رواية الغضب الاسود الفصل السابع عشر 17 بقلم الكاتبة كوين اسمهان
الفصل 17|نجوى مكتومة و وداعٌ مُؤجَّل!
فركت إيفلين ذقنها مفكرة، أنزلت إحدى ساقيها عن الأخرى، و تركت الأريكة متجهة إلى الرجل الواقف أمامها، و سألته للمرة الثانية ببرود مرعب:
3
"ماذا قُلتَ عزيزي رايس؟ فتاة؟!".
+
تعثَّر رايس و هو يتراجع إلى الخلف متلعثما:
+
"أجل... أيتها الزعيمة... فتاة!".
+
ركلت قبعته بعيدا، و انحنت تشد شعره بقسوة غير عابئة بالدماء التي خضبت يدها، سألته من جديد:
4
"من هي؟ و ماذا فعلَتْ حتى أتيتني صفر اليدين عزيزي رايس؟".
+
قاوم الألم الرهيب في رأسه مجيبا:
+
"لا أعرف من تكون! كانا في السيارة، كنتُ على وشك إحضارهما معا إليكِ، لكنَّ تلك اللعينة... أنقذت نفسها و الطفل... و تسببت لي في هذه الإصابة!".
1
أخلت سبيل شعره، و استقامت بهدوء مريب، حدَّق رايس في رجل آخر يقف على بعد مترين منهما، متوسلا تدخله، لكن الرجل صعَّر له خده و لم تخطف توسلات رايس أدنى اهتمامه،أساسا... لا أحد يجرؤ على الوقوف في وجه الزعيمة، و هو لا يريد المجازفة برأسه. دارت إيفلين حوله مهمهمة، و قالت بوجهها البارد:
+
"مجرد فتاة ضعيفة... لا سلاح معها... و لا حُراس... تفوقت عليك! في هذه الحال... لا أرى لعينا غيرك هنا! قلتَ لي أنك كنت على وشك إحضارهما إلي؟ يؤسفني أن أقول لك هذا إذن! لن تكون على وشك فعل أي شيء بعد الآن... لأنني...".
2
توقفت عن دورانها حوله، و صرخت فجأة و هي تسدد إلى رأسه ركلات جنونية بعقب حذائها الجلدي:
+
"...سأمحو اسمك من الوجود!".
8
لاحظ الرجل الآخر أنها سحقت رأسه تماما، و أن رايس فارق الحياة، فتقدم و خاطبها لتستعيد هدوءها:
+
"أيتها الزعيمة، يكفي هذا القدر، أعتقد أنه... لفظ أنفاسه الأخيرة!".
5
تمالكت ساقها، و استكانت متمتمة بشكل غريب:
+
"هكذا إذن؟ الوغد! كنت أعرف أنه لن ينفعني في شيء، حتى في لحظاته الأخيرة... لم يكن مفيدًا!".
+
لفظت إيفلين شتيمة عنيفة، صفقت بيديها ليأتي رجلان قويا البنية فيحملا الجثة بعيدا، و أضافت متوجهة بحديثها إلى مساعدها الآخر:
+
"لا تحوموا حول كينغلاند هذه الفترة، لن نغضب هارولان كينغ أكثر!".
3
"أشك أنه سيتجه بفكره إلينا، إنه يتهم دائما ملك هولشتاين «آرثر غولدمان»!".
1
أردفت إيفلين ساخرة:
+
"ستكون أحمقًا إن صدقت هذا، هارولان أذكى مما تتخيل! إسألني أنا عنه!".
4
عالجت المنديل الأزرق المعقود حول عنقها، و عادت إلى أريكتها مستطردة:
+
"دعنا من كل هذا الآن، و أخبرني بالأهم يا بليك، هل عثرت على صغيرتي؟".
36
تردد بليك بعض الشيء، فحدجته إيفلين بنظرة مفزعة دفعت الكلام فورا من بين شفتيه:
+
"ليس بعد... أيتها الزعيمة... تبيَّن أن الأمر أصعب من توقعاتنا".
+
غرقت في شرود عميق، قبل أن تعقب ناظرة إليه بطريقة غامضة:
+
"الحق معك! ربما عليك البحث عن شخص آخر أولا... حتى تضمن الوصول إلى صغيرتي!".
5
عجز بليك عن استيعاب مقصدها، و تساءل حائرا:
+
"من تعنين بالشخص الآخر أيتها الزعيمة؟".
+
"أمي! إنها اللعينة الوحيدة التي تعرفُ أين أخذ ذلك المزارع السافل صغيرتي!".
73
قالت إيفلين بغيظ مشددة أصابعها حول ذراع الأريكة، فردد بليك:
+
"السيدة كوينز؟!".
+
ضحكت بعصبية مردفة:
+
"هذا مثير للسخرية! لكني لن ألومك عزيزي بليك، أنت لا تعلم أنها لم تكن يوما... السيدة كوينز! لطالما حملنا مثلها ذلك الاسم الموصوم بالعار! و كلما هربنا منه... لاحقنا مجددًا و مجددًا!".
2
...
+
كان الجو هادئا في الخارج، السماء طردت سحب العاصفة بعيدا، و الطقس بات مناسبًا جدا للاحتفال، بسطت ماريغولد فستانا أحمر اللون على السرير، مستحسنة أكمامه الطويلة نسبيا لأنها ستخفي إصابات ذراعيها، تأملته بقلب خافق، إنه الوحيد الذي قد يفي بالغرض، كانت قد ابتاعته لتحتفل فيه بخطوبتها الرسمية رفقة زوج ثبت أنه أوهن من وهم! لكنها الآن هنا... على أرض كينغ، ببيت هارولان، تنوي ارتداء نفس الفستان لمناسبة مختلفة تماما عما كانت تخطط له سابقا! يا لهذه الحياة العجيبة كيف تتقلب بين ليلة و ضحاها! مررت أناملها فوق الفستان الجميل مبتسمة، لا شيء يحدث للصدفة، لو لم يصدم أوليفر تلك المهرة المسكينة... و لو لم تلتقِ بلِيو... لكانت الآن متزوجةً من ذلك الرجل... تعيسةً... و نادمةً حتى العظم! حسنا ربما تمتنُّ أيضا لهارولان الذي سجنها، لأنه جعلها تدركُ أن الموت في ذلك الإصطبل أهون بكثير من العيش مع رجل بعقلية أوليفر هاغان! أوه! لماذا تفكر في هذه الأمور الآن؟ فلتنسَ ما مضى... و لتستمتع بالمناسبة السعيدة! فمن الجميل رؤية الحب ينتعشُ بعد سنوات من الزواج المتين للسيد لي و شريكته اللطيفة هانا!
1
طردت تلك الخواطر عنها، و اهتمت بالانزلاق داخل الفستان الذي سرعان ما استرخى بخامته الرقيقة الناعمة و طياته السفلية على انحناءات جسدها، و كشف التفاصيل التي لم تكن تبرزها بناطيلها الباهتة و قمصانها العادية. تركت شعرها مسدلا، احتفظت بقلادة أمها حول عنقها، انتعلت صندلا أسودا و هو حذاء المناسبات الوحيد الذي تملكه على غرار نظيره الأبيض و حذاء آخر رياضي! و زينت وجهها ببعض المساحيق الهادئة، لتفاجأ في النهاية بامرأة مختلفة تماما تواجهها! كيف يمكن أن يغير الفستان المرأة بهذا الشكل المبهر؟ هل هذه هي حقا ماريغولد موران... أم أن المرآة تضلِّلُ عينيها؟!
13
تركت ماريغولد غرفتها، متجهة نحو غرفة لِيو لتنزل رفقته، لكنه لم يكن موجودا هناك، افترضت أنه مع الجميع في الأسفل، و ربما بدأ بالاحتفال أيضا، تفقدت الساعة بقلق، هل تأخرت في تجهيز نفسها يا تُرى؟ أعادت تأمل شكلها في مرآة تلك الغرفة، و اكتشفت أنها تبدو هي صاحبة الحفل! كأنها تحتفل الليلة بعمر من السعادة و الحب المثمر! على وجهها ألقٌ غريب، و في مقلتيها المتسعتين نجوى مكتومة... تُرى ما هي؟ في اللحظة التالية كانت تغادر غرفة لِيو و تنزل الدرج، عندما سمعت حديثا عجيبا تتجاذبه الخادمات اللاتي سبقنها إلى الردهة الرئيسية بأثوابهن الرائعة، هتفت ساري بغبطة و قد زادها اللون الأزرق السماوي رقة و جمالا:
3
"لن تصدقن الجنون الذي يجري في الخارج!".
+
ردَّت سيدني ساخرة و هي تعدل ياقة ثوبها الأزرق الداكن القصير:
+
"إن كنتِ تقصدين هدية لِيونارد التي استرجعها السيد كينغ، فقد سبقتك بمعرفة ذلك قبل ساعات! لقد أعاد البهجة للصبي... و هذا فاجأني!".
6
استأنفت ساري حديثها بعينين متلألئتين:
+
"كلا! لا أقصد هذا! فليس استرجاع الهدية هو المفاجأة الوحيدة، هيا... سترين بأنفسكن ماذا فعل السيد كينغ ليعيد البهجة للجميع... و ليس لِيونارد فقط!".
11
استوقفتها آديا بحيرة و قد بدا عليها عدم الاقتناع بإبقاء شعرها المعقوص حُرا على كتفيها:
2
"و لكن إلى أين؟ أليس الحفل في قاعة الحفلات الخاصة؟".
+
أجابتها ساري ضاحكة:
+
"يبدو أن كل شيء تغير بينما كنا نجهز أنفسنا، لقد استرقت النظر من نافذة جناحنا، و كاد يُغمى علي! هيا لا تماطلن يا فتيات، لا أريد أن أضيع لحظة واحدة من هذا اليوم دون أن أستمتع بها!".
+
ركضت الخادمات بحماس نحو المخرج، فيما تخطت ماريغولد الدرجة الأخيرة من السلم متسائلة سرًّا: إن لم يكنَّ الخادمات على علم أين يُقام الحفل تحديدا فمن يعلم إذن؟ و من غيرهن قام بالترتيبات؟ هل يعقل أن السيد لي تولى ذلك لوحده؟ كلا! هذا غير وارد، فقد مُنِحَ هو و زوجه إجازة اليوم، تداركت حيرتها، و حثت خطاها لتتجاوز باب البيت، و على عتبته تسمرت لوقت طويل مذهولة، فاغرة الفم، جاحظة العينين، فقد كان ما رأته في الخارج عُجابًا!
1
أقبل بقية الرُّعاة منشرحين في صف من الوجوه الضاحكة، ترافقهم زوجاتهم، و بعض الأطفال، ارتدى الرجال بناطيلاً جديدة غير تلك التي احتكت بالسروج لشهور طويلة، و نسقوا معها أقمصة بيضاء ناصعة بسيطة أبرزت سمرة جلودهم التي اكتسبوها من معاشرة شمس كينغلاند، و اتفقوا جميعا على إضافة سترات كلاسيكية تناسب الزي، دون أن ينسوا تكليل رؤوسهم بقبعاتهم معقوفة الأطراف، لكن الأكثر إدهاشا لماريغولد هو تلك الوردة الحمراء التي علقها كل عامل على يسار صدره، كان ذلك تقليدًا خاصا بأعراس المزارع، حيث يتزين الحضور بوردة الحب المشتعل! ابتسمت ماريغولد للفساتين البيضاء البوهيمية التي فضَّلتها زوجات الرُّعاة، و سارعت عيناها للبحث عن هارولان، حتى تعثرت بعينيه القاتمتين و هو يجلسُ هناك على منصة شرفية قرب الزوجين لي و إبن أخته، لم تكن تعرف أنه كان يتأملها خلال شرودها في زينة المكان و أزياء الحاضرين، بل إن جميع الأعين تعلقت بها منذ ثوانٍ، و سائر الأفواه تركت أحاديثها و فغرت مدهوشة من إطلالتها الملفتة، اللون الأحمر الصارخ جعلها تبدو مثل الورود المعلقة بصدور الرعاة، شعلة متأججة بنار الحب و العطاء!
6
هارولان هو الآخر كان مختلفا هذه الليلة، فعلى عكس الجميع، قرَّر سيد كينغلاند إرتداء اللون الأسود الذي يضفي عليه جاذبية آسرة و نفوذا عجيبا، قميصه الحريرية المطرزة بخيوط من الفضة... كانت تعبر عن أصالته، و بنطال الجينز الذي يلتصق بساقيه... زاده طولا و رشاقة، أما قبعته المعقوفة و حزامه الجلدي العريض فقد أكدا أنه راعي بقر ممتاز و سيد مزرعة حقيقي!
+
لم يستطع هارولان إبعاد عينيه عن ماريغولد، أما هي فتحاشت نظراته، و استقبلت لِيو الذي ركض نحوها قائلا:
+
"صديقتي، تبدين جميلة جدا!".
+
داعبت شعره مردفة:
+
"شكرا يا صغيري، أنت أيضا تبدو جميلا جدا!".
+
كان لِيونارد يرتدي قميصا حريرية بيضاء، و بنطالا يشبه بنطال خاله، لمس قبعته السوداء شاكرا إطراءها كما يفعل الرُّعاة، و قال:
4
"هذه الثياب هدية من خالي".
2
ابتسمت عائدة ببصرها إلى هارولان فاكتشفت بخجل أنه لا يزال يتفحص التغيير الذي طرأ عليها، و يدقق في كل إنش منها، كأنه يراها للمرة الأولى. سحبها لِيو نحو المنصفة الشرفية، فانتابها الحرج، و تمتمت متمنعة:
+
"سأجلس مع الجميع هناك!".
+
أشارت إلى حيث تجلس الخادمات تطلقنَ بعض النكات المرحة، فاحتج الصغير بصوته اللطيف:
+
"لكننا كنا ننتظر إنضمامكِ إلينا بفارغ الصبر، حتى أن خالي كان على وشك إستعجالكِ بنفسه قبل لحظات!".
16
حارت ماريغولد جوابا، لم تستطع منح نفسها ذلك الحق، فهي إنسانة بسيطة في نظر هارولان، و ربما لِيو الوحيد الذي ينتظرها بمثل هذا الشوق، و يريدها قربه، لكن الطفل ليس الآمر الناهي هنا، لاحظت أن السيد كينغ ترك مجلسه و ها هو آتٍ باتجاهها، فشحبت و توترت، لعله سيؤكد لها بنفسه أن مكانها هناك بعيدا عنه، لكنه فاجأها بقوله:
4
"جيد أنكِ لم تتأخري أكثر، تفضلي إلى المنصة!".
6
حدقت فيه كالبلهاء، ثم سألته متعثرة بالكلمات:
+
"هل تقصدُ أنني سأجلسُ هناك... إلى جواركَ...؟ أوه... أعني... إلى جواركم؟".
4
برقت عيناه بشكل جميل، و أردف موضحا:
+
"أجل! لِيو ينتظرك منذُ ساعة".
37
فكرت أن تخمينها كان في محله، فتراجعت خطوة ناظرة إلى الخادمات اللاتي اندمجن فورا مع زوجات الرعاة و أطفالهن، لتقول بكبرياء:
+
"لا أريدُ مضايقتكم، أعتقدُ أن الفتيات سيرحبن بي!".
+
تضايق بشكل حيرها، و علق عاقد الحاجبين:
+
"نحن أيضا نرحب بكِ، أنتِ صديقة لِيو، و الزوجان لي يعتبرانك ضيف الشرف لحفل هذه السنة، أخبريني... أين يمكن أن يجلس ضيف الشرف برأيكِ غير المنصة الشرفية؟".
14
سحرت تلك الكلمات رغم خشونتها قلب ماريغولد، قرأت في عيني هارولان شيئا غامضا، لكنها عجزت عن تفسيره، كان بدوره يجهل سبب تمسكه بها، لماذا لا يدعها تجلس حيث تشاء مع من تشاء؟ إنه حقيقة لا يعرف! تناول لِيو يدها بسعادة، فاستسلمت و رافقته نحو المنصة مبتسمة، حيَّاها كل من هانا و السيد لي ضاحكين، فهنأتهما بالمناسبة، و ارتاحت على مقعد المنصة الطويل، كان لِيو يفصل بينها و بين هارولان، لكنه كان بطريقة عجيبة يجمعهما أيضا، فقد آثرت الصمت في البداية، لكن أسئلة لِيو الكثيرة جعلتها تشارك في الحوار الدائر بين السيد كينغ و صاحبي السعادة و الحب الخالد! وجدت نفسها تمتدحُ الخيمة المُضاءة، و تحدثهم عن رمزية الورود المختلفة التي تزين كل زاوية من الحديقة، تلقت نظرة خاصة من هارولان، نظرة جميلة جدا، تذكرت فجأة شعور الطمأنينة الذي غمرها حين كانت بين ذراعيه، اضطربت لسبب مجهول، و انتبهت لستانلي المقترب من المنصة قائلا بعدما انتزع قبعته باحترام:
+
"سيد كينغ، لقد وصلت الفرقة التي طلبتها".
+
"عظيم، فليباشروا العزف فورا!".
2
لفظ هارولان ذلك، ثم نظر إلى ماريغولد الذاهلة، كأنه يقول لها بعينيه: «هل ترين؟ يمكنني أن أكون ما أشاء... وحشا... أو إنسانا!». تراجع ستانلي نحو زوجته لِيا ضاحكا، ثم همس لها:
17
"لا ترقصي كثيرا، لا تنسي أنكِ حامل بطفلنا الأول حبيبتي!".
2
بادلته لِيا الابتسام، و انتظرت أن تُعزفَ أغنيتها المفضلة، اتخذت الفرقة مكانها المخصص، التقط الشاب الأشقر العصي الخاصة به و هيأ نفسه للنقر على طبوله، في حين عدَّل عازف القيتارة الأسمر أوتاره، و انتظر الإثنان الإشارة من عازفة الأكورديون الشهيرة «بياني كوبر» لتأدية الموسيقى الإستهلالية، و ما هي إلا لحظات حتى بدأ العمال و زوجاتهم يتمايلون على إيقاع حماسي، دعا دان براون تِيا للرقص كونه لم يتزوج بعد، فوافقت و منحته يدها خجلة، فيما اكتفت سيدني بتأمل الراقصين عن بعد، أما ساري فأحجمت عن مراقصة أحد غير ريك جونسون، كانت تراقبه بطرف عينها، و تنتظر أن يطلب مراقصتها بلهفة جلية، إلا أن ريك كان قد فقد صوابه بعد رؤيته ماريغولد في ثوبها الرائع، تغير الإيقاع و بات شاعريا، فدنا ريك بعد كرٍّ و فرٍّ من المنصة الشرفية، ليطلب ما صعق هارولان و جعل الجحيم تشتعل داخل عينيه:
5
"آنستي، أتمنى أن تقبلي مشاركتي هذه الرقصة!".
20
اضطربت و تخضب وجهها متمتمة:
+
"أنا...!".
+
أومأ لها ريك راسما على شفتيه الإبتسامة التي يوقع بها النساء في شراكه، لم تدرِ لماذا لم ترغب بتلبية طلبه، رغم اللطاقة التي يحاول الظهور بها... لم تجده لطيفا أبدا! لكنها شعرت بوجوب الموافقة حتى لا يتضايق الرجل و يُصاب في كبريائه، و قبل أن تقول شيئا، تدخل هارولان بصوت جاف:
2
"لن تُراقصك الفتاة يا ريك!".
26
التفت الجميع يطالع المعلم باندهاش، خاصة ماريغولد التي لم تصدق ما سمعته، فتابع هارولان مخاطبا الطفل:
+
"لِيو يريد أن يكون أول من يراقصها، أليس هذا ما قلته منذ قليل أيها البطل؟".
50
هزَّ الصغير رأسه موافقا، و أخذ بيدها إلى زاوية الرقص في سرور، فيما انسحب ريك متجهم الوجه، و اختفى نهائيا من الحفل، بعد الفراغ من تناول العشاء الرائع، بحثت عنه ساري جاهدة و لم تعثر عليه، لتتجه لاحقا إلى بيته بأرض مساكن العمال، و تطرق بابه قلقة!
29
"ريك! هل أنت هنا؟ لماذا غادرت الحفل بذلك الشكل؟".
+
لم يجبها أحد، فواصلت الطرق قائلة بصوت حزين:
+
"ريك! ريك... أجبني! لن أرحل حتى تفتح هذا الباب! هل ضايقك أحد؟".
+
دلق الباب فجأة، و أمسك كتفيها مزمجرا بوجهها:
+
"أنتِ يا ساري... أنتِ الشخص الوحيد الذي يضايقني الآن!"
6
تجمعت الدموع في عينيها، دفعت صدره بيديها، و أفلتت من قبضتيه مرتعشة، ثم أردفت و هي تركض باكية:
+
"اللعنة عليك!".
5
خشي أن تحدث جلبة بسبب هذه الحمقاء، فأدركها مسرعا، و اعتذر بكلماته المعسولة مقبلا يديها:
+
"أنا آسف حبيبتي... أنا فقط... مرهق من العمل... و لا أعرف ما الذي أفعله أو أقوله، لا تذرفي هذه الدموع أرجوكِ! أين الإبتسامة التي أعشقها؟".
10
سريعا أهدته ساري ابتسامة عذبة، فجفف دموعها، و قال بمكر:
5
"في الحقيقة... هناك شيء آخر يضايقني، حين أرى جمالكِ و أجد نفسي غير قادر على امتلاكك... أتعذب يا حبيبتي! حفل ذكرى زواج السيد لي السعيد جعلني أفكر بكِ كزوجة، لكني لا أستطيع الصبر حتى زواجنا، أريدكِ لي، أريد الشعور بذلك... و الآن!".
11
تلألأت عيناها و علقت بحيرة:
+
"أحقا ما تقول؟ ريك... هل... تفكر فيَّ حقا كزوجة؟".
30
سحبها ريك إلى بيته موصدا الباب، تأمل جسدها برغبة قوية، و أخذها بين ذراعيه دون أن يتكلم، فاستسلمت له ساري طوعا، و غاب عقلها تاركا زمام الأمور لقلبها المتيم بحب ذلك الرجل!
49
أحضر الخدم قالب الحلوى الذي أعدته ماريغولد من أجل الزوجين لي، صدحت الأصوات المرددة لأغاني الحب، و تعالت الهتافات السعيدة و هم يقطعون القالب، أبدى الجميع انبهارهم به، و أثنوا غلى براعة طاهيته، و كان ذلك الشيء الوحيد الذي رغب هارولان بتذوقه منذ انطلاق الحفل! تبادل الحضور التهاني و قدموا الهدايا و نشروا البهجة و بالرقصات الشعبية، اشتعلت السماء بالألعاب النارية، و لم ينتبه أحد لغياب ساري الغريب، عدا هانا التي قلقت كما تفعل الأم عادة، و همست لزوجها بريبة:
9
"عزيزي، لا أريد إفساد سهرتنا لكن... غياب ساري منذ أكثر من ساعتين يثير مخاوفي!".
15
تسلم السيد لي آخر هدية من لِيو منبهرا بشكلها و رمزيتها، و شكر الطفل و ماريغولد بحفاوة على اختيارهما المميز، ثم طمأن زوجته بنبرته الهادئة مربتا على كتفها:
3
"ربما تعبت من صخب الموسيقى، و قررت أن تخلد للراحة! اهدئي عزيزتي، لعلكِ تقلقين من فراغ!".
1
"لا أدري! يراودني شعور سيء!".
4
مازحها برقة:
+
"ربما أحيت هذه الأجواء فيكِ تلك العروس المتوترة التي كنتِ عليها ليلة زفافنا!".
4
تكور خداها في ضحكة خجل، و غمغمت ضاحكة:
+
"أوه! عزيزي".
+
انحنت ماريغولد على الطفل تنبهه:
+
"لا تسرف في تناول الكعك صغيري، حتى لا تؤلمك معدتك و تراودكَ الكوابيس!".
+
أومأ الطفل بانصياع متخليا عن قطعة كبيرة من قالب الحلوى، ثم تثاءب، فلاحظت ذلك و استطردت بحنان:
+
"تبقى نصف ساعة فقط على حلول منتصف الليل، عليك أن تكون في فراشك الآن!".
+
أطاعها لِيو مرة أخرى و قد أفقده النعاس كل رغبة في السهر و الإحتفال أكثر، أساسا حتى الكبار بدأوا بالانسحاب بسبب دوام عملهم غدا، قادت ماريغولد الصغير فورا إلى غرفته، ساعدته في ارتداء منامته و تنظيف أسنانه، لتضعه أخيرا في الفراش، استمع مقاوما الكرى إلى قصة رائعة روتها له، و على حين غرة سألها:
+
"هل تحبين أرضنا؟".
+
أجابت بسرعة و هي لا تعرف أن هارولان لحق بهما و وقف خلف الباب يصغي لكل كلمة تجري بينهما:
3
"طبعا! إنها أرض ساحرة و اليوم حولها خالك إلى جنة كاملة، و طعَّم جمالها البري بالورود البهيجة و الموسيقى الحيَّة!".
4
"إذن إبقي هنا دائما!".
4
باغتتها تلك العبارة! عُقِد لسانها للحظات، و أرهقت عقلها بحثا عن جواب مناسب، لقد أحبت فعلا كينغلاند، رغم العذاب الذي شهدته على أديمها في البداية، لكنها لا تنتمي إلى هنا... كيف يمكنها أن تبقى؟ إنها محض غريبة عنهم! أيقنت أن لِيو استسلم للنوم قبل أن يظفر بتأكيد أو نفي منها، فلثمت جبينه، و غطته جيدا قائلة بصوت مسموع:
+
"لا تقلق يا عزيزي، مهما كان ما سيحدث غدا... أعدك أنني لن أنساك ما حييت! ستظل في قلبي إلى الأبد!".
4
كزَّ هارولان على أسنانه بعصبية و ابتعد فورا عن الباب، راح يخبُّ على الأرض كالمجنون متجها إلى بيت مكتبه، إلى عزلته و ظلامه! سمعت ماريغولد صوت الخطوات الغاضبة في الرواق، خمنت أنه هو، حدسها أكد لها ذلك، تركت غرفة لِيو و سارت في أعقابه لتشكره عما قام به اليوم، هو لم ينقذها فحسب، و لم يصلح صورة أمها و كفى، و لم يضع في غرفتها مجرد وردة ندم بيضاء فقط، هارولان كينغ حارب نفسه طوال الحفل، فتح بابه للورود بعد وقت طويل من نفيها خارج عالمه، و أهدى أهل مزرعته ليلة خالدة يستحيل نسيانها، هارولان كينغ أثبت أن خلف درعه الأسود... ينبض قلب جميل يفكر في غيره... و يصحح أخطاءه... و يسعد من حوله دون أن يجهر أو أن يتفاخر بما قدمه!
7
لمحت ظله يختفي بين الأشجار، فانتزعت صندلها لتسرع أكثر، و تبعته واثبة كغزال بري لا يعرف حدا لجموحه، قبل أن تناديه بشكل غريب:
4
"لحظة! أنت... مهلا! سيد كينغ!"
+
وقف على بعد أمتار من مكتبه، و قال دون أن ينظر إليها:
+
"لا تشغليني الآن... لدي عمل طارئ!".
4
تحرك ثانية مكملا طريقه، فألحت لاحقة به:
+
"تمهل رجاءً! أريد أن أقول شيئا مهما للغاية".
+
فكر أنها ستقول ذلك، ستنطق بتلك الكلمات التي لا يريد سماعها، ستذكره بالميعاد الذي اقترب، ستعلمه برحيلها غدا، و هو... يرفض ذلك، اللعنة! إنه يسير نحو جنونه المحتوم بلا شك! لماذا...؟ لماذا لا يريدها أن ترحل؟ ما السر فيها؟ كأن رحيلها يعني أن الشمس لن تشرق مجددا! و أن الرياح المعطاءة لن تهب باتجاههم في غيابها! حاولت ماريغولد أن تتكلم ثانية، لكنه سبقها إلى القول بحدة:
4
"قلتُ ليس لدي وقت!".
+
كانت حركته سريعة، بلمح البصر دلف مكتبه و صفق الباب في وجهها بعنف، تاركًا إياها خارجًا مصعوقة! تساءلت ماريغولد ما خطبه؟ كان منذ قليل فقط إنسانا عاديا، صحيح أنه لم يبتسم، و لا أحد يتوقع منه ذلك؛ غير أنه أبدى نُبلا رائعا و هو يعامل الجميع على أنهم معه في نفس الكفة، و لم يظهر عليه أدنى انزعاج، من أين أتى هذا الغضب المفاجئ إذن؟
3
ذرع هارولان مكتبه مطولا، تبارز البرود و القلق بداخله، تصفح عده مستندات دون أن يعي ما كُتب عليها، ثم اقترح على نفسه أن ينحت شيئا ما لينسى وجهها الهادئ، و عينيها القويتين، و شفاهها الرقيقة، و شعرها الـ...، آه تبا! إنها تعيش فيه... و لا تبرح خياله! وجد أن ما ينحته يذكره بها أكثر، و استسلم رغما عنه لحركات يديه الفنانة، و لأفكاره الطاغية!
8
عند الثانية بعد منتصف الليل، انتزع هارولان رأسه من منحوتته التي لا زالت تحتاج وقتا أطول لتكتمل، و ترك مقعده ممططا جسده المنهك، جيد أنه أجَّل ذلك الوداع، و إلا لكانت ليلته عصيبة أكثر، لكنه لا يزال في معترك المعمعة، و لم يخرج بقرار سليم، إما أن يرضخ للواقع، و يتقبل رحيلها كما يتوقع من أي شخص طبيعي، أو أن يتصرف قبل فوات الأوان!
+
أطفأ الإنارة، و خرج مغلقا الباب بشكل محكم، لكنه تجمد في مكانه مذهولا، ذابت كل أفكاره، و هو يرى ماريغولد نائمة على المقعد الخارجي لمصطبة بيت المكتب، حافية! فاتنة! كملاك أرسله القمر ليربت على القلوب التائهة ليلا! ألا يوجد سقف لعناد هذه المرأة؟! ألهذا الحد تريدُ ترك أرضه و عالمه؟ تنام هنا كطفلة مشاكسة فقط لتخبره أنها لا تكترث بأي شيء و أنها مغادرة... كما لو أنها لم تدس أديم كينغلاند يوما! شعر أن وجودها في الجوار بهذا الشكل نعمة و عقاب له في ذات الوقت، غضب من النسيم الذي يحرك شعرها بدلا منه، فدنا منها مذبذب الأعماق، و مد يده بهدوء إلى وجهها المغلف بشرنقة البراءة ليلمسه، تحسس نعومة تلك البشرة، و تلكأت خطوات أصابعه على مشارف تلك الشفاه، كأن كل مصائبه تكمن هناك، كأن لعنة حلت به مُذ أن نظر إلى ذلك الثغر، و تخيل نفسه يلثمه! أفاق من شروده، و استوعب ما يفعله، حاول إيقاظها لكنها لم تستجب له، و هكذا اضطرَّ لحملها هي و صندلها إلى غرفتها، و طوال الطريق لم يستطع إلا أن يكون تائها في تفاصيلها!
15
دفع الباب بقدمه، وضعها على السرير، دثرها باللحاف جيدا، و داعب وجهها من جديد، حتى زاحمت خواطر كثيرة رأسه، كأن ينفذ اقتراح لِيو بخصوص قبلة الأمير الشجاع، أو كأن يحتضنها هذه المرة برغبته الكاملة و بكل قوة يملكها، أو كأن يراقصها كما فعل لِيو الليلة! شردت نظراته على وجهها للمرة الألف، و احتاج قوة عظيمة كي يحارب نفسه، و يهزم التوق الغريب للبقاء حيث يتسنى له استنشاق عطرها! ابتعد عنها، و تمكن أخيرا من إغلاق الباب بينه و بينها، شاعرا أنه بنى مدنا و عوالم هائلة تفصلهما، عندها قصد غرفته، و رمى قبعته بإهمال هناك، قذف حذاءه بعصبية، ثم تخلص من قميصه الحريرية و كأنها تخنقه، و حاول الإحتماء بالنوم من أنياب مخيلته، تقلب كثيرا على سريره دون جدوى، أيقن أن تلك البعيدة القريبة لن تسمح له بالإفلات هكذا ببساطة، فنزل الدرج، و سكب لنفسه في المطبخ كأسا من النبيذ، أخذ رشفة طويلة، مرر أصابعه القوية بين خصلات شعره الفحمية، و ارتكز بيديه على حافة الطاولة، استعاد منظر تلك المخلوقة التي جعلته يرى الحياة بشكل مختلف، و أدار الكأس بين أنامله متأملا القرار الذي اتخذه للتو! إنه جنون بالنسبة للسواد الذي لا ينخلع عنه! لكنه مستعد لهذا الجنون ما دام قد يغير رأيها و يبقيها تحت ناظريه!
10
نهاية الفصل السابع عشر.
+
