اخر الروايات

رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل السابع عشر 17 والاخير بقلم اسراء الوزير

رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل السابع عشر 17 والاخير بقلم اسراء الوزير


الخاتمة:

الحياة عبارة عن دروب ننتقل بينها الواحد تلو الآخر، ولا يعبر المرء بها كلها وإنما بالمقدر له اختباره، فهي بمثابة مراحل يمر بها لا مفر منها، بكل مرحلة يكتشف شيئا جديدا ويتعلم من أخطاء المرحلة السابقة حتى لا يكررها، ولا يخلو الإنسان من الأخطاء، ولكن مراحل حياته جمعاء تشترك في أمر واحد وهو العثور على النجاح، أيا كان نوعه (مهني أو نفسي أو عاطفي) فالرجل الذي يبذل قصارى جهده لكي يرتقي بمستوى معيشته يعد ناجحا، والمرأة التي تقوم بكل ما يلزم لاستقرار علاقتها الزوجية وتأسيس صغارها على النهج القويم تعد ناجحة، والإنسان الذي يحاول بكل ما أوتي من قوة للوصول إلى أعلى درجات الرضا والاستقرار النفسي يعد ناجحا أيضا، المهم هو أن تكون ناجحا في كل مرحلة تخطوها وتخرج منها راضيا وتتفادى أخطائها في المرحلة التالية

تناولت بيسراها وسام التقدير من بين أنامل الوزير ثم صافحته بيمناها شاكرة وعادت إلى مقعدها من جديد تحت ضجّة التصفيق الذي علا لاستلام إحدى سيدات الأعمال جائزة لسعْيها الجادّ في شغل أكبر عدد ممكن من الشباب للعمل والتقليل من البطالة، أخذت تتأمل جائزتها وعيناها تشعّان بالبهجة والسعادة كما شفتاها المنفرجتان من شدة الفرح حتى سمعت صوت همس قريب لأذنها يقول صاحبه:
_ مبارك الجايزة يا مدام
ازداد انفراج شفتيها بعد أن استطاعت جيدا تمييز صاحب التهنئة من نبرة صوته المختلفة، التفّت برأسها نصف دورة لتطالع وجه حسام والسعادة تغلّف محياها حيث تقول بثقة:
_ كنت عارفة انك مش هتفوّت مناسبة زي كدة، فرحانة بوجودك النهاردة
اعتدل في وقفته ثم احتلّ المقعد المجاور لها قائلا:
_ أنا اللي فرحان أكتر
عادت تبتسم من جديد ولم تجد كلمة أخرى تتفوّه بها فآثرت الصمت والانتباه إلى التكريم، ليباغتها هذا بانحنائه قليلا حتى قرّب شفتيه من أذنها ثم تمتم هامسا بشئ من التساؤل:
_ ها لسة ما فكرتيش؟!
أغمضت عينيها بإرهاق يخالطه الضجر حيث تجمّدت معالمها وهي تعود ببصرها إليه مردفة بتعجب:
_ إنت مابتستسلمش؟!
ابتعد عنها ثم قال بشئ من الخيلاء:
_ عيب يا مدام بعد معرفة سنة كاملة وماتعرفيش طبعي؟! طب حتى اكرمي البدلة الميري اللي لابسها!
أجابته بقتامة:
_ يا سيدي انا آسفة
شعر بالخطر من نبرتها الحادّة ليعود ممسكا بيدها وهو يقول:
_ لا لا يا ستي أنا آسف، بس اقبلي بقى والله ما هتندمي
نظرت إلى الجهتين وكأنها تقلّب الفكرة بعقلها حتى التفتت إليه قائلة بمداعبة:
_ متأكد!
أسرع يجيبها بثقة:
_ طبعا
_ وإن حصل العكس؟
أردفت بها بلؤم ليتحدث ضاحكا:
_ يا ماما عيلتنا كلها رُتَب، يعني قولي انك زعلانة مني وهيعلنوا عليا الحرب
رغما عنها ابتسمت من طريقته الفكاهية في الإجابات والتي دوما ما تُعجبها به، فأردف مستنتجا:
_ ضحكتي يبقى موافقة؟
هزّت رأسها نفيا بينما تقول رافضة:
_ ماقلتش كدة
أجابها بلهفة:
_ بس انا قلت يا ستي، عديها بقى
خافت من تكرار التجربة للمرة الثانية بعد إخفاقها مع خالد ففضّلت الابتعاد والدخول بمجال إدارة مستوطنتها الصغيرة للنسيج، وذلك بعد أن اقترح حسام ذلك لتجدها فكرة سديدة في النهاية، فها هي يتم تكريمها بعد عامين من الولوج في هذا المجال الذي لم تظنّ يوما أن تجد مكانا فيه
وعلى الرغم من كون حسام لم يسبق له الزواج من قبل إلا أنه لا يجد مشكلة في الزواج من مطلقة يعلم جيدا ظروف طلاقها وسبب إصرارها على ذلك، حاولت جاهدة نفض الفكرة عن رأسها ولكن كان لتصميم حسام رأي آخر، أحبها وتعلّق بها وما عاد يرى غيرها، وكل أفراد عائلته يدعمونه بقراره أيّا كان طالما سيختار من آنست قلبه واستطاعت التأثير فيه، فكان وجوده بالنسبة لها فرصة ثانية لاختبار الحب من جديد، ومرحلة جديدة من حياتها، ووجودها بالنسبة إليه بمثابة راحة لقلبه يسعد بها

أعاد الملعقة الممتلئة ببعض حبات الأرز إلى مكانها بالطبق بينما يقول بنبرة محتجّة:
_ مش راضية تاكلي لقمة على بعضها، يا سارة مش هينفع كدة، حاولي تقسي على نفسك
ظلّت على حالها تكمّم أنفها وفمها بيدها بينما تقول بنبرة إعياء يملؤها التقزز:
_ مش قادرة يا خالد، أرجوك ابعد عني الأكل، مش طايقة ريحته
أمسك بيدها ثم جذبها قائلا ببساطة:
_ طيب تعالي البلكونة وشمّي شوية هوا
أطاعته بأن وقفت وسارت مُستندة بعض الشئ إليه حيث صارت ضعيفة هزيلة إثر الإضراب عن الطعام الذي سبّبه جنينها الصغير، يفتعل أقل مشكلة لطرد الطعام من المعدة حتى ما عادت تقوى على المساس بالطعام والغثيان يلازمها، جعلها تجلس على الأريكة المصنوعة من القشّ المتين ثم عاد إلى الداخل وأتى ومعه غطاء صغير من الصوف، بَسَطَه على جسدها تحت مرأى منها ثم أردف بدفء:
_ عشان ماتبرديش
ثم جلس إلى جانبها وبسط ذراعه إلى كتفها بينما يربت على عضدها برقة قائلا:
_ هطلب الدكتور وهتعلقي محاليل
ابتعدت عنه ليرى عينيها المتسعتين بعدم رضا ليفهم على الفور مغزى نظراتها فيقول مبررا:
_ معلش يا قلبي لحد بس ما تنتهي الشهور الأولى عشان صعبان عليا ضعفك بالشكل ده
تنهدت بخفوت ثم أسندت رأسها إلى كتفه وقالت بوهن:
_ مافيش مشكلة يا خالد، أستحمل أي حاجة عشان ابننا
شدّ من احتضانها قائلا بسعادة:
_ حبيبة قلب خالد
ابتسمت بهدوء وشعور السلام الداخلي يحتلها مع سكناها بين أحضان خالد واحتوائه الرقيق لها، البهجة والسعادة صارا عنوانا لمعالمها بعد أن استقرت بقلب خالد ولم ولن تخرج منه ثانية، فقد مرّ عامان منذ اتحادهما، عامان من العشق المتواصل دون انقطاع، عامان من الاهتمام بها وإبقائها في مقدمة أولوياته، عامان صبر فيهما خالد على تأخر الإنجاب لديها بسبب إجهاضها مرتين، وكلما شعرت بالانزعاج من الأمر كان يُهدّئها ويؤكد لها بأن سيكون كل شئ على ما يرام، لم تكن متحمسة قبل لفكرة الإنجاب وذلك لوجود أب عقيم الفكر والحنان، لم يكن ليعطي ابنه شيئا من الحب والاهتمام، أما خالد فهو الذي تمنّت بحق أن تحمَل منه نُطفة برحمها ويتذوقا فرحة انتظار مولودهما الصغير، أخذ الأمر بعض الوقت حتى نال رحمها القوّة لحفظ جنين بداخله، وهما الآن على أهبّة الاستعداد للقائه
_ يا ترى لسة فاكر أول مرة شفتني فيها؟!
أردفت بها بتساؤل مُداعبة ليبعدها عنه ثم يقول مع ابتسامة واسعة تُغَلِّف فمه:
_ يااااه ده يوم ما يتنسيش، لقيت فيه بطلة بمية (بــ100) راجل
أجابته بحب:
_ وانا لقيت فيه شهم خطف قلبي من قبل ماشوفه!
نطق مؤيّدا:
_ كل تفصيلة صغيرة حصلت في ال7 سنين دول ما ننساهاش يا سارة، كل حاجة حصلت محفوظة
ثم التفت إلى قرص الشمس البرتقالي الذي اختفى ثلثه مع الغروب، وأكمل متسائلا:
_ فاكرة لما قلت لك هنحكي قصة حبنا لولادنا في الغروب؟
أجابته بإيماءة من رأسها مع ضحكة بهيجة تزيّن محياها وقد لاح هذا المشهد إلى ذاكرتها ليمسك برأسها ويريحها إلى كتفه من جديد قائلا:
_ يالا هنبدأ الحدوتة
تشدّقت باستنكار:
_ بس لسة ابننا ماتولدش!
أجابها بتلقائية
_ أحكي له من قبل ما يتولد، هو انا ورايا غيره
صمتت ولم تُزِد كلمة أخرى وقد أعجبها كونه سيروي عن قصة حبهما من الآن، أخذ يمسّد بطنها برقّة بينما يقترب بوجهه قائلا:
_ اسمع يا حبيب بابا، كان في زمان بنت جميلة طيبة اسمها سارة
واعتدل برأسه دون أن يزيح يده بينما يحدّق بقرص الشمس مكملا قصة عشقهما بالتفصيل دون كلل، يبدأ بابتسامة رواية القصة مع بعض الشجن في منتصفها ويختتمها بابتسامة من جديد، وهي ساكنة مطمئنة تستمع له والراحة تغلّف معالمها المُنهَكة بسبب الحمل، فالحب شعور رائع يسكن بالقلب دون اتّخاذ قرار بالخروج، الحب هو أجمل ما يحسّه الإنسان ويستمر معه طيلة حياته حتى وإن كان ممزوجا ببعض الألم، فمن منّا لا يشكو من الألم؟ إنها سنة الحياة، ولقد خلق الله الإنسان في كَبَد حتى يتعلم السّعي المتواصل ويتذكّر قدرة الله عليه، وقد قام خالد بما يلزم لتخليص سارة من هذا الفخّ وفضح الظالمين وبالفعل صار ما أراد وما عاد يرى سوى محبوبته التي كان يدعو لأعوام أن تبقى ملكه، وبقدر ما نفر منها لفترة بسبب إنقاذه إلا أنه عاد يعشقها بأضعاف ما كان في السابق بعد أن اتضحت الرؤية، فكان العشق طاهرا لولا أن لوّثه الأوغاد، ولكن عاد لينتقم ويعود غانما بمعشوقته
أسأل الله أن تتذوق كل فتاة لذة العشق الحقيقية والتي ليست بالضرورة أن يتم التعبير عنها بالكلمات بل يكفي اهتمام الطرف الآخر وحرصه على بقائها إلى جانبه، إنه الغرام الحقيقي، إنه العاشق الحقيقي

تمت بحمد الله

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close