رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل السادس عشر 16 بقلم نورهان ابراهيم
الفصل السادس عشر "نارٌ جحيمية"
"القاهرة، شركة المنسي"
+
وتبقى في الفؤاد آثارُ خالدة مِن ماضٍ أليم يَكوي صاحِبه بمرارةٍ، تنسيه أفراحَه وأحزانه، لتكون تلك الآثار الدامية مُسيطرة، قاهرة، لها الغَلبة على باقي المشاعر المَنسية.
مَهلاً!، لازال الإيمان يُجدي نَفعًا، ففي أحيانٍ يُوقِفُ تأثير الماضي، ويُبينُ حَلاوة الحاضِر مع وُجود مُرِه، لتكون المُعادلة مُتوازنة، فيتجرعُ المرَ صابرًا، ويستلذَ بالحلوِ مُستمتعًا راضيًا.
لم ولن يَستسلمَ أو يُسلمَ للماضي.
+
سيظلُ يُكافح حتى آخر رمق، وإن أحب أحدًا بإخلاص لن يتخلى عنه، وسوف يتمسك به ويحميه ولو بروحه، فهو سخي في حبِه، مِعطاءٌ في وُدِه، لا ينسى جميلًا أو مَعروفًا قُدِمَ إليه.
+
هذا هو "طلال المنسي".
+
ستبقـى نُدب الماضـي بآثارها البغيضـة تُعَكِر علـيه صفو أيامـه، مهما تحلـى بصبرٍ أو تمسكَ بأملٍ في الجبر.
+
صياح الصحفيون يصله مكتومًا لكونهم خارج الشركة، ورطته كبيرة هذه المرة، يرجو أن ينفض جمعهم قريبًا، وأن ينجلوا راحلين بلا أي خسائر قد تصيبه أو تؤثر سلبًا على سير عمله.
+
زفراتٌ ساخنة أطلقها من صدره المُعبء بحمولٍ كالجبال، مُشكلاته لا تنتهي، وكلما أرخى كتفيه هنيهة بوغِت بمهامٍ أخرى يتوجب عليه القيام بها.
+
وحوش الألم تفتِك به، تفترسه، تأكل عزيمته بتروٍ مُريع، هو ناقمٌ على الحياة رغم إيمانه بالمولى، وبقدرته على تسكين جِراح قلبه بِعُمقها؛ لأنه إنسان، يأتي عليه حين فيستسلم لشرور نفسه، ولكن المُميز فيه أنه يضع لجموح غضبه حدودًا لا يتخطاها مع أيٍ كان.
+
يعرف متى يكون أحن البشر ومتى يكون أقسى من الحجر!
+
يعرف متى يعنف ابن خاله باسل ويشد أُذنه، ومتى يضمه ويطبطب على ظهره ليطمئنه!
يعرف متى يزجره، ومتى يحتويه بحنانه الآسر!
+
يعرف متى ينشغل به عن الدنيا، ويعيطه كل اهتمامه، ويجعله في صدارة أولوياته، وفي نفس الوقت يعرف كيف يلتهي بالعمل عنه حتى يظن أنه قد نساه، وما هو بناسيه!
+
كذلك لديه المَلَكَة في التحكم ببعض مشاعره تُجاه ذاك الفتى الطائِشِ "سامي"، والذي لو كان احتكَّ بأي أحدٍ سواه لكان ألقاه في السجن بلا شفقة، لهذا فـ"طلال" مُغاير لـغيره، ستجد عِنده خصالًا حميدة، نادرة الوجود في كثيرين، يتسع صدره لإحتواءِ كل من يستحق العون، ويُمد من يحتاج إليه بالغوث والمُساندة.
+
أما عن سلبياته فمنها: أنه لا يتقبل النقد بصدرٍ رحب، ولا يحبُ أن تُلقى إليه الأوامر، أو أن يُفرض عليه رأيٌ لا يتوافق مع معتقداته.
+
سار "طلال" بثباتٍ مُطعمٍ بالفخامةِ مُوزعًا أنظاره على موظفيه، تباينت نظراته ما بين رضا وتقدير وراحة؛ فهم دومًا لا يخيبون رجاءه، ولا يخالفون توقعاته وآماله التى يعلقها عليهم .
+
استوقفه موظفوه، حين هبوا من مجالسهم مُنشرحين، ومَسرورين؛ لتعافيه من آخر حادثة تعرض لها، فقد زاع سيط الخبر رغم تكتمه عليه، وتداول الإعلاميون الأنباء فوصلت إلى شاشات التلفاز مُتصدرة أبرز العناوين، والصُحف كذلك كان لها نصيب من اقتسام غنائم الواقعة، ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي والتي ضَجّت بآراء وتوقعات رُوادها، وكأن محاولة القتل التي تعرض لها تُعد في أنظارهم صيداً ثمينًا ودسمًا!
+
ڪل هذا في مجرد ساعات!
+
الخبر أُذيع من صباح اليوم، والساعة آنئذ تجاوزت الخامسة مساءًا، ومضى حوالي الربع ساعة على مُهاتفة رجل الأمن.
+
أَتراه "الظل" عدوه الأزلي من قام بنشر الخبر؟
فمن غيره سيهنأ بتجرعه المَشقتة والمُعاناة؟
+
اجتذبه من استغراقه في الشرود أحد موظفيه، يحاوره بنبرة مُهذبة تُظهر مدى قلقه غير المشروط:
_ عامل إيه دلوقتي يا باشا؟
+
إلتفت إليه "طلال" مُسلطًا عينيه عليه، ورد بنبرات ودودة:
_ الحمد لله، في أحسن حال.
+
_ الحمد لله إنك رجعتلنا بالسلامة!
+
قالها آخر بصدقٍ لامس قلبه، فقابله "طلال" بأحلى ابتساماته، ولم يلبث أن استمع واحداً غيرهما يقول بتأنيب يمتزج بالاحترام، وقد اشتعل رأسه شيبًا:
_ كلنا اتفاجئنا لما عِرفنا من الأخبار إنك اتصابت، ڪنا مفكرينك في سفرية من اللي بتروحها عشان الشُغل.
+
"_محصلش حاجة، أنا قُدامك صاغ سليم وزي الفل، مفياش خدش، أڪيد دي إشاعة، وإنتو مش غافلين عن الجرايد الصفرة وألاعيبها."
+
لثوانٍ ڪاد ينطق بهذه الجملة، لولا ضميره الذي نهاه عن الڪذب، فمعروف عنه دومًا الصدق مهما ڪانت الظروف أو العواقب.
+
فظلت العبارة في رأسه لم تبرحها، ليُبدلها بأحسن وأصدق منها حديثًا:
_ الحمد لله جات سليمة، مڪنتش عاوز أثير الجدل أو يحصل بلبلة، وڪنت بسعى للتهرب من الصحافة اللي ما بتصدق تلاقي خبر وتلبد فيه.
+
دوافعه بدت مُقنعة لأقرب درجة ممكنة، خاصة وأنه قالها بصدقٍ بأسلوبه الحواري المُتقن والمحنكِ الذي يُرسي في نفس المستمع المراد الحقيقي منه، ودعّمه بنظراتٍ ثابتةٍ قوية، توحي في النفوس أن من يتحدث هو صاحب الحق بعيدًا كل البعد عن الباطل.
+
لاح الوجوم على وجهه وهو يردف في جدية تامة يحذرهم جميعًا من إقحام أنفسهم معه:
_ هقولهالڪم بڪل صراحة، لو اللي قولته خرج برة باب الشرڪة مش هيحصل طيب.
+
بَلَّغُوه جميعهم بعدم البوح بما أخبرهم، حين هتفوا في صوتٍ واحد أنهم لن يقولوا حرفًا، همهم في رضا، وتهافتت عليه التهنئات لكونه برأ من إصابته الأخيرة.
+
هتف أحدهم من وسط الجمع يقول باهتمامٍ لا يتملقه:
_هترجع تشتغل تاني بالسرعة دي؟ كنت استنيت لحد ما جرحك يلم، واحنا هنشيل الشغل على راسنا وجوا عنينا!
+
زادت بسمته الضيقة اتساعًا، وتألقت رماديتاه بوميضٍ، وسخر في نفسه من كلمة "سرعة".
ألا يكفيهم مكوثه في المشفى أسبوعين كاملين وفي منزله شهر ونصف؟
+
أي سرعة هذه التي يزعمها؟
+
ولكنه وضح له مسروراً:
_ وده ظني فيكم يا عم أحمد، بس لازم أتابع كل شيء بنفسي.
+
ضاقت نظراته حالما يردف بصوتٍ مرتفعٍ قليلاً يتضافر معه الغموض:
_ إنتَ عارف أعدائي وإللي بيسعو ليه، مش عاوز أديهم فرصة يلعبو بديلهم ويخربوا تعب السنين .
+
حصدت كلماته مبتغاه منها، حيث حل في نفوسهم الاقتناع بحججه المرمية على مسامعهم بحبكةٍ وعقلانية.
+
غُمِسَ في شرودٍ آخر، هائمًا بروحه بعيدًا عن هنا، ينأى بها عنهم، ويختلي بها في مكانٍ خرافيّ من نسيج خياله، ردد في عقله آية يعشق حروفها ومعانيها.
+
"ونحن أقرب إليه من حبل الوريد" هذه الآية هي مصدر طاقته، هي التي تمده بعزمٍ يكفيه شر الحاجة لأي مخلوق، تبعث فيه لونًا من الطمأنينة والسلام الداخلي، وتنبثق لها ابتسامة على شفاهه، لا تزورها إلا كل حين وحين.
+
تتساءلون هل هو شخصٌ عابس لا يبتسم إلا لهذه الآية؟
+
سأقلون لكم: لا، ليس عابسًا أبدًا، هو كثير الابتسام في وجوه كل الناس تقريبًـا، المَغذى في أن هذه الابتسامات التي تلوح على ثغره أغلب الأحيان لا تكون حقيقية، ولا حتى صافية، يشوبها دومًا لمحاتٌ من الألم، وأما عندما يتقرب إلى الله بصلاته أو تلاوته للقرآن، وحينما يجتمع بأصدقائه وابن خاله سترون وقتها الابتسامة الحقيقية، النابعة من عمق فؤاده.
+
من أين له بقوةٍ تمحو ضعفه وتعينه على مواصـلة الكفاح إلا منك يارب؟
من أين له بعزمٍ يُهون عليه قسوة الأيام إلا منك يا رحيم؟
من أين له بروحٍ مُثابِرة عَتِية غير تلك المُتعبة إلا بقدرتك يا عظيم؟
+
ـــــــــ✦✦✦✦ـــــــــ
+
في أثناء شروده اللحظيّ، كان هناك موظفان بعيدان عن التجمع، يتحدثان بأصواتٍ خفيضةٍ لا يكاد يسمعها سواهما، فضلًا عن أن الجلبة الحادثة بسبب الأحاديث الجماعية المنسوجة بين رئيسهما بالعمل وزملائهما غطت على أي أصوات أخرى.
+
اتضحت نواياهما الخبيثة، لمّا مال أحدهما على أذن الآخر، يوسوسه كشيطانٍ جبان:
_ متقوم نسلم عليه ونقوله كلمتين حمضانين بدال مايشُك فينا؟
+
التوى ثغر الآخر بنصف ابتسامةٍ لئيمة، ليهزأ منه ولمحات الضيق تلوح على وجهه:
_ قوم إنت يا سبع البرومبة، أما أنا مليش فيه.
+
وتابع بخبثٍ، وعيناه تلتمعان لمعانًا شريرًا كما يَظهر لنا، ساخرًا:
_ مبستطعمش النفاق بتاعك ده يا "موسى"، أنا هدفي مُحدد مبشغلش نفسي بغيره.
+
انفعل "موسى" هادرًا بارتعابٍ يُواريه بتوبيخ:
_ والله طول مانت ماشي ورا دماغك دي هتجيبنا الأرض وهنروح فـي أبو نِكلة.
+
واصل "موسى" مُتحسرًا لعدم وجود ظهر يحميه ويدعمه:
_ ولا حد هيسأل فينا، هيقولوا كلاب وغارت.
+
ردعه الآخر بسأمٍ بائن في عبوس قسماته، وراح يُعنفه بلذاعةٍ:
_ بطل ولولوة زي النسوان وأجمد كده.
+
رد عليه بارتعاشة مرت بكامل بدنه:
_ مش قادر يا "هاني".
+
لم يعبأ به "هاني" مُضيفًا في قسوةٍ غير مكترث بحياته:
_مامسيرنا نتكشف ورقابنا تطير، خصوصًا اللي زينا ملهمش دِية.
+
زاد لمعان عيناه في شراسةٍ واضحة، وهو يُردف بقلبٍ مقهورٍ:
_إحنا مجرد جرابيع بنتهان من دول ومن دول.
+
هز "موسى" رأسه يوافقه، بينما اشتعلت عيون "هاني" بحرائق، وصوته الحاقد يخرج من بين ثغرات أسنانه الملتحمة، هامسًا:
_وأساسًا لا لينا مصلحة منهم غير القرشين اللي بيرموهم لينا زي الكلاب الجربانة مابيرمولها العضم عشان تبطل نباح.
+
استرساله بث كل معاني الوجل والتوجس في نفس "موسى"، فلا يبدو أنه يواسيه، بل على العكس تمامًا إنه يزعزع ثباته الواهي ويحطم آماله في الفِكاك من أفواهٍ تهِمُّ بافتراسه، فعلق على زيل حديثه بحسرةٍ:
_ أو زي خروف العيد اللي مستني دبحه.
+
أطرى عليه "هاني" ببسمةٍ لزجة، وسخرية فجة:
_ عليك نور.
+
رفع "موسى" رأسه على حين غُرةٍ فتلاقت عينيه المُذنبتين الخائفتين بعيني "طلال" الذي يدور برماديتاه وسط الجموع بشمولٍ عشوائي، حتى ثبتهما على عيني هذا الرجل الذي استعادهما سريعًا مُخفضًا أنظاره وداهمت قلبه انقباضة مشؤومة، وتهامس مع شريكه في آثامهِ، متوجسًا خيفة من القادم:
_ طب اسكت يا هاني عشان "طلال" بيبص علينا.
+
إيحاءات وجه "موسى" جعلت الشك يعتري "طلال"، وتعقدت تعابيره، وتحركت تروس عقله مُفكرًا ومُحللًا ردود أفعال من حوله، وخاصة هذا الرجل، في نفسه شعور سيء تجاهه.
+
توسع نطاق بسمة "طلال" رانيًا إياه برماديتان يُغطيهما غلافٌ من الغموض، هناك مؤامرات تُحاك من خلف ظهره، أو نقول بعلمه ونصب أعينه؟!!
+
تهرب "موسى" قدر المستطاع من عيون رئيسه في العمل، وتفادى بصعوبةٍ سهام نظراته المُصوَّبة تجاهه بلا رأفة.
+
رفع رأسه مستنشقًا الهواء، فصدره ضائق من اشتداد خوفه، أطرق برأسه، وبتوترٍ مُتعاظمٍ دفع الزفير من فمه بروية، هندم بذلته الرسمية الخاصة بساعات عمله، وتقدم بقدمين مترددتين حد الالتصاق بالأرض.
+
وقف "موسى" قُرب زملائه المنشغلين مع رئيسهم، لم تأتيه الجرأة ليمد يده ويسلم عليه كالآخرين، خوفًـا منه، ورهبة من مصيره إن فكر في ذلك، وهذا لأن زعزعة حصونه أدت لتضخيمه للأمور أكثر من اللازم، ظنًا منه أنه يمنع أصابع الشك من أن تشير إليه هو و رفيقه، فجاء هذا بنتيجة عكسية، أوضحت تورطه في شيء مشين.
+
فـ "طلال" معروف عنه التواضع، يُعامل موظفيه كأنهم أصدقاؤه أو أفراد عائلته؛ ولكنه لا يتهاون معهم عند الخطأ، من يخطؤ يُعَاقَبْ وإن كان أقرب الناس إليه.
+
ألقى عليه التحية بعينين وجلتين:
_ألف سلامة على حضرتك.
+
ردَّ عليه "طلال" باقتضابٍ:
_الله يسلمك.
+
اتَّخذ "موسى" حِيلَهُ الخبيثة، كي يبعد الشكوك عنه، فقال بنزقٍ مُبديًا حزنه عليه عكس ما يكنه له في خبايا نفسه:
_ ربنا يكفيك شر ولاد الحرام.
+
أمَّن "طلال" من ورائه في صوتٍ خافت، ورماه بنظرةٍ غامضة:
_آمين.
+
انشب التوتر أظفره في قلب "موسى" من نظرته غير المريحة هذه، فأصبح مُتخبطًا، مُشتتًا وخائفًا، فجاءت كلماته على نحوٍ مُتلعثمٍ:
_ لـ.. لازم اللي عملو كده ياخدوا جزاؤهم عشان يكونوا عِبرة للي تسوله نفسه إنه يأذي حد.
+
ورغم أنه لم يكن من الجانِين عليه إلا أن وجوده في صف عدوه وكونه جاسوسًا حقيرًا له أشعره أنه في أول قائمة المُشتبه بهم.
+
قرأ "طلال" في عينيه هذا الكلام، لكنه لم يسطع تشفيره والوصول لمعناه الكامل، غير أن شيئًا من مضمونه وضح في قرارة نفسه، استطرد في تلميحٍ خفيٍ:
+
_متقلقش، كل واحد هياخد جزاؤه واللي يستحقه.
+
تراجع "موسى" بخطاه يهز رأسه إيجابًا لمراتٍ عِدة تصديقًا على حديثه، ومن ثم توارى عن ناظريه بين أجساد زملاء عمله.
+
رنَّ هاتف "طلال"، فأخرجه من جيبه، واضطر أن يُبعد عيناه عن تتبع موظفه الذي توارى عن ناظريه فجأة، وكأنما لم يكن أمامه منذ ثوانٍ.
+
أجاب على المُتصِل بارهاق:
_ألو.
+
_يا باشا، إيه اللي مأخرك عنا؟ إحنا بنتبهدل هنا، الصحفيين هجموا علينا، ومش هنقدر نــ..
+
غادر "طلال" الجمع، مبتعدًا عنه، ووجه خطاه المهرولة شطر باب الشركة، وقاطعه ليبلغه بعزيمةٍ:
_هتلاقيني قدامك دلوقتي.
+
رفع وجهه للسماء يغمغم بدعاءٍ خفي:
+
_يا الله رفقًا بقلبي، فأجبر كسوره، ولا تجعل لشرٍ أو ظلمٍ سلطان عليه، يا الله استودعتك روحي فداوٍ كُلومها ونقها من الذنوب والخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، يارب وكلتكَ أمري فلا تكَلني لخلقكَ ولا لنفسي ولا تخذلني، لا تكَلني لنفسي طرفة عين، يارب احمني مني ومن شرور نفسي، من لي سواكَ أدعوه؟
+
ــــــــــــ✦✦✦✦ــــــــــــ
لازلنا في "القاهرة".
"منزل غيث أبو النجا".
"في غرفة إيناس".
+
أين حماسها الذي كان يُحرك الجبال الراسخة؟
+
أين عفويتها ونقاؤها وراحة بالها؟
+
حياتها في تڪدرٍ ومُعاناةٍ مُتصلة، إلا من لحظاتٍ عابرة تضحك فيها مع أخيها الصغير وابنة عمها، أو تَشتاط منهما حنقًا وانزعاجًا، أو تقضي مع والدتها برهاتٍ من الأحاديث السلسة، أو أن تُحاور والدها في أوقات فراغه من العمل، ثم ماذا؟
+
تعود للغوص في أبحر ماضٍ بغيضٍ مقيت، ماضٍ شُڪِلَ بما لا تَشتهيه أو تُحبذ تذڪره إطلاقًا.
+
باتت تحقد على ذاڪرتها، لما لم تفقدها ڪما يحدث مع بعض الأشخاص الذين يؤذيهم شيء ما فيهربون منه وينسونه بفعل حادث يصيبهم ويفقدهم ذاڪراتهم؟
ألم تتألم حد تشبع طيات قلبها؟
+
ألم تذُق المرارة طويلًا حتى لازمت حلقها _أمدًا_ لا تبرحه؟
ألم تُعاني الويلات وتتجرع سمومًا نفسية تَقُد من زهرة شبابها كل حين بَتلة؟
ألم تُقهر روحها، وتواجه تعنتًا من نوعٍ كريه؟
+
ڪل الإجابات على هذه الأسئلة تتمثل في ڪلمة واحدة من ثلاثة أحرف "بلى".
+
عانت، قاست، ذاقت، وتسممت فواڪه دُنياها، تلك التي تُعطي أي شابةٍ في مقتبل عمرها دافعًا للاستمرار في الحياةٍ بإقبالٍ نهمٍ عليها.
+
عداها هي، لم تُتح الظروف لها إلا صنوف الألم والعذاب، عذاب دنيوي، ألا وهو الشعور بالظلم، وخير دليل عليه حرائق مراعي عينيها، شهقت بقوةٍ تشعر بنارٍ موقدةٍ في صدرها، تأكلها، تأكل قلبها، حد التفحم والتحول لرماد.
+
روحها الشغوفة انطفأت، وتغيرت لأخرى لا هم لها سوى القصاص ممن أذت حبيبتها.
+
سحبتها أطياف الماضي تخطفها من عالمها الأليم لعالمٍ أكثر إيلامًا، مُجبرة إياها على مُعايشة هذه المرحلة المأساوية من عمرها مُجددًا، رأت الذِكرى تُشڪّل أمام عدستيها ڪفيلمٍ سنمائي يُعرض على شاشةٍ ضخمة، بڪل حبڪاته وتفاصيله.
+
*********
خالتها الحنون الطيبة، سُرِقت منها الحياة بغير وجه حق، حُرقت بنارٍ جحيمية، وصراخها المُستغيث لم يجلب لها غير المزيد من الألم المُضاعف المستمر بفعل النيران المُلتهبة المُلتهمة لجسدها رويدًا رويدًا، حتى ما إن تمكنوا من إخماد هذه النيران وجدوها خامدة، بجلدٍ وصل الحريق به حد الشواء، ذاب حتى ظهر اللحم الذي كان يومًا أسفله، بقيت تصرخ من الألم الذي لم تستطع احتماله واحتوائه، فتركت صرخاتها تعبر عنه، رغم أنها لن تخففه وإن بقدرٍ طفيف.
+
مظهرها كان شنيعًا، ينخر القلوب حتى أعماقها، يجتذب الروح من بؤرتها.
+
تهافتت الدموع على خديّ "إيناس" ابنة أختها، وشاهدتها بقلبٍ مروعٍ، وعقلٍ لم تصل مَداركه لدرجة تُمكنها من استيعاب شكلها المُرعب.
+
وظل السؤال سجين عقلها، كيف يمكن لكائن في الوجود أن يصل لهذه الحالة؟
+
إنها مسلوخة الجلد، عيونها بلا رموش، ولا يعلوها ذاك الحاجب الأشقر، جلدها الأبيض المرمري بات من الماضي، تلك الشفاه الجميلة لم تعد كذلك، إنها على أقل وصف "مشوَّهة"، عيونها مُطبقة، لا تفرق كثيرًا عن جُثث الموتى، لا شيء فيها يدل على حياةٍ أو حيوية.
+
تدحرج قلبها هاويًا في قدميها اللتان التوتا فجأة فاقدة أعصابها، لتقع أمام باب الغرفة الموجودة بها في هذه المشفى الحكومي، خضراويها الغارقان بسويلٍ من دموعٍ تجري كشلالات فيكتوريا على خديها المُصفران بوهنٍ حليفه رُعب، يصاحبهما قهرٌ عليها.
أين خالتها؟
+
هذه_ بالطبع_ ليست هي، يستحيل.
+
في أشد ڪوابيسها فظاعة لم تتخيل أن تراها على هذه الشاڪلة.
+
أين ذهبوا بها؟
+
لمَ لا يجلبها أحدٌ بدلًا من خداعهم السافر هذا؟
+
وبهذا وقفت تُڪذب الحقيقة الجلية نُصب أعينها، لن تُصدق، حتى وإن أقسموا لها باليمن، لن تفعل، ستبحث عن خالتها، ستجدها، وقتها ستثبت لهم جميعًا أنهم ڪاذبون حمقى.
+
انطلقت كالقذيفة الموجهة من مِدفعية حربية، ثائرةً وغضبها يُحرڪها ڪرياحٍ عاتية هبت في صحراءٍ لتحمل بين طياتها حبيبات الرمال تنقلها حيث تشاء، هاجمت طبيبًا ما، رأته أمامها، صارخة بصوتٍ مُرتاعٍ رغم غضبه:
+
_ إنتوا وديتوا خالتي فين؟ إزاي مُستشفى طويلة عريضة زي دي وتبقو كدابين أو تتلخبطو في الحالات اللي عندكم؟
+
ساءه طريقتها الثورية غير المُهذبة عوضًا عن اتهاماتها الباطلة المتتالية على مسامعه، غير أن صوتها الصارخ أدى لامتعاض وجهه ضيقًا منها، فحدثها ضاغطًا فكيه ضد بعضهما، بهمسٍ غاضب:
+
_وطي صوتِك يا آنسة إحنا في مستشفى مُحترمة، وفي مرضى تانيين هيتضرروا بصراخك ده.
+
دوارٌ ألم برأسها، اهتزت مجالات الرؤية لديها، وأحست بشيء يُسحب من وجهها يُسفر عن تنميل مؤلم ينغرز في بشرة وجهها.
+
وفقًا لخبرته في مِهنته كونه طبيب سَهلت له استنباط الإعياء المُتفشي في قسماتها المُنقبضة، تعاطف معها، الصدمة كبيرة وساحقة على فتاةٍ يافعة في مثل عُمرها، هَدَّأ من نبرته لتصير لينة يُدافع عن سُمعة المَشفى، ويبين لها سوء ظنها:
+
_أڪيد في سوء تفاهم، كل الحالات اللي بتيجي بتبقى معروفة ولو مش معروفة بنحاول نوصل للأهالي بأي طريقة، و...
+
لم تُلقي بالًا لجملته الثانية، كأنما لم تسمع إلا الأولى، وجيف قلبها يُفاقم من آلامها، ثنايا روحها تئن بنزيفٍ لا يُرى، وعاودت الصراخ بنبرةٍ أكثر ارتفاعًا من سابقتها، وبفجاجةٍ، وتشعر أن مستوى سُكر دمها ينخفض:
+
_مش هوطي صوتي، إنتَ مبتفهمش؟ بقولك فين خالتو؟ أحسن قسمًا بالله أعملڪم جناية وتحقيق واشيلڪم قضية خطف واوديڪم في ستين داهية.
+
لا يمكنه أن يتغاضى عن تصرفاتها البربرية معه، رغم رؤياه لضعفها البائن أمام عينيه الطبيتان، عَلاَ بطبقته الصوتية صائحًا بغير تهاون:
+
_هو إيه الجنان اللي بتقوليه ده؟
+
احتوت "إيناس" رأسها المتألم بين كفيها تضغطه، الثقل به يزيداد عند الجبهة، صداعٌ فتاكٌ يطيح بمحاولاتها في الاحجام من غضبها المتلظي في صدرها، رأسها بالكامل تنبض، شيء ما يتصاعد لأعلاها، ضغطٌ سيطر على عيونها، ضمت شفاهها للداخل تقمع بهذا آلامها وهوانها، كَفت عن ضغطها لرأسها بصعوبةٍ، وجاء تعقيبها عليه، تتوعده صراحة:
+
_جنان؟ إنتَ لسة شوفت جنان؟
+
الطبيب حائر بين شفقته وقسمه الذي حلف به عندما تولى هذه المهنة، وبين شعوره الإنساني العفوي بالاشتعال من مشاداةٍ كلامية، لا يرغب أي أحد بالخسارة فيها.
+
هرولت "صفية" ناحيتها، بقلبٍ مقسومٍ بين أختها المسكينة الموشكة على لقاء ربها، وبين فلذة روحها بنفسيتها المُدمرة، خاطبتهما معًا في تأنيب لصغيرتها، مزجته بإعتذارٍ شديد للطبيب:
+
_إيناس ميصحش ڪدة، آسفين جدًا يا دڪتور، أعذرها ڪانت بتحب أختي قوي، فـ..
+
كشرت "إيناس" عن نابيها، والألم يَفترسها، يُهلكها، يُجزؤها، وهدرت في رفضٍ مغلول مُهين له:
+
_يا ماما إنتِ بتعتذريله؟ بدال ما تشرشحيله وتخليه يقولنا على مكان خالتو...
+
وا حسرتاها على بنيتها!
ما هذه الأوهام التي تتشربها بكل خلاياها وتنطقها علنًا على لسانها؟
+
عصرت والدتها لها كتفيها بين قبضتين قاسيتين لم تَعتد مثلهما يومًا، وغاصت بعينيها في خضراويها المُماثلة لها، وهزتها مِرارًا في حين تُشير لها على الغرفة وصاحت تنتحب بيأسٍ مهزومٍ وحبات اللؤلؤ تتقافز من عينيها:
+
_خالتك هي اللي في الأوضة دي، افهمي بقى، خالتك بتموت، اختي نجوى بتموت، أفهمهالك ازاي؟ مبقاش ليها غير أيام معدودة.
+
نفضت عنها كفيها، وتقهقرت بخطواتها بغير انتزان، وشهقت باكية وعيونها لا تبخل في زرف آلاف العبرات، وانكرت كل الحقائق بنفيها الجنوني:
+
_لأ، لأ، لأ....
+
لبثت ثوانٍ ثم أردفت مُعاتبة:
+
_حتى إنتِ يا ماما بتقولي كده؟
+
قالت "صفيَّة" هامسة في هوانٍ، وقسماتٍ مخذولة، ودماءٌ تجمدت في عروقها:
+
_دي الحقيقة المُرة يا بنتي، افهمي بقى.
+
أوهامها هيمنت عليها، فطغت على الحقيقة المريرة، لتخفيها عن خضراويها، ونسجت لها خيالاتها كثيرًا من الاحتمالات غير الواردة، ليظل فيها ذاك الشعور بالأمل في كون خالتها على خير ما يُرام، وأنها إما تم اختطافها أو أن الأطباء والممرضين وحتى والدتها جهلوا بمكانها، فثارت ثورتها واحتدمت نبرتها بقولها الخافتِ وكل مدى ينخفض أكثر فأكثر:
+
_مش هصدڪم، مش ممڪن، مستحيل، لأ، لأ.. لـ..
+
غيومٌ مُنكدرة اغشت عيونها، شهقاتها تُقتلع من قاع صدرها، ڪل من حولها يُخبرها أن خالتها توشك على الموت بإثار الحروق.
+
ما خطبهم؟ لما لا يُصدقها أحدهم؟ أيحسبونها مجنونة؟
+
استماتتها في نفي كل الدلائل والشهود أذهلت والدتها، غير أن الطبيب لم يستغرب البتة، إنهم في حاجةٍ لدليل قوي وقاطع يمحو أي شكٍ أو أوهامٍ تدور بإلحاحٍ في ذهنها؛ حسم أمره ورتب أفكاره ليتقدم منها يحدِثها في ثقةٍ وروية يطرح مسألة العرض والطلب:
+
_طيب، إيه رأيك لو أجيب لك دليل لا شك فيه إنها خالتك بشحمها ولحمها؟
+
حوّلت "إيناس" له خضراويها المتلألئتين بعبارتها المحبوسة فيهما، ولقت كلماته استحسانها، رغم انقباضة قلبها رعبًا من نسبة صِحة كلامهم جميعًا، مسحت على وجهها، ومزجت كُفرها بما يقولون بتحفزها في قولها:
+
_ماشي، بس في كل الحالات مش مصدقاكم.
+
رمت "إيناس" الطبيب بنظرة استنفارٍ، وتابعت ظهره وهو يغادر بلا مماطلة ليجلب لها الدليل القاطع على حسب زعمه.
+
ارتبكت، واحتدّ تورترها، ترقرقت دموعٌ أخرى حبيسة مقلتيها، ارتفع قفصها الصدري وانخفض بوتيرةٍ مُتكررة.
+
ضمت أصابعها لراحتيها تضغط قبضتيها بقوةٍ، وتغرس أظافرها القصيرة في بطن يدها؛ كي تسيطر على كل ما يجوس في دواخلها من مشاعر فتَّاكة تُذيبها بالتدريج.
+
كزَّت على أسنانها بأسى وغضب يستمر بالاندلاع فيها، وقبل أن تأخذها أفكارها المسمومة، أتاها الطبيب وفي يديه ملفٌ ما، وأغلب الظن أنه تقريرٌ طبيُّ؛ ليدعم كلماته بأدلة لا طعن في مصداقيتها.
+
هدرت دقات قلبها في صدرها تعصفُ بتماسكِها الزائف المُغلف بغضبها المتأجج، وارتجفت يديها، وتدافعت الدموع عنوة من عيونها لتنال شرف الانزلاق على خديها، كأنما استشعر فؤادها الحقيقة التي تستمر في إنكارها بكل كيانها.
+
ناولها الملف وهو على بعدٍ قريب منها، بعدئذٍ ابتعد عن محيطها؛ ليمنحها فرصة لتقبل ما لا يود إنسانٌ أن يصدقه.
+
بلعت رمقها المُر في جوفها، وحدجته بحدقتين مهتزتين من هول ما هي مقبلة على قراءته، قضمت شفاهها ومسحت دموعها بعنفٍ، وها هي ذي تنظر بعشوائية للتقرير بين يديها.
+
فجأة دار الكون بها، شعرت بعاملها ينهار، خُيِلَ لها أن الشمس لن تُشرق على حياتها بعد الآن، وأن النجوم تتساقط من السماء مُدمرة كل ما تصتدم به، وتحطم سقف أوهامها وآمالها فوق رأسها، فدكها، ودك أنفاسها.
+
أرخت "إيناس" أصابعها عن الملف دون شعور، تاركةً إياه يسقط ويسقط معه كل شيء جميل كان يومًا داخلها، هذه الجملة المطبوعة في تحليل الحمض النووي (DNA) لذاك الجسد المتفحم الراقد في الغرفة يثبت أنها هي خالتها ولا أحد غيرها.
+
سُحِبت أنفاسها منها، وكذلك لون وجهها الطبيعي، خضراويها تجمدت من ڪثرة وشدة تحديقها في مڪانٍ خاوٍ ڪروحها الآن، خسرت، وخسارتها فادحة.
+
استعر الهلع فيها، حممٌ تذيبها كالجليد عندما يلتقي بماء، إنها تنصهر كمعدنٍ وُضِعَ تحت ضغط وحرارة هائلان.
+
تبخرت أوهامها بصدامها بواقعية ما يُقال لها وما تراه بأم عيونها، استسلمت لغزو الإغماء لجبهات وعيها، مسلمةً له مفاتيح أراضيها، راحلة _بإدراتها_عن الواقع إلى الراحة المؤقتة المتوفرة في أضغاث أحلامها، تراخى جسدها كله، سامحة له أخيرًا بالانهيار، فصدم اصتدامًا شديدًا بأرضية الطُرقة.
+
غار نصل الارتياع في صدر "صفية" مصحوبًا بلوعتها الأمومية، أختها تُلتهم بين فكي الموت، وابنتها هنا على حافة الانهيار العصبي، ضلوعها تحتضن قلبها عند الزفير، تواسيه على حطامه، وتواترت أنفاسها المتلاحقة بتتابع.
+
همَّ الطبيب راكضًا نحو الغائبة عن واقعها، احتوى معصمها بين أصابعه مستكشفًا نبضها، اطمئن لكونها على قيد الحياة، ولم تفارق عالمهم نهائيًا، استقام واقفًا بطوله وسار بسرعةٍ في إتجاه ما وهو ينادي على أحدهم بصوتٍ عالٍ.
+
لم تتبين "صفية" حرفًا مما تصايح به الطبيب مع الممرضين، ولثوانٍ بقيت تُطالع بنيتها بحسرةٍ وشدوه، ومن ثم ركضت تضرب الأرض بحذائها، وخُيِلَ لها أنها كلما اقتربت منها وجدتها تبتعد، تُحس أنها تركض على وتيرة بطيئة، كأنما شريط ڤيديو تم تغيير سرعته لأبطئها.
+
هوت بركبتيها غير مكترثة بما قد تحدثه بنفسها، وتجددت دموعها، كمجري لا يجف من تدفق المياة، حاوطت خديّ ابنتها براحتيها، ترجوها بنبرةٍ بعثرها الألم اللامحدود:
+
_إيناس، يا نِن عيني، قومي يا بنتي، عاوزة تسيبيني إنتِ كمان، أنا مش هقدر اتحمل خسارتكم إنتو الاتنين، إنتو أغلى حاجة في حياتي.
+
***********
+
طفت على شاطيء الذكريات بعدما كانت تغرق في بحور ماضيها.
+
جاثومها القديم، لا ينفك يُراودها، في صحوها ومنامها، في لحظاتها السعيدة والأخرى التعيسة، ماذا عساها تفعل حيال هذه الآلام المُتجددة؟
+
أين تجد ملجأً آمنًا من حُطام ذكرياتها القاضية على ما بقي من خزائن طاقتها؟
+
شددت من حِصار ذراعيها لركبتيها، ارتجافة جسدها لا تتوقف، دموعها تنحدر باستمرارٍ على خديها المُشتعلان بحرارتها، قلبها يتآكله صدأ من نوعٍ قاضي ومدمر، صدأ الماضي الذي أصابها بلعنته، حبسها في زجاجةٍ صغيرة تحجم من راحتها، تدك أنفاسها، وتقبض على قلبها تعصره بلا شفقة، لما هي؟
+
لما خالتها خاصة؟
+
ــــــــــــــ✦✦✦✦ـــــــــــ
"شركة المنسي"
+
وصلها صدى ضرباتٍ عنيفة على باب مكتب مديرها، فوقفت من مكتبها الذي يوجد أمام مكتبه من الخارج، تحركت بخطواتٍ مُترددة، وأخذت نفسًا طويلًا تُعيد به شخصيتها القوية الفولاذية، استعادت ثباتها وقوتها، لتفتح الباب بالمفتاح الذي في أمانتها، وتتطلع لعيونٍ تحدجها بخيبة، عقدت "سندس" حاجبيها مُستعجبة هذه النظرات، وأعانتها فطنتها على فهم أسبابها سريعًا، يبدو أن "سامي" ظنها "طلال".
+
اشفقت عليه من حالة الحزن التي تلبسته، وسألته بهدوءٍ ورقة:
_ في حاجة مُعينة كنت عايزها؟ أكل أو شرب أو حاجة زي كده؟
+
ابتسم "سامي" في وجهها ببشاشةٍ للطفها معه، وجاوبها بصوتٍ مُتعب:
_ عاوز بس كباية ماية.
+
أصرت عليه بمزيد من اللطف سائلة:
_ متأكد إنك مش جعان؟
+
أمال رأسه يطرقها بحنين لأمه، وهمس بروحٍ منكسرة:
_ جعان، بس مليش نفس آكل، ولو كلت مش هحس بطعم الأكل، مبقاش حاجة بعدها ليها طعم.
+
رمشت "سندس" متفاجئة من رده الغريب لها، من يقصد من كلامه هذا؟
خرج السؤال من عقلها على لسانها فقالته بلا شعور:
_تقصد مين؟
+
تنامت على شفتيه بسمةُ صغيرة ملآنة بالألم، وهو يجيبها بإيجاز:
_ماما.
+
صدمتها كلمته المُوجزة، وسمعته يستطرد بحديثٍ مختلف:
_ كنت بحبها قوي وهي كمان كانت بتحبني، تعرفي أنا جعان لإيه؟
+
هزت رأسها بنفيٍ قائلة بفضول:
_ إيه؟!
+
رأته يتحرك للداخل ويجلس على الأريكة التي كان نائمًا عليها، وعلى ساعديه سترة طلال الذي غطاه بها قبل أن يتركه.
+
ترددت "سندس" في باديء الأمر، أتدخل أم تظل واقفة أم تخرج؟ هل فقد رغبته في إكمال حديثه لها أم ماذا؟
+
قاطع لها "سامي" استرسال أفكارها، هاتفًا بسرورٍ:
_تعالي اقعدي جنبي، أنا ارتاحت لك، ياريت كان عندي أخت زيك كده.
+
ابتسامة سعيدة غزت مُحياها المنير، وسارت صوبه بلا تأخيرٍ، وقعدت على جانب الأريكة، بعيدًا عنه بمسافةٍ كافية، فهي أيضًا ارتاحت من جانبه، لذلك حدثته بحبورٍ وهي تُرتب خصلاتها:
_ ده شرف ليا والله، بص، اعتبرني أختك، أنا كمان معنديش...
+
أطالت الصمت تاركةً جملتها ناقصة وبعدها قالت كلمتها الأخيرة بغموضٍ وبطء:
_أخ.
+
غمر الفرح ثنايا نفسه، ورقص قلبه بسعادةٍ طفلٍ نال حلواه، فقال لها بلا مجاملة:
_ تسلمي والله، ده الشرف ليا أنا.
+
شبكت أصابعها وأراحت عليهم ذقنها، لتعود لحديثهما المُعلق بكلماتها الحماسية:
_ ها، مش هتقولي جعان لإيه؟
+
خبت بسمته تدريجيًا، وهو يعطيها الإجابة المؤلمة لكليهما:
+
_ جعان لحضن من أحضان ماما، جعان لحنيتها عليا، نظرات عنيها، لمسة إيديها على شعري أو على جبيني لما أكون سخن وعيان، جعان لأكلها اللي كانت بتعمله بحب، جعان لإصرارها عليا عشان آكل، ومأخرش أكلي، جعان لكل لحظة قضيتها معاها، جعان لجريي عليها بعد كل كابوس وهي تاخدني في حضنها عشان أنام وتقرالي قرآن عشان مخافش، جعان للوقت اللي كانت بتذاكرلي فيه وهي حريصة على مستقبلي وسلامتي، أنا جعان قوي للحاجات دي، واللي أنا عارف ومتأكد إنها استحالة ترجع تاني في يوم، استحالة أحس بالحاجات دي مع أي حد تاني، أو حتى أقدر أوفرها لنفسي.
+
طوال حديثه كان يضم كفيه لبعضنما ويعصرهما ضاغطًا عليهما بعنفٍ، لعل قلبه يلتهي عن آلامه ولو قليلًا!
+
انهمرت العبرات من عيونها العسلية متأثرةً بكلماته المخلوطة بإحساسه المُرهف، هي أيضًا تفتقر للحنان، لهذه اللحظات الفريدة التي يقضيها الإنسان مع شخصٍ لن يُقبِل على إيذائه أو إيلامه مهما حدث، هي مثله بدون أم تُحبها بكل عيوبها، وبدون أبٍ أيضًا يكون لها قوةً عندما تضعف قوتها.
+
عضت "سندس" على قبضة يدها بقلبٍ مأسورٍ في قفصٍ من أسى وألم، ونطقت تشاركه بعض أحزانها:
+
_ أنا كمان ماما وحشتني.
+
كفَّ "سامي" عما يفعله في يديه المسكينة، ناظرًا لها بعيونٍ اتسعت من تفاجؤه وفضوله نحوها، يبدو أنه ليس الوحيد من ذاق من كؤوس هذا الألم، ويبدو أيضًا أن حديثه معها عن هذا الأمر سيطول.
+
ـــــــــــــــ✦✦✦✦ـــــــــــــــ
+
"خارج شركة المنسي للتشييد والبناء"
+
هل رأيتم يومًا تجمعًا صُحفيًا في شاشة التلفاز أو في الواقع؟
هذا التجمع مخالف تمامًا لأي شيء قد صادفتموه، هم أقرب إلى مجموعة من اللاآدميين.
+
رأوا فيه هيبةً وجلال، وهالة من نورٍ تسطع منه، إنه المحارب الفائز دومًا في معركة الحياة رغم خسارته.
وبروحٍ مكدودةٍ، ورماديتان أبيتان بنظرتهما الثابتة تقدَّم واقفًا يواجههم بعقلٍ غاضبٍ لا ينفك عن التفكير في حلولٍ وحلول.
+
حاوطه رجال الأمن مُشكلين جدارًا حاميًا يقيه شرور هؤلاء.
+
تنافس الصُحفيون فيما بينهم حول من يستولي على انتباهه، ويظفر معه بسؤالٍ يجهلون جميعًا إجابته، هاجوا، وتدافعوا، كتدافع الصبية للنزول من سلم مدرسة، فلا مجال للالتفات للكاريزما والمظر العام مادامت الولائم الإخبارية تُعد نصب أعينهم.
+
سئم منهم "طلال"، يبدون كمُبتدئين في هذه المهنة، وهم أشد شبهًا بأُناسٍ يفتقرون للذوق والنظام والآدمية بتصرفاتهم السوقية ومنافستهم الهمجية هذه.
+
نفخ أوداجه، وهياجُ غضبه ينفجر في خلاياه الحِسيّة، وأما ظنونه حول الأمرِ تتجلى حتى صارت يقينًا لا شك فيه، هم حتمًا مدفوعون عليه من جهةٍ ما، وهو يعلم هذه الجهة كل العلم، فهذا ليس لقاءًا صُحفيًا عاديًا مما إعتاد عليه طيلة حياته المهنية، كونه شخصية مرموقة ومؤثرة في سوق العمل.
+
إذًا "الظِل" هو من أرسلهم إليه إمعانًا في استنزافه من كل الجوانب، وزيادةً في استثارة كل طاقاته المكبوتة من بُغضٍ وعصبيةٍ ورغبةٍ في الإبقاء على صورته أمام المجتمع نظيفة ناصعة البياض، وتجنُب الإشاعات المُغرضة، والملاحقات اللزجة من القنوات الإخبارية.
+
دافعُ غضبه قوي وله مبرراته، فـحياته الخاصة خط أحمر، بكل ما فيها: حالته الصحية، أفراد عائلته المتبقين، أصدقاؤه، حلفاؤه، شركاء عمله، وحتى أعداؤه القِلة والذي أبرزهم "الظل".
+
أجبر عقله على الطفو بمستنقع أفكاره، ليُلاقي سؤالًا من بين الأسئلة الموجهة إليه من أفواههم:
+
_ ليه خبيت خبر إصابتك طول المدة دي، واللي وصلت لشهرين كاملين؟
+
احتجَّ داخليًا من تدخلهم في شؤونه الخاصة، فطالع الصُحفيّ بنظرةٍ ناريةٍ حارقة، وهو يهاجمه بنبرته الباردة كالجليد:
+
_ أظن دي حياتي أنا وأنا اللي أختار أعلن عن إيه وأخبي إيه.
+
خابت مساعي الآخر فالتزم الصمت، ليتولى ثانٍ دفة الحوار بقوله الفضولي والتحقيقي في ذات الآن:
+
_تفتكر مين ورا الهجوم ده؟ أو اللي ليه مصلحة مُباشرة أو غير مُباشرة من أذيتك؟
+
لوى"طلال" شفتيه ساخرًا، وأدار وجهه له يناظره بعدائية، مجيبًا بلا إكتراث:
+
_معرفش، الله أعلم.
+
تكرر السؤال ذاته على مسامعه بصيغةٍ أخرى:
+
_مين اللي عايز يتخلص منك بالطريقة الغبية دي؟
+
حولَّ "طلال" عيونه تجاه ثالث المتحدثين، واستاء من ابتذاله لسؤال صاحبه، أولم يُملي عليهم "الظل" أسئلة كافية ليقتسبوا من أسئلة بعضهم البعض؟
+
أحاطه برماديتيه الساخرتين، وتهكم بقوله:
+
_أظن إني لسة مجاوب على السؤال ده.
+
إلتفت لآخرٍ هتف سائلًا من بين الحشد بنظراتٍ ثعلبية:
+
_ ليه مكانش معاك حراسة في الوقت ده؟
+
امتلأ صدره بالضيق منهم ومن الوضع كله، فقال وكأنه يشاجره بالكلام:
+
_أمور شخصية مبحبش اتكلم فيها.
+
ناداه صحفي غيرهم، يسأله بعيونٍ تضيق عليه ونبرته كانت هادئة ومهذبة للغاية، لو لم يرى المكر يتراقص داخل حدقتيه الخبيثتين لحسبه شخص ذا خُلق:
+
_"طلال" باشا، ليه رجعت في وقت متأخر من الليل لواحدك؟
+
استخفَّ به "طلال"، وأُعجب ببراعته في تمثيل دوره، وحدثه بفظاظةٍ قلما يكون عليها:
+
_أنا حُر أروح المكان اللي عايزه في الوقت اللي عايزة مادام مش بضر حد.
+
لولا عِلمه أنهم من طرف عدوه لما كان تعامل معهم بهذه الطريقة الحوارية السيئة، ولكنه يُشوى على فحمٍ أوقده عدوه، ومازال ينفخ فيه حتى يحرقه أكثر، تنهد معطيًا إياهم ظهره، تاركهم في الخارج على وضعهم أثناء هِتافه بجملةٍ أبدت عدم ترحيبه بهم، أو تحمله لوجودهم، وتتضمن أيضًا طرده لهم بغير لباقة:
+
_الأسئة خلصت لحد هنا، وقتكم خلص، نورتونا، وياريت متكرروش الزيارة دي تاني.
+
أشار "طلال" وهو ينصرف لرجل الأمن _الذي هاتفه سابقًا _أن يتبعه، ففعل بصمتٍ، وسار حتى أصبح في محاذاته، حينئذٍ أملى عليه أوامره بحذرٍ مُغطى بالجدية:
+
_ إعرفلي الناس دي تبع مين تحديدًا، ولو كانوا صحافة بجد وده اللي أشك فيه تجيبلي اسم الجرايد اللي شغالين فيها، واللي تتوصل له تبلَّغه لـ "فراس" وتقوله إني عايزه مع المعلومات ضروري، كل ده يحصل النهاردة.
+
أكد "الرجل" تنفيذ ما أُمِرَ به، ناطقًا باحترامٍ وهو يوميء برأسه:
_حاضر يا فندم، كل ده سهل.
+
غامت عينا "طلال" في ملكوتٍ آخر، وترددت في نثايا عقله الكلمة الأخيرة التي سمعها من الحارس "سهل"، ليت كل الأمور تكون سهلة ويسيرة!
+
هو طوال عمره ما قابل إلا الصعوبة والمشقات، وما حصد إلا الألم والمرارة، تنهّد بعمقٍ يُحرر صدره من أثقالٍ كالصخور العملاقة تجثم عليه، وأخذ مساره نحو المصعد؛ لكي يعود إلى مكتبه حيث ينام ذلك الفتى الحزين لفقدان أمه الغالية.
+
ومن مثله قد ذاق مرارات فقد الأم؟!!
+
مذاق أشد مرارة من الحنظل، وأشد قساوة من تناول الأشواك، وأكثر إيلامًا من طعنةٍ تعرض لها _هو_ يومًا على أيدي مجموعة من الطائشين.
+
لذلك هو يشعر به، يتعاطف معه، والأعجب أنه يعذره!
+
لربما لم يجد من يرشده للصواب ويأخذ بيده، فليكن هو له إذًا بوصلةً تهديه _بأمر الله_ لطريق يحسبه هو صوابًا.
+
ـــــــــــــــ✦✦✦✦ـــــــــــــــ
+
"في الاسكندرية"
"ڤيلا مهند الكيلاني".
+
_هات الريموت يا راغب، عاوز اتفرج على المسلسل.
+
هتف بها "باسل" آمرًا، ريثما يجلس على الأريكة بجوار صديقه، رافعًا ساقه فوق الأخرى، باسطًا كفه له بغرورٍ مُغيظٍ للآخر، مُنتظرًا إذعانه له.
+
أتاه الرفض بأسرع ما يمكن من "راغب" المُستاء منه:
+
_لأ، هسمع الماتش الأول، بعد كده هسيبهالك مخضرة.
+
احتقنت عينا "باسل" بضيقٍ، وسحب كفه يضمها لأختها، وأراد أن يفرض سيطرته عليه ليريه ما هو قادر على فعله، فمدد جسده تُجاهه، مُلقيًا بثقله عليه، وحاول أن يخطف جهاز التحكم من بين أنامله.
+
ارتمى "راغب" على الأريكة، مُبعدًا يده الممسكة بالريموت عن مرمى "باسل" بينما يُزيحه من صدره بكفه الأخرى، مُحاولًا إبقاءه بعيدًا قدرما يستطيع عن ريموته العزيز.
+
أزال "باسل" يد صديقه عن صدره بعنفٍ غير مسبوق، وشرع في شجاره معه ليجذبه هو مُتمكنًا من ياقته حتى يُجلسه وتسهل مهمته للحوز على الريموت البعيد عن يديه.
+
تمكَّن "راغب" من تحرير ياقته منه فاككًا له إصبع يليه البقية، وخلَّص ثيابه من بين أنامل الآخر.
+
اشتعلت جذوة الشجار بينهما، وكذلك احترق "باسل" بنيران غيظه الصبياني، فلكمه بقبضته _المضمومة_ بقوةٍ في كتفه بعدما سئم منه وفقد الأمل في الوصول لما يريد وصرخ فيه مُشتاطًا:
+
_يا عم بطل رخامة وتُقل دم بقى.
+
تأوه "راغب" بألمٍ خفيفٍ، ورغم ذلك أجاب بلزاجة:
+
_لأ، وبعدين إيه عرفك إن دمي تقيل؟ دا أنا دمي خفيف خالص.
+
جعَّد "باسل" أنفه وشفتيه بازدراء طفولي، وهتف باستكارٍ شديد:
+
_دمك خفيف؟
+
ثم تمتم لنفسه بسخرية يسيء إليه غيبًا:
+
_أشك إنك عندك دم أصلا.
+
رفع "راغب" رأسه عاليًا بكبرياء في حين أنه لم يسمع تمتمته الأخيرة، ورد على جملته الأولى:
+
_أه، أنا دمي خفيف، وكيوت كمان.
+
أصدر "باسل" صوتًا مُستنكرًا من شفتيه الملتوية للجانب بحركة شعبية تعلمها من المسلسلات المصرية، ورماه بنظرةٍ متبرمة وهو يردد على مسامعه في مزيج من الغيظ والسخرية:
+
_كيوت؟! الله يرحم!
+
تجاهله "راغب" تمامًا، مُقررًا العودة بتركيزه وعيونه للشاشة المعروض عليها المبارة التي يتابعها بشغفٍ متقد.
+
لم يجد "باسل" بدًا من اللجوء إلى أسلوبٍ آخر معه، فاستغلَّ موقفه وقُربه من ابن عمته كواسطة حين قال مُهددًا:
+
_ هشتكيك لطلال.
+
دفعه "راغب" من جانبه؛ ليبعده عنه غير مبالٍ به، وعدَّل ياقته مُغيرًا جِلسته لتكون مُريحة أكثر، رفع رأسه مُصرحًا بإباءٍ وبأسٍ شديد:
+
_ولا حركت فيا شعرة.
+
نفث "باسل" أنفاسه كنيران التنين، واستعان بحبه لأكلته المُفضلة كسلاحٍ ضده بإردافه:
+
_هاخد أكلك اللي في التلاجة.
+
لم يتلفت له "راغب"، ولم يبدى أي انزعاجٍ أو استنفارٍ منه، فمشاهدة المُبارة بالنسبة له أثمن من طبقه المُفضل، إذًا فاليأخذه صديقه المستفز، وبعدها سيطلب من المِطعم مثله أو يُعده هو بنفسه، فقابله بقوله البارد تمامًا كبسمته:
+
_بالهنا والشفا.
+
جزَّ "باسل" على أسنانه حتى شعوره بالألم فيهم، وتميز صدره من الغيظ؛ ولكنه استمرَّ في تهديداته الطفولية:
+
_ هسيبلك الشغل كله على دماغك.
+
ضحك "راغب" بسخرية منه، أيظنه حقًا قد ينزعج أو يستاء من كثرة الأعمال؟ أيظنه مثله يكره حمل المسؤوليات القابعة على عاتقه؟
+
فارت دماء "باسل" من ضحكاته المتهكمة منه، وشعر بدماغه تخرج لهيبًا حينما بَلَغَهُ رده غير المُهتم:
+
_ميفرقش معايا، ياما شلت الشغل على كتافي وماشتكيتش.
+
أراح "باسل" ظهره للأريكة، وصوَّغ تضايقه وغضبه في سؤاله المُتذمر:
_يا بارد إنتَ مافيش حاجة فارقة معاك خالص؟
+
اقتضب "راغب" في حديثه، كي يتسنى له مُشاهدة مُباراة كُرة القدم على راحته، فجاء قوله كلمة واحدة يستفزه بها:
+
_بالظبط.
+
ماذا يفعل معه؟ أيجذبه من خصلاته هذه ويقطعها له ليتحسر عليها بقية حياته؟! أم يليقيه من الأريكة ويأخذ منه الريموت رغم أنفه، وليحدث بعدها ما يحدث؟
+
زمَّ "باسل" شفاهه مُحاربًا أفكاره التي تقوده بلا هوادة لعراكٍ لن ينتهي إلا وهما مُجهدان وفي حالٍ سيئة، زفر بقوةٍ يطرد الهواء من رئتيه مع أنفعاله البالغ.
+
صار في الآونة الأخيرة ضيق الصدر، يشتاط غضبًا من أبسط الأمور، وينفعل لأتفه الأسباب، ولا سيما أن مجرد حديثه إلى "راغب" يُفضي دومًا لشجارٍ عنيفٍ بينهما.
+
قضم شفاهه يُحجم انفعالات روحه و روض غضبه، ليومأ برأسه بغرابةٍ ونمت على شفاهه بسمةٌ مريبة تزامنًا مع قوله الحامل لمعاني الوعيد:
+
_ ماشي يا راغب، افتكر إنك اللي طلبت ده.
+
كانت ردة فعل "راغب" أن همس له بإيجاز بارد:
_ طيب.
+
أغتاظ أكثر، ولوى شفاهه لأسفل مشمئزًا من أفعاله، ثم وقف من جواره، داهمت عقله فكرة ماكرة ستعطيه النتيجة المطلوبة، فقال ببسمةٍ تدل على انتصار مُريب:
+
_ حيث كده هروح أشوف تلفوني مخبيه فين يا أرزل خلق الله.
+
لوح له "راغب" وهو يُشاهد التلفاز، وعقب على حديثه بتصميمٍ ساخر وذهنٍ شاردٍ:
+
_ أخبط دماغك في الحيـــ.....
+
بتر جملته من تلقاء نفسه، لكونه استعاب أخيرًا حديث الآخر، لن يدعه يأخذ هاتفه وإن كان آخر يومٍ في حياته، لذا هدر فيه صائحًا ينهاه:
+
_لااااااا بــــــــاســـــل، إياك.
+
حرك "باسل" كتفيه بهزاتٍ متعاقبة، وهو يرد عليه ببساطة:
+
_إنت اللي اضطريتني لكده.
+
ركض بعدها تجاه السلم المؤدي للغرف في الطابق التالي، لحق به "راغب" يمشي الهرولة، قائلًا بصوتٍ صارخٍ:
+
_وقف يا باسل، أوعا تيجي جنب الفون، وقف بقولك.
+
نفى "باسل" بتلقائية مُغيظة:
_لأ.
+
كزَّ "راغب" على نابيه، وخرج عن طور تعقله، ناهرًا إياه بصراخٍ أشد:
+
_ يا زفت إسمع الكلام.
+
ومرة أخرى تأتيه إجابة زادت غضبه أضعافًا:
+
_مش سامع.
+
قضى "راغب" على آخر خطوة تفصله عنه، ممسكًا إياه من كتفه وهو يلهث مُرهقًا من جريه الجنوني خلف هذا الأرعن، ليهتف باستسلام غير متوقع:
+
_خلاص استسلمت، خد الريموت.
+
لو نظرنا إلى الأمر من جانبٍ آخر فإن "باسل" فقد رغبته في الظفر بجهارٍ التحكم، وحلت محلها ألمه وشوقه الأزلى من ولــ "والدته"، استوحش مُهاتفاتها ورسائلها الليلية والصباحية، رغم أنه لا يرد على أيٍ منها؛ ولكن هذه الأشياء تُشعره أنه لازال مرغوب به من قِبَلِها، وهذه الرسائل والمكالمات برهان على أنها تحبه حتى يومنا هذا، ولا ننسى أنه بهذه الطريقة يطمئن على سلامتها، وأنها على ما يرام.
+
صمته الطويل أسفر عن جملةٍ زاهدة:
+
_مبقتش عايزه.
+
دفعه "راغب" من وجهه صائحًا بضجرٍ:
+
_داهية في منظرك.
+
_أهو إنتَ.
+
قالها "باسل" ببرودٍ عظيمٍ يخفي وراءه خذلانه من أمه الحبيبة، الألم الذي تركته في نفسه لا يضاهيه أيُّ ألم آخر سَبَبَه له إنسان، قلبه مُحمل _من ناحيتها_ بخيباتٍ لن يتخطاها مهما مر به الزمن، لقد بكى صغيرًا مُتشبثًا بثيابها، ترجاها، توسلها، استحلفها ألا تتركه وحيدًا يُلاقي الألم والوحدةٍ والضياع، ولم يشفع له كل هذا عندها؛ لأنها تركته، ورحلت، و....
+
_إنتَ بتردلي أنا الكلمة بكلمتها؟!
+
أفاقَ على هذه العبارة الساخطة من فم "راغب" القابض على ياقةِ تيشيرته كأنما امسك فأرًا ما، شرود "باسل" منعه من إدراك متى وكيف حدث كل هذا، إنه يغرق في ماضيه بلا مُغيثٍ أو مُنجدٍ له من كلومٍ نفسه، أين يذهب ليرتاح من هذا العناء؟
+
اختنق صوته وهو يجيب بهذه الكلمة التي من المفترض أن تكون مستفزة:
+
_أيوة.
+
براح صدره يضيق، قلبه ينازع الألم، وعيناه تألقت بدموعٍ متجمدة، يخشى إراقتها؛ لئلا يبكي لساعاتٍ طوال.
+
قُبِضَ قلب "راغب"، وأحسَّ بشيء من ألمه المُطل من عينيه الدامعتين، فجذبه بلا كلامٍ يحتويه بحضنٍ آمنٍ، لعل روع روحه يقل، وألم قلبه يخفت، ليته يستطيع أن يخفف عنه بمجرد حضن!
+
كل شيء فيه ينهاه عن الانسياق في وصلة بكاء لا ريب ستنتابه الآن إن ظل مُحاطًا بهكذا حضن؛ فبعض الأحضان تحض على الانخراط في البكاء بإسراف، وهو لا يود هذا في الوقت الراهن، باستثناء قلبه الذي يرجوه بإلحاحٍ أن ينعم بهذه الراحة، تجاهل" باسل" نداءات قلبه، وداس على ألمه بحذاء القوة حين طلب بخشونةٍ مبعدًا إياه عنه:
+
_لو سمحت يا راغب، إبعد.
+
ارتدَّ "راغب" خطوة للخلف إثر دفع الآخر له، ولم يلبث أن عاد أدراجه يعانقه بقوةٍ أشد من سابقتها، مرددًا بعنادٍ يمتزج بعاطفته:
+
_لأ، مش هسيبك غير لما أحس إنك بقيت أحسن.
+
منع "باسل" عيناه عن ذرف الدموع، وسحب نفسًا يضبط به ما يعصف بكيانه من مشاعر ضارية تنهشه، همس له بصوتٍ خافت راجٍ:
+
_يا راغب أبوس إيدك كده هقلبها مناحة وأنا اللي فيا مكفيني.
+
أتعلمون أن المزاح أسهل وسيلة لقلب الأجواء للأفضل؟
+
"راغب" يعرف هذا؛ لذا همهم معقبًا على كلماته بمرحٍ لطيف ومضحك:
+
_وفيها إيه؟ ده يوم المُنى، خلينا نقلبها مناحة إحنا الإتينين، وصياح وبكاء مُنهمر، هو أنا مقولتلكش؟
+
زيَّل حديثه المُمازح باستفهامٍ، ليجيب عليه "باسل" بشيء من الحنق رغم فضوله لمعرفة ما يرمي إليه:
+
_لأ، مقولتش.
+
ابتعد عنه "راغب" ليمنحه مساحة للتنفس بحرية، فهو شعر باختناقه من كتمه لأحزانه وبكاءه، ومحاربته لرغبته العارمة في البكاء، فاستطرد بحسٍ فكاهي تتسم به شخصيته:
+
_أنا كائن صيوح بطبعي.
+
انكمشت تعابير "باسل" بتكذيب، فـ "راغب" قلما يشكو همه أو ما يحزنه لأحد؛ لأنه شخص كتوم على عكسه هو؛ لهذا واجهه بكملة مستنكرة:
+
_إحلف.
+
ضحك "راغب" بخفوتٍ سعيد لتبدل حال صديقه العزيز، ولرؤيته لتكذيبه الواضح في عيونه وفي كلمته، ليواصل حديثه المطعم بالمرح قائلًا بظرافةٍ:
+
_أه، والله العظيم.
+
هزَّ له "باسل" رأسه بلا اقتناع، وتمتم لنفسه بهذه العبارة الخافتة للغاية التي في أعماقها يكمن الحب ويغلفها السخرية:
+
_فَشَّار وبكَّاش، لأ وكمان كذاب، بس جدع وصاحب صاحبه.
+
ــــــــــــــ✦✦✦✦ـــــــــــــ
+
" منزل غيث أبو النجا".
نعود إلى غرفة "إيناس".
+
طُرِق بابها من جديد، شهقت نفسًا عميقًا تحاول به أن تُلملم خيباتها، تسمع توسلات والدتها "صفيَّة" المنتحبة ببكاءٍ أمومي حار، وكذلك "تغريد" تستجديها أن تفضي لها بما يؤلمها، وأخيرًا انضم لهما "عَرفة" الذي خرج من غرفته على أصوات الطرقات العالية وبكاء وصياح كلٍ من أمه وابنة عمه، وعندما سألهما عمَّا ألمَّ بهما، أخبراه بما جرى.
+
كل ما تقوم به والدته لا يثمر ولا يأتي بفائدة، حَطَّتْ يده على كفها برقةٍ، وطلب منها بلطفٍ يشوبه القلق:
+
_لو سمحتي يا ماما، خليني أحاول.
+
ناظرته "صفيَّة" باستنكارٍ بخضراويها الباكيتين، فألحَّ عليها بعيونٍ راجية:
+
_أرجوكي يا ماما اديني فرصة عشان نخرجها من اللي هي فيه، وبطلي عياط أبوس إيدك.
+
حارت وتخبطت، ولكنها ليس لديها حيلة في الأمر؛ لذا هزت رأسها إيجابًا، وحلَّ بها شعوري العجز والحسرة، أخذت جانبًا؛ حتى يتعامل ابنها مع الوضع، لربما استطاع أن يفعل ما لم تسطع هي فعله.
+
قرَّب "عَرفة" وجهه للباب، وناداها راجيًا بحنان:
+
_افتحليلي يا نوسة، أنا أخوكي حبيبك.
+
تعالت شهقاتها كمدًا، والمشهد يُعاد ويعاد إزاء أعينها الفائضة بالدموع المُراقة على خديها.
تهشَّم قلبه لذلك، أخته الحبيبة تُعاني الويلات، تفتّّحت جراحها بعد هذه السنوات من الألم والفواجع المتتابعة.
+
طرق على الباب بكفه المُرتعش يناشدها أن تصغي إليه:
+
_افتحيلي يا حبيبة أخوكي، افحتي يا "إيناس" أرجوكٍ وكفاية عياط، عنيكي الحلوين دول ميستحقوش الحزن.
+
السكون هو ما يُقابله منها، تأنَّى في حديثه إليها، لن يضغط عليها فهو في هذه الأمور يتميز بسعة الصدر، هتف باسمها مجددًا مُردفًا بصوته الأخوي الحنون:
+
_إيناس! افتحي يا قلبي، اوعدك مش هسألك أو اتكلم، سيبيني بس أكون جنبك يا عيوني.
+
لم تجد أمام إلحاحه اللطيف أدنى مقاومة، فوقفت من فوق سريرها بقدمين لينتين تحملانها بصعوبة، مشت بتمهلٍ شديد نحو الباب، رفعت ذراعها المتراخي بصعوبةٍ وفتحت له الباب، انزلت ذراعها إلى جانبها بتعبٍ بالغٍ.
+
هاجمها "عَرفة" بمعانقته لها، مُشددًا ذراعاه حولها، يضمها لصدره المثقل بألم هي المتسببة به له؛ لقلقه الفائق عليها، استدار بها تجاه الباب حيث تقف والدته وابنة عمه القلقتين عليها، فرأى لهفتهما بادية في عيونهما الملتمعة بالعبرات، استأذنهما في صوتٍ هاديء:
_ عن إذنك يا ماما إنتِ وتغريد، معلش هقفل الباب.
+
حدقت "صفيَّة" بظهر ابنتها الملفوف عليه يدي ابنها، ثم ناظرته بامتنانٍ وحبٍ مغلقة عينيها كإشارةٍ بالموافقة غير الشفهية، فنزع يدًا عن أخته ليوصد بها الباب برفقٍ، وترك نظراته تطمئنهما.
+
تحرك بها، بعدما فكَّ الحضن سائرًا ناحية السرير وهو يحيطها من كتفيها، جلس وأجلسها بقربه، وأغدقها بحنانه كأنها هي الصغرى وليس هو!
+
مرر راحته اليمنى على شعرها الكستنائي المفرود، فوجدها تندفع بتلقائية في أحضانه تضمه وتبكي بأعلى ما يمكنها بعدما بكت بخفوتٍ منذ لحظات، رامية بكل حمولها على صدره، تجذب قميصه تارة وترخي قبضتيها عليه تارة أخرى.
+
خفق قلبه ألمًا وحزنًا على أخته الكبرى، هي سنده في الحياة بعد والديهما، لم يرها هكذا يومًا منذ أعوام.
+
لم يقطع عليها بكاءها، لم يَسلها عن عِلتها، التزم الهدوء وهو يعانقها بأقصى قوة ممكنة، همهمت هي من بين شهقاتها ونحيبها بنشيجٍ في كلماتٍ غير مُفسرَة إلا من قولها المُطنِب بثكَالةٍ:
+
_شــ... شوفتها تاني، شوفتها وهي محروقة، مفيهاش حتة سليمة، وو.... وشها الجميل متشوه، عيونها زي ما هي من أربع سنين مغمضة، حواجبها الصفرة ورموشها الجميلة مش موجودين، هي ذنبها إيه عشان يحصها كده؟!
دي كانت حنينة قوي، وقلبها طيب، عمرها ما أذت حد، ليه هي؟ ليه تموت بالشكل البشع ده؟ ليه يا عرفة قولي؟ رد عليا ليه؟
+
اهتزَّ "عرفة" ببكاءٍ صامت، كاتمًا فمه بذراعه لئلا تسمعه، وقوىَ من ضمه لها أضعافًا، هو مكلوم، مهموم، حزين، ولكن كل ما يشعر به ليس إلا نقطة في بحر آلامها.
+
شهقة خرجت من فمها عميقة للغاية، وكأن روحها ستخرج معها، وأعصابها تحرق على نارٍ هادئة، صاحب كل هذا قولها الفواح برائحة الانتقام:
+
_بس وحياة غلاوتها عندي وحرقة قلبي عليها ما أنا سايبة حقها غير على جثتي، دمها مش هيروح هدر ولو فيها روحي.
+
ازدرد "عرفة" ريقه المر وهو يزيد من تشديد ذراعيه حولها كل حين، ورغم غياب أي أدلة موثوقة تثبت اتهاماتها، إلا أنه نطق مُخبرًا إياها بدعمه اللانهائي لها:
+
_كل اللي إنتِ عاوزاه هيحصل، وهتلاقيني من إيدك دي لإيدك دي، بس إنتِ اهدي يا عمري.
+
حينما تتكابد عليكَ الآلام، ستجد من يسمع صمتك في وقت انعدام الكلام، يُزيل عن وجنتيك العبرات الحارة ومن ثم يعطيك حِضنًا دافئًا تلتمس فيه الحنان، ليحيط بك من كل اتجاه شعور بالأمان، بأنك لست وحيدًا كما ظننتَ سابقاً بل سوف تتيقن أن هناك شخص ما يهتم لأمرك، يحب ضحكاتك، يساندك وقت أزماتك، وفي النهاية يظل إلى جوارك طوال حياتك.
+
ــــــــــــــ✦✦✦ـــــــــــــ
"في شركة المنسي. "
+
مرَّ على مكتبه ليتفقد حال هذا الولد المسؤول منه مؤخرًا، لم يُقابل سندس عند مكتبها، وقف يفكر إلى أين يمكن أن تذهب؟
+
وفي ثوانٍ علم الإجابة من باب مكتبه الموارب، سار إليه بخطى متمهلةٍ، ووقف يتفقد الداخل بعينيه الفضوليتين، فوجدهما غارقان في موجة من الضحك الباكي، ضحك يخفيان به حزنهما وتمزق أرواحهما، ربَّع ساعديه عِند صدره مُتابعًا تصرفاتهما العجيبة على مُكثٍ.
+
استمع بإصغاءٍ لـ"سندس" القائلة بتألمٍ وحسرةٍ وبسمةٍ ساخرة:
+
_ هم يضحك وهم يبكي.
+
ضحك "سامي" يؤيد حديثها بتعليقه الساخر الحزين:
+
_ أه والله، اللي يشوفنا دلوقتي هيفكرنا شحاتين مش لاقين لقمة ياكلوها.
+
مسحت "سندس" الدمعة الحقيقية العالقة برمشها بسبابتها، ووارت ألمها بقولها التهكمي:
+
_راحت علينا يا سامي، يا خسارة شبابنا.
+
ودَّ "سامي" أن يلطف الأجواء الكئيبة التي تسبب بها دون قصد، فألقى على أذنها طُرْفَةً قرأها سابقًا أثناء تصفحه "للفيسبوك":
+
_زهرة شبابنا بقت جرجير.
+
انفجر بعدها في ضحكٍ شديد، ولم تتمكن "سندس" من منع ضحكاتها الجهورية هي الأخرى، مُستشعرة صدق حديثه، بوغتا بضحكاتٍ من مصدر ثالث غيرهما، تبعها تعقيب "طلال" على طرفة "سامي" المُقتبَسة بجملته التهكمية:
+
_ومش أي جرجير، دي حِزمة متمرطة.
+
استدارا له بعيونهما الدامعة، يُواريان خلفها حزنًا عميقًا علمه هو من قبل أن ينظر لهما حتى، فهذه الطريقة في إخفاء الألم كان يستعملها سابقًا قبل أن يهجرها سامحًا لنفسه باخراجٍ كل ما تكبته من مشاعر مؤلمة، اقترب جالسًا بينهما واضعًا كفيه على ركبتيه، وأخبرهما في صوتٍ حنون مُتفهِم:
+
_ عيطوا، متخبوش ألمكم جواكم، خرجوا كل إحساس وحش بيوجعكم، صوتوا، كسروا، عبروا عن ألمكم، عشان يخف شوية، عشان تعرفوا تتنفسوا كويس، وعشان عقولكم ترتاح والحمل يخف عن قلوبكم.
+
وكأن كلماته عرَّت ألمهما الذان اجتهدا في مواراته بكل طاقاتهما!
+
فحرر كلًا منهما دموعه التي كان يكتمها مع أوجاعه الكمينة في أعماق روحِه.
+
زرعت "سندس" وجهها بين كفيها الذان غرقا سريعًا في بكائها، وتحرك "سامي" تجاهها بحاجبين معقودين حزنًا، ناويًا أن يضمها بحسن نية، فقبض "طلال" على ذراعه رادعًا إياه عن هذا، فقابله بنظراتٍ مستنكرة ومتعجبة ومتسائلة، فأجاب "طلال" على سؤال عينيه بخفوتٍ رزين:
+
_أولًا أنا عارف إن نيتك طيبة، ثانيًا ده حــــــرام ولا يجوز.
+
لاحظ "طلال" الرفض يسيطر على قسمات الآخر، فأردف مُضيفًا بتفسير عقلاني:
+
_حتى لو بتعتبرها أختك، ده ميمنعش حقيقة إنها مش أختك، وكمان عُرْفًا ميصحش، يعني عيــــــب.
+
مدَّ نطقه لآخر كلماته وهو يدع يده برفقٍ، فأومأ له "سامي" مُدركًا خطأه، واقترب منه سائلًا بعينين راجيتين:
+
_طيب ينفع تحضني؟ عاوز حضن.
+
فرد "طلال" ذراعيه في الهواء كاستجابة لطلبه، وابتسم له بحنانٍ قائلًا بترحيب:
+
_ تعالى.
+
رمى "سامي" بنفسه بين يديه يبكي ويتشبث به كطفلٍ وجد أمه بعدما أضاعها في زحام، كان في حاجةٍ لمن يحتويه ويمسد على جراح قلبه لربما في يديه الشفاء.
+
أفرغ "سامي" مخزون بكائه_ لهذه الفترة_ على صدر "طلال" الذي لم يزل يضمه بحبٍ فطري نابع من قلبه الطيب، ويمسح على ظهره بحنانٍ وافر.
+
فصل "سامي" الحضن مبتعدًا قليلًا عنه، وبعدها رفع إليه عينين ممتنتين، شاكرًا بتقدير وابتسامةٍ صافية أشرقت على وجهه:
+
_شكرًا، بجد كنت محتاج للحضن ده.
+
ربَّت "طلال" على كتفه بحنوٍ، وحدَّثه بنبرةٍ رفيقةٍ ومحياه بشوش:
+
_على الرحب والسعة، لما تحتاج لأي حاجة متترددش تقولي.
+
_أكيد.
+
قالها "سامي" فورًا وعيونه سعيدة بما يفعله له هذا الرجل رغم أنه أقدم على إيذائه سابقًا، انتبه على يده التي تمد له العُلبة الكبيرة للمناديل الورقية ليجفف بها آثار بكائه.
إن ظننت أنكَ تائه مُتشردٌ في شوارع الحياة سيرسل الله لكَ من يهديكَ للطريق الصواب، من يُداوي جروحكَ التي ظننتها لن تبرأ أبدًا، وستذوب في المشاعر المتدفقة في دمائك إثر ما ستلاقيه من مُساعداتٍ ومددٍ وعون.
+
استقام "طلال" واقفًا وسحبه ليوقفه هو الآخر، وسارا سويًا إلى جانب من جوانب المكتب به باب من نفس لون الجدران، لا يُلاحظ بسهولة.
+
تسائل "سامي" وعيناه يَغشاهما عَبراته:
+
_ إيه ده؟ ده باب! بتاع إيه ده؟
+
_ده باب أوضة صغيرة مُلحقة بأوضة المكتب اللي احنا فيها دي.
+
أجابه "طلال" بجملته السابقة، وأردف مُفسرًا بعدما قوبل من الآخر بنظراتٍ استفهامية فضولية:
+
_بدخلها لما بحب أنام أو ارتاح شوية، وكمان فيها حمام، هنقعد فيها ونسيب سندس على راحتها.
+
فرغ من حديثه في أثناء فتحه للغرفة، وولوجه داخلها يتبعه "سامي" المُنبهر والذي ردد بحالمية:
+
_أوضة جميلة بجد، لما يبقى عندي مكتب في المستقبل هعمل زيها.
+
تبسمّ "طلال" بلطافةٍ، وجذبه من ذراعه قائلًا يستطرد بمرحٍ:
+
_قدم بس المشيئة، وعلى فكرة فيها شاشة يعني هنلعب سوا بليستيشن.
+
التفت "سامي" على حين غرةٍ يناظر البعيدة قليلًا عنهما بحزنٍ عاد ينشب أنيابه في قلبه بضراوةٍ، وهمس له في صوتٍ راجٍ حزين مثكل بالآم:
+
_بس... بس أنا مش عاوز أسيبها لوحدها، أنا حبيتها قوي، واعتبرتها زي أختي وهي كمان اعتبرتني زي أخوها.
+
راق لـ "طلال" اهتمام الآخر بأمر "سندس"؛ لكنه لا يعلم أن أمرها يعنيه أكثر من أي أحد، لذا هو ابتعد وابعده عن محيطها لتأخذ راحتها في البكاء كيفما تشاء بلا شعورٍ بالخجل أو الحرج، زفر نفسًا ساخنًا وليته يستطيع أن يزفر معه ألمه ووجده!
+
ربَّت على كتفه بلطفٍ زائدٍ وأخبره بحنوٍ:
+
_ محدش عارف "سندس" أكتر منـي، هي مش هتتصرف على راحتها وإحنا موجودين، وخصوصًا إني مديرها وإنتَ كمان لسة متعرف عليها النهاردة.
+
اِغتمَّ وجه "سامـي" وتعاونت عليه همومه، فهزَّ له رأسه بالايجاب، ثم اندفع تجاهه راميًا رأسه على صدره طالبًا منه ودموعه عاودت للتدفق من مُقلتاه:
+
_ضمنـي.
حاوطه "طلال" يكتنفه بحنانه مُربتًا على ظهره ربتاتٍ خفيفة، وسمعه يشكو له في كمدٍ:
+
_وحشنـي حضها الدافي اللي بيحسسنـي بالأمان، حتى بابا عمره ما حضنـي أو طبطب عليا بحنية، عمره ما حسسنـي إنـي ابنه الوحيد، عمره ما حبنـي أو اهتم بيا.
+
نغزه قلبه من قساوة ما يسمع، وهاجمه شعوره بالفقد والعوز لحنان والديه وعطفهما عليه، فباعد ما بين جسديهما، فاصلًا الحضن، ونظر في عمق عيناه وهو يحاوره برزانةٍ وهوادة يُبين له الصح من الخطأ:
+
_مش صح يا "سامي"، مافيش أب في العالم مبيحبش ولاده، بالعكس بيشد عليهم عشان عاوزهم أحسن ناس في الدنيا و....
+
قاطعه "سامي" ينفي بهزاتٍ متعاقبة من رأسه، وتحرك لسانه قائلًا بتلقائية تامة وحسرته بيِّنة في نبرته المريرة:
+
_لأ، كل الأبهات إلا بابا.
+
ورغم تأثره به وتألمه لما يهبط على أذنيه من مُر الكلام، ترك "طلال" مضمون الكلام جانبًا، وعلق على ألفاظه ساخرًا:
+
_الأبهات؟
+
ومن فوره أجاب "سامي" بعفوية مزجها باستغرابه:
+
_أه.
+
صحح له "طلال" كلمته قائلًا وهو يشرح بيده:
+
_اسمها الآبــــاء.
+
مدَّ صوته وهو ينطق بالجمع الصحيح للكلمة، فامتعض وجه "سامي" وسأله بضيقٍ شديد:
+
_وده وقته؟
+
_عندك حق، ده وقت اللعب.
+
تشدق بها "طلال" تزامنًا مع شده له من كفه نحو الداخل، وفي نفسه نمت سعادة لنجاحه في اخراجه من إعصار حزنه المُهلك لروحه وقلبه، أجلسه على الأرض أمام الشاشة ضاغطًا على كتفيه برفقٍ حتى هبط بجسده طوعًا، وبجهاز التحكم أشعل شاشة العرض التي تأخذ في مساحتها عرض الحائط كاملًا، أعطى له إحدى جهازي "البليستيشن" قائلًا يُحمسه للعب:
+
_خد إلعب عقبال ما أخلص مُكالمة وهاجي ونشوف مين فينا هيغلب التاني.
+
_إشطا.
+
رددها "سامي" بلا وعي وسعادته بائنة على وجهه المسرور، بيما انكمشت تعبيرات "طلال" بسخط من طريقة تحدثه السوقية، ورغم هذا قرر تجاهل الأمر الآن.
+
تابعت رماديتاه ما يفعله "سامي" في جهاز التحكم وضغطه على الأزرة بأصابع يديه بمهارةٍ.
+
أجرى "طلال" مكالمة ولا زالت عيناه تتابعه بشغفٍ، وحالما فُتِحَ الخط تنحنح ليعطي صوته النتيجة المرجوة، وبدأ يطلب باحترامٍ :
+
_السلام عليكم، إزيك يا "ريموندا" معلش لو هتقل عليكِ .... تسلمي كلك ذوق، ممكن تيجي المكتب بتاعي وتقعدي مع سندس؟ لأ متخافيش، هي كويسة بس زعلانة شوية، أه، ماشي، خلي بالك منها ولو حصل حاجة قوليلي، تمام مع السلامة وشكرًا جدًا ليكِ.
انتهى "طلال" من إملاء تعليماته المُغلفة بطلباته من "ريموندا چورچ" المُحاسبة التي تعمل ضمن طاقم العمل في شكرته، وهي إضافة إلى ذلك تكون أخت المحامية "إيڤا" الصغرى، وهي الأقرب هنا لـ"سندس"؛ لتأتي لها وتكون إلى جانبها علَّ وجودها في الجوار يخفف عنها ويشد من أزرها.
+
هذه "سندس"....
+
معاناتها تذكره بكل ما مر عليه من محنٍ وابتلاءات واختبارات وُصِمَتْ على جدران قلبه كالأوسمة البطولية.
+
طرد الهواء من صدره بعنفٍ ومعه أفكاره المُضنية، وألقى هاتفه بجانبه بعدما جلس على الأرض وأخذ الجهاز الثاني ليتشارك في اللعب مع هذا الفتى، هكذا وبكل بساطةٍ وانسجامٍ وتناغم.
+
ـــــــــــ✦✦✦✦✦ــــــــــ
سنذهب سويًا لمكانِ زرناه من قبل، مليء بالشر والبغض والمشاعر الانتقامية، هدهد "الظل" كرسيه للأمام والخلف بتكرار، مستمتعًا بما حصدته يداه من مكائد محبوكة خصيصًا لعدوه القديم، تعرَّف على صوت "هيثم" الوالج للغرفة المعتمة قائلًا يبدي إعجابه بما حققته خُطط الآخر:
+
_ تعرف يا "ظِل"؟ بيعجبني فيك دماغك الداهية دي، بتضرب وتلاقي، حقيقي ابهرتني!
+
همهم" الظل" بصوته المكتوم _بعض الشيء_ في قناعه، واستطرد بما يجيش في صدره من شرور تملَّكت كيانه بنبرةٍ ساخرة:
+
_ أومال إنتَ فاكر إيه؟، لازم نقوم معاه بالواجب، دي أصول العداوة، وإحنا ماشيين دايمًا بالأصول.
+
رماه "هيثم" بنظراتٍ تهكمية، وتشدق بسخرية مُماثلة ممزوجة بالانتشاء مما وصل إليه عدوهما المُشترك:
+
_إنتَ هتقولي؟ ده إنتَ قومت معاه بالواجب وزيادة، ده حتى العيب عداك وأزح مترين يا شيخ.
+
ابتسم "الظل" بحقدٍ جلي، وردَّ عليه بتشفٍ مريض:
+
_يلا خليه يشرب، هي دي نتيجة كذبه على ابن خاله.
+
هزَّ رأسه مُكملًا حديثه التهكمي:
+
_ تؤ تؤ، مكنتش أعرف إن الكذب والخداع ده كله يطلع من طلال، يا خسارة!
+
احتدَّت عيون "هيثم" بغلٍ تربع على صدره منذ زمن، وهمس له بنقمٍ:
+
_أهو لبس مع الصحافة اللي إنتَ باعتهم، يمكن يتلهي عننا ونعرف نشوف شغلنا على راحتنا.
+
واسترسل بعدها وعينيه تومضٌ بالخبث الثعباني:
+
_ بس الصراحة فكرة الصحافة دي جاية من تفكير بشوات ودماغ شيطانية مبتنامش، لبس مُصيبة هتطلع من نافوخه.
+
أمال "الظل" رأسه للجانبين يُطقطق فقراتها المُتيبسة، مُرددًا بنبراتٍ حقودة:
+
_عقبال المصايب الجاية إن شاء الله، ياما مستنيه ممنا كتيــــــــــر.
+
نطق آخر كلمة ضاغطًا عليها دليل على كثرة المصائب والكوارث التي ينوي إلحاقها به، فعاونه "هيثم" في انتقامه السام، يُعقب عليه بوعدٍ ووعيد:
+
__بعـــون الله مش هنسيبه إلا لما نجيب أجلــــه.
+
غمز "الظل" بطرف عينه، ومزج كل معاني الشر والمكر في مقولته الخبيثة هذه:
+
_واللي بيحبهم ليهم نصيب، مش ناسيهم، ودول ليهم عندي تكتيك خـــاص...........
+
ـــــــــــــــ✿✿✿✿ــــــــ
+
