📁 آخر الروايات

رواية الغضب الاسود الفصل السادس عشر 16 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية الغضب الاسود الفصل السادس عشر 16 بقلم الكاتبة كوين اسمهان


الفصل 16|دُنيا أحضانه


                                              
بلغ الإنهاكُ بماريغولد سقف احتمالها، شعرت بالألم يستيقظ بجراح ذراعيها، و بظهرها بنشق نصفين، و بساقيها خائرتين تعجزان عن حملها هي و الطفل أكثر، لم تتمكن بعد ركض طويل من الإتيان بخطوة أخرى، ظنت أنهت نجت من ذلك المجرم، لكنه استعاد وعيه، و ها هو في أثرهما يصرخ باحثا عنهما بجنون، سقطت على ركبتيها، أنزلت لِيو بحذر، و مددته برفق على الأرض، هاجمت قلبها رعشات قوية، كانت فوق رأسها مظلَّة واسعة شكلتها أفنان شجرة الهاكايا المدبَّبَّة، عانقت ماريغولد الصغير النائم بحزن، و تنهدت كأنها تحشد كل تعب يسكنها في زفرة واحدة، رافعة نظرها نحو أزهار الهاكايا التي تشبه بدبابيسها الرقيقة قنفذا بحريا زهري اللون، ذكرتها بورود بيتها، و دخلت في حالة هذيان، هل هذا دوار أم ماذا؟ لماذا لا تستطيع الوقوف ثانية؟


11


سحبت نفسا عميقا و سبحت متهادية على رنة صوت والدها: «أنتِ قوية مثل الماريغولد، أخذتِ اسم وردة القطيفة، و عليكِ أخذ صفاتها أيضا، إنها تجابه و تنمو بشموخ في أقسى الظروف، هكذا هي القطيفة، و هكذا أنتِ... يا طفلتي ماريغولد! محاربة!»، تردد صوتُ هارولان في أذنيها بعد ذلك: «لقاء هذه الثقة... كوني بطلة الغابة! لا تتركي يده!» سكنت رعشات قلبها، نكفت دموعها متجالدة، هذا ليس ميعاد الاستسلام و النحيب، لا يزال بمقدورها الوقوف في وجه أعتى المخاطر، مسحت على شعر لِيو مقبلة جبينه، و قرَّرت أن تتماسك من أجله، ستحاول، ستقف مرة أخرى و تناضل لحمايته حتى إن كان ذلك على حساب حياتها.

2


بلغها صوت الرجل من جديد يدندنُ مقهقها كأن جرح رأسه الغائر أسكره:

+


"هيا أيتها الساحرة أين السبيل إليكِ! إني أرى الأشجار ترقص... و لكن لا مشكلة! سأجدكما!".

4


في تلك اللحظة، أفاق الطفل من إغمائه متثاقل الأطراف:

+


"لِيو! يا صغيري... كيف تشعر؟ أنت على ما يُرام! أليس كذلك؟".

1


تساءلت هامسة و القلق يأكلها، ثم عانقته و قبلت وجهه بفرح هستيري حين أكدت لها إيماءة رأسه أنه بخير، ليسألها بدوره مجيلا بصره حوله:

2


"كيف وصلنا إلى هنا؟ آخر ما أذكره أن السائق الشرير قبض علينا، هل خسرنا في اللعبة؟".

+


أفزعه فجأة وجود دم على راحة يدها، و كدمة صغيرة تكاد لا تظهر على شفتها السفلية، و تابع مذعورا:

+


"ما هذا؟".

+


"صه! لا تفزع! هذا ليس دمي، كل هذا جزء من التمثيلية، سنخسر إن ارتكبنا أي خطأ، لذا عليك أن تصغي إلي جيدا، و تنفذ ما سأقوله".

2


لم تشأ إثارة رعبه، ابتسمت محاربة دموعها و أشارت عليه بالحديث همسًا:

+


"أولا علينا أن نخفض صوتينا، و نتخاطب بالوشوشة و الإشارات!".

+


اتسعت عينا لِيو عندما تردد صوت المجرم مُدندنًا:

+


"أعيدي إلي فريستي يا محتالة! ملايينُ الدولارات تطير بعيدا عني الآن!".

6



                                      

                
هدأت ماريغولد الطفل بابتسامة مشجعة:

+


"ركز معي صغيري، لا تزال اللعبة سارية المفعول، و لا يزال الرجل الخطير يطاردنا، سأحميك منه، و علي أن تحميني أيضا!".

+


وشوشها حائرا:

+


"لكني لا أملكُ سلاحا لأفعل ذلك، أنا أواجه هانا بواسطة الملاعق التي نعتبرها سيوفنا في لعبة المبارزة، أما هذه... فلعبة غريبة!".

8


"بلى! هناك سلاح".

+


كانت ماريغولد تدرك أنها لن تستطيع الركض و هي تحمل لِيو، كما أنها لن تزجَّ به في دولاب المطاردة هذا، ربما لن يقوى على ذلك أيضا بسبب المخدر الذي لا يزال يؤثر على حركته و تمتماته! و الذي جعلها هي في مثل هذه الحال الخائرة! إذن... ليس أمامها سوى حل وحيد!

+


واصل هارولان بحثه مستعينا بيقظة كلابه المدربة جيدا من اجل ظروف كهذه، و بعد لحظات من القلق و النداء الخائب... التقى بحارسيه في نقطة مشتركة، دون أن يعثر أي منهم على المفقودين، تحكم بغضبه، و ٱستؤنِفَ البحث هذه المرة ضمن مجموعة، كان المطر الذي هطل قبل قليل و توقف إعانة إلاهية، رفع هارولان يده مجمدا حركة رفيقيه، و عيناه تمشطان الطين المطرز بآثار دعسات حديثة العهد، انحنى قائلا:

2


"اتبعوا الآثار! فالأرض دائما تملك الجواب، و تعرف أخبار العابرين!".

8


استمرَّ في تقدمه يتقفى الآثار الموشومة على وجنة الأرض، و قلقه يتزايد، أثارَ الأفكارَ المشؤومة في عقله غيابُ آثارٍ لحذاء طفل كما هو متوقع، فكل ما يتبعونه الآن... فقط شواهد على مرور شخصين بالغين من ذات الطريق، و هذا يدفعه لافتراض الأسوء، لكن... كلا! لن يفقد شعلة أمله الآن! سيدع الندم ينهشه لاحقا على تردده في تصديق حدسه هذا الصباح، أما الآن... عليه أن ينقذهما قبل فوات الأوان!

2


"ٱصمدا قليلاً فقط!".

2


غمغم بذلك، قبل أن يرشده أحد الكلاب إلى بقعة دم خالطت أثر إحدى الدعسات هناك، و صار يتبعه هو و البقية وسط سرداب من النباتات الكثيفة، حتى أن إحدى الأفاعي قفزت نحوه و غرزت أنيابها في كتفه معتقدة أن وكرها في خطر! تراجع هارولان للحظة متفقدا الإصابة، ثم اكتفى بنظرة واحدة نحو الأفعى ليدرك أنها ليست سامة! حتى لو كانت كذلك... لم يكن ليتقهقر و يقفل راجعا إلا و الفتاة و الطفل معه!

14


"سيد كينغ! أنت تنزف!".

+


تجاهل قلق حارسه، و انشغل بالبحث عن كلبه الذي كان يركض أمامه بجنون، كأن الرياح التي لم تهدأ، حملت له عطرًا ما، لا! لا يمكن أن يفقد أثر الكلب! صرخ بتابعيه ساخطا:

+


"انسيا أمري! إنها ليست سامة! يجب أن نسرع! أي ثانية نضيعها تضعهما في فوهة الخطر أكثر!".

6


هدر فجأة صوتٌ لاعن جعل الكل يثبت مكانه:

+


"ملاييني طارت...! فتاة لعينة! لن ينفعكِ الاختباء هل تدركين ذلك؟ سأجدكِ عاجلاً أم آجلاً! و سألهو بكِ قبل أن أشوِّه وجهكِ الجميل و ٱلقيكِ إلى الضباع لتكمل عني!".

24



        
          

                
اهتزَّ صدر هارولان بزفرة حادة، سيلهو بمن هذا الوغد؟ شعر أنه على وشك الانفجار، أرسل الحارسين و الكلاب صوب الصوت، و واصل بحثه في الطرف الآخر بمفرده، كانت ماريغولد تسمع جنون المجرم يتردد بعيدا، و تصلها خطواته في ذات الوقت بوضوح، هل هو بهذا القرب منها؟ هبَّت الرياح بعنف، فسقط جذع قوي على ذراعها، مما جعلها تشعر بألم فضيع لا يطاق يحفر عظامها، حاولت جاهدة ألا تصرخ، فأبسط أنين قد يفضح مكانها، و الأسوء من ذلك سيفضح مخبأ الطفل! بعد الضجة التي سببها سقوط الجذع... أخذت الخطوات تقترب منها أكثر، أرسلت نظرها نحو الحفرة التي أخفت فيها لِيو، و لم تمنع تواتر أفكارها من الجيد أنها فرشت فوقه ستارا أغصان و أوراق عريضة تخفيه، لكن يا تُرى هل هو آمن تماما هناك؟

7


"طوال بقائك هنا لا تتحرك، و لا تصدر أي صوت، سلاحك الذي ستحميني به هو... الصمت!".

1


كان هذا ما همست به في أذنه قبل أن تنفذ خطتها، أصبحت الخطوات أقرب، التقطت بصعوبة الجذع الثقيل، استجمعت كل قوتها و شجاعتها، و نوت أن تسدد به ضربة قاضية للمجرم، لكن اليد التي امتدت و أوقفتها على حين غرة لم تكن سوى... يد هارولان كينغ، ركل الجذع بعيدا بعدما انزلق من يدها، و راقب بعينين متفحصتين سقوط ذراعيها المعذبتين إلى جانبيها، لم يجد أي منهما شيئا يُقال، لمحت ماريغولد في أغوار عينيه لذة العثور على الضوء بعد عتمة طويلة، أما هي فكانت تتلمس داخلها شعور الغِبطة لرؤيته هو بالذات! همست بعياء مهلك تاركة دموعها تتحرر:

9


"لِيو... بخير... إنه... هناك!".

+


أشارت إلى الحفرة، فأسرع هارولان إلى إزالة الأغصان و الأوراق تواقا لرؤية تِنك العينين تحملقان به مرة أخرى، حمله إلى حضنه للحظات طويلة، و لم تعرف ماريغولد تحديدا كم دام عناقهما، إنه يحبه فعلا! يحبه كما لو أنه قطعة من قلبه و روحه! إنها ترى هذا بجلاء الآن، و مهما حدث بعد اليوم... لن تشكك أبدا في حبه الصادق تجاه لِيو.

+


أقبل الحارسان تعلو وجهيهما خيبة أمل مخزية، فقال أحدهما مطأطأ الرأس:

+


"سامحنا سيد كينغ! فقدنا أثر ذلك الوغد!".

3


تابع رفيقه بامتعاض و حسرة:

+


"قفز إلى النهر، و لولا التماسيح التي لمحناها تلاحقه، لأرسلنا الكلاب في أثره، إنها في كل الأحوال تجيد السباحة أفضل منا!".

7


أردف الأول بعصبية:

+


"اللعنة! كيف فشلنا في القبض عليه؟ إذا عاود الهجوم سأمزقه إربًا!".

+


أبعد هارولان نفسه عن الطفل، و استقام قائلا بهدوء عجيب:

+


"دعه يهاجمُ مرة أخرى، لقد بلغ من لدُني ذروة الرحمة، أما الآن... فكل ما يهمني أننى استعدتُ ما ضاع مني!".

11


تمتم لِيو بدهشة و هو يضع يده الصغيرة في قبضة خاله:

+


"أنت أيضا طرف في لعبة المطاردة؟".

+



        
          

                
حدق هارولان فيه مستغربا، ليشرح له الصغير مقصده:

+


"أخبرتني ماريغولد أننا نمارسُ لعبة لا تقبل أي خطأ، طاردنا الشرير و حبسنا داخل السيارة، ثم انتقلت اللعبة إلى الغابة، و ها أنت تظهر أيضا، لا بدَّ أنك هزمت الشرير!".

2


ربت على شعره، و هز رأسه بثقة، ثم التفت صوب ماريغولد متفرسا في عينيها الدامعتين، رآها مجرد طفلة أضاعت الطريق، طفلة بلا بيت، مجردة من الطمأنينة، كل ما تملكه هو الدموع و الألم! وخزه ذلك، و للمرة الألف... هزته دموعها و أسرته قوتها رغم منظرها الضعيف. عادت إليها رعشات القلب، لكن هذه المرة كان القلب المتراقص في جوفها يرتعش فرحا و ذهولا مما تراه، لقد أومأ لها هارولان في إشارة طمأنة، مقدما لها يده، يا الله! لقد دفع بيده نحوها حقا! كأنه يقول لها بتلك الحركة: «لا تخافي يا طفلتي! أنا هنا من أجلك!».

32


ترددت للحظات، لكنها تقدمت منه بلهفة و غمدت يدها بارتياح في قبضته، و سارت برفقته و لِيو إلى السيارة، كانت أصابعه دافئة متملكة و حانية في آن واحد، شعرت بخطوط كفه ترسم دروبا من الأمان و الأمل على راحتها، كم غاب عنها هذا الشعور! و كم اشتاقت له! هكذا تماما كان يتم عناق الأيدي بينها و بين والدها جاك!

8


على باب البيت لم يشهد أحد حالتهما المزرية سوى السيد لي، تكتم عن الأمر فورا بعد غمزة من سيده، و تولى اصطحاب لِيو إلى غرفته ليستحم و يرتاح، كان الصبي مستاءً لأن لعبة المطاردة رغم روعتها جعلته يخسر الهدية التي ابتاعها، غير أن السيد لي نجح في تغيير حزنه إلى سعادة قائلا:

+


"ليس كل ما نراه سيئا هو حقا كذلك، خسرتَ الهدية، لكنك أمضيت نصف يوم رفقة صديقتك ماريغولد، ألا يكفيكَ هذا لتكون سعيدا؟".

4


أطرق لِيو نحو الأرض، بينما كان السيد لي يزيل الأوراق العالقة بشعره الحالك، و يساعده في التخلص من حذائه القذر، ثم تمتم عابسا:

+


"أردتُ إسعادكَ أنت و هانا أيضا! كانت الهدية التي اخترتها أنا و ماريغولد سترسم على وجهيكما الإبتسامة لوقت طويل!".

2


أطلق السيد لي سراح زفرة هادئة، و جلس إلى جواره معلقا:

+


"ما يسعدنا حقا هو قلبك الطيب الذي فكر بنا، أنا و هانا لن نحصل على هدية أجمل من وجودك في حياتنا!".

5


دلفت ماريغولد البيت صامتة، ضائعة في أفكارها، يتنازعها ألف شعور و شعور، كيف يمكنها النظر إلى هذا الرجل من هنا فصاعدًا؟ هل تنظرُ له كطاغية متجبر أينما خطا بغضبه كسر أشياء و أشياء... أم تنظرُ له كإنسان يعرف كيف يطمئنُ روحًا ملتاعة دون حاجته للكلمات؟ وقف هارولان يراقبها على عتبة المدخل، فيما أشاحت عنه ماريغولد موارية عنه الآلام التي كانت تفتك بجسدها، لم تكن كافية الجراح التي سببها لها هو أمس بيديه، ليزيدها قدرها البائس إصابة الجذع الذي كاد يحطم ذراعها! تسلقت السلم كاتمة أنينها، فاستوقفها فجأة صوته:

2



        
          

                
"هل أنتِ بخير؟".

+


أجابته بسرعة دون التفات:

+


"أجل".

+


تحركت متجاوزةً آخر درجات السلم، قبل أن يضيف شيئا آخر، و اتجهت رأسا إلى غرفتها، حتى لا يراها أحد في تلك الحال، أغلقت الباب على نفسها، و تهالكت فوق طرف السرير لاهثة من الألم، كيف ستُداري هذا خلال حفل الليلة؟ همَّت برفع كُمِّ القميص كي تقف على الحقيقة الكاملة لإصابتها، لكن إنفتاح الباب المفاجئ و دخول هارولان اللامتوقع شلاَّ حركتها، رماها بنظرة سريعة عجزت عن تحليلها، و تقدم داخل الغرفة مغلقا الباب خلفه، حمل صوت خطواته الرَّتيب رنَّة دغدغت قلبها، و لاحظت ماريغولد أن إحدى يديه تحمل صندوق الإسعافات، اعتراها الخجل و غمرها الشعور بأنها ضعيفة، فكزَّت على أسنانها متمتمة:

8


"على الأقل كان بإمكانك دق الباب!".

+


وضع هارولان الصندوق بجانبها، و قال بلهجة غريبة:

+


"ٱشكري السماء أنني دخلتُ هكذا، عادةً أركلُ الأبواب حين أدركُ أن خلفها أشخاصٌ عنيدون مثلكِ!".

56


تلعثمت أمام قوله المتحدي، و تسارعت نبضات قلبها تحت بصره المتفحص لكل تفاصيلها، ماذا يريد منها الآن؟ لماذا يؤذيها حينا... و يقرّرُ في حين آخر أن ينشر بروحها السلام؟ و لماذا هذا التناقض في شعورها نحوه؟ إنها لا تستطيع تحديد موقفها منه بشكل واضح! شمخت برأسها، حاربت شعورها الدفين، و علقت بصوت يتصنع القوة:

5


"لستُ بحاجة لصندوقك!".

+


إنها لا تزال ملوعة القلب، غاضبة منه، بل إنها طائرٌ جريح عصفت به رياح غضبه السوداء، فكسرت جناحه و حرمته التحليق بحرية! لكنه سيحاول علاج هذا الجناح، بإمكانه دائما أن يحاول، أليس هو كينغ سيد التحديات المستحيلة؟ إنه رجل خرافي في كل مكان، صبغته السماء و شمسها و رياحها بلون القسوة، و زرعت فيه الأرض و ترابها الأحمر و جذوعها الصلبة كبرياءً فريدة، لم يُهزم أمام أشرس المخلوقات، و أقسى الظروف، و لن يُهزم اليوم أيضا أمام هذه المرأة، فلتغضب! فلتصرخ به! فلتنشب فيه أظافرها انتقاما لنفسها! لكنه لن يترك الأوجاع تنهشها بعد الآن! قال باقتضاب و هدوء:

10


"أرني جراحكِ!".

+


رفضت أن تجيب أو أن تأتي بأبسط حركة، كرر الأمر بنفس الهدوء، و مرة أخرى قابلته بصمت و تحدٍ، و هذا جعله يدنو منها أكثر مرددا ما قاله للمرة الثالثة، انكمشت ماريغولد و غرزت أصابعها في الفراش كاظمة غيظها، لقد أعاد إليها القلادة، و منحها ثقته بخصوص أعز روح لديه، و أمسك يدها في لحظة ضياعها كأنه البطل الذي تحلم به كل طفلة غريرة! و مع ذلك لم تنسَ! لم تستطع محو تلك اللحظة حين كسر صورة أمها الوحيدة! كيف بإمكانها تجاوز ذلك الكم الساحق من الوجع؟! و دون إنذار انفجرت بوجهه شاعرة أنها ستخسر شيئا ما لو ظل هذا الرجل فوق رأسها:

6



        
          

                
"لماذا؟ هل تريدُ أن ترى آثار جنونك؟".

+


هضم هارولان ذلك مردفا:

+


"أريدُ أن أعالجكِ قبل أن تتجرثم الجراح!".

4


"لا داعي لذلك، لست بحاجة لعلاجك!".

+


"بلى!".

+


تفرست فيه بحدة، فبادلها نفس نظرات التحدي، و بدا أنه سيقف هناك إلى الأبد، و أن ما من قوة في الكون قد تزحزحه من مكانه، في غمرة ذهولها الصامت استطرد ممررا عينيه على ذراعيها:

+


"أتظنين أنني أعمى؟ أعرفُ أنكِ تضمرين صراعًا مريرًا مُذ كنا في الغابة".

3


نكست رأسها هاربة من نظراته الثاقبة، فانسدل شعرها على وجهها المتضرج، مخفيا تعابيره، و غمغمت بالشيء الوحيد الذي خطر لها:

+


"أنتَ... لا تعرف شيئا!".

1


ازداد اقترابه، و أصبحت نبرته الهادئة همسًا حنونًا ينفذ إلى الأعماق دون أن يطرق أبوابها:

+


"بل أعرف أكثر مما يبدو لكِ! لذا... كفى مكابرة! و اعترفي! أنتِ تتمزقين ألمًا!"

3


لم تجد ما يقال، لكن ما سمعته في استطراده حفز حواسها، و جعل عقلها متيقظا:

+


"انزعيه!".

16


"عفو! أنزعُ ماذا؟".

+


قال بلا مبالاة كأنه يسألها عن الوقت:

+


"القميص... يستحيل علاج جرح من خلف حجاب!".

17


انتفضت مذعورة:

+


"لا بد أنك فقدت صوابك! مؤكد لن أفعل!".

+


"بل ستفعلين! و إن تمسكتِ بعنادك المجنون، فسٱريكِ عنادي الحقيقي، و عندها لا تستغربي أي تصرف بدائي من جانبي!".

14


حذرها بلهجة مبطنة، فسألته بحذر:

+


"ماذا تقصد؟ ماذا ستفعل إن ظللت على رفضي؟".

+


تريث قليلا، منزلقا ببصره من وميض القلق في عينيها، إلى النبض المسعور الذي هزَّ وريدها، و استأنف قوله بكل ثقة:

+


"سأنتزعه بنفسي!".

40


تدفقت الدماء الحارة إلى وجهها بأكمله، أيقنت أنه لن يتخلى عن موقفه، و راقبت يداه تتحركان صوبها فجأة، فوثبت بعيدا عنه، قابل ذلك الهلع الذي تملكها ببرود، تراجع نحو الحمام، و عاد حاملا منشفة، ثم رمى بها إلى حجرها، و أولاها ظهره قائلا:

3


"تجردي من قميصك اللعين إذن بنفسك، و تستري بهذه، قبل أن أباشر تطبيبك!".

12


في صمت يُعجب له، و في خضم تضارب محتدم بين أغرب المشاعر و أقواها... أطاعته ماريغولد ذاهلة من نفسها، ربما فقط هي تعبة... و لا تقوى على مواصلة تحديه اليوم! حين انتهت من لف المنشفة حول جسدها العاري تاركة الحرية لذراعيها، أشارت له بهمسة خافتة أنها جاهزة، و هناك كانت الصدمة التي لم يتوقعها هارولان! فخلافا للجراح التي تركتها أصابعه القاسية على جلدها، كانت هناك كدمة كبيرة على مستوى ذراعها اليسرى، و ما إن إنحنى أمامها على ركبتيه مذهولا، حتى لاحظ أيضا كدمة أخرى أصغر على شفتها السفلية، فجأة أصبح هدوءه و حنانه في خبر كان، صرف أسنانه مغتاظا و سأل بوحشية:

4



        
          

                
"هل ضربكِ ذلك الوغد؟".

2


حركت رأسها نافية، فعاد يسأل بعصبية لا تصدق:

+


"كوني صادقة! ما سببُ هذه الكدمات إذن؟ هل ستنسبينها أيضا إلى ما اقترفته يداي؟".

+


أجابت بثبات:

+


"حادث السيارة... هو السبب، كنتُ أحاول إيقافه، ثم حدث كل شيء بسرعة رهيبة! لا أذكر حتى كيف اصطدم رأسي بمقعد السائق، فتورمت شفتي!".

2


أمسكت لسانها مراقبة التأثر الذي ظهر في نظراته، و لم تستطع مواصلة سرد ظروف الإصابة الثانية، كل ما شغل بالها هو ردة فعله الغريبة! لماذا هو مهتم بكدماتها إلى هذا الحد؟ لماذا لم يرسل إحدى الخادمات لمساعدتها؟ لماذا لم يضع الصندوق و يغادر؟ لماذا بحق السماء يصر على علاجها بيده؟ إنها لا تفهم... و يبدو أنها لن تفهم أبدا! فتح الصندوق و التقط قنينة المطهر، و باشر تعقيم الجراح، كانت تجفل من الألم بين لمسة و أخرى، رغم عنايته الحنونة التي فاجأتها! و كان هارولان كلما سمع أنَّة يتوقف ناظرًا في عينيها كأنه يعتذر، هل من الممكن أن يعتذر رجل مثله؟ كلا! هذا ثامن المستحيلات بلا شك!

7


انتهى من عمله، ضمد ذراعيها بالشاش، و أجبرها على النوم بعد تناول حبة مسكن، ثم غادرها في صمت... هكذا ببساطة... كأنه لم يكن منذ قليل متواجدا بالغرفة يتحداها و يحنو عليها... و يتوعد من كان السبب في الحادث بسيل من اللعنات على لسانه! أغمضت عينيها مستسلمة للنوم و لأطياف عجيبة حولتها إلى راقصة فوق الضباب... أسلمت نفسها لها، و شعرت في غلالة النوم أن واحدا من تلك الأطياف يمرر أنامله على شعرها!

+




+


فتحت عينيها، و لاحظت أن هارولان كان هناك، و ها هو على وشك ترك الغرفة، خاطبته قبل أن يمسك بمقبض الباب:

+


"هل نمتُ كثيرا؟ كم الساعة؟".

+


التفت نحوها و أجاب بنظرة مضطربة كأنه عاد من حرب شعواء توا:

+


"السابعة و النصف تقريبا! لا تزالين بحاجة للراحة، عودي إلى النوم!".

2


علقت مندهشة:

+


"ماذا؟ لا يعقل أن أتأخر عن الحفل أكثر من هذا!".

+


رفع يده مشيرا عليها بالبقاء في الفراش، و قال:

+


"لستِ في وضع يسمح بالاحتفال!".

+


تجاهلته مردفة:

+


"لن تقرر عني كل شيء سيد كينغ، لقد عشتُ طوال عمري سيدة نفسي، و سأظل هكذا أبد الآبدين!".

11


رمقها بحيرة، فاستطردت باهتمام صادق:

+


"ربما سيتفهم السيد لي و زوجته عدم نزولي لمشاركتهما أجمل مناسبة في حياتهما، لكن كل همي هو لِيو، إنه مجرد طفل بريء، و سيظن أنني نكثتُ بوعدي!".

4



        
          

                
شعر هارولان أن صبره ينفذ، فسألها بحدة:

+


"هل تجازفين بسلامتكِ من أجل وعد؟".

+


"بالطبع! يمكن أن أسلم في حياتي... لكن في وفائي؟ كلا! أفضل الموت على نكث وعد قطعته!".

4


كان جوابها مثل السحر، شيء غير حقيقي طغى على حواسه، و جعل عقله يضيِّع بوصلة أفكاره في عالم سرابي يفوق مكائد الصحاري غموضا! أدرك أنه مهما فعل لن يثنيها عن عزمها، لذا آثر أن يدعها و شأنها، تحتفل أو تنام! لماذا سيهتم؟ هم بالتقاط مقبض الباب، إلا أن صوتها الذاهل جعله يعيد توجيه تركيزه إليها مجددا:

3



"ما... هذا؟".

3


لاحظت ماريغولد صورة أمها على المنضدة، و إلى جوارها وردة، وردة الأوركيد الأبيض، وردة الاعتذار و الندم! كيف يعقل هذا؟ وردة في بيت هارولان كينغ الذي لا يعتذر و لا يرحم و يحرِّم الورود بأشكالها في عالمه! و الصورة! ماذا حدث لها؟ من ٱصلحَها؟ و ٱستبدل إطارها القديم الهش ببرواز ذهبي رائع التصميم! التقطته بين يديها و تحسسته مصعوقة، لم يكن بروازا عاديا، إنه خشبيٌّ رفيع الطراز، شُلَّت حركتها من التخمين الذي طرق بالها الآن، البرواز ليس سوى خشبا منحوتا ببراعة أنامل فنانة، مطليا بلمعة الذهب الخالص! تذكرت أنها لم ترَ قطعة خشب صماء، و عُدَّة نحت إلا في مكتب هارولان ليلة أمس، هل يُعقل أنه سهر الليل بطوله لينحت من أجلها إطارًا جديدًا؟ و أيُّ إطار؟ إنه قطعة فنية أخاذة لم ترَ شبيها لها في حياتها! حتى أنه استبدل الزجاج المكسور بآخر سليم! 

46


شعرت ماريغولد أنه منحها الدنيا بين زوايا ذلك البرواز المذهل! و لم يكن هناك كلام تشكره به، هل يوجد كلام يوفي حقه بعدما فعله؟ الآن فقط فهمت! هكذا يعتذر هارولان كينغ، و هكذا يكون الندم في أجمل صوره، لقد تعلمت من والدها أن من يدوس على الجمر في سبيل إسعاد غيره هو إنسان عظيم، و هذا بالضبط ما يحدث هنا، داس هارولان على جمر غضبه ليصلح ما كسره و يعيد صورة أمها كما كانت؛ بل و أجمل مما كانت عليه! أليس هذا أجمل اعتذار على الإطلاق؟ إعتذار المواقف لا الكلمات! و ندم الأفعال لا الأقوال! ذرفت دمعتين، ثم التفتت إليه ضاحكة، و دون أدنى تفكير أو تردد، وضعت الصورة مكانها، و ركضت نحوه مشهرة ذراعيها المضمدتين، كأن كل ألم فيهما تبخر و ولَّى بغير رجعة، و في لمح البصر، ارتمت بين أحضانه، و ضمته إليها بقوة! لم يتأهب هارولان لذلك، و لم يتوقع و لو بنسبة ضئيلة جدا أن تكون ردة فعلها بتلك الرقة و العفوية، لا أحد ضمه من قبل هكذا سواها! لا أحد تنفس في أذنه قائلا أنه يشكره مثلما تفعل هي الآن!

74


"أشكرك! أشكرك! أشكرك من كل قلبي!".

14


لم تملَّ من تكرار تلك الهمسات التي تغلغلت إلى عقله و قلبه، و لم تخفف ضغط جسدها على صدره الدافئ طوال لحظات و لحظات، شعر هارولان بسعادة قلبها الخافق مجنونًا في غياهب جوفها، و وجد نفسه رغم تجمده يغوص بأنفه و شفتيه بين خصلات شعرها الناعمة، و يستنشق عطرها الذي اشتاق له، مرَّ سواد حياته آنذاك أمامه ساخرًا من ذلك المشهد، أغمض عينيه محاولا أن يبقى أسيرها، و ألا يحدق داخل غضبه الأسود، و إنما داخل روحها النقية، حرك يديه أخيرا، و كاد يضمُّها بقوة إليه بدوره لولا ابتعادها المؤسف عنه!

17


"لا أستطيع وصف سعادتي! لقد وضعت الدنيا بأكملها داخل هذه الصورة حين أصلحتَها! سيكون هذا البرواز الذي نحتته بنفسك أجمل هدية أتلقاها!".

4


اكتفى هارولان بهزَّة من رأسه، و خرج باتجاه غرفته، أين ظل يروح و يجيء مضطربا، لم يكن من قبل بهذه الحال، إنه تأثيرها، لماذا كان عليها أن ترتمي بين أحضانه؟ لماذا لم تتلفظ بكلمات شكر سطحية من بعيد؟ لماذا تصرفت بتلك الرقة و النعومة؟ و لماذا شعر أنه كان يحتضنُ نفس الورود التي حرَّمها على نفسه منذ زمن؟ في ذلك الوقت كانت ماريغولد لا تزال غارقة في نشوة الفرح، و بين فينة و أخرى تحتضن الصورة في بروازها الجديد، موقنة بدهشة المفارقة التي حدثت، فهي من احتضنته معبرة عن امتنانها، لكنه هو الذي حملها إلى دفئه، و سافر بها إلى دُنيا أحضانه الساحرة دون أن يتحرك، دُنيا الحنان التي تكتشفها اليوم فقط بين حنايا رجل كانت تلقبه بالوحش!

26


نهاية الفصل السادس عشر.

+


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات