهم، ونبقى متخبطين متحيرين نتمزق ما بين عجزٍ بغيض وحنين لاذع، نتمنى لو يعود الزمن بنا لنضمهم لثوانٍ فقط، لو بإمكاننا أن نطلب مسامحتهم، لو نسمع أصواتهم الغائبة ونُحس أنفاسهم المنقطعة. 


+



شهقاتٌ ألم فرت من شفاهها المُنفرجة انتزعتها عنوةً من شرودها الأليم وألقتها في بقعةٍ أشدُ إيلامًا مع شعورها بنصلٍ حادٍ ينغرس في لحم كتفها الأيسر من الخلف، اتسعت أعينها من قوة الألم، وضاقت أنفاسها وهي تسمع هسيسًا حاقدًا ومرعبًا يخترق طلبتا أذنيها: 

_وليه الشوق ده كله، مدام إنتي أصلًا هتحصليها؟!!!!!! 


+



التاسع عشر من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close