رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل السادس عشر 16 بقلم اسراء الوزير
رواية (عاشقة بأرض الأوغاد)
الفصل السادس عشر والأخير:
أنهى أحد الرجال بيديه المغطاتين بقفاز بلاستيكي، إدخال الكمية المناسبة من سائل أحمر اللون داخل أنبوب للحقن، بينما التفتت سهى إلى هذَين اللذين يرقبان ما تقوم بفعله والخوف صار ينهش بقلب سارة بينما ظل الثاني على حاله من الجمود والمقت يملأ نظراته، ما أن انتهى من تعبئة السائل الأول نطقت سهى بمكر:
_ عارفين ده إيه؟! نوع مخدر جديد عجب
ثم عادت تنظر إلى الحقنة وتحدثت بانتصار:
_ الجرعة تموّت علطول، وهيبان في المشرحة انه جرعة زايدة من تعاطي المخدرات، روحتوا فيها يا حرام!
وضع الرجل الحقنة الأولى على سطح المنضدة ثم بدأ بتحضير الثانية بينما ينطق خالد بنبرة مقتضبة يعلوها الاستحقار:
_ أنا عمري ما كنت اتصور ان غيرتك من سارة توصل بيكي لكدة
التفت إليه أحمد وعلامات وجهه لا تنم على خير بينما اقتربت منه سهى مُسلِّطة عينيها نحوه ومحدّقة به بنظرات نارية بينما تقول باختصار مستهجنة:
_ أنا بغير من سارة؟!
أجابها ببرود:
_ إنك تكوني مخنوقة من معاملة أدهم لسارة وحبه ليها، وبعدين تحطي عينك على جوزها اللي كان ضعيف لدرجة مشي ورا حركاتك وبقى يخونها بالسر، ده يدل على إنك بتغيري منها طول عمرك وعينك على أي حاجة تخصها
وهنا تناول أحمد لواء الحديث عنها حيث أردف باستنكار:
_ هو انت فاكرني اهبل عشان اجري ورا سهى واخون مراتي مع شوية حركات نسوان يا سيادة المحامي؟!
لما وجدت سهى معالمهم تتبدّل إلى الدهشة والتعجب من كلماته أكملت موضحة بمقت:
_ أنا اعرف احمد من قبل ماتجوز أدهم، وكان الأهم اننا نعرف ناخد فلوسه، بس وجود سارة كان هيبقى زي الشوكة فــ طريقنا وكان لازم نفكر لها فــ مصيبة، عشان كدة خليت أحمد يتجوزها بأمر مني أنا
ثم استطردت تقول بخبث واضح بحبالها الصوتية:
_ وده بقى ساعدني عشان اعرف اقابله أكتر وأدهم المغفّل نايم على ودانه، وتهديدنا لسارة خلاها عارفة وساكتة ماتقدرش تنطق
ثم أكملت بلامبالاة:
_ وحتى لما بِقْيِت حامل، لحقت الغلطة بسرعة وخلصت منها
وقد كان هذا هو السوط الأشد إيلاما الذي ألقته وبقوة كي تصرخ سارة بأقصى قوتها والوجع يسكن في صياحها:
_ إنتـــي إنتــي اللي سممتيني؟!
عادت تنظر إلى سارة ثم نطقت بنبرة سمجة جليدية:
_ كان لازم يا سو، عشان لما نخلص منك ما يبقاش ليكي ابن عايش، وبعدين عشان احمد ماينفعش يجيب ولاد غير مني أنا
ثم أكمل أحمد بذات النبرة الشريرة:
_ وبعد ماتموتي هيبقى سهى وابني هما الأحق بالميراث كله
ولم تستطع سارة أن تلتقط كلمة أخرى بعد هذه الصاعقة المميتة؛ حيث ظلّت تردّد بشكل هستيري يمتلئ بالجزع:
_ إنتو إللي قتلتوا ابني؟!
اكتسى الألم وجه خالد مع رؤيته لعزيزته تتألم بهذا الشكل دون رحمة من أي جانب، بينما أجاب أحمد بقسوة:
_ ماكانش ينفع يعيش عشان كل وجودك زي العروسة نحركها زي ماحنا عايزين لحد ما ناخد الغرض وتغوري فــ ستين داهية
عادت سارة تكرر الكلمة للمرة الثالثة ببكاء:
_ قتلتوا إبني عشان الفلوس يا كلاب؟!
وهنا هتفت سهى بضجر:
_ يووووه، أيوة احنا اللي قتلنا ابنك واحنا اللي قتلنا اخوكي واحنا اللي هناخد ثروته كلها بعد موتك واحنا اللي قتلنا المهندس واحنا اللي هنبعدك عن حبيبك واحنا....
_ اغبى اتنين شفتهم فــ حياتي
أكمل بها خالد بنبرة قاتمة يعلوها الاستهزاء، ليسلط أحمد نظره عليه ولم يفهم بعد ما يجري وكذلك سهى التي لم تدرك مقصده من هذا السّباب حتى اتّضح سريعا مع اقتحام عدد من رجال الشرطة للشقة ليرفع رجال الحراسة الأسلحة إلى فوق على أتم استعداد للهجوم ولكن سبق تصويب فوّهة مسدس حسام إلى رأس أحمد آمرا بتهديد:
_ كله ينزل سلاحه
ثم قرّب فمه من أذن أحمد هامسا:
_ قول لرجالتك ينزلوا سلاحهم يا حضرة المقدم بدل ما افجر مخك
امتقع وجه أحمد وقد شعر بغصّة اعتلت حلقه من هذا الحصار الذي سيتسبب بهلاك كل ما بناه في سالف حياته، أشار بأن أخفض رأسه بخفة كي يتبع رجاله الأوامر ويخفضوا أسلحتهم، فوقف خالد عن الأرض ثم أردف باشمئزاز:
_ مش كل واحد سهل تشتري ذمّته زيك يا احمد بيه، والشيخ صابر عمل اللي عليه وجابك من غير مليم
نظر إليه أحمد مع نظرات متّسعة يسكنها الخوف وكذلك سهى التي اعتلى الهلع معالمها وقد عرفت مستقبلا ما سيحدث بها بعد ما أجرمت بحق العديدين، ومهما شيّد المرء من الطغيان سينهدم بناؤه على رأسه ولا يتبقى سوى الحُطام!
_ خدوهم
أردف بها حسام آمرا ولكن سرعان ما وقفت سارة تمنعهم بينما تهتف محتجّة:
_ إستنوا هنا
انتظروا لثوان حتى وقفت سارة بعدما شعرت بسلامة سيقانها وإمكانية سيرها من جديد بعد هذه الصدمة العنيفة لتتجه إلى سهى ثم تهوي على خدها بصفعة مدوية رجّت أركان المبنى، وضعت سهى ظاهر كفها على وجهها بينما تزدرد ريقها وهي ترمق سارة بفزع مُرتَقِبَة الخطوة التالية التي قد تفعلها ولكن على العكس تماما، لم تحاول أن تُزِيد من دفعات انتقامها بل نطقت من بين أسنانها باستحقار يتخلله القهر:
_ إنتي شيطانة، حيوانة، كلبة فلوس قتلتي إبني! ماتستاهليش تعيشي، بس انا مش هوسخ إيدي بدمك
ثم نقلت بصرها بينهما والازدراء يغلف نظراتها:
_ حسبي الله ونعم الوكيل فيكم
لم يُهدّئ من حدّة نظراتها البركانية سوى يد خالد التي امتدّت إلى كتفها لتشعر بالهواء يتسلل إليها من جديد داخل هذه الأجواء الحارقة، يقول بنبرة مطمْئنة:
_ إهدي يا سارة، خلاص وقعوا فــ شر أعمالهم
أجابته هاربة إلى الداخل وكأنها لم تعد تقوى على سماع المزيد بينما أمر حسام العساكر بأخذهم إلى سيارة الشرطة، تنهد بعمق بعد إتمام المهمة بنجاح دون خطأ يُعيق تحركها، تنفس الصعداء مع انتهاء المهمة والوصول إلى الحقيقة، أتاه صوت خالد من الخلف مبتسما:
_ الاعتراف سيد الأدلة يا حضرة الظابط
التفّ بجسده ليواجه خالد الذي كان ينظر إليه مع ابتسامة النصر التي تغلف ثغره وعينيه فتحدث بإقرار:
_ ماكنتش هاخد الاعتراف ده لولاك يا سيادة المحامي، شكرا على مساعدتك
هزّ خالد رأسه نافيا وقال بجديّة:
_ المفروض أنا اللي اشكرك على ثقتك فيا
عودة إلى الوراء قبل عشرين يوما،
في قسم الشرطة تحديدا بمكتب حسام، وقف خالد عن الكرسي هاتفا باستنكار:
_ ياريت تفهّمني يا حضرة الظابط، إنت تهمك الحقيقة ولا الكلام اللي عـــالورق؟!
أجابه حسام بينما يريح ظهره على الكرسي ببرود:
_ بعد ما الهانم اعترفت، آخد إيه أكتر من كدة؟!
أصاب الاحتقان معالمه بعد ما رأى من رد فعل حسام الجليدي، فأردف بنبرة يحاول جعلها طبيعية:
_ عملت كدة مجبرة لإنها عارفة اني ماقتلتش
ثم استرسل موضحا:
_ وتقدر تروح لمستشفى ... الخاصة وتتأكد بنفسك من إن توفيق الساعي هيعمل عملية لبنته معدية ال400 ألف جنيه
وعلى الرغم من كونه أراد إغلاق هذا الملف واتخاذ الإجراءات اللازمة قبل محاكمة سارة، ولكن ذكْر خالد لهذا الأمر جعله يفكر مرتين قبل الإقدام على أي خطوة، ولا يمكن الاكتفاء بالكلام بل إن الفعل الأهم، فقد ذهب حسام بالفعل إلى المشفى المذكور للتأكد من ذلك، وقد كانت الحقيقة حيث وجد اسم "هناء توفيق عيسى" مدوّنا بقسم جراحة القلب، سار نحو غرفة العمليات حتى وجد توفيق الجالس أرضا باكيا والألم يكسو صوته بينما يصرخ من جراح الندم متألما، اقترب منه حتى صار لا يفصلهما متر ليسمعه يصيح منتحبا:
_ آااااه يا هناء، موتي وسيبتيني لوحدي، أنا ليا مين بعدك يا حبيبتي؟! آاااه روحتك وجعاني من دلوقتي يا بنتي، سيبتيني ليه؟ ليـــه؟!
ثم عاد إلى نوبة بكائه المتواصلة والدمع الغير منتهي، دون أن تهتزّ شعرة لحسام من رؤية هذا المتألم حيث نطق والغضب يعتلي نبرته:
_ إسأل نفسك عملت إيه فــ حياتك عشان ربنا يعاقبك فــ بنتك
رفع توفيق رأسه لينظر إلى مصدر الصوت فيجد ضابطا شابا ينحني قليلا حتى يستطيع إيصال صوته مكملا بحنق:
_ الرشوة تمنها غالي يا عم توفيق، ربنا يسامحك ويرحم بنتك
ثم غادر المكان سريعا تاركا توفيق الذي عاد إلى وصلة البكاء على الفراق المختلط بمرارة الحسرة والندم، فحين حاول إعفاء عزيزته الصغيرة من المرض الذي لحق بقلبها وأجرى ما يجب فعله خوفا على ضياعها بهذا السن الصغير، فقدها ولم ينعم ببقائها كما اعتقد، وكم هو مؤلم فراق العزيز خاصة وإن كنت السبب بذلك
_ تقدر تمشِّي الموضوع بسهولة يا ابن سيادة اللوا
أردف بها خالد ببساطة لينطق حسام بضيق:
_ سيادة اللوا مش هيساعدني لو في غلط عملته
عاد خالد يقول بنفس البساطة:
_ بس انت ابنه عــالأقل هيقدّر
هتف حسام من بين أسنانه مستنكرا:
_ إنت عايزني أهرّب سجينة من عندي؟! إنت مجنون؟!
لم يرفّ له جفن وإنما تحدث مبررا موقفه ببعض الصرامة:
_ أنا بقولك انهم هيترعبوا لو عرفوا انها هربت لإن ده هيحطهم فــ دايرة الاتهام، أرجوك ساعدني ده لو انت فعلا بتدور على العدالة، بدل ماعملها انا بنفسي وساعتها مش هتعرف أنا هاخد سارة فين؟
ابتسم حسام من جانب ثغره قائلا بتعجب:
_ بتهددني فــ مكتبي
وقف خالد عن مجلسه ثم أردف بصمود:
_ مش تهديد، بس انا بخرّج حبيبتي من المصيبة دي ومش هستسلم ولو على جثتي
وقد كان لإصرار خالد على موقفه الجانب الأكبر من اهتمامه، حيث وضع إنقاذ بريئة وزجّ القتلة خلف القضبان نصب عينيه، كما أن الترقية لن تأتي قبل ميعادها طالما حلّ القضية بهذا الشكل الاعتيادي، إنها مغامرة لكن تستحق، ويكفي أن الأمر سيكون بعلمه وملاذ هروبهما لن يخرج عن مجال معرفته، وبالفعل بَقِيَ خالد وسارة تحت عينيه بذات العنوان الذي ذكره خالد دون تغيير بالخطة
وحين شعر بالقلق يتسلّل إلى عقله بعد مرور سبعة أيام دون جديد يذكر ولم يُقدِم هذان على أيّ فعل قد يوقعهما بشر أعمالهما أتاه شريف ليزيد من حيرته مع أوراق من معمل التحاليل بينما يقول بجدية:
_ أهو دليل تاني يا سيادة النقيب عشان تصدق ان خالد على حق وتبطل تشكّ انك غلطت
سلّط عينيه بالأوراق للحظات قبل أن يعود إلى شريف هاتفا بعدم فهم:
_ إنت جبت الورق ده ازاي؟
أجابه ببساطة:
_ هما بيتعاملوا مع نفس مركز التحاليل بتاع زميلي محمد، وكان من السهل جدا نجيب بياناتهم
ثم أردف وهو ينظر إلى الأوراق باستحقار:
_ الهانم مش حامل من أدهم والدليل ان أدهم عقيم مايقدرش يخلف أبدا
ثم أكمل بنصف عين:
_ وده معناه انهم عايزين الورث عن طريق ابن الحرام ده
نطق حسام بغضب مكتوم يخفي بداخله علامة استفهام:
_ الاتنين دول بقت كل الأدلة ضدهم لكن مش عارف ازاي أعرف أدينهم، شهادة توفيق ما تنفعش دلوقتي، والتحاليل اللي انت جايبها ممكن تحرم ابنهم من الميراث لكن مش هتساعد سارة، ده حتى لو قدمت التحاليل أنا اخد فيها مُجَازاة لإنه إجراء من غير إذن النيابة؟!
تحدث شريف بشئ من الاطمئنان:
_ يبقى محتاجين يعترفوا بنفسهم، وعشان كدة لازم تصبر على خالد شوية
أمسك خالد الهاتف على أذنه بينما يهتف بنزق:
_ مصيبة المكافأة دي ماعملتلهاش حساب خالص!
أجابه حسام ببساطة:
_ المهم انك ما بتخرجش من الشقة يا خالد
تكلم خالد بقلة حيلة:
_ بس هييجي عليا وقت واخرج أكيد
لمعت عينا حسام بفكرة جديدة في التّو واللحظة ليسرع بإنقاذ الموقف من شظايا التوتر قائلا:
_ طب بص، هو في حل يجيب الفار للمصيدة
تحدث خالد متسائلا:
_ واللي هو؟
_ سارة أجهضت بعد ما مضت على ورق الطلاق علطول، صح؟
ضيّق خالد حدقتيه بعدم فهم من ذكر حسام للأمر ليردف بتساؤل يتخلله الاستنكار:
_ ومال ده بيهم؟!
أجابه موضّحا:
_ ده معناه إن عدّتها انتهت مع الطلاق، يبقى عادي تتجوزوا
هتف خالد من بين أسنانه مستهجنا:
_ أفــــندم؟!
زمّ حسام شفتيه ثم زفر بضيق قبل أن يقول بنبرة حادّة:
_ بص يا خالد مافيش حل غير كدة، وافق انكوا تتجوزوا، لإن دي الطريقة الوحيدة اللي تجيبهم على ملا وشهم
نطق خالد بحزن:
_ بس بس سارة مش مستعدة لحاجة زي كدة
أجابه حسام بشئ من القسوة:
_ يا خالد اقنعها، مش وقت استعداد أو لأ! وبعدين خُد بالك ان لو هروبها فضل كتير هيحكموا عليها غيابي
أسرع خالد يقول بإصرار:
_ لا يا حضرة الظابط، مش هعمل كدة إلا اما سارة توافق، سلام
في صباح اليوم التالي، أخذ يرقب سما بصمت بينما تُنهي المكالمة مع خالد وسارة عن طريق هاتفه حيث ناولته إياه قائلة بابتسامة يسكنها الاعتذار:
_ معلش يا حضرة الظابط، خدت وقت في المكالمة
أجابه ببساطة:
_ لا ولا يهمك يا مدام
ثم استطرد يقول بشئ من التوتر:
_ ممكن اسألك سؤال
_ اتفضل
قالتها بخفة ليبتلع ريقه بهدوء بينما يفكر في التقاط الكلمات المناسبة لإخراج ما بجعبته دون خطأ في سؤاله الحساس هذا حيث يقول بتردد:
_ في الحقيقة أول مرة أشوف واحدة بتدعم طليقها وبتأمره يتجوز تاني بالبساطة دي!
ثبّتت خضراوتيها بسوداوتيه ليسرع موضحا بتلعثم:
_ أ أنا مش قــ قصدي أتــدخل فــ حاجة زي كدة بس....
أكملت عنه بنبرة جديّة:
_ أنا فاهمة قصدك يا حضرة الظابط
ثم استطردت تقول مبررة موقفها الغامض الغير شائع:
_ بس سارة وخالد حقيقي عانوا كتير، أنا اللي طلبت الطلاق عشان يرجعوا لبعض، ولما كلمت خالد دلوقتي حسيت انه حزين وفي حاجة موقفاه عن اللي نفسه فيه، ويستحيل يكون السبب خوفه من أحمد وسهى لإن دول مش هيمنعوه من سارة، المصيبة فــ سارة نفسها، هي فاكرة إنها لو اتجوزت خالد يبقى ده معناه إني هكون زعلانة، لكن لأ أنا مش عايزة أكون عائق قصاد حبهم، كفاية كدة فراق!
التفتت إليه لتجده يسلط بصره بها وفي عقله يتساءل عن احتمال وجود فتاة بهذا العالم مثلها قادرة على التضحية بهذه الطريقة العجيبة، براءة تكسو معالمها حتى تظنها هشّة كالريشة ولكن حين الدخول بأعماقها تجد صلابة غير معهودة تتصرف بها هذه الغامضة دون إبداء حزنها أمام أحد، أجل فرغم جهدها للإسرار بألمها لفراق حبيبها إلا أنه استطاع تمييز ذلك في نبرتها الجامدة ظاهريا، أفاق من شروده بشخصها مع صوتها حين أردفت بشئ من الرجاء:
_ خليك واثق في خالد وان شاء الله هتقبضوا عليهم
تمتم بخفوت يوافقها:
_ إن شاء الله
وقبل أن يشرد من جديد بحكايات ترويها عيناها الآسرتان أسرع يتحدث بجديّة مغيرا مجرى الحديث:
_ خليكي هنا في الفندق وبلاش تخرجي من أوضتك خالص وان شاء الله مش هيوصلولك، وكل فترة هاجي اطمن عليكي
تكلّمت بشئ من الامتنان:
_ أشكرك جدا يا حضرة الظابط
_ لا شكر على واجب
قالها بينما يضع الهاتف بجيبه وقبل أن يستدير عاد يلتفت إليها قائلا:
_ وماتنسيش بلاش تتّصلي بخالد أو سارة تاني لإن تليفونك في الغالب متراقب
ثم استرسل موضحا:
_ أصل الاتصال من تليفوني كان سهل عشان ماحدش بيراقب رقمي، وأحمد مش هييجي على باله اني بتواصل مع خالد
_ تمام، ربنا يوفقك
وعلى الجانب الآخر انقطع الاتصال بعد كلمتها مباشرة بينما يحدق هذان ببعضهما دون الشعور بما حولهما، وكأن العيون التَقَتا وأبحرتا معا إلى عالم آخر لا يعرفه غيرهما، عالم آخر خاص بهما فقط! ابتسامة مبتهجة ارتسمت على ثغر خالد بينما تفضح عيناه ما يود قوله هذه المرة، بينما يعتلي الخوف والقلق عينيْ سارة التي لا تصدق أن الظروف كلها قد تجتمع معا لصالحها هذه المرة! فلقد نالت من العذاب ما يجعلها معتادة على وجع الفراق والرضا بنصيبها بمنأى عن عاشقها المغوار، رضيت جيدا بما انطبق عليها من حدوثه لأجل بقاء معشوقها حيّا، رضيت ولكن أبى هو الاستسلام، وللطريق المحفوف بالمخاطر قَبِلَ المواجهة، وإن كان أعزلا يفقد السلطة فإن بقائها معه يكفيه وزيادة، ولو ذاق من الحب ساعة فإن ذلك كافيا ليموت بهناء، وإن مات فدائها فهو أقصى ما يشاء، المهم أن تكون معه، بين أحضانه، تغرق ببحور عشقه اللامتناهي
أرادت الانسحاب من أسرِ نظراته العاشقة، ولكن لم تستطع حيث أمسك بيدها مانعا إياها من الهروب كي تواجه عشقه بنظراتها الصامدة، أردف خالد بحنو:
_ أنا بحبك يا سارة، وإن ماكنتش ليكي مش هكون لغيرك
أخفضت نظراتها مع صوتها الباكي قائلة:
_ خايفة يا خالد
جذبها بقوة حتى انتقلت إلى أحضانه فيحتويها بين ذراعيه لتدفن وجهها بصدره هاربة من قسوة الظروف التي تمنعها بينما يطبع خالد قبلة رقيقة على رأسها ثم يقول بنبرة مشجعة:
_ خليكي معايا، وماتخافيش من حاجة
ابتعدت عنه قائلة بخوف:
_ توعدني هنكون بخير؟
أماء برأسه مع ابتسامة عريضة تزيّن وجهه بينما يخرج من جيبه الخاتم الذهبي الذي لقِيَه بالحقيبة ذلك اليوم وألبسه ببنصرها الأيمن تحت نظراتها الخائفة، عاد ينظر إليها قائلا بوَلَهْ:
_ أوعدك
_ بالرفاء والبنين إن شاء الله
نطق بها المأذون بينما يرفع المنديل الأبيض عن يديْ خالد وسارة المتشابكتين، لتبعد سارة يدها والخجل يكسو معالمها كعروس بكر لم يسبق لها التجربة، أما خالد فقد قال بابتسامة عريضة تكلّل شفتيه:
_ شكرا يا سيدنا
التقط شريف بطاقته من فوق الطاولة قائلا:
_ ألف مبروك يا خالد
بادله التهنئة بذات الابتسامة:
_ الله يبارك فيك يا شريف
وبعد مرور عشر دقائق تكلم حسام بنبرة ذات مغزى:
_ طب احنا هنستأذن عشان نسيب العرسان
نطق خالد متفهّما:
_ تمام، شكرا يا جماعة
وانسحب ثلاثتهم إلى الخارج حيث نطق شريف قبل خروجه:
_ ربنا يسعدكم
نطق خالد مع ابتسامة:
_ تسلم يا صاحبي
وما أن انغلق الباب حتى التفت حسام إلى شريف قائلا بشئ من العرفان:
_ شكرا لمساعدتك يا دكتور
_ العفو على إيه يا حضرة الظابط؟ خالد ده أخويا وإني أشهد في جوازته حاجة تفرحني
ربت حسام على كتفه قائلا برضا:
_ ربنا يوفقك
_ ويساعدك في المهمة
أردف بها ثم انصرف ينزل الدرج تاركا حسام مع المأذون منفردَين حيث التفت إليه الأول قائلا بشئ من التحذير:
_ زي ما قلت لك يا شيخ، هتتكلم بكل برود وتعرفهم الجوازة والعنوان وتاخد الفلوس وتمشي
التفت إليه صابر قائلا بطاعة:
_ ماشي يابني، طالما حاجة في صالح الولاد هعملها
ثم رفع سبابته رامقا حسام بنظرات ثاقبة بينما يقول:
_ بس احلف انهم هيبقوا بخير والظلمة دول مش هيأذوهم!
نطق حسام بثقة تعكس اهتزازا:
_ بأمر الله مش هيحصل حاجة، دعواتك بالتوفيق
نطق بتضرع:
_ ربنا يكرمكم ويوفقكم ويرد كيدهم في نحورهم يارب
نعود إلى الوقت الحاضر وبذات الشقة التي تم فيها الاقتحام والاعتقال، ابتسم حسام بسعادة بينما يقول براحة:
_ دي كانت أول مرة أجازف فــ قضية والحمد لله ماخسرتش كتير!
أجابه خالد شاكرا:
_ وانا أحمد ربنا على واحد زيك فهمني وسمع مني، ربنا يكرمك
ربت على منكبه مبادلا:
_ ويوفقك يا صاحبي، بالتوفيق
ثم وضع المسدس بحزامه والتفت إلى الباب كي يخرج فيغلق خالد الباب، ثم عاد ببصره إلى الغرفة حيث ذهبت سارة، مشى حتى فتح الباب ليجدها جالسة على السرير واجمة لا تحرك ساكنا، شاردة إلى الحد الذي جعلها لم تشعر بدخوله، تقدّم منها ليجدها تبكي في صمت، تذرف العبرات دون صوت، أمسك بكفّها يحتويه بين أنامله لتشعر بلمسته الحنونة فتفيق من عالمها المؤلم بينما تنظر إليه قائلة بشكوى:
_ الشياطين دول قتلوا ابني يا خالد!!
جذبها من يدها لتقف مقابله بينما يقول بغضب مكتوم:
_ أديكي قلتي يا سارة، شياطين!
ثم ترك يدها واحتضن وجهها بين راحتيه واقترب منها حتى قبّل خدّها برقّة ليبتعد عنها فيجدها ترمقه بتعجب بينما يسلّط عينيه بخاصتيها قائلا بجديّة:
_ وانا دلوقتي موجود عشان انسيكي كل اللي عملوه
ثم استرسل مكملا:
_ بصي في عنيا
ثم عاد يقرّب وجهها منه حتى تلاقت أنفاسه المضطربة مع أنفاسها اللاهثة فيكمل بدفء:
_ وشوفي أنا بحبك قد إيه من عنيا، عيشي جوايا وانسي الدنيا من حولينا يا سارة، إنتي ليا وبس
وكانت تلك الأخيرة بمثابة الفرمان الأخير الذي دفعه لتقبيل كل أنش بوجهها ابتداء من رأسها لمواساتها، ومرورا بوجنتيها لإعلامها بكونها الوحيدة بقلبه، ووصولا بشفتيها حيث أخذهما بقبلة شغوفة تنمّ عن عشقه الجارف لها، وبالفعل استكانت مع جرعاته المتلهّفة من الغرام، شعرت بدفء أحضانه واحتواء لمساته فتركت لقلبها العنان بإفراغ شحناتها من عشقها المُكبّل لسنوات، كعروس جديدة لم يسبق لها الزواج، كعذراء يُخالجها الحياء، فقد ذاقت قبلا الاتصال الجسديّ ولم تحصل قبل الليلة على ذاك الروحيّ، فقد أصبح الحب سيّد اللقاء بعد الخلاص من موانعه وإعادة الأمور إلى نصابها بعد سنوات من التلوّي بنار العذاب
أسندت حزام حقيبتها على كتفها بينما تردف بسعادة:
_ أنا سعيدة جدا بالأخبار دي يا حضرة الظابط، شابووه على اللي عملته
ابتسم حسام بخفّة لإطرائها الغير مباشر قبل أن يقول ببهجة تخلّلت صوته:
_ شكرا جدا يا مدام
ثم استطرد يقول:
_ دلوقتي تقدري ترجعي للفيلا من تاني
خفتت ابتسامتها تدريجيا لتقول بصوت خامل ينبئ عن الحزن:
_ لا ما خلاص أنا هعرضها للبيع
جعّد حاجبيه متعجبا بينما ينطق بهدوء يخفي بداخله لهفة وخوفا:
_ إيــــــه؟! ليه؟
أكملت بنفس النبرة الحزينة:
_ ومش هو لوحده كمان كل فلوسي في البنك هحولها على لندن
عاد يسألها بنفاذ صبر:
_ ليه؟
ركّزت خضراوتيها على معالمه المتسائلة بينما تقول بألم:
_ عشان ماعادش ليا حياة هنا يا حضرة الظابط
ثم استرسلت مكملة:
_ هرجع لندن واعيش مع خالو هناك وهنسى مصر واعتبر وجودي فيها كان مجرد حلم
أغمض عينيه للحظات كي ينتقي الكلمات المناسبة التي يُسمح التلفّظ بها في موقف كهذا دون إظهار ما يكن قلبه، فقال بثبات:
_ عارف إنه مش اختصاصي، بس هقولها، خليكي في البلد دي يا مدام، البلد محتاجة قطاع خاص عشان الشباب وأكيد مساهمتك هيبقى فيها مساعدة كبيرة لشباب كتير هيقعوا في البطالة
ثم أمسك بمقبض الحقيبة الكبيرة التي تحوي أغراضها وأكمل:
_ فكري فــ كلامي وربنا يوفقك
ثم سبقها إلى الباب ليتناول العامل الحقيبة من عند الباب بينما تبعته هي مترقبة ظهره وعقلها يراجع ما قال من كلمات مُختصرة تدل وبوضوح عن أهمية بقائها هنا، أجل فمصر تحتاج إلى فرص تغطّي حاجة العدد الهائل من الشباب المُقبِل على العمل، وبيدها تلك الفرصة حيث تستطيع عن طريق رأس المال الذي تمتلكه أن تسهم بإسقاط البطالة عن الآلاف من الشباب، "البطالة" كلمة قليلة الحروف، مشكلة شديدة التعقيد، أزمة أسهم في دراستها المئات من الباحثين للوصول إلى حلها، ولكن لا زالت مطروحة على الساحة دون جديد!
تململت في الفراش بحركات متكاسلة بينما تفتح عينيها ببطء لاستقبال أشعة الشمس النافذة إلى الغرفة بعد ساعات متواصلة من الظلام الكامن بالنعاس، حاولت أن تتحرك ولكن كبّلها ذراعا خالد الملتفّان حولها من الخلف والأمام، التفتت برأسها إلى الأعلى قليلا لتجده مستيقظا يرمقها بحب بينما يقول بنبرة هائمة:
_ صباح الفل
بادلته بابتسامة هادئة تحمل من ألوان السعادة الكثير بينما تجيبه برقة:
_ صباح النووور
نظراته لم تنحَ إلى اتجاه آخر وإنما ظلّ مسلطا عينيه بكل أنش بوجهها وكأنه يحفظ قسماته، يريد ملء شغفه برؤيتها وابتسامة عريضة تكلّل ثغره ولولا بقائها بين أحضانه لما صدق بأنه استطاع أخيرا الحصول عليها وامتلاكها، في ظروف عجيبة لم تكن بالحسبان استطاع احتوائها لتعود إلى مملكته من جديد، أخفضت بصرها من نظراته بينما تقول بخجل:
_ بتبصلي كدة ليه؟
أباح بمكنون قلبه دون خوف بنبرة حالمة:
_ كنت فاكر اني بحلم حلم جميـــل أوي، بس لما صحيت لقيتك فــ حضني واتأكدت انك حقيقة
أجابته بشئ من عدم التصديق:
_ أنا كمان مش قادرة اتصور ان كل ده انتهى ورجعنا تاني الحمد لله، دي حاجة كنت فاكرة انها أكبر من إني أحلم بيها
جذبها بيسراه حتى اصطدم رأسها بصدره العاري يحتويها بين ذراعيه قائلا:
_ إنسي كل اللي كنتي فاكراه يا سارة، أنا دلوقتي ليكي
ثم ترك لها الحرية للابتعاد قليلا والتقاط الهواء بعيدا عن أنفاسه الحارّة، فظنّت أنها نالت قليلا من الحريّة باستلقائها على ظهرها ورأسها لا يزال مستندا إلى عضده، ولكن باغتها بتقلّبه حتى صار يعلوها فاتسعت عيناها بقوة وهي ترمقه بنظرات متوترة، صدرها يعلو ويهبط من فرط توترها من فعلته القادمة، لا تعلم لمَ هذا الخوف الذي يكتسحها وكأنها للمرة الأولى تختبر قرْب رجل بهذه الطريقة؟! ولكن التردّد الذي يعتريها ليس للمسات رجل بحد ذاتها وإنما لنبضات متسارعة تحدثها هذه العضلة الصغيرة بين ضلوعها، ابتسم بحنان بينما ينطق بنبرة هائمة:
_ وانتي ليا
واكتفى بهذا القدر من الكلام وترك مجالا للأفعال بمرمى الساحة حيث أكّد لها كونها لا تحلم وأنهما بالفعل عادا للاتحاد من جديد، والسباحة ببحور الحب اللامتناهي، بدأ الاثنان بخطّ كلمات بأسطورة عشقهما اللذان ظنّا بوقت ما كونه احترق وصار رمادا، ونسيا أن من الرماد وُجِدَت العنقاء ومن رماد العشق المحترق وُلِدَ من جديد بمساعدة القلوب الخافقة، ولْيسمح المرء للقلب بالنبض للحياة لا أن يخفق لمجرد ضخّ الدماء
دخل كل من شريف وأمال والطفلان بمنزل خالد الجديد والذي ابتاعه منذ أسبوع وانتقل إليه مع زوجته سارة، ما أن دلفا عبر الباب الداخلي حتى وجدا خالد وسارة ينتظرانهما بالصالون الرئيسي لتترك أمال طفلتها بيد شريف ثم تسرع بخطوات أقرب إلى الركض في سرعتها حيث ترتمي بحضن صديقتها هاتفة بسعادة:
_ مبارك يا قلبي
بعد مرور برهة من الزمن ابتعدت عنها سارة قائلة بحب:
_ الله يبارك فيكي يا أمال، تسلميلي والله
ما أن جلس أربعتهم حتى قال شريف متسائلا:
_ كدة انتي استلمتي أملاكك كلها يا سارة؟
تولى خالد الإجابة عنها بالإيجاب:
_ وسجلتها في الشهر العقاري باسمها، شركات وعمارات وأراضي
ثم أكملت عنه سارة بشئ من الوجوم:
_ كل حاجة تخص أبويا وأدهم بقيت بتاعتي، وهي نفس الحاجات اللي اتسببت فــ طمع الاتنين دول فينا
رمقتها أمال بنظرات حزينة تعلوها الشفقة وقد استطاعت فهم ما تسبّب بانقلاب معالمها ليتحدث شريف بمواربة:
_ والحمد لله أحمد اتعدم، وسهى مستنية الولادة وهتحصّله، ده غير ان ابنهم هيبقى فــ ملجأ
تحدث خالد مؤيدا:
_ معاك حق يا شريف، مهما الظلم اتوجد، صاحب الحق هو اللي بيضحك في الآخر
تشدّقت أمال بتعجب:
_ سارة ما كانتش عايزة لا حق ولا باطل، ده كان كل حلمها تعيش معاك وبس، وهما استكتروا عليها الحلم ده
شدّ من احتضان زوجته لتتسلّل الابتسامة إلى ثغرها تلقائيا بينما يقول هو بفرحة:
_ واهي في الآخر أخدت كل حاجة، حلم اننا نرجع والأملاك الكتير اللي لا تهمني ولا تهمها ومش عايزها تصرف منهم حاجة لإنها تحت عصمتي أنا ومسؤولة مني أنا
