اخر الروايات

رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل السابع عشر 17 بقلم نورهان ابراهيم

رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل السابع عشر 17 بقلم نورهان ابراهيم


الفصل السابع عشر "نشوى"



                                              

كان عليَّ أن أدرك أن الهروب لم يكن حلًا. 

لم استطع بالرغم من بُعدي عن أماكن ذكرياتي الأليمة أن أمحوها من ذهني، ويبدو أنها ستظل ترافقني مدى الحياة وستدخل معي قبري..... 

فنُدب الألم باقية محفورة في فؤادي كالنحت في صخورٍ قاسية لا تزول أبدًا.. 

والألم كما هو لم ينقص مثقال ذرةٍ رغم تبدل البلاد. 

الظلام الذي في داخلي لا يتبدد بالرغم من شروق الشمس كل صباح. 

الحزن المُحَطِم لعزيمتي وطاقتي يعتصر روحي بالرغم من كل مُسببات الفرح حولي. 

الوحدة لا تنفك عن نهش صمامات قلبي رغم عدد الأُناس الذين يحيطون بي ويحتوونني باهتمامهم ومودتهم. 

هذا كله لأن نبع الحب "أمي" ودرع القوة "أبي" ليسا في هذا الكون معي... 

"نشوى"... 


+



ــــــــ♬♬

اربطوا أحزمتكم، وتعالوا معي لنسافر إلى الولايات المتحدية الأمريكية، سنتوجه لولاية "نيويورك"، الساعة هنا الواحدة صباحـًا؛ لأن فارق التوقيت بينها وبين القاهرة ست ساعات. 


+



سنتوقف قليلًا أمام منزلٍ فائق الفخامة والرُقي، مزيج آسر من الثراء والبساطة، دعونا نترك حديقته الخلابة جانبًا ولندخله سويًا، تسللوا معي بخطواتكم، كونوا حذرين، كي لا نوقظ ساكنيه، تجاهلوا كل ما يحيط بكم من أثاثٍ عصري، ولنتجه بعيوننا إلى البهو المشغول بالأرائك والمقاعد.


+



وها هي غايتنا تجلس مُتربعة على أريكةٍ واسعةٍ مُنفردة، تتابع فيلمًا كرتونيًا وعلى كلا فخذيها يستقر رأسيْ فتاتيها.


+



تنهدت براحةٍ مُتمتعة بتدليك فروة رأسيهما، شعورها نحوهما لا يوصف، هما غاليتيها، لا تملك في الدنيا أعزَّ منهما، انقلبت الأصغر سِنًا _بنية الشعر_ على ظهرها تطالعها بعيونٍ ظريفة لامعة وهمست تناديها بخفوتٍ لطيف:

_! Mam (ماما). 


+



ردت عليها تتسائل بنبرةٍ حنونة، وهي ترتب لها شعرها: 

_? What (إيه؟) 


+



_. I love you so much (أنا بحبك جدًا) 


+



قالتها الصغيرة وابتسامة بريئة تضيء محياها الطفولي، فبادلتها أمها ببسمة رائقة سعيدة ورددت على مسامعها بعاطفةٍ أمومية زرعها الله في قلبنا مذ رُزِقَتْ بها: 

_I love you too, Sally .  (أنا كمان بحبك يا سالي)


+



_ كفاية يا سالي، لو عمو "راني" سمعكوا هيطين عيشتنا. 


+



اقتحمت هذه الجملة العربية بالعامية المصرية الحوار مُغيرة إياه جذريًا، فالتفتت لصغيرتها الثانية _صاحبة الجملة السابقة_ بحاجبين معقودين انزعاجًا مما سمعت، وقالت فورًا بسخط: 

_نعم؟!!! 


+



أومات الفتاة الكبرى _صاحبة الشعر الأشقر_ بلطافةٍ وأكدت بنبرتها الهادئة الوديعة: 

_أه يا مامي زي ما بقولك كدة، عمو مَحرج علينا نتكلم بلغة غير العربي قدامه، وخصوصًا الانجليزي. 


+



يبدو أن والدتها ستقيم حربًا ما بسبب عمهما ذاك، وهذا ما ظهر في صوتها الحانق بفظاظةٍ قلما تكون عليها؛ لكونها شخصية ودودة لطيفة: 

_وده ليه إن شاء الله؟ 


+





                

هزَّت ابنتها كتفيها بغير علمٍ، وأجابت بمنتهى البساطة: 

_ منعرفش يا "نشوتي"، ابقي اسأليه. 


+



انشرح قلب "نشوى" لمجرد سماعها للقب تدليلها من ابنتها الجميلة، فناظرتها برقة ورغم هذا أخبرتها بذهنٍ شارد ونفسها ضائقة من "راني": 

_أنا فعلًا هسأله يا "سمر"، ليا كلام معاه بس أما أفضاله.


+



تدخلت "سالي" في حديثهما جاذبة انتباه والدتها عندما وقفت على ركبتيها وطالعتها بعيونٍ ظريفة بريئة وهي تهتف بحماسٍ لذيذ: 

_ده بيعلمنا كلمات جديدة من العامية.


+



تنهدت "نشوى" تنهيدتها الثقيلة تلك وهي تشعر بالضجر الشديد، فلطالما حرصت على سلامة مخارج ألفاظ فتاتيها ولكن "راني" يقف لها بالمرصاد، دومًا ما تعترض على إطلاع فتاتيها على هذا اللون من العامية المتدنية؛ ولكنه لا يأبه بها، عَقبت بغيظٍ بدى لهما لطيفًا: 

_ مش محتاجة تقولي يا حبيبة مامي، باين من ألفاظكم. 


+



هبَّت "سمر" جالسة على ركبتيها وهي تصفق بحماسٍ قائلة: 

_عمو "راني" بيقول حتى لو في بلد تانية لازم نتكلم بلسان بلدنا ومننساش لغتنا وأصلنا. 


+



أبقت "نشوى" عيونها الزرقاء الحانقة على الفيلم الكرتوني، وهتفت من فورها بسخرية: 

_ الله الله على الوطنية والانتماء، ابن عمي وأنا عارفاه. 


+



شاركتها "سالي" السخرية بقولها المرح بالإنجليزية المُتقنة: 

_Of course. 


+



حثتهما "نشوى" على الذهاب للنوم بقولها الهاديء: 

_طيب قوموا يلا عشان تناموا كويس وتصحوا فايقين. 


+



تذمرت الصغيرة "سالي" بعبوسٍ لطيفٍ: 

_بس يا مامي بكرة الـ week end، ومش بيجيلنا فرصة نسهر كتير. 


+



احتلَّت الصرامة صوتها وهي تخبرها بجدية أمومية رغم لين قسماتها: 

_ميفعش تتعودو على السهر، هيبقى صعب عليكم تناموا بدري بعد كدة. 


+



ومن ثم خطفت لساعة يدها نظرة سريعة وواصلت حديثها الجاد: 

_بعدين هتسهروا إيه تاني دي الساعة بقت واحدة الصبح! 


+



ناظرتها "سَمر" بعيونها اللامعة وهي ترجوها برقة: 

_طيب هنقعد شوية صغيرين كمان وبعدين هننام. 


+



صممت "نشوى" على رأيها الصائب بقولها شديد الحزم: 

_يلا قدامي من غير نقاش. 


+



بانت الخيبة على ملامح "سَمر" الحزينة ولم تنطق بكلمة أخرى، على عكس "سالي" التي جعدت مابين حاجبيها بانزعاجٍ هاتفة بخفوتٍ مُغتاظ: 

_ياربي بقى! 


+



سمعتها "نشوى" فحذرتها بمزيدٍ من الحزم: 

_ومن غير ولا كلمة. 


+



دمدمت "سالي" بضجرٍ قائلة: 

_خرست أهو يا مامي، مش هتكلم تاني أساسًا. 


+



حدجتها "نشوى" بغيرٍ رضى؛ لكنها عَلَّقَتْ بهدوء: 

_تكوني عملتي فيا معروف. 


+



وجهت "نشوى" حديثها لإبنتها الكبرى مُردفةً بحنان مزجته بالتشويق لتحمسهما وتزيل حزنهما: 

_سمر يا حبيبتي، خدي أختك معاكِ، وغيروا لبسكم عقبال ما أجيب لكم قصة حلوة كدة وآجي أقرأها لكم. 


+




        

          


                

أشرق وجهيهما، وصمتت "سالي" مُفضلة عدم قول أي كلمة حتى لا تكشف فرحتها، ورددت "سَمر" _بفرحةٍ_ بالنيابة عنها: 

_حاضر يا مامي. 


+



راقبت "نشوى" انصراف فتاتيها مبتسمةٍ وعيونها عليهما باهتمامٍ مُبالغٍ وحبٍ فياض، هما هدايا الله لها، تشغلان خواء روحها وتنعشان جديب قلبها، تُعيدانها _بمشاغبتهما_ لأيامٍ جميلة مضت، رافقتهما ابتسامتها التي تلاشت مع إذاعة شارة المسلسل الكرتوني الذي انتهى الآن. 


+



خفق قلبها بانقباضةٍ مؤلمة، وراحت المرارة تنتشر على وجهها المنقبض، فالأغنية المعروضة تكون للمسلسل الكرتوني "أنا وأخي"، أغمضت عيونها من هول ما مر على ذاكرتها كالشهاب، تراشقت كلمات الأغنية في قلبها كشذايا الزجاج: 


+



"_أنا وأخي وأخي وأخي

شوق يدفعني لأراها 

أمي ذكرى لا أنساها

طيف، أنقى

من زبد الأيام أبقى

أمــي أمي أمي

همساتها أحلى من ناي

سكنت قلبي

لمساتها باتت نجــواي

تضيء دربي

لا تنس أخاك

ترعاه يداك

لا تنسَ أخاك

لو سرقت منك الأيام

قلبًا مِعطاءً بسام

لن نستسلم للآلام

لن نستسلم للآلام

لا تنسَ أخاك

ترعاه يداك

لا تنسَ اخاك

ترعاه يداك

لا تنسَ أخاك

ترعاه يداك

لا تنسَ أخاك

ترعاه يداك" 


+



بدون إرادتها انزلقت على خدها دمعة، وعيونها هناك، على شاشة التلفاز، ثابتة على تلك الصور المُتتابعة للولدين وأمهما الراحلة. 


+



أمها لم تعد إلا "ذكرى" كما تقول الأغنية، ذكرى جميلة بل هي الأجمل على الإطلاق، مجرد ذكرى لا يسعها إلا تذكرها، كيف كانت تُسعد فتضحك، وتغتم فتبكي، وتقلق عليها هي وأخيها فتعنفهما بعتابٍ أمٍ صارمة ولكنها رغم صرامتها حنونة. 


+



مكان أمها في حياتها لم يعد إلا ك"طيفٍ" يزور مخيلتها وأحلامها. 

كم تموت شوقًا لها! 


+



كم من مرة احترقت من الداخل لتعانقها ولو لمرة واحدة؟ 

كم اشتاقت عيناها لرؤيتها، وأذناها ترجوان أن تسمع صوتها الغائب منذ أعوام! 


+



كانت صغيرة، صغيرة كفاية لئلا تعلم أن والديها الحبيبان قُتِلا؛ ولكنهم لم يستطيعوا أن يخبؤوا عنها خبر موتيهما، كما لم يستطع أحد أن يمنعها من الحزن عليهما والبكاء المتواصل لليالٍ طوال. 


+



ووالدها؟! 

هذا حوارٌ آخر، حوارٌ طويلٌ للغاية.

كان سندها وقوتها ودرعها الحامي، و "ملاكها الحارس".

كان "فارسها" المغوار الذي لا يرضى لها الأذى ولا يسمح به.

كان كـ"الجيش" الذي يحمي وطنه_ بالدماء والأرواح _ ضد أي دخيل. 


+



انتبهت على أفكارها، ولاحظت بأبشع طريقة أنه فقط "كان" في الماضي، أما الآن أصبح أيضًا "طيفًا وذكرى". 


+



انتحب قلبها المذبوح بسكين خواطرها الحزينة، وتدافعت شهقاتها من صدرها كـ "غريقٍ" تم إنقاذه للتو، فوالداها لم يكونا مجرد شخصين عابرين، بل كانا العالم بأسره في عيونها، كانا بوصلتها التي تهديها للصوابٍ بعد كل انحرافٍ، والصدر الحاني الذي يضمها بعد كل ارتعاشة برد، والربيع المزدهر بعد كل جفاف. 


+




        

          


                

«نشوى مُنير المنسي»: أخت "طلال" الوحيدة، أصغر منه بعامين، تومأ روحه وحلاوة أيامه المريرة، يفديها بأنفاسه ودقات قلبه ونور عينيه وهي كذلك تفديه بعمرها. 

هي آية من الجمال المتفرد، عيونها زرقاءُ كسماءٍ صافية خَلت من رماد الغيوم، وجهها ذو درجة بياضٍ معقولة بلا إفراطٍ أو تفريط، شعرها أسودُ طويل وناعمٍ تخفيه أغلب الوقت أسفل الحجاب حتى ومع وجودها في المنزل؛ لأن ابن عمها يسكن معهم في ذات المنزل، في ربيعها السابع والعشرين، تعمل طبيبة أطفال. 


+



«سمر نَسيم ذو الفقار»: البنت البكرية لـ"نشوى"، في عامها السابع، هي أقرب في وصفها للفراشة، بريئة، لطيفة، على قدرٍ من الرزانة التي تندر في مَن هم مِن مثل سِنها، تتسم شخصيتها بالهدوء وتَقَبُل الأوامر بعد نقاشٍ قصير، وَرثت شعرها الأشقر عن جد أمها وعيونها تُماثل عيون أمها الزرقاء. 


+



«سالي نَسيم ذو الفقار»: ابنة "نشوى" الصغرى، طفلة نارية، برأيٍ متحجر، إن أحبت شيئًا لا تتركه أبدًا، كثيرة الحركة والمُشاغبة، طفولية بضحكاتٍ رنانة، تفتعل المقالب دومًا ولا تكترث بهويةٍ من يقع تحت وطأة مقلبها، وكل هذا طبيعي لفتاةٍ في الخامسة من عمرها لازالت تستكشف الحياة وتلتمس ما حولها بحماسٍ لتتعرف عليه، درجة لون شعرها لم تصل للسواد كأمها ولا للشُقرة كجدها وإنما وُلِدت بشعرٍ بُني وعيونٍ بلون الخُضرة. 


+



«راني المنسي»: ؟؟؟؟؟!! 

سنتعرف إليه معًا ولكن لم يحن الآون لذلك..... 

ـــــــــــــــــــــ


+



كانت "سمر" ممسكةً بكف أختها الصغرى "سالي" في طريقهما للدرج فقابلتا رجلًا يأتي من الخارج، رآهما فابتسم لهما بحبٍ، وهبط جاثيًا على ركبتيه وبسط ذراعيه فركضتا ملقيتان نفسيهما في حضنه بفرحٍ شديد هاتفتان: 

_ بابي! 


+



حاوطهما والدهما بذراعيه يقبل رأس كلًا منها على حدة، وهو يرد بهدوءٍ: 

_حبايب بابي، عاملين إيه يا "سكاكر"؟ 


+



همست له "سالي" مجيبة وصوتها مكتوم _بعض الشيء_في ثيابه: 

_الحمد لله، بخير. 


+



زادت بسمته ارتياحًا من ردها، وسمع ابنته الأخرى "سمر" تقول برزانتها: 

_كلنا بخير طول ما أنتَ بخير. 


+



أبعدها قليلًا وقبل خدها الصغير ونظر في عينيها الشبيهة بعيون أمها قائلًا: 

_انتي my heart من جوا. 


+



تذمرت "سالي" وهي تشعر بالغيرة من حديثه: 

_وأنا يا بابي؟!


+



فقهقه عاليًا، ثم قبلها هي الأخرى على وجنتها مجيبًا بما جعلها تبتسم بسعادةٍ غامرة: 

_إنتِ روحي. 


+



ازدهى وجهها بابتسامة واسعة، فوقف من مكانه ثم سألهما بصوتٍ هاديء: 

_فين مامتكم؟ 


+



جاءته الإجابة من "سمر" بقولها الموجز: 

_ قدام الـ TV. 


+



بدا على وجهه تعابير غريبة تمزج بين الغموض والريبة، وأخذ يفكر باتصال في شيء ما، فحدثهما على استعجال بينما يغير مسار خطاه السريعة _نوعًا ما_: 

_تمام، يلا على أوضتكم. 


+




        

          


                

_حاضر. 

هتفت كلتاهما وهما تركضان تجاه الدرج لتتسلقانه بقفزاتٍ، تتسابقان في من تصل للحجرة أولًا. 


+



«نسيم ذو الفقار»: زوج "نشوى" ويُعد من أقرب أصدقاء "طلال"، في منتصف الثلاثينات، يُحاضر في جامعة كاليفورنيا كونه حاصل على درجة الدكتوراة في الهندسة، عيونه خضراء كغابات الساڤانا، وشعره أسودُ فاحم. 


+



ــــــــــــــــــــــــ


+



طوَّحتها أمواجٌ عينيها لتجرفها ساحبة إياها تُغرقها في أغوار ماضيها البعيد في الزمن القريب من الذاكرة.

وكم من ألمٍ حُبِسَ في قلبٍ متهالك من قساوة الأيام! 


+



أبوها "مُنير" كان مزيجًا رائعًا من اللين والقوة، الحنان والشِدة، وكان له من اسمه نصيب كما يقولون، فـمُحياه كان منيرًا، حلو الطلعة، طَلق الوجه بابتسامةٍ لا تكاد تُفارقه حتى في أوقات ضغوطاته وحزنه. 


+



حياتها معه ومع أخيها وأمها كانت نعيمًا بحق، كانوا عائلة متكاتفة متماسكة يضم بعضها البعض في مودة واحتواء، يَشدُد كلهم عضد الآخر. 


+



ثم....؟!


+



هَبَّتْ أعاصير الشِقاق في بيتهم، واقتلعت بشتاتها قِلاع شملهم، فبات الحزن والفِرقة حليفهم، ما عاد أحدهم يدري هل هم عائلة واحدة أم أنهم استحالوا أُناسًا يتشاركون السكن مُكرهين. 


+



أبوها بدا حينئذٍ كأنما تم استبداله بأحد أشباهه الأربعين! 


+



انقطع عن الصلاة بعدما كان لا يُفوت فرضًا ولا نافلة إلا وأداه خاشعًا لله، والعصبية والغضب المُشتعل باتا حليفيه على الدوام وهو الذي عُرِفَ عنه الحِلم والهدوء والتعامل مع الأمور بعقلانية وروية. 


+



حتى ومع مرور هذه الأعوام ظلت جاهلة بالخطوب التي أَلمَتْ بعائتها، والدتها هي الوحيدة التي بقيت على عهدها القديم من الرزانة والحنان، حتى تبدل حالها يوم موتها. 


+



امتلأ صدرها عن آخره باختناقاتٍ مُرة، واحتقن وجهها من شدة ما تعانيه لتتحكم بأعصابها التي اتلفها الفقد والحنين، غُصَّ حلقها بمرارةٍ خانقة، فتركت زمام نفسها لنفسها فكانت النتيجة سيلان دموعٍ كالطوفان يُغرق لوحة عينيها الزرقاء فيتمازج لونها بالمياه حتى صارا شيئًا واحدًا. 


+



شهقت "نشوى" بتفاجيء لشعورها بمن يلمس كتفيها، فالتفتت بسرعةٍ لتتقابل عيونها_الفياضة بالدمع_ بعيونٍ خضراء جميلة يكمن فيها القلق عليها والحب لها وصاحب هذه العيون يميل على الأريكة من الخلف واضعًا كفيه على ظهرها، زفرت أنفاسها بارتياحٍ وهي تحاول تنظيم تنفسها، فانتزاعها من دائرة ذكريات ماضيها الملوث لم تكن هينة.


+



_ إنتِ كويسة يا "نشوتي"؟ 

قالها الرجل بخوفٍ عليها شابهُ لمحة حبٍ دافق من حدقتيه، التف حول الأريكة، واقترب منها، وجلس إلى جوارها ممسكًا كفيها بين كفيه الدافئنين، رفعت "نشوى" زرقاويها في خضراويه وأجابته بصوتٍ خفيضٍ:

_كويسة يا "نسيم" متشغلش بالك. 


+




        

          


                

مد "نسيم" يده لوجهها؛ كي يمسح هذه العَبرة العالقة هناك، ورفع إصبعه في مرمى بصرها هامسًا بنفسٍ ولهانة وصوته بدا مشاكسًا: 

_ الدمعة دي بتقول عكس كدة، مراتي حبيبتي بتكذب عليا ومخبية عني حاجة مزعلاها.


+



استسلمت لوعود الأمان في عينيه، لتلقي بنفسها في دفء أحضانه الغنية بمشاعره، ضمها إليه بحنانٍ وحرصٍ كمن يضم جائزته القيمة، فانسابت عبراتها تسقي قماش ثيابه، لتهمهم هي بما يجول في خاطرها وما يثقل قلبها: 

_ ماما وبابا يا "نسيم" واحشيني قوي.


+



مسح "نسيم" على حجاب رأسها مقبلًا أعلاها، وهو يهمس جوار أذنها يشاطرها شعورها بالفقد والحنين: 

_أنا كمان ماما وبابا واحشيني، تعرفي لما بيوحشوني بعمل إيه؟


+



انتبهت "نشوى" لتساؤل زوجها الأخير لترفع له عيونها _الباكية_ بكلمة خافتة: 

_إيه؟


+



رَوَتْ بحارُ عينيها العشبَ العطش في عينيه، فأجابها بنفس نبرته الهامسة وقلبه يذوب فيها غرامًا: 

_بتوضا وأصلى ركعتين وأدعيلهم، كمان بتصدق على روحهم.


+



خُذِلَتْ قسماتها بعد أن كانت متحمسة للغاية، وهتفت بيأسٍ وارهاقٍ تمكن من روحها، دافنة وجهها في طيات رقبته: 

_ بعمل كل ده، بس بردو بيوحشوني.


+



ضيّق من عقدة ذراعيه حولها، ومنحها قولٌ يعبق به إيمانه _الراسخ_ بكرم المولى: 

_يبقى تقربي من ربنا قوي وتحاولي تلتزمي بالفروض وتحفظي قرآن وتكثري من عمل الخير، وتعطفي على الغلابة اللي زيي كدة، وتدعي إن ربنا يجمعك بمامتك وباباك في جنة الخلد.


+



أحبتْ "نشوىٰ" طريقته في الحديث المطعمة بالإيمان؛ ولكنها زَوَتْ ما بين حاجبيها، عقلها يُنكر شيئًا مما سمعت من زوجها، فقالت _من فورها_ بمزيج من الاستهجانٍ والاستغراب: 

_غلابة زيك؟


+



أجابها ببساطةٍ: 

_أه.


+



طالعت "نشوى" عيناه مُغرقة خضرتها بزرقة عينيها، عينيها اللتان يسبح بهما إنكارها، وسألته بهمسٍ خافتٍ: 

_وهعطف عليك إزاي إن شاء الله؟ 


+



ضمها "نسيم" أكثر، وبدا وكأنه يفكر حين منحها رده المرح بحبٍ: 

_ هتعطفي عليا إزاي؟


+



بغتة أجفلها بهتافه المرح: 

_لقيتها! إنك تحبيني أكتر وأكتر وتكوني جنبي على طول. 


+



لفت "نشوى" يديها حول خصره مريحة جبهتها على صدره متسائلة بخفوتٍ: 

_وده هيفيدك بإيه؟ 


+



قَبَّل "نسيم" أعلى رأسها، وتنهد بقوةٍ مُرتاحًا لقربها، وتشدق بأصدق عِبارات الكون وأحلاها: 

_وجودك وحده فارق، وجودك بيداوي، وخايف بجد تبعدي، زي ما الغاليين بعدوا، خليكِ دايمًا قريبة لو مش من عيني يبقى قريبة من قلبي، مش عاوزك تبعدي عن قلبي، يا روح قلبي. 


+



غمرها الشعور و غَزَا كيانها، فأقرَّت له بتأثير كلماته عليها بهمسها الذائب في عاطفتها: 

_دايمًا كدة بتثبتي بكلامك الحلو وببقى مش عارفة أرد. 


+




        

          


                

عفويًا تألقت زرقاويها بلمعةٍ حبٍ دافئة، وانبثقت على شفاهها بسمةٌ رقيقة ناعمة... 


+



وهو لم يبخل عليها بمزيدٍ من جواهره، لذا أبعدها متأملًا في بحريها الهائجان، وأخبرها بقوله: 

_مش محتاجة تردي، كفاية السعادة اللي بشوفها في عيونك الجميلة، كفاية قوي عليا وجودك، وابتسامتك دي كتيرة عليا وعلى قلبي.


+



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العودة مرة أخرى إلى "مصر" وإلى "القاهرة" على وجه الخصوص.


+



حَسِبَتْ أن الماضي العكر اندثر بأطيافه السوداء وانجلت غيوم الأحزان عن حياتهم، ففوجئت بتناثر الرماد من فوق الفحم الملتهب فازداد التهابًا واتقادًا وتشبثت شراراته المدمرة بثوب سعادتهم فأحرقته إحراقًا. 


+



تهاوت بجسدها على طرف فراشها في غرفتها وانزاح الحجاب المنزلي البسيط عن رأسها كاشفًا نصف شعرها من الأمام، شخصت أبصارها تطالع نقطة ما، قلبها مقبوضٌ بحدسها الأمومي، ابنتها ليست بخير، هناك شيء ما ينغص عليها راحتها ويبدو أيضًا أنه كسر قلبها ومزقه لتنهار بذاك الشكل أمامها. 

لا تزال تذكر ملامحها المتغضنة الغارقة في بحورٍ من مرارةٍ وألم، وعيونها الفياضة بالدمع المحتبس _عبثًا_في مقلتيها، كل هذا لاحظته بعيونٍ خبيرة عندما فتحت ابنتها باب غرفتها لابنها. 

دخل "غيث" إلى غرفة نومه بعد يومٍ رتيبٍ متعبٍ في مكتبته، بدت له زوجته في سكونها هذا منكسرة، متألمة ومهزومة..

والأهم الأهم أنها "مهمومة". 

هرع إليها بخطواتٍ متثاقلة رغم اندفاعها، أحاط كتفيها بأصابع يده يضغط عليها بنوعٍ من الرفق وسألها في صوتٍ ملهوفٍ قَلِق: 

_" صفية"، مالك يا حبيبتي؟!! 


+



وكأن للمسته أثر السحر على حواسها فجذبها من حالة الشرود إلى الإدراك، نطقت "صفية" بكلمة وحيدة افترقت لها شفتيها: 

_إيناس.


+



_مالها بنتي؟!! 


+



قابلها بسؤال فوري وقد تفاقم قلقه الممزوج باستغرابٍ احتلَّ قسماته. 


+



هزت رأسها مِرارًا بتيهٍ أقلقه أكثر، ورفعت إليه عينيها الغارقتين في الشرود مرددة بنبرتها الهامسة الموجوعة: 

_مش عارفة، يمكن، يمكن... 


+



تثاقل لسانها مع كلمتها الأخيرة فكررتها بوهنٍ عجيب أثار فيه ترقب ورهبة فهزها بلطفٍ سائلًا وعيناه تجوبان تفاصيل وجهها المصفر بشحوب: 

_يمكن إيه؟ قولي! 


+



ابتلعت ريقها بعسرٍ وجفاف حلقها يزداد كل حين، قالت ودمعة كسيرة تسقط من أسر جفونها: 

_ يمكن قابلتها، ضُرة أختي. 


+



صُعِقَ بدنه إثر حديثها وتطرقها لهذا الشأن الخطير، تسائل بتأهبٍ وهو يهوى إلى جوارها وعيونه مُتشبثة بملامحها: 

_هي مش كانت مسافرة برة مصر هي وجوزها من أربع سنين؟ 


+



ارتجف صوتها المتهالك وهي تمسح على خصلاتها بعدما حررتها نهائيًا من حجابها: 

_أيوة، يمكن رجعت، مهو مفيش حل تاني، مفيش سبب للحالة اللي فيها بنتي غير ده. 


+




        

          


                

ضمها إليه من كتفيها، فأراحت رأسها على كتفه بتعبٍ والرعب يتملك كيانها، وضع ذقنه على شعرها وهمهم بالتساؤل الذي طرأ على عقله لعل ابنته لم تلتقي بتلك المرأة: 

_ هي راحت المقابر؟


+



تنفست "صفية" بعمقٍ شاعرة بضيق يتفاقم في ثنايا مصحوبٌ برعبٍ فائق ونفت بهزاتٍ متتالية من رأسها مع جملتها الموضحة: 

_لأ، مراحتش، هي أصلًا يدوبك خرجت مع تغريد مكملتش دقايق ورجعت واحدة تانية خالص.


+



أردفت باختناقٍ انتشر في حلقها تشكو له مُصاب قلبها ومخاوفها تجاه ابنتهما المكلومة: 

_بنتي مش تمام، فيها حاجة. 


+



تنهد يزيح عن صدره شعورًا ثقيلًا يضاهي ثُقل الجبال وما عليها، ربَّت على رأسها بعينان شاردتان مترقبتان، قائلًا يمزج المواساة والقلق الأبوي في صوته الخافت جدًا حد الهمس: 

_طيب اهدي وكل شيء يتحل إن شاء الله. 


+



ابتعدت "صفية" عن حضنه الآمن الذي لم يعد كافيًا ليطفأ النيران المتلظية في صدرها، وشعور الأمومة نحوة ابنتها يصفعها بحدسه المشابه لجهاز إنزار الحرائق، لطمت فخذيها بحسرةٍ ملأت صوتها وعينيها وقلبها مُرددة في ارتيابٍ وألم: 

_ ربنا يستر، ربنا يستر. 


+



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في غرفة "إيناس". 


+



أهلكها البكاء، واستنزف طاقتها، وأنهك روحها المُتعبة، وأخوها الحبيب استقبل منها كل صرخة وكل دمعة وكل شهقة بصدر رحب، وظل يطبطب على ظهرها ويهدهدها كأنها ابنته وهي كذلك في نظره. 


+



محا "عرفة" آثار البكاء عن وجهه بظهري كفيه، ولأنه لازال يضمها لم ترى هي دموعه المَسكوبة انعكاسًا لدموعها، أبعدها عنه يمسح بقايا عَبارتِها عن خدودها بأنامله، ورناها بنظراتٍ حانية يضمد بها جراح قلبها الغائرة، وأخبرها بما يشبه الدعم مُغلفٌ بمشاكسته وحكمته: 


+



_الدموع دي غالية عليا قوي لو تعرفي، شوفي أنا خسرت كام دمعة، الحزن يا حبيبة أخوكِ مكتوب علينا زي الفرح بالظبط، لازم قلوبنا تتألم وتوجعنا قوي عشان لما يزورها الفرح ترفرف زي الفراشة، ولازم عيونا تبكي عشان تضحك بعدين، مكتوب علينا حاجات كتير بنكرهها ورغم إننا مبنبقاش عاوزينها في حياتنا بتبقى فرض علينا، وعلى العكس بيتكتب علينا الحاجات اللي بنحبها وبنبقى عاوزينها تدوم ومتروحش، بس دي سنة الحياة هييجي وقت نفرح ونضحك ووقت نزعل ونبكي، عشان نعرف قيمة كل نعمة في حياتنا. 


+



وأخيرًا بعد هذا البكاء المطول زارت البسمة وجهها، بسمة صغيرة للغاية ولكنها مرتاحة، وهذا ما أراحه الآن؛ لأنها بدأت تخرج من إطار حزنها وشتاتها الذي رُسم حول فؤادها وروحها. 


+



قالت بصوتها المبحوح وبامتنان يلوح في حروفها: 

_ربنا يديمك، إنتِ بجد ونعم السند، أحلى أخ في الدنيا. 


+



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


+



حاولت "تغريد" التنصص على أبناء عمومتها، خاصة وهما تأخرا للغاية في الغرفة، فألصقت أذنها بخشب الباب تحاول جاهدة أن تستمع لأي صوتٍ، فلم تستطع أن تسمع أي شيء وبالتالي لم تفهم ما يجري بالداخل.


+




        

          


                

باعدت ما بين أذنها والباب عاقدة حاجبيها في انزعاجٍ تام وهي تردد لنفسها بهمس: 

_هما اتاخروا جوة كدة ليه؟ 


+



لبثت ثوانٍ فقط لتردف بتساؤل آخر وعلى محياها لمحاتٌ شكٍ : 

_هيكونوا بيخططوا للحرب العالمية التالتة؟


+



أجابت من فورها بنبرة توكيدٍ: 

_ دول قادرين ويعملوها.


+



زفرت في حنقٍ لجهلها الشديد بما يفعلان وواصلت حديثها الهامس بقولها المُغتاظ: 

_مهو أنا مش هفضل واقفة زي الهبلة كدة.


+



تابعت بعيونٍ يتراقص فيها المكر وقولها لم يك أقل مكرًا: 

_خليني أكبس عليهم زي القضى المستعجل وأخدهم على مَشمهم. 


+



دفعت الباب كما يفعل الضباط حين مداهمتهم لمقرٍ للأعمال المشبوهة، وصاحت برعونةٍ ومزاحٍ: 

_اثبتوا مكانكم، زي ما انتم، إياك تتحركوا. 


+



جابت بعسليتاها المشاكستين في أرجاء الغرفة حتى سلَّطتها أخيرًا على وجه إيناس المحمر من كثرة بكائها منذ قليل وهذا ما هزّ قلبها هزًا عنيفًا وآلمها بالغ الألم، رأتها هي و"عرفة" يجلسان متجاورين على السرير بهدوءٍ لا يليق أبدًا بالأخير الذي رمقها بطرف عينه بضجر من أفعالها الطفولية، ليس وكأنه لا يضاهي جنونها! 


+



_"نيسو"، بنت عمك دي هبلة وهتفضل هبلة. 


+



_أه، وكمان حِشرية. 


+



هكذا تهامس "عرفه" مع أخته "إيناس" بنميمةٍ على ابنة عمهما الواقفة كالبلهاء لا تدري فيما يتحدثان، ورغم شعورها أنها محور الحديث الذي غالبًا سيكون نميمة عليها إلا أنها تقدمت منهما لتجلس متلاصقة تمامًا بـ"إيناس" وأمرتها وهي تدفعها من جانبها بجسدها:

_ وسعي شوية كده. 


+



أفسح "عرفه" _الهاديء تمامًا _ المجال لتقترب منه "إيناس" كي تجلس "تغريد" المزعجة كما تشاء. 


+



مطت "تغريد" شفتيها جاهلة بمُسببات التغير الذي طرأ على ابن عمها بهذه السرعة، وفتحت فاهها لتسأله محاولة إغاظته؛ ولكنه علم ما يدور في خُلدها ففاجأها بقوله: 

_ عارف إنك مستغربة هدوئي وعدم ردي عليكِ كالعادة بس الوضع لا يسمح بخناقاتنا يا بنت عمي.


+



لوت شفتيها للجانب بحركة ساخرة، وتسائلت باستغراب ملأ صوتها: 

_الوضع لا يسمح؟ 


+



هز "عرفة" رأسه إيجابًا وقال باقتضاب: 

_أه. 

اعتدلت في جلستها وجذبت طرف حجابها لتقول بجهلٍ بيِّن: 

_ أنا مش فاهمة، عاوزة أفهم دلوقتي إيه اللي بيحصل هنا. 


+



أتاها حديثه التالي كله غموض وهو يمد رأسه من فوق جسد أخته التي في منتصفهما وهمس لـ"تغريد" بطريقة أثارت ريبتها:  

_ يعني هنعمل خطة جهنمية عشان ننتقم. 


+



ارتفع حاجباها في تفاجؤ لتنبس بنبرة مذهولة: 

_خطة وانتقام؟ هو أنا فاتني كتير؟ 


+



مجددًا أجابها "عرفة" بهزة إيجابية من رأسه ألحقها بقوله الصريح: 

_أه، كتير قوي. 


+




        

          


                

لوحت "تغريد" بيدها في عصبية وغيظٍ وانفجرت في وجهيهما موبخة إياهما: 

_طيب يا رخم أنت وهي قاعدين هنا بتخططوا للانتقام وأنا واقفة برة على أعصابي بقول جرالهم إيه وقلقانة على الست "نوسة"؟ 


+



للمرة الثالثة على التوالي اكتفى بتأكيد حديثها بخفوتٍ بارد موجز: 

_ بالظبط كدة. 


+



زفرت مُغتاظة منه، ورددت بشيء من حنقٍ اختلط بالفضول: 

_طيب هتغاضى عن ردك المستفز عشان عاوزة أعرف، هنتنقموا من مين وليه؟ 


+



تُرى ما حكاية هذا الانتقام؟! 

هل تطورت الأحداث هكذا خلال وقتٍ قصير؟! 

أم أنها حقًا مُغفلة ولا علم لها بما يدور من حولها؟! 


+



لن تتنازل عن معرفة كافة التفاصيل مهما كلفها الأمر، ما تعلمه حاليًا أن ما هو قادم ليس هين البتة، تكاد تستشعر ذاك الخطر المُحدق بثلاثتهم، خطر غامض ومجهول!! 


+



ولما لا نقول "معلوم"؟! 


+



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القاهرة، فرع شركة "المنسي". 

مكتب "طلال". 


+



وكم من حضنٍ ساهم في التخفيف عن قلبٍ مُهشمٍ! 


+



احتوتها "ريموندا" بين ذراعيها في ضمةٍ طويلة رقيقة، ومكثت على حالتها هذه تمسح لها على شعرها القصير بعاطفةٍ جياشة، دمعت عيناها متأثرة بحالها المثير للشفقة، همست لها قُرب أذنها بصوتها المُلتاع: 

_ حبيبتي يا سندس، كفاية يا قلبي بُكاء، كدة هتتعبي يا روحي. 


+



تقطعت حروف "سندس" وهي تشهق باكية: 

_قـ.... قـلبي واجعني قوي و.... ونفسي أشوفها ولو مرة. 


+



شددت "ريموندا" يديها حولها، فهي فطنت بمقصدها، ولم تملك إلا أن تصمت، فلا شيء يملأ فراغًا تركته الأم في قلوب أبنائها، لا شيء قادر على تسكين تلك الآلام البالغ عمقها عمق الفؤاد وجذور الروح المصروعة. 


+



تشبثت "سندس" بأكتاف الأخرى، كأنما تخشى أن يتلاشى حِضنها الآمن وحصنها المنيع فتزول بذلك بقايا أمانها. 


+



ألقت بكل حمول روحها على صدر الأخرى، وكلما أخرجت شهقة زاد ألمها، لذا ابتعدت من تلقاء نفسها رغم حاجتها لهذا الحضن. 


+



لم يكن عليها أن تنهار أبدًا، فهي منذ زمنٍ أنشأت أسوارًا وقِلاعًا من قوةٍ وهمية أخفت خلفها انكساراتها وأحزانها ودموعها الجارية الآن على خديها ما هي إلى نتيجة لهذا الانهيار المدوي. 


+



مدت "ريموندا" يدها اليمنى تزيل لها دموعها الباقية على خدودها، وابتسمت لها رغم الدموع المتكونة في عيونها لم تراق حتي الآن، قائلة بملاطفةٍ ودعمٍ متوارٍ: 

_عيونك الجميلة دي ميليقش بيها غير إنها تضحك وبس، البُكا ميليقش بيكِ. 


+



تماوجَت بحار الأحزان في عسليتي "سندس"، ومع ذلك ابتسمت لها ابتسامة المُحارب الخاسر بعد معركةٍ ضارية لم يرضى فيها بالرضوخ دون مُبارزة وقتالٍ شريف، ابتسامة مُرهقة باهتة ولكنها صادقة ومن جوف قلبها. 


+




        

          


                

سمعت كلتاهما صوت بابٍ يُفتح وهذا ما قطع عليهما استرسال حديثهما، فأمالت "ريموندا" رأسها لتتطلع لهذا الجانب البعيد من المكتب مما أدى لسقوط خصلاتها السوداء الطويلة الناعمة على وجهها فأبعدتها خلف أذنها، رأت مديرها "طلال" يخرج من بابٍ في هذه الزاوية وإلى جواره شاب يانع وهو "سامي" يسير بخطى متمهلة وكلاهما يتجه صوبها. 


+



انشغلت "سندس" بمسح وجهها وأنفها بالمناديل الورقية، وآثار حزنها باقية في فؤادها تأبى الانفصال عنه. 


+



رماها "طلال" بنظرةٍ عابرة ملؤها الاشفاق، ومن ثم نظر لـ"ريموندا" نظراتٍ متسائلة فأغمضت عينيها وفتحتهما تخبره بلا كلام أن كل شيء تحت السيطرة وأن "سندس" على ما يرام _نوعًا ما. 


+



التفت "طلال" بعدها لسكرتيرته مناديًا عليها بهدوءٍ: 

_سندس! 


+



كفكفت "سندس" دموعها المنسابة بيديها، رافعة وجهها الباكي له، مرددة بستاؤل مُهذبٍ: 

_نعم؟! 


+



تألم لألمها، وحزن لحزنها، فمكانتها في قلبه كبيرة، فهي في نظره أختٌ وابنة، رغم أن فارق العمر بينهما لا يُجاوز الأربع أعوام.


+



إنها تعمل معه منذ تخرجها، تدربت هنا في شركته تحت ملاحظة وتعليمات "باسل"، وبعد التأكد من كفاءتها والاطمئنان لجدارتها تم تعيينها سكرتيرة لكليهما، طالعها بعيونٍ حانية شاردةً وحدَّثها برفقٍ ووُدٍ خالص: 

_قومي اغسلي وشك وروحي ارتاحي. 


+



امتنت له "سندس" بنظراتها، ولكنها جادلت متذكرة دوام العمل الذي لم ينتهي بعد: 

_بس يا باشا الشغل .... 


+



أوقف استرسالها في الحديث، متشدقًا بحزمٍ حنون: 

_مبسش، صحتك أهم، والشغل عمره ما هيمشي من غيرك، فلازم تكوني بخير، واهتمي بصحتك. 


+



ابتسمت له في بشاشةٍ، وأحاطت الراحة قلبها، لتشكره وهي تهم بالانصراف: 

_حاضر يا فندم، شكرًا لكرمك، عن إذنكم. 


+



_مافيش داعي للشكر، ومتنسيش تصلي المغرب، لو هتتأخري لحد ما توصلي للبيت صليها هنا في مُصلىٰ السيدات في الشركة أو في الجامع اللي قريب من هنا. 


+



غبطها أول حديثه وأفرحها، وصعقتها بقيته، بلعت ريقها بغصةٍ تكونت في حلقها للتو، وأومأت برأسها إيجابًا بلا حرف واحد، وجرجرت قدميها سائرةً بانكسار عجيب. 


+



كيف تقترب؟ 

كيف تُصلي وتتهجد وتخشع؟ 

كيف تسجد وتركع وهي للآن لم تُحدد سبيلها الذي ستسلكه؟ 


+



لحقت "ريموندا" بأثرها، بعدما حملت حقيبتها، فناداها "طلال" يستوقفها: 

_ريموندا.. استني! 


+



توقفت من فورها مُلتفتة له وهي مستغربة، فأوضح لها ما يريد مردفًا باهتمامٍ: 

_ خليكي معاها، متسيبيهاش لوحدها، وصليها لبيتها عشان طريقكم واحد وروحي بيتك إنتِ كمان. 


+



لم تحتج أو تعترض فما يقوله هو الصواب في هذه اللحظات الحرجة فهزت رأسها إيجابًا وقالت في هدوءٍ واستحسان: 

_ تمام، مش هسيبها، سلام. 


+




        

          


                

أومأ "طلال" لها إيماءة خفيفة، فأغلقت الباب من ورائها مُغادرة لتدرك الأخرى التي رحلت بالفعل. 


+



تنهيدة ثقيلة وجدت طريقها للتحرر من سجن صدره، صدره الممتليء عن آخره بالأثقال والآلام، تنهيدة أخرى تحررت مصحوبة بانتزاعه لعيناه الشاردتان من ناحية سريها فإغلاقها للباب. 


+



سلط عيونه بغتة على "سامي" المتعجب من غموض الأجواء المحيطة به وكذلك من النظرات المسلطة عليه، فوجيء بـ"طلال" يأمره بلطفٍ صارمٍ في ذات الآن: 

_قوم يلا قدامي، خلينا نتوضى ونصلي المغرب، وبعدها كله يروح على بيته. 


+



تلعثم "سامي" بربكةٍ حقيقية، وهمس كأنه سمع أغرب شيء في الكون: 

_أ... أصلي، دلوقتي؟ 


+



رفع "طلال" زواية فمه بشكل ساخر وأخبره بتهكم صريح: 

_أومال السنة الجاية؟ 


+



ماطل "سامي" قائلًا بتوسلٍ مثير للضحك: 

_بقولك خليها بعدين وحياة والديك. 


+



بدا "طلال" متمسكًا برأيه، وعقب على حديثه بروية مزجها بشيء من سخرية علقت تلقائيًا بصوته: 

_الله يرحمهم، وبعدين دي صلاة مينفعش تتأجل، مش عزومة هي، لازم تؤدى في وقتها. 


+



بلع "سامي" ريقه وَجِلًا من هذه المواجهة، واستأنف مقاومته للأمر: 

_ طيب آ…


+



قاطعه "طلال" _بلا تمهلٍ أو تهاون_ بقوله الموجز: 

_مطيبش. 


+



لف "طلال" أصابع يده حول عضده وسار ساحبًا إياه، فبُهِت لون "سامي" بشكلٍ عجيب وسمَّر أقدامه بالأرض آبيًا الاستجابة له وهتف بذعرٍ تنامى في نفسه: 

_بس.. 


+



لم يمنحه "طلال" فرصة للجدال وقاطعه مجددًا هامسًا بعنادٍ مُشتعل: 

_مبسش. 


+



حاوطه بعدها من كتفيه ليجبره على السير معه رغم أنفه، تحرك "سامي" بطريقة عشوائية يريد الفِكاك من تقييده له _مجازيًا_ وصاح بصوته المتسجدي كأنما يتم قيادته لتنفيذ حكمٍ ما ليس لتأديه فريضة واجبة عليه: 

_سيبني هقولك…


+



ولثالث مرة قُطِعَ حديثه من قِبل "طلال" الذي لم ينفك يسحبه وعاجله يهتف بنبرةٍ تصميم لا تقبل النقاش: 

_مبسبش ومتقولش. 


+



استسلم "سامي" مُرغمًا لتلك اليدان القويتان اللتان تسحبانه عنوة، وهدر بصوته المُتضجر: 

_يوه بقى. 


+



حارب "طلال" ابتسامته المنتصرة وجاهد ألا تطفو على ملامحه فتفسد صرامتها، وأردف يمثل الجدية لكن باطن كلامه كان ممازحًا وعزمه على عدم تركه بيَّن في حروفه: 

_مهو أنا كدة كدة مش هسيبك غير واحنا في الجامع وبتقول تكبيرة الاحرام، يعني بالبلدي تجيبها كدة تجيبها كدة هتصلي ورجلك فوق رقبتك. 


+



تأفف "سامي" تاركًا زمام لسانه ليصيح بغيظٍ شديد: 

_استغفر الله العظيم يارب. 


+



لا ينكر "طلال" أنه استمتع بإغاظته رغم رغبته الجادة بجعله يؤدي الصلاة بأي ثمن وإن كان سيجره للجامع، وأسفر استمتاعه عن جملةٍ خرجت مرحة للغاية: 

_أيوة كدة استغفر يمكن يغفرلك بلاويك السودة. 


+




        

          


                

زفر "سامي" بضيقٍ جلي، وراح يدمدم بصوت مزعوجٍ دون أن يشعر: 

_لا حول ولا قوة إلا بالله. 


+



استمر "طلال" يسلك مجالًا جادًا للحوار مُغلف بمرحٍ، فسارع إلى قولٍ لطيفٍ الغرضُ منه المزاح: 

_أه، وكتر من الحولقة، دي بتفيد كتير قوي، وربك بيفك بيها كروب. 


+



تنهد "سامي" رافعًا الراية البيضاء دليلًا على استسلامه لما يشاء، فتكلم بنبرة خفيضة: 

_حاضر. 


+



أصبحا الآن قريبان من الباب الخارجي للشركة الذي يفتح "أوتوماتيكيًا" بمجرد وجود أحدهم بقرب مُعين منه، فتشدق "طلال" ببسمة واسعة رائقة: 

_يحضرلك الخير، ويريح قلبك. 


+



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منزل "غيث أبو النجا" 

غرفة "إيناس". 


+



_هننتقم من ضرة خالتي، أما السبب إنتِ عارفاه. 


+



هكذا جاوبها "عرفة" بكل بساطة، فانفرجت شفتاها بذهولٍ هامسة: 

_ها؟! 


+



تأقلمت "تغريد" مع الوضع بسرعةٍ حيث أخذت تُشغل محركات عقلها وتفكر وتدير الكلمات في ذهنها علَّها تصل لحلول تفيدهم فيما هو آتٍ، لذا همهمت قائلة بصوت شديد الانخفاض يثير الريبة: 

_مممم، بس الحكاية مش سهلة وفيها مخاطرة وأنا أخاف على شبابي، مهو العمر مش بعزقة. 


+



هاجمها "عرفة" بكلماته المستخفة وبصوتٍ عالٍ مما جعلها تنتفض من المفاجأة: 

_ إنتِ اللي حشرتي مناخيرك، محدش طلب منك حاجة. 


+



استعادت "تغريد" سيطرتها على أعصابها، ونفثت أنفاسها في زفرةٍ قوية، قائلة تتحداه وتُبدي استعدادها الكامل لمجابهة المخاطر: 

_طيب عندًا فيك هشارك في الانتقام ده، ويا قاتل يا مقتول. 


+



اغتاظ منها "عرفة" فوبخها بنبرته الحانقة الساخرة: 

_يا بنتي احنا بنسمع فيلم عربي، إيه، حفلة شغالة ليل نهار؟! 


+



عَقبت هي على ذيل حديثه متجاهلة بادِرتهُ التي فارت لها دماؤها غيظًا: 

_بمناسبة الحفلة، حفلات التخرج بتاعتنا كانت فل الفل، أنا صورتك يا بت يا "إيناس" لحظة استلامك للشهادة. 


+



تطلعت لها "إيناس" من أسفل رموشها المسبلة، فأكملت هي مسترسلة بحماسٍ ومرح يُطل من عسليتيها المتوهجتان: 

_طلعتي" دحيحة" وجايبة امتياز وكنتِ بتسرحي بيا وتقولي: المواد صعبة، مش عارفة أذاكر، حد يلحقني.


+



لبثت ثوانٍ مضيفةٍ وهي تشرح بيديها: 

_وطول الوقت صياح زي ما يكون مربيين ديك في البيت. 


+



رمقتها "إيناس" بنظرةٍ نارية، والتفتت لهما بعدما كانت تُطالع الحائط في مواجهتها وثارت في وجهها بحنقٍ طفا على ملامحها: 

_صلاة النبي عليكِ إنتِ، كنتي بتاخدي كورسات تنمي مهاراتك وسايباني أنا على عمايا ولا خدت ولا كورس واحد واتخرجت وأنا ولا عندي خبرة ولا يحزنون. 


+




        

          


                

رفرف قلب "تغريد" فرحًا، فها هي ذي تخرجها من دوائر الحزن التي تلتف حولها كالأغلال وتخنقها، فملأت رئتيها بنفسٍ طويلٍ مكملةً وصلة مرحها ومشاكستها لها واستطردت بطريقة سوقية بعض الشيء: 

_إيه يا ختي؟ هتحسديني ولا إيه؟ بعدين مانتي استغليتي الشهر ونص اللي بعد التخرج في الكورسات ودروس التقوية وبقى عندك خبرة بسم الله ماشاء الله. 


+



صفق "عرفة" بكفيه جاذبًا انتباههما وصاح فيهما بصوتٍ جهورٍ: 

_خلاص يا بنات، اتهدوا ربنا يهدكم. 


+



رمته كلتاهما بنظراتٍ مُشتعلةٍ فأدرك لتوه فداحة ما فاه به، جمع شتات نفسه ليواجههما بقوةٍ سَحبت على محياه، مسترسلًا حديثه بتعليلٍ: 

_خلونا في الخطة المنيلة بستين نيلة اللي هنعملها.


+



نظرت له "إيناس" بلا إكتراثٍ، وتنبهت له "تغريد" مصغية لعبارته التالية حين قال "عرفة" متحمسًا: 

_ أهو نعيش شوية إثارة، بدأت أحس إني "توم كروز" ولا "سوبر مان" و "بات مان" و "اسبيدر مان". 


+



اندمجت "تغريد" في الأجواء التي صنعها ابن عمها ورغم ذلك قاطعته ساخرة: 

_أه ده إنتَ شكلك فاضي ورايق، نسيت "كابتن أميركان" و"هَالك" و"ذا إيرون مان"، إيه هتقولنا الأبطال الخارقين كلهم؟ 


+



لوح "عرفه" بكفه في مرمى بصرها يُهددها بهتافه الزاجر: 

_اسكتي يا بت إنتِ، أنا مطبيقش ليكِ كلمة. 


+



سحقت "تغريد" أسنانها غاضبة من إهانته، وكونت بكفها قبضة وكادت تلكمه في وجهه بها لولا يد "إيناس" التي التفت حول رسغها مانعة إياها ووضعت لها ذراعها بجانبها ناظرة في عيونها نظراتٍ مُريبة أخافتها بعد ذلك همست لهما بما أرعبهما منها حرفيًا: 

_بَس! 


+



مقلتاها تكادا تخرجان من شدة تحديقها بهما، فشعرا أنها تريد أن تأكلهما بعيونها، بلع "عرفة" ريقه مثلما يفعل القط "توم" عندما يقع في مأزق ما ونظر لـ "تغريد" يتوسها ويستجديها أن تُنجده فوجدها خائفة أكثر منه وأفصحت بذلك هامسة: 

_ أختك شكلها بيخوف وهي متعصبة. 


+



أيدها بكل صراحةٍ: 

_أه والله. 


+



مسحت "إيناس" على وجهها بلا صبرٍ، ودفعت إليهما بقولها المتشبع بشرارتٍ غضبٍ تَملَّكَ منها: 

_ ركزوا معايا كويس كدة عشان كل واحد فينا ليه دور في الخطة المشؤمة دي.


+



تناست "تغريد" كل خوفها منها وجادلتها بحواجب مقطبة وبحديثٍ مسهب: 

_والله إني متشائمة بسببك إنتِ والزفت عرفة، هو يقول "خطة منيلة بستين نيلة"، واخدة بالك ٦٠ مش نيلة واحدة، وانتي تقولي: خطة مشؤمة، ربنا يعوضها عليا وعلى شبابي اللي هيروح هدر بسببكم. 


+



لم تبالي "إيناس" بلغوها غير المجدي، وانتظرتها حتى انتهت كليًا، وبعدها تكلَّمت بجدية: 

_خلصتي؟! اسمعي بقى وانتي ساكتة.


+



اطبقت "تغريد" شفتيها ولم تنطق بعدها، أصغت إليها جيدًا، كونوا ثلاثتهم شكلًا يشابه الدائرة بحيث جلس كلٌ في اتجاه.


+




        

          


                

"تغريد" و "عرفة" استقبلا من "إيناس" الخطة التي سينفذونها باسيعابٍ بالغٍ وانصات شديد، والأخيرة أبلغتهما بدور كل واحد فيهم وما سيقوم به. 


+



عقد "عرفة" ساعديه أمام صدره متسائلًا يلفت انتباهها لأمر هام ربما نسته لعدم ذكرها له: 

_طيب كدة في مشكلة، مين اللي هيـ…


+



_سيبوا الموضوع ده عليا. 


+



هكذا أخبرتهما "تغريد" واضعة آخر نقطة على الكلمة الأخيرة في هذه الخطة، بدا الاستحسان على قسمات "إيناس" مُدركة أن ابنة عمها الأجدر بهذا، بينما لم يرتح "عرفة" لهذا الأمر وهمس لهما بريبة وهو ناظر لـ"تغريد": 

_ماشي، ربنا يستر.


+



رددت "تغريد" من ورائه بصوتٍ مسموعٍ ونبرةٍ واثقة وهي تبادله النظرات: 

_هيستر إن شاء الله. 


+



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تجرفنا الحياة في طريقها فتغمرنا ملذاتها حتى ننسى_ بها_ ذكر الله _عزَّ وجل. 


+



نَهِيمُ في طرقاتٍ نجهل نهايتها، نغوص في ذنوبٍ يُغلفها غطاءٌ لامعٌ يُبهر عيوننا فينسينا حقيقتها، يُزين لنا الشيطان سيئات أعمالنا؛ لتصير أمرًا طبيعيًا، ثم مع مرور وقتٍ طويل تتكشف الحقيقة أمام أنظارنا، نراها ببشاعتها فنفجع بما صنعت أيدينا، وتبدأ تساؤلاتٍ تتكرر بإلحاحٍ في أذهاننا: 


+



_كيف ومتى خُدِرَتْ عقولنا؟ 


+



_أين كان إدراكنا حينما أذنبنا؟ 


+



_وأين نامت ضمائرنا قريرة العين مُتغافلة عن كل أفعالنا المُشينة؟ 


+



ومن هنا تكون نقطة التحول، نغير مسارنا نحو الأفضل، نبكي نادمين على ما اقترفت أنفسنا من معاصٍ وقلوبنا تشاركنا البكاء، نتوب إلى الله وننوي عدم الرجعة لما كنا فيه من ضلال وسبحانه يتقبل منا، يغفر لنا، يرؤف بأحوالنا، يعلم خبايا أنفسنا؛ لأنه الله، رب السماوات والأرض، رحمـٰن الدنيا ورحيم الآخرة. 


+



في الجامع المجاور لشركة "المنسي" والتابع لها. 


+



وقف "سامي" _على أعتاب بيت الله _حائرًا وشاعرًا بالخجل لجهله بطريقة أداء الوضوء والصلاة، وأخذ يتطلع بحرجٍ لـ"طلال" الذي خلع سترته تاركًا إياها على السجاد وشمَّر عن ساعديه متجهًا صوب الحوض الكبير ليتوضأ وأمره قائلًا في رفقٍ:

_تعالى ورايا يا سامي.


+



تبعه "سامي" بقدمين كسولتين، واستكان خلفه منتظرًا الخطوة التالية، أشار "طلال" إلى جانبه فتقدم الآخر حتى أصبح في محاذاته، قلبه يرتجف من إقباله على هذه الخطوة المهمة وهو لم يخطط لها سابقًا، وكأنه لكي يصلي يجب أن يستعد لهذا نفسيًا!!


+



جمع "طلال" كفيه معًا ووضعهما أسفل الصنبور حتى امتلأتا بالماء وأخذ يغسلهما به وهو يشرح له باستفاضةٍ وبين الحين والآخر يعطيه نظرة من عينيه الحانيتين: 

_الأول بنغسل كفوف إيدينا كده، بعدين بنمضمض تلات مرات، وبنستنشق تلات مرات بردو و ................ 


+




        

          


                

ركزَّ "سامي" جيدًا مع سرد الآخر، يريد أن يحفظ كل ما تنطق به شفتاه وكأن حياته معتمدة على إنصاته لهذا الحديث وهي بالفعل كذلك، ومع كل كلمة يهز رأسه بالإيجاب دليلًا على استيعابه.


+



نطق "طلال" بعدما انتهى من وضوئه يطلب منه بلطفٍ: 

_يلا اتوضى زي ما شوفتني بتوضى. 


+



ترددت يدا "سامي" وهو يمدها نحو الصنبور المقابل له وفتحه ببطيء وباشر في تنفيذ ما رآه وما سمعه، وما إن فرك يديه بالمياة حتى هاجمته مشاعر عجيبة زلزلت كيانه تفاوتت من كل شعور ونقيضه: ضيقُ، سكينة، عدم راحةٍ، اطمئنان، خوف. 


+



أتمَّ الوضوء وفؤاده يرتجف ارتجافًا عظيمًا، يخال قلبه قد صدأ لأنه لم يسجد لله سجدة مذ خُلِقَ، دمعت عيناه باختناقٍ أعجب من العجب، وثقلٌ بالغٌ راح يجسم وبقوةٍ على صدره، ارتعشت يده وهو يغلق الصنبور بكسلٍ أنشب جذوره بخلاياه كلها، دخل عقله في شرودٍ ممتزجٍ بنعاسٍ ويقظة. 


+



وبرفقٍ شديد وتفهم أشد لامس "طلال" كتفه فأفاق "سامي" من أثر اللمسة الدافئة التي افتقدها حتى من والده. 


+



والده الذي لطالما أذاقه من قسوة بروده أهوالًا، ومن سيط نظراته الحادة جلداتٍ تهبط بقساوةٍ على قلبه، ومن لسانه حجارة ترجم روحه رجمًا! 


+



تبسمَّ "طلال" في مُحياه ورماه بنظراتٍ مشفقة مُغلفةٍ بمحبةٍ خالصة، لم يدري ما الذي دفعه لأن يتمسك بكفه كالأب عندما يشبك أصابعه في أصابع ابنه ليحميه ويتفاخر به على الملأ وهذا بالضبط ما فاح من بين حروفه: 

_ أنا فخور بيك يا سامي، إنك تدخل الجامع وتتوضا دي خطوة كبيرة وتحتاج حد شجاع. 


+



عقد "سامي" حاجباه بتعجبٍ، فهو لم يتوقع أبدًا أن موقف "طلال" من هذا الأمر سيكون هكذا، هذا الأخير الذي خطا بأقدامه فجذبه بلطفٍ وسارا معًا نحو المصلى المفروش بسجادٍ أحمر. 


+



فَرَدَ "طلال" أكمام قميصه ليغطي بهما ذراعاه بالكامل، واتّخذ إتجاه القبلةٍ واقفًا باعتدالٍ على السجاد، واختلجته مشاعر أرق وأصفى مما يمكن أن يتخيل، ملأ رئتيه بهذا الهواء الذي أخذ يداعب خديه المُبتلان وأغمض عيونه يستمتع بهذه اللحظة السلمية بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ نقية، يسترق من الدهر لمحات سكينة عابرة لا تزوره إلا في صلاته، تنهد في راحةٍ تامة وهو يقول بما يوازن بين الشرح الجاد والتفهم اللطيف معًا: 

_ هنصلي جماعة أنا وإنتَ، عشان جينا متأخر على موعد الصلاة، هقرأ بصوت عالي عشان تسمعني وتقول زيي وتقلد الحركات اللي بعمهلها. 


+



ورغم تيهه وشتاته همس "سامي" طائعًا: 

_ ماشي. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومجددًا في الجامع. 


+



أنتهيا من أداء الفريضة ليبقيا قابعَيْنِ بعدها ها هنا في الجامع، يروحان عن قلوبهما المكلومة، وعقولهما المضغوطة، وصدورهما المقبوضة، وبمجرد ولوجهما للصلاة استحال كل هذا إلى: قلوبٍ مجبورةٍ، وعقولٍ مسترخيةٍ بهدوءٍ حبيب، وصدورٍ حطت بها السكينة رحالها. 


+




        

          


                

هكذا كان تأثير الصلاة السحري عليهما، وربما أكثر من ذلك بكثير! 

فما هو شعورك وأنتَ واقفٌ بين يديْ العدل _جل علاه_ خالق الأكوان ومصور الخلائق والمتحكم في زمام الدنيا والآخرة، الذي لا يُظلم في محكمته أحدًا؟ 


+



بالطبع ستشعر "بالأمان"، دفعاتٌ من الأمان ستتغلغل لثنياياكَ بلا شعورٍ أو إرادة، أمانٌ كنت في عوزٍ له، مثلهما تمامًا. 


+



أشد التأثير كان من نصيب "سامي" وهو الذي لم يجرب مثل هذا الشعور من قبل. 

وكأن شيئًا ما كان ضائغًا ورُدَّ إلى روحه المُستنزفة فأنعشها! 


+



_لما سألتك ربنا بيحبني، قولتي: بيحبك أكتر ما تتصور، إيه عرفك إنه بيحبني؟


+



افتتح "سامي" حديثًا جِديًا ونفسه تتحرق شوقًا لمعرفة جوانب هذا الأمر، أسند "طلال" ظهره لحائط المسجد وفرد قدميه للأمام ليكون أكثر راحةً واسترخاءً، بعدها وضع كفه إلى جانبه مُربتًا بأصابعه على السجاد تزامنًا مع قوله الحنون: 

_تعالى الأول جنبي. 


+



اقترب "سامي" وجلس جواره فأحاطه "طلال" بذراعه من كتفه، ومنحه الإجابة التي يريد بهمسٍ خافت وبإيمان متأصل: 

_لإنه سبحانه حطك في طريقي مش طريق حد تاني، وأكبر دليل إن ربنا بيحبك وجودك هنا في الجامع والصلاة اللي صليتها ودموع عنيك وقتها وحالة اللخبطة والتشتت اللي كنت فيها كل دي أدلة تثبت لك إنه بيحبك وعاوزك تتغير وتقرب. 


+



لاحت أطياف الماضي في عينيه الغائرتين بجروحه العريقة وأكمل بقية الأسباب ألا وهو السبب الرأيس لعفوه عنه: 

_ولإن مــ..ــوت مامتك كان سبب رئيسي في غفراني ليك. 


+



تفاجأ "سامي" بإجابته غير المنتظرة، دغدغ عقله سؤال آخر فرأى أن الأفضل أن يطرحه عليه وبعدها يحصل منه على إجابات مفصلة لما جهله: 

_عندي سؤال تاني تسمحلي أقولهولك؟ 


+



وبملامح رائقة للغاية وصوتُ أهدأ من صوت الليل أبدى "طلال" استعداده الكامل لسماعه: 

_قول. 


+



تربع "سامي" في جِلسة متعدلة، وراح يغوص في الرماد العتيق في عيون الآخر والذي بدا له الآن هادئًا وراضيًا لأبعد الحدود، ومع ذلك ارتعشت رموشه وهو يناظره مُباشرة سائلًا إياه بترقبٍ: 

_لما سألتك سامحتني ليه قولتلي: شوفت فيك نفسي.... ساعتها مفهمتش، بس...بس... 


+



تشوشت أفكاره بطريقةٍ أعجزته عن إكمال عبارته ووصف ما يعصف بدواخله الآن من تشتت وتخبطٍ مغروس كالوتد في أعماق عقله. 


+



انعقدت تعبيرات "طلال" بألمٍ لا يماثله ألم، ألم ممزجٌ برضا وتقبلٍ لكل ما مر على رأسه من مصائب اجتثت زهرة شبابه الطرية من جذورها بقساوةٍ، وجه له عيناه الرمادية يطالعه بهما واللتان غرقتا في مرارةٍ امتدت حد صوته وهو يجاوبه: 

_لإني مريت بظروف مشابهة لظروفك. 


+



وبسرعة فائقة انطلق لسان "سامي" يفصلٌ الكلمات وسأل باستيعابٍ وسرعة بديهة: 

_ظروف مشابهة؟! هي مامتك ماتـ.... 


+




        

          


                

انتفض "طلال" واقفًا بلمح البصر، وسار نحو ركنٍ من أركان الجامع وُضِع به مصاحف كثيرة وانتقى منهم واحدًا وفتحه من بدايته حيث الفهرس ودارت عيناه على أسماء السور بلا غايةٍ معينة، فاتبعه "سامي" المذهول من حركته المباغتة وسمعه يخبره بطلبٍ هاديء وجادٍ في آنٍ واحد: 

_بلاش نتكلم في الموضوع ده دلوقتي ياريت، ممكن نأجل الحديث فيه؟ 


+



رفع "سامي" كتفيه وأنزلهما باسطًا راحتيه في الهواء وردد محترمًا مساحة خصوصيته: 

_زي ماتحب. 


+



راق هذا لـ "طلال"، فرفع له عيونه الرمادية، وأخبره بما يشبه الوعد: 

_في يوم من الأيام هحكيلك، في يوم من الأيام، لو عيشنا إن شاء الله. 


+



اكتفى" سامي" ببسمةٍ خافتة لاحت على ثغره، زالت بقول "طلال" المتسائل: 

_ هي ... ماتت إمتى؟ 


+



شُدِهَ "سامي" ورفرف رموشه بلا استيعابٍ وتمتم بخفوتٍ: 

_ هاا، مين؟ 


+



أغلق "طلال" المصحف وأرجئه لمكانه، ففي الواقع كان يتخذه زريعة للهروب من أسئلته، ومع ذلك أصبح هو الآن المتسائل، بلع ريقه بتوتر لخوضه في هذا الأمر الشائك جدًا، وهو مدرك أنه منطقة خطر مُلغمة وبالرغم من كل هذا فسَّر له مقصده بلعثمةٍ قلما يكون عليها: 

_ و... والدتك. 


+



تغضن وجه "سامي" وسقطت الكلمة الوحيدة على صدره كما المطرقة فدكت قفصه الصدري وضاق المجال كثيرًا على قلبه، لذا استدار معطيًا إياه ظهره وضغط كفيه لبعضهما، وترقرقت العبرات في عيونه كمدًا وحزنًا وأبى أن يريقها، يتوجب عليه أن يكون أقوى وأن يواجه أحزانه كما يهاجم الفارس أعدائه مُعتمدًا على ما تعلمه من فروسية، فالتفت له بعد هذا التحفيز الذاتي، وطالع السقف لينطق بكل ما يعتمر بقلبه من حبٍ واشتياقٍ لها هذه الغائبة إلى الأبد: 

_ تقصد حياتي، روحي، مصدر الحنان والحضن الدافي، والشيء الوحيد اللي كنت عايش عشانه. 


+



بلع "طلال" المرارة العالقة بحلقه، وتقدم نحوه مربتًا على كتفه بشيء من الاعتذار اللا منطوق، وندم أشد الندم على ما نطق به لسانه. 


+



وجدت الكلمات السبيل إلى الخروج من فم "سامي" فكانت كزفرات روحٍ مُعذبة بنار الحنين: 

_من حوالي شهرين. 


+



إذًا ماتت في الليلة التي طُعِنَ _هو _ بها؟!!! 

هذا يُفسر أفعال "سامي" المتهورة والألم الذي كان محفورًا في عينيه الملتحفتان بنظرةٍ شرٍ دخيل على طباعه الوديعة.... 


+



علق "طلال" على عبارته يدعو لها من قلبه المتأثر: 

_ربنا يرحمها ويغفر لها ويسكنها فسيح جناته. 


+



تحطمت كل الحروف على شفتي "سامي" فلم يقل إلا: 

_آمين. 


+



قالها مدفوعة بحبٍ ظنه يومًا من دون أثمان، واكتشف فيما بعد أنه دفع ثمنًا باهظًا في سبيل هذا الحب، دفع عمرًا كاملًا، فحياته الماضية والحاضرة والقادمة راحت تغول في مرارة خانقة ببعدها عن مرآه ومسمعه. 


+




        

          


                

مال "طلال" على الأرضية السجادية وحمل سترته رافعًا إياها على كتفه وقرر المغادرة الآن وهذا ما خرج من فمه لفظيًا: 

_ يلا يا سامي، هنمشي. 


+



جرجر "سامي" أقدامه بمشقةٍ، ومشى بخطاه الرتيبة ببطيء حزين كطفلٍ خُذِل من والديه بعدما وعداه بأنهارٍ من الحلوى واللعب. 

طفلٌ بريء مُذنب. 

براءته تتمثل في رغبته في الانسلاخ عن الأوساخ التي تكاد تلوث قلبه. 

وذنبه أنه لطخ نفسه _طوعًا_ بهذه الأوساخ. 


+



هزَّ "طلال" رأسه نفيًا ولازال يتقدمه، يؤنب نفسه على خوضه في حديثٍ لم يقوى هو ذاته على الإجابة عن أسئلة تمد له بصلة. 


+



أحيانًا يصدف أن نلفظ بحروفٍ تتشكل على شفاهنا دون وعي لتُكَوُِنَ جملًا قد تؤذينا ومن حولنا. 

فنقف حائرين مشتتي الأذهان لا ندري أنداوي أنفسنا المأذية أم نصلح ما خربته أيدينا في نفوس الآخرين! 


+



وكلا الأمرين ليسا في المتناول، فإن كان الأول صعبًا فالثاني _ بلا شكٍ_ مستحيل. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ


+



في ذات الآن في الإسكندرية. 


+



وعلى شاطيء البحر الساحر الموجود أمام ڤيلا الكيلاني، ثبَّت "باسل" نظراته الحيرىٰ يرميها تجاه السماء المُستبغة بألوان الغروب وجسده متراخٍ تمامًا على الرمال المُكتسبة نوعًا من البرودة بتقدم جيوش الليل وغزوها للأجواء، أخذه خياله لزمنٍ مضى ولم يندثر، سُطِرَت أحداثه على جبينه لم تزُل مع سنواته المنصرمة. 


+



****

_بابا! 


+



هتف بها طفلٌ صغير بلباسٍ مدرسي يلائم سنين عمره القليلة والضيق الطفولي بادٍ على وجهه، لبى والده النداء من داخل المطبخ بلهفةٍ: 

_أيوة يا باسل؟ 


+



عبس وجه الصغير قائلًا بانزعاحٍ ملأ نفسه: 

_مش عارف أربط "الكوتشي"، تعالى أربطهولي. 


+



هتف "مهند" من مكانه بحنان لا تفتقر له شخصيته الطيبة: 

_ ماشي يا حبيب بابا، قربت اخلص الفطار وهجيلك على طول. 


+



جلس "باسل" على الأرضية الفاخرة الخالية من أي سجادٍ، وحاول أن يعقد الرباط، زمَّ شفاهه بعجزٍ وهو يستسلم بعدما باءت محاولاته كلها بالفشل الذريع. 


+



خرج إليه "مهند" حاملًا أطباق الفطور الشهي ورصها على طاولةٍ صغيرة تكفي أربع أشخاص، توجّه نحوه وهبط بإحدى ركبتيه جاثيًا عليها أمامه وربط له حذاءه الرياضي على مهلٍ حتى يعرف الخطوات وأثناء ذلك ابتسم في وجهه يخبره بحبٍ: 

_ خليك مركز معايا، عشان تعرف تربطه بعدين. 


+



ابتسم "باسل" ببراءة وعيناه ملتمعتان بوهج الحماس بينما يقول بوعدٍ: 

_حاضر يا بابا، إن شاء الله هعرف أربطه عشان خاطرك.


+



مال "مهند" على صدغ ابنه بقبلةٍ حانية وردد بيقينٍ يُثني عليه: 

_إبني البطل.


+



أرضاه إطراء والده فابتسم بفخرٍ طفولي، دومًا ما يلقبه والده بـ "البطل" ينسب له دور البطولة في كل حوارٍ يدور بينهما، حتى أنه أسماه "باسل" لهذا السبب. 


+




        

          


                

من جديدٍ ناداه "باسل" بتعبيراتٍ استحالت للحزن العميق: 

_بابا! 


+



انتهى "مهند" من فردة الحذاء اليسرى، وشرع في عقد اليمنى وهو مطرق الرأس همس بهدوءٍ لطيف: 

_ يا روح بابا. 


+



انحبس الكلام في حلق الصغير ولم تعاونه حروف الأبجدية على تجسيد شعوره الآن، فهتف بكلمة واحدة تحمل معانٍ كثيرة: 

_ ماما.... 


+



_ عاوز تشوفها؟!

جاءه السؤال مُباشرًا شافيًا ومُضنيًا من "مهند" الذي رفع وجهه له بعدما فرغ من ربط شرائط الحذاء. 


+



لم ينتبه يومها للطَعم المر المنبعث من حديث والده، ولا لنظرات عينيه المُتشحة بثوب العجز الممزق، ولا لأوتاد الألم المطروقة في نظرات عينيه؛ لهذا أومأ فقط مؤكدًا، فاستطرد "مهند" ناظرًا له في عيناه التي يرى من خلالها الكون وما فيه: 

_بس إنتَ بطل خارق وتقدر تستنى لما ألاقي فرصة عشان تقابلك. 


+



خُذِلَتْ قمسات "باسل" وتلونت بألوان الحزن الداكنة، فأردف بصوتٍ خفت تدريجيًا: 

_ قولت لي إن الأبطال الخارقين بيقدروا يعملوا أي حاجة، طيب أنا ليه مش قادر أشوف ماما أو حتى أعرف مكانها أو هي سابتني ليه؟


+



جاوبه "مُهند" بعدما صمت قليلًا يبحث عن إجابةٍ لائقة تشبع جوع طفله للمعرفة، فأتت كلماته بنبرة مريرة: 

_ عشان في حاجات حتى القوة الخارقة متقدرش تعوضها أو توفرها. 


+



اكتظَّ فؤاده بالغصص المؤلمة حينما ترجاه صغيره وعيونه مزدحمة بدموعه الغالية: 

_هشوفها شوية صغيرين بس مش هضايقها والله، مش هتكلم حتى لو هي عايزة. 


+



حاوط "مهند" وجنتيْ ابنه براحتي يديه، ومسح عليهما برفقٍ حانٍ في حين يتهرب _بتناقضٍ_ من نظراته وهو يقول بوجع يمزقه: 

_الموضوع مش بالبساطة دي يا حبيبي. 


+



زحف "باسل" للوراء كأنما ينبذ يدي أبيه، وهتف بيأسٍ وعيون لامعة بعبراته: 

_ مليش دعوة أنا عاوزها. 


+



التجأ "مهند" لحيلة أخرى لربما أثناه عن رأيه المتحجر، فما لا يعلمه صغيره أن مسألة لقياه بوالدته تُعد أمرًا مستحيلًا، فأخبره بقليلٍ من التأنيب مزجه بخذلانٍ زائف: 

_ كنت مفكرك راجل. 


+



رمقه "باسل" بمبالاةٍ نوعًا ما وعقد حاجبيه حزنًا مع إضافة والده بتقريع زيفه باتقان: 

_ طلعت عيل صغير. 


+



بالرغم من تأثره الشديد بكلمات والده إلا أنه رد عليه برجاء: 

_ أنا راجل، بس لو هكون عيل صغير عشان عاوز أشوفها فأنا عيل صغير. 


+



هنا تهدل كتفي "مُهند" وكأنما سقط على ظهره جبل، أولاه ظهره ولف ذراعيه حول سيقانه التي يضمها لصدره، أراح رأسه المثقل بالهموم على ركبتيه وتنهد باستسلام مُحارب في حربٍ خاسرة لا يُفيد فيها أي محاولاتٍ للقِتال ففي كل الأحوال سيتنهي به الأمر مقتولًا. 


+



طالع "باسل" ظهره والده المنحني بتهالكٍ كجدار انقضَّ، فعاود الزحف هذه المرة تُجاهه وحاوطه من الخلف، مدركًا أن جدالهما استنزف كل القوى في خلايا والده ولا جدوى من مواصلة النقاش. 


+




        

          


                

تهاوت الدموع الحارة من عيونه المتلألأة، واختنق حلقه بغصةٍ مؤلمة ليضاعف تلقائيًا من شِدة ضمته لوالده بينما يغمغم متوسلًا ومرتعبًا من هواجسه حول تركه له كما فعلت والدته فشهق ببكاءٍ يرجوه بصوته المنتحب: 

_متزعلش مني يا بابا، أنا والله بحبك، بس... 


+



زاد "مُهند" من إغماضه لعينيه وكلمات طفله تصفعه بالحقيقة المرة، سمعه يسترسل بنفس النبرة الممزقة بين شوقٍ وخوف وعلى خده تنساب العَبَرات: 

_بس أنا نفسي أشوفها، كل زمايلي عندهم "ماما" وأنا لأ.. 


+



تهشَّم قلبه كحبوب قمحٍ بين فكي الرحي، لذلك استدار له يضمه بقوةٍ ويشاطره البكاء فلا يكاد يدري من منهما يواسي الآخر، من منهما يطمئن الآخر، من منهما مُنهوكٍ في حاجةٍ لأن يريحه الآخر!!!


8



ليتنا نعثر على محطات راحةٍ في رحلة حياتنا.

ليتنا نحصل على مقاعد استراحةٍ تمكننا من التقاط أنفاسنا المسلوبة من ركضنا اللاهث في ماراثون الحياة. 

ليتنا ندرك واحات مياةٍ تلوح لنا بالأمل وسط صحراء اليأس القاحلة. 


+



غرس "باسل" أظفره الناعمة في قميص والده من الجانبين وأراح صدغه المبتل دموعًا على ظهره، تنهد بعناءٍ وهو يُحس بثقل شديد على صدره لا يليق أبدًا بطفل مثله أن يشعره، صوّغ رغباته ومتطلباته الطفولية في همسه الشجي: 

_أنا عاوزكم أنتو الإتينين، عاوز يبقى ليا "بابا وماما". 


+



رفع "مهند" رأسه لأعلى يمنع دموعه المترقرقة في عينيه من النزول فينبغي عليه أن يتماسك ويحافظ على جدار قوته من الانهيار ومع ذلك أتت عِبارته تنضح ألمًا وعجزًا لا يكره سواهما: 


+



_متتصورش إنتَ عندي تساوي إيه! 

سعادتك عندي تساوي الدنيا وما فيها، بس أنا آسف يا حبيبي، مش قادر أقرب بينك إنتَ ومامتك، سامحني يا "غالي"، دايمًا كنت إنتَ بطلي الخارق اللي خلى لأيامي طعم تاني واللي أنا عايش بس عشان أشوفه سعيد.***********


+



ما أقسى أن تنتظر عزيزًا غائبًا طال بكَ الشوق لرؤيته، تستيقظ صباحًا على أمل أن تلقاه هذا اليوم، ثم تأوي إلى فراشك ليلًا مخذولًا مكسور الخاطر؛ لأن موعد مجيئه لم يحن بعد، ويتكرر هذا كل يوم، ويتكرر معه ألمك وخذلانك. 


+



وهو انتظر، انتظر والدته كل ثانية وكل دقيقة في اليوم، لم تأتي، لم تشعر بحاجته الماسة لرؤياها والتنعم في جنان حنانها، لم ترفق بحاله المثير لعواطف الشفقة.


+



هجرته كوطنٍ خرب. 

كعُشٍ تهشمَّ فلم يعد كافيًا ليأوي أجنحتها. 

كشجرةٍ مقطوعة الأغصان لا تصلح إلا للتقطيع والحرق.

كزهرةٍ اشتمت عبيرها ثم تركتها عند أقدامها تدهسها.

كمحطة وقود تزودت منها ثم رحلت زاهدة البقاء. 


+



انقذه من انجرافه في تيارات بحار ماضيه نداءات "راغب" عليه: 

_باسل، يا أبو البسالة! 


+



تنهد بتعبٍ هامسًا بنبرة سائمة: 

_ باينها ليلة زي الفل. 


+




        

          


                

استقر "راغب" جالسًا في محاذاته، وقال بشيء من الشكوى الحانقة: 

_قاعد هنا على البحر وسايبني مفحوت في الشغل. 


+



لوح "باسل" بكفه أمامه ورد عليه بسخرية: 

_إنتَ اللي عاملي فيها حمار شغل ومش بتتأثر مهما اشتغلت. 


+



انكمش أنف "راغب" بحنقٍ من نعته إياه بالـ"حمار" فلا يجوز أبدًا أن يشبه أحدهم بالحيوانات مهما جرى، فزجره بقوله المحتد: 

_ ربنا خلقني إنسان فمش من حقك تقول عليا كده.. 


+



أغرق "باسل" عيونه في التطلع لأمواجٍ البحر الثائرة التي تزيح عن صدره بعض الضيق وتمنحه شعورًا بالحرية هو في عوزٍ لهما خاصة تحكمات ابن عمته توشك على خنقه، تنهد مُستاءًا من مزاجه المتعكر أغلب الوقت فمزج تأسفه بتبريره لمَّا تشدق بصدقٍ: 

_ آسف يا راغب، أنا محقوق ليكِ، بس إنت بردو اللي بتيجي في الأوقات الغلط.. 


+



لم يلبث أن أضاف في صراحة: 

_إنتَ عمرك ماشتكيت، إيه اللي اتغير دلوقتي؟! 


+



حرك "راغب" راحة يده على الرمال _من جانبه_ يدعها تُداعب بشرته تمنحه مزيجًا محبوبًا من الانتعاش والنعومة وأثناء ذلك أردف بعفوية: 

_أيوة، بس يكون عندك شوية إحساس باللي حواليك. 


+



آلمته كلمة "إحساس" هذه بطريقة لا توصف، فغامت عيناه في شروده من جديد تزامنًا مع همسه المرير: 

_بطلت أحس من زمان.... آه..


+



تأوه في الأخير ليلتفت بحدةٍ لـ"راغب" يحدق فيه بنظراتٍ نارية تشع غضبًا، وعنَّفه متسائلًا بانفعال: 

_ إيه اللي عملته ده؟ 


+



_ قرصتك عشان اتأكد إنك بتحس. 

قالها "راغب" ببساطةٍ مُغيظة وعلى محياه لاحت بسمة استفزازية، دلكَّ "باسل" ذراعه إثر "القرصة" ونعته بخفوتٍ ساخط: 

_عيل، والله العظيم عيل. 


+



داهمه "باسل" بسؤالٍ قانط وهو يناظره بعيونٍ تتفرسه: 

_لحد امتى هتفضل مصادر تلفوني؟ 


+



رمش "راغب" بتوترٍ ونهض من مكانه بلا كلام، كاد أن يغادر لولا استوقفه "باسل" حينما أمسكه من ذراعه بإحكامٍ فظل ظهره مُقابلًا لوجهه وهاجمه بإضافته لسؤالٍ آخر: 

_طلال... مش كده؟! 


+



تسلَّح "راغب" بالبرود لئلا يُكشف أمره، تمتم بصوتٍ جامدٍ كالفلاذ: 

_مش فاهم. 


+



أعاد "باسل" سؤاله بصيغة أخرى أكثر وضوحًا في حين يزيد من ضغطته على ذراعه: 

_طلال هو اللي طلب منك تخبي تليفوني؟! 


+



اتّخذ "راغب" من الصمت سبيلًا للهروب منه مُطرقًا رأسه بأسى على حاله، تركه "باسل" لثوانٍ فقط ريثما يقف باعتدالٍ ثم أداره قاضبًا بكل قواه على ذراعه صارخًا به بثورة: 

_ هو ليه مُصر يعاملني على إني طفل صغير؟ ليه مش قادر يحس ويشوف إني كبير كفاية إني اعتمدت على نفسي ومحتاجش لحد؟ 


+



_عشان بيحبك وخايف عليك.

تفلتت هذا التعليل من بين شفاه "راغب" على هيئة صياحٍ منفعل وقد ذاب الجليد توًا عن مشاعره فأججها، تطور غضبه فنفض عنه يد الآخر. 


+




        

          


                

أحكم "باسل" أصابعه حول خصلاته يضغط عليه ويشدها برهانًا على هياجه، ثم رماه بنظرةٍ حارقة تاركًا خصلاته بعدما بعثرها وانتقم منها، صفق بيديه قاصدًا الاستهزاء به وعكس هذا جاء قوله مُطعمٌ بخيبةٍ غزت كيانه الآن: 

_نفس الإجابة النموذجية. 


+



عَنى بهذا أنهم جميعًا يرددون نفس الإجابة كلما طرح عليهم سؤالًا مشابهًا، كأنما اتفقوا على نفس الرأي ونفس التبرير... 


+



لم يرضى "راغب" عما سمع، فمضى في طريقه نحو الڤيلا ليدعه مع أفكاره الخاطئة وليصفع رأسه في الحائط إن أراد فالحديث معه لن يثمر  تمامًا كالزراعة في تربة رملية، لكنه أبطأ خطواته ليتوقف تدريجيًا، سكن مكانه للحظة _والليل أخفى تعبيرات وجهيهما_ يخبره وظهره تجاهه : 

_دي مش إجابة نموذجية، دي الحقيقة اللي حضرتك مش عاوز تشوفها. 


+



تعلقتْ عيناه الأليمتان بظهر صديقه المنصرف، ونهشه شعورٌ قويٌ بالندم، فالآخر أتاه ليجلس بصحبته ويستأنس به ويحكي له عن تفاصيل يومه كما اعتدادا كلاهما فانتهى بهما الأمر بشجارٍ أدى إلى جفاء بين الطرفين. 


+



زفر "باسل" زفرة عنيفة يرمي معها ضيقه المختلط بتأنيب ضميره، لكنه لديه من المبررات ما يدفعه للشك والسؤال كأي إنسانٍ طبيعي في مكانه. 


+



عقد حاجبيه بألمٍ ليس جسديًا البتة، وعاود جِلسته الأولى منفردًا، حلق بعينيه في الأفق البعيد، يتخيل نفسه يطير مُطاردًا سرب السعادة النائية عن متناوله. 


+



عساه يهنأ بيومٍ بلا تكدير! 

عسى حياته تُشرق بعد طول الغروب هذا! 

وليته يحتوي بين يديه "راحته" الفقيدة! 

عسى الله أن يخفف عنه الأحمال التي تُحني ظهره ألمًا! 

ــــــــــــــــــــــــ

ومرة أخرى نعود لمكتب "طلال". 


+



_الصحافة مطلعوش صحافة يا طلال. 

كانت هذه الجملة الصادرة عن "فراس" بادرة لحديثٍ مطولٍ سيتمر فترة بينهما. 


+



أطال "طلال" النظر له بسكونٍ عجيب، ثم قال بتؤدةٍ ناجمة عن تفكير عميق: 

_ يعني إيه؟ 


+



أنطلق "فراس" يروي له كل ما علمه من تحريات الحارس: 

_ يعني دول شوية ناس مزقوقين عليك، وملهمش علاقة بأي جريدة ولا حتى ليهم صلة بالصحافة.


+



حكَّ "طلال" ذقنه النابتة مؤخرًا بإصبعيه، قبل أن يهمَّ واقفًا من على مقعده ويدور حول المكتب ومن ثم يجلس في مقابلته على المقعد الموازي للذي يجلس عليه الآخر، وأفصح عن قوله الغامض هذا:  

_كنت واثق إنهم تبع الظِّل. 


+



أرجع "فراس" رأسه على المقعد _الأسفنجي المغلف بالجلد_ براحةٍ، يُردد على مسامعه ما كوَّنه تفكيره بناءًا على ما توصَّل له: 

_هو ده اللي اتوصلت ليه فعلًا. 


+



ضرب "طلال" الأرض ببطن حذائه برفقٍ يهز قدمه بحركاتٍ تِكرارية، وأعلمه بصوتٍ رصين: 

_ هو كان عارف إننا هنكشفهم. 


+




        

          


                

أيده "فراس" بقوله الخافت: 

_صح. 


+



وسرعان ما جاء إردافه مُحتارًا: 

_طيب وهنعمل إيه؟ 


+



تبسَّم "طلال" بمزاجٍ رائقٍ إلى حد ما، وهو يجيبه بدهاءٍ وعيونه شاردة: 

_ ولا حاجة، خليه يعمل اللي عايزه، وإحنا معاه لحد باب البيت. 


+



إلتفت له بعدها غامزًا بطرف عينه بمكرٍ، مضيفًا بنبرةٍ تخطيطية: 

_ أما نشوف عاوز يوصل لإيه، وإيه آخره. 


+



_والله إنتَ مش سهل خالص يا طلال، يبان عليك غلبان بس الحقيقة إن دماغك خبيثة زي التعبان. 


+



لفظها "فراس" ناظرًا إليه _من أسفل نظارته الشمسية_ باعجابٍ امتزج بالريبة، فقهقه "طلال" بانطلاقٍ حتى أدمعت عيناه فصارتا أكثر رونقًا وجاذبية، ثم مسح بأنملته دمعته من رموشه، مُستطردًا بخفة وآثار الضحك عالقة في صوته:

_والله أنا مِسكين وربنا يعلم إني على نياتي، بس إنتوا اللي بتحكموا عليا لما بتعصب. 


+



حدجه "فراس" بنظرةٍ مُطولة يعبر بها عن استنكاره الشديد مما يسمع منه، فأردف "طلال" يستمر في مِزاحه مُستعينًا بمقولةٍ قابلها سابقًا على وسائل التواصل: 

_ بيستفزوني وبيخرجوا أسوأ ما فيا وبعدين بيقولوا هو ده إنتَ. 


+



افترقت شفتا "فراس" باندهاشٍ فظل فاتحًا فمه كالأبله، ورمش بعينيه وحواجبه مرفوعه لأعلى تزامنًا مع حديثه المقتضب المذهول: 

_يا راجل!! 


+



مال "طلال" للأمام هامسًا له بعبثٍ بدا له بريئًا: 

_أومال. 


+



ولهذا تبسم "فراس" ضاحكًا من كم التناقض الموجود في شريكه، كلما أقترب منه أكثر تعلم عنه كثيرًا من خِصاله وطبائعه التي نال أغلبها استحسانه. 


+



_ مفيش شمس هنا. 

قالها "طلال" بمزيجٍ من سخريةٍ وتعجب، تفقَّد ملفًا ما كان موضوعًا على ذراع المقعد الجالس هو عليه. 


+



بان الجهل جليًا على قسمات "فراس" فتمتم: 

_ها؟!! 


+



أوضح له "طلال" مضمون حديثه السابق بمزيدٍ من الأسلوب الساخر: 

_لابس نضارة شمسية في المكتب طبيعي هتكون ردة فعلي كدة. 


+



رفع "فراس" ساقًا فوق الأخرى وأراح ساعديه على مسندي المقعد ورغم شعوره بالغيظ إلا أنه تحلى بالبرودة ورد عليه بلا إكتراثٍ برأيه: 

_أظن أنا حُر في تصرفاتي، بعدين ملكش دعوة. 


+



أولج "طلال" أصابعه في الجيب العلوي لقميصه وأخرج منه نظارة القراءة ليقرأ بشكل أكثر دقةٍ، وبعدها جاء استطراده مُستخفًا وذا لهجة مُتهكمة: 

_أه، تصرفاتك العجيبة، أحيانًا بحسك كائن فضائي أو إنسان بدائي من العصر الحجري.


+



همَّ "فراس" بالوقوف وسار حتى النافذة الزجاجية مُعلنًا انساحبه من هذا الجدال بقوله المستاء: 

_مش هرد عليك عشان أنا راجل محترم. 


+



رمق "طلال" ظهره بعيونٍ ضاحكة لكونه نجح في استفزازه، وأعاد كامل تركيزه لما بين يديه من أوراقٍ مهمة. 


+



تأمَّل "فراس" الشارع بعنين فاحصتين من خلال النافذة العريضة وتسائل بصوتٍ خفيض مسموع: 

_هي سندس فين؟


+



_ليه؟ 

في التو بادله "طلال" التساؤل بحميةٍ وبرودٍ في ذات الآن تعجب لهما "فراس" وبرر سؤاله بـ: 

_مشوفتهاش وأنا جاي. 


+



تعامل معه "طلال" بمثل أسلوبه السابق فقال مُستفزًا إياه وهو يطالعه من زجاج النظارة: 

_أظن ده ميخصكش. 


+



تبسمَّ "فراس" بصعوبةٍ فرأى الآخر هذه البسمة لذجة، أخبره بصراحةٍ مُقيدة نوعًا ما: 

_يا رخامتك يا أخي، دمك شربات. 


+



تغاضى "طلال" عما سمع، وتنازل عن هذه المشاكسة الكلامية، وسَخرّ باقي طاقاته في القيام بعمله المتراكم. 


+



دومًا ما يروق له إغاظة من يحبهم، يستمتع بمشاكسته لهم، وهم أيضًا يهوون استفزازه، يتناسى وهو بصحبتهم أحزانه وماضيه الأسود الذي يلطخ ثنايا روحه بلونه القاتم، يغرز مخالبه السامة في جذور روحه بغية تمزيقها وخلعها. 


+



هو يرى أن الضحك والبكاء صديقين حميمين، فما ضحك أحدهم إلا ونفرت من عيونه دموع، وما بكى أحدهم إلا وضحك بعدها. 


+



اُقتُحِمَتْ الغرفة من قِبَل "سُفيان" الذي ما إن دخل حياهما بهتافٍ عالٍ قليلًا به شيء من مرح وهو يلقي بثقله كله على أريكة تُقابلهما: 

_السلام عليكم يا جماعة الخير. 


+



_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. 

تشدق بها "طلال" مُستريحًا في جلسته، غائصًا بظهره في إسفنج المقعد وربع ساعديه بمزيدٍ من الاسترخاء، وغاب عنهما بخواطره يفكر في أمورٍ تعنيه، أخته وابنتيها اللاتي اشتاقهن، وزوجها الذي يُعَد أحد أقرب أصدقائه، وابن عمه "راني"، وجده الحبيب الأكثر حنانًا عليه واهتمامًا به من نفسه. 


+



طالع "فراس" هذا الضابط الذي وصلت المودة بينه وبيهما لما يشبه الصداقة، وحَدثه بنبرةٍ تُبدي عن تشككٍ راح يتغلغل ثنايا عقله: 

_ ظابط مكافحة المخدرات "سفيان نصّار" بجلالة قدره قاعد معانا وسايب مشاغله؟! 


+



رمقه "سُفيان" بطرف عينه غير مبالٍ، وفاح الاستخفاف من بين حروفه: 

_أه، كِيفي كِدة، عندك مانع؟ 


+



ضيق "فراس" عيناه عليه قائلًا هذه المرة بجدية تامة: 

_ مجيكْ هنا مش هَين، قول وراك إيه وجيب من الآخر؟ 


+



رماه "سُفيان" بنظرة إعجابٍ تلمع في عينيه الوسيمتين وأومأ مؤكدًا شكوكه: 

_ بحب سرعة البديهة اللي عندك، فعلًا في سبب لوجودي هنا في وقت شغلي لإن ده جزء من شغلي. 


+



الآن فقط تنبه لهما "طلال" مُنتزعًا عقله بصعوبةٍ من حالة الشرود التي كانت تتلبسه منذ ثوانٍ قليلة، وهمس بتساؤل خطر على باله توًا: 

_جزء من شغلك؟ 


+



وبتلقائية أجاب "سفيان" وهو يناظره باهتمامٍ وغموضٍ مريب: 

_ أه. 


+



تسرب الارتياب في أوصال "طلال" شيئًا فشيئًا وتعقدت تعبيراته، وتأهب بكلٍ ذرة تركيزٍ لديه، فعساه الأمر خيرًا، عساه! 


+



أيٌ عمل هذا الذي أتى لأجله؟ 

هل يا تراه جاء لأمر خطير؟ فهو لا يراه إلا لحدثٍ جلل. 


+



فاليكن الله في عونكَ يا "طلال" على هذه الأحداث المتعاقبة وراء بعضها، وعلى هذه الهموم المتراكة على أكتافك، وعلى هذا الأمر الذي لا يعلم مدى خطورته إلا الله. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ✿✿✿✿


+



الثامن عشر من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close