رواية للقدر طرقه الغامضة الفصل السادس عشر 16 بقلم حنين احمد
(الفصل السادس عشر)
مرّ يومان على وصولهما ولم يستطع غيث أن ينفرد بوجد مما قاده للجنون وهو
يتحين أي فرصة للانفراد بها ليعترف لها بحبه لها وبرغبته للزواج منها ,
ومما زاد الطين بلّة اكتشافه رؤيته لفيفي بنفس الفندق مع خطيبها الجديد مما جعل
وجد لا تعطيه أدنى فرصة للتحدث معه , وكأنه ذنبه أن خطيبته السابقة تقيم
بنفس الفندق الذي قرروا النزول به!
كاد يجن وهو يلح على جيهان أن تخبر وجد أنه لا ذنب له في ذلك حتى انه لم
يكن من اختار الفندق من الأساس, إلا أن فيفي كانت تحبط كل محاولة له في
التقرب من وجد..
فبعدما اقتنعت وجد أن لا دخل له بوجود فيفي في نفس الفندق وبعدما كان على
وشك اللحاق بها والاعتراف لها بمشاعره قابلته فيفي وصافحته بغنج أمام
أعين وجد مما جعل الأخيرة ترمقه باحتقار خالص وهي تبتعد عنه.
وذات يوم استيقظت وجد كعادتها باكرا وقررت التنزه على الشاطئ فارتدت
فستانا رقيقا من اللون الأخضر وعليه حجابا مناسبا وحذاءا خفيفا للتنزه وسارت
على الشاطئ مبتعدة عن طريق الفندق ومن فيه..
كانت تفكر في حياتها وماذا ستكون عليه بعد عودتها من تلك العطلة..
هل ستسافر كما اقترح عليها والدها حتى تتابع دراستها في الخارج؟
أم ستظل بمكانها تنتظر غيث أن يعترف لها بمشاعر لا تعلم يقينا إذا كان يكنها
لها أم لا ؟؟
زفرت بضيق وهي تستعيد ذلك الغنج الذي قابلته به خطيبته السابقة والتي لم تلقِ
بالا لا بوجودها ولا بخطيبها الجديد, حتى تكون منصفة هي شعرت بالضيق الذي
شعر به غيث من طريقة فيفي ولكنها لم تستطع إلا أن تلوم عليه, فتلك كانت حياته
قبل فترة وهي تخشى أن تظل حياته على الدوام.
لم ينم منذ ليلة أمس.. يكاد يجن وهي لا تترك له فرصة للاقتراب منه أبدا حتى
أنه ندم على اقتراحه الأحمق بمفاتحتها بنفسه وتمنى لو جعل عبد الرحمن يفاتحها
بخطبته لها,على الأقل كان ليكون محبسه بيدها في الوقت الحالي بدلا من هؤلاء
الرجال الذين يتقدمون لخطبتها أمامه بل ومنه أيضا على اعتباره أخا لها وصديقا
للعائلة.
لمحها وهي تخطو برشاقة خارج الفندق وتتجه للشاطئ فأسرع للحاق بها, فلن يضيع
تلك الفرصة الثمينة للحديث معها ولو قابل فيفي في الطريق سيدفعها إلى أقرب
بحيرة يجدها.
تبعها بتصميم ثم فاجأها وهي تجلس على الرمال بمكانا هادئا..
"صباح الخير"
انتفضت وجد التي لم تشعر بغيث الذي تبعها ثم اطمأنت عندما وجدته غيث فأشاحت
بوجهها وهي ترد عليه التحية:"صباح الخير"
جلس بجانبها تاركا مسافة آمنة بينهما وهو يهتف:"هل أنتِ غاضبة منّي؟"
تظاهرت بالدهشة وهي تهتف:"ولماذا أغضب منك؟"
"لا أعلم ولكن هذا ما يبدو, فأنتِ لا تتركين لي فرصة للتحدث معكِ أبدا"
قالت بنبرة ذات مغزى:"من يريد الفرصة لفعل شيء يجدها بنفسه"
ابتسم وهو يقول:"حسنا وها أنا وجدتها بنفسي فهل تسمحين أن أتحدث معكِ قليلا؟"
"بالطبع تفضل"
أجابته بهدوء ليسألها:"هل تعلمين وجد كيف قضى أبي نحبه؟"
نظره له بدهشة وهي تقول:"لقد سمعت أنه كان مريضا"
قال بمرارة:"ولكن لم يكن المرض هو من قضى عليه"
سألته بتردد:"وما كان السبب؟"
أجابها بحزن:"والدي كان رجلا مفعما بالحياة, طيبا لأقصى حد وأحب فتاة كانت
تقطن قريبا من صديق له ولم يضيع الوقت فذهب إلى أسرتها طالبا الزواج بها,
كانت أسرتها بسيطة الحال فرأوا أن والدي فرصة لهم حتى يخرجون من ذلك الفقر
الذي عاشوا به طوال حياتهم وبالرغم أن والدي لم يكن وقتها ثريا إلا أنه بالنسبة
إليهم كان طوق النجاة وبالنسبة إليها كذلك"
سألته بحذر:"بالنسبة لمن؟"
أجابها بمرارة:"بالنسبة لأمي التي لا أتشرف بنعتها بذلك,فأنا في الحقيقة لم أعرف
لي أم سوى عمّتي جيهان"
تنهد ثم تابع:"كان والدي يعشقها, يعشق التراب الذي تخطو عليه كما يقولون لذا فقد
عَمِلَ بطريقة انتحارية حتى يوفر لها طلباتها التي لم تكن تنتهي أبدا,وفي تلك
الأثناء وُلِدت أنا, وألقتني والدتي للمربية بعد أن عوقِبَت تسعة أشهر كما كانت
تردد بحملها بي,فقد كانت طوال فترة الحمل جليسة الفراش لأنه كان خطرا على
حياتنا معا أن تخرج باستمرار كما كانت تفعل قبل حملها بي, وكم تاقت للتخلص
مني ولكن الله جعل التخلص مني كالتخلص من حياتها فآثرت أن تصبر فترة
الحمل حتى تنجبني وتتابع حياتها وبعد أن استردت عافيتها طلبت الطلاق من والدي
وكانت صدمة كبيرة له رغم أنها كانت تصرح له دائما أنها لم ولن تحبه في يوم
وأنها لم تتزوجه إلا من أجل أن ينتشلها وعائلتها من الفقر المدقع الذي عاشوا به
ولم يستطع والدي أن يطلقها رغم إلحاحها وأفعالها بعد ذلك, فلم تترك رجلا
بمجتمعنا سواء أكان متزوجا أم لا إلا و...ارتبطت معه بعلاقة من أجل أن تهين
والدي وتجعله يطلقها رغما عنه ولم يفعل والدي, ليس لحبه فيها ولكن إمعانا في
التمسك بكرامته, لا أفهم كيف يتمسك بكرامته وهي تهينها كل يوم بتلك الطريقة
ولكن كان هذا تفكيره,وبالنهاية عندما سأمت من طلب الطلاق أو الحصول على
الأموال التي تريدها منه هربت مع آخر تاركا زوجته واطفاله أيضا بعدما طلقها
وألقى بأطفاله دون أن يلتفت خلفه..
أما أبي, فقد اشتد عليه المرض الذي بدأ مع بداية خيانتها له علانية ولم يحتمل أكثر
من ذلك, فقام بتطليقها قبل وفاته حتى لا يكون لها حق في أمواله التي تركها والتي
كتبها باسمي بالطبع, عدت ذات يوم من المدرسة لأجد روحه فاضت إلى بارئها
ومن يومها وأنا أقسمت على أن أعامل النساء جميعهم على أنهم مخلوقات للمتعة
وليس للحب, أقسمت أمام جثمانه أنني لن أسمح للحب أن يعرف طريقا لقلبي
ما حييت, وإمعانا في السخرية فهي بعدما علمت بوفاته بعد حوالي سنة حضرت
إلى منزل عمّتي حتى تطالب بحقها بالإرث, وبالطبع تم طردها وإخبارها أنه
قد طلقها قبل وفاته وأنه لا إرث لها"
كانت تنظر له بصدمة وهو يخبرها بما حدث بالماضي, لا تصدق أن كل ذلك يحدث
في العالم الواقعي, وبعد أن انتهى نظر إليها ليجد التأثر على محياها والارتباك
فابتسم قائلا:"بالطبع أنتِ لا تدركين لِمَ أخبرك بكل هذا؟"
أومأت برأسها قائلة:"أجل"
ليتابع:"بعد وفاة والدي شعرت بأنني أكره النساء جميعا حتى أنني ابتعدت عن كل
أنثى تقابلني فى مجال دراستي,عمتي الوحيدة التي وثقت بها وأحببتها وكنت أرى
حبها لعمي عبد الرحمن وتفانيها في إسعاده ودعمه وأتمنى أن أجد امرأة مثلها
يوما ما علّ تعود إلىّ ثقتي بالنساء وقتها, وبعد انتهائي من الجامعة سافرت للخارج
لاستكمال دراستي وهناك بدأ كل شيء..
سأعترف لكِ أنني كنت عابثا من الدرجة الأولى, بقدر ما كرهت النساء بقدر ما
كانت علاقاتي بهن سطحية ومهينة حتى عندما خطبت فيفي كان ذلك تحت
ضغط من عمّتي فاخترت فتاة لن أستطيع أن أحبها ولو حاولت,
فهي مثال للنوع الذي أكرهه بقوة ولذا لم أستطع أن أكمل حياتي
معها كما حدث,وفي ذلك الوقت قابلت امرأة هزّت كياني بأكمله وقلبت حياتي
رأسا على عقب, حملت عيونها حزنها وألما لا حدود له.. كلما رأيتها كلما أردت
أن أذهب إليها لأضمها وأجعلها تنسى حزنها وألمها بين ذراعيّ وعلى قدر تعلّقي
بها على قدر ابتعادي عنها"
سألته بخفوت:"لماذا؟"
"لا أعلم.. ربما لأنني علمت أنني لو تركت العنان لنفسي لوقعت بحبها ولن يكون
لي أمل في الهروب منه, لذا آثرت الهرب منها وتحاشيت وجدوها في حياتي
وانغمست في اللهو أكثر من ذي قبل, حتى استيقظت ذات يوم على خاطر غريب,
هل سأستطيع أن أراها تُزَف لغيري؟هل سأستطيع أن أراها زوجة آخر؟
وشعرت بالنار تسري بداخلي تحرقني بقوة,لم أستطع التخيل فقط فماذا سيحدث لو
تزوجت سواي؟ فعزمت على التقدم لخطبتها على الفور حتى أضمن أنها ستكون
لي حتى أنني تركت كل اللهو وقطعت كل العلاقات الماضية لأصبح إنسانا
جديدا من أجلها فقط"
شعرت وجد أن قلبها يتمزق من الألم وهو يخبرها عن حبيبته وكأنها شقيقته أو
صديقته ولكنها حاولت تمالك نفسها ولم تكن تعلم أن كل ما يدور بداخلها مكشوفا
لغيث الذى شعر بالسعادة لرؤية غيرتها وألمها وهي لا تدرك أنه يتحدث عنها
هي..
قالت بمرح مصطنع:"إذا هناك أجراس زفاف ستدق قريبا؟!"
" لا أعلم"
سألته بدهشة:"لا افهم شيئا, ألم تخبرها بعد؟"
"لقد أخبرتها ولكنها لم تمنحني جوابا حتى الآن"
"كيف لم تمنحك جوابا بعد؟لا أفهم شيئا غيث!ثم ما دخلي أنا بكل هذا؟
هل تريدني أن أذهب للتحدث معها ومعرفة رأيها؟"
قال بمكر:"يبدو أنها ليست بالذكاء الذي اعتقدته,حسنا سأتحدث مباشرة"
نهض من جانبها ثم ركع على ركبة واحدة أمامها وهو يهتف:
"وجد, أحبك كثيرا.. هل تقبيلن الزواج بي؟"
لبرهة... توقف قلبها عن الخفقان, هل غيث يطلب منها الزواج به أم أنها تتخيل
ما يحدث؟؟
هل حقا هو جاثيا أمامها يطلب منها الزواج وينتظر موافقتها؟؟
نظرت له بصدمة لتجده ينظر لها بابتسامته الرائعة التي طالما أَسَرَتها وهو ينتظر
جوابا على سؤاله..
قال بمرح:"وجد,هل ستطيلين التفكير؟إن ساقي آلمتني فهل من الممكن أن تعجّلي
بموافقتك حتى أستطيع النهوض حتى لا نضطر لقضاء شهر العسل في المشفى"
أفاقت على مرحه لتتورد وجنتيها وهي تدرك أنه طلب منها الزواج بالفعل فأومأت
برأسها موافقة وهي تركض من أمامه عائدة للفندق.
نفض رأسه وهو يهتف:"هل وافقت حقا؟!"
كاد يركض خلفها ليتأكد ولكنه فضّل عدم فعل ذلك حتى يمنحها الفرصة لتداري
خجلها ولأنه لم يكن ليثق بنفسه لو وقفت أمامه مرة أخرى بذلك التورد الذي
طالما حلم بتذوقه.
عادت إلى الفندق لتجد أن غادة ورمزي قد انضما لهم فصافحتهما مسرعة وهي
تركض إلى غرفتها, ذهبت غادة خلفها وهي تشعر بالقلق..
ما الذي حدث لوجد وجعلها تركض بذلك الشكل؟
طرقت الغرفة ودلفت قبل أن تسمع جوابها حتى لتجدها جالسة على الفراش تبكي,
أسرعت إليها وهي تضمها وتهتف بها أن تخبرها عمّا حدث لتبكي بذلك الشكل..
وجد نفسها لا تعلم لِمَ كانت تبكي بذلك الشكل المفزع,هل هي خائفة من خوض
التجربة؟هل هي خائفة من غيث وعلاقاته الماضية؟
هل هي غير واثقة بنفسها للحد الذي يجعلها تشك أنه سيعود إلى علاقاته بعد
الارتباط بها؟؟هل هي خائفة أنها لن تستطيع أن تكون ندا له؟
لا تفهم, ولكنها كانت تشعر بالخوف بالفعل ولم تفهم هل هو لأحد من تلك الأسباب
ام لتلك الأسباب مجتمعة؟
هدأت أخيرا وهي تخبر غادة أن غيث قد طلب يدها,فهتفت غادة بفرح:
"طلب يدك للزواج؟!"
ردت بنزق:"لا طلبها للطلاق"
فرحت غادة كثيرا وباركت لها ولكنها نظرت لها بدهشة وهي تهتف:"إذا لماذا كنتِ
تبكين بتلك الطريقة؟"
قالت بحيرة:"لا أعلم غادة ولكنني أشعر بالخوف ولا أعلم السبب"
"إنه شعورا طبيعي لا تقلقي, كل فتاة تشعر بالتوتر والخوف عندما يتقدم لخطبتها
الرجل الذي تحبه ولنحمد الله أنكِ لم تبكِ أمام والديك بالأسفل حتى لا يقتلان
غيث بسببك"
تدخل رمزي الذي دلف من الباب الذي تركته غادة مفتوحا:" إذا تحركي لتنقذينه من
بين براثن الوحشين في الأسفل, فهما يكادان يفتكان بالمسكين وهو لا يدري ما
جريمته"
تابع بمرح:"كنت أعتقد أن غادة فقط هي الحمقاء ولكني اكتشفت أن فتيات العائلة
كلها حمقاء"
قالت غادة بوعيد:"ألم تلاحظ أنك تسبّني حبيبي؟"
"حقا؟؟ كنت أعتقد أنني أذكر صفة من صفاتك حبيبتي؟"
تركتهما وجد يتجادلان كعادتهما ونزلت مسرعة إلى الأسفل لتجد غيث جالسا بين
عبد الرحمن وعبد الله يتصبب عرقا, فابتسمت لرؤيته بتلك الهيئة لتبطئ خطواتها
مقتربة منهم وهي تتحاشى النظر إليه.
جلست بجانب عبد الرحمن الذي ضمّها إليه بشكل دفاعي وهو ينظر لغيث بتوعد.
همست له شيئا بخجل ليبتسم ثم ينظر إلى عبد الله غامزا إياه, ليقهقه عاليا وهو
يهتف:"حسنا غيث متى ستكون الخطبة؟"
انتفض غيث بسعادة وهو ينظر إليهما متحققا إذا كانا يسخران منه أم يتحدثان
بجدية فهتف عبد الرحمن:"حسنا برأيي الشهر المقبل"
غيث بفزغ:"ماذا؟؟ لا..الليلة"
كانت جيهان هي من هتفت تلك المرة باستنكار:"ماذا؟هل جننت غيث؟ لن نستطيع
أن.."
قاطعها غيث بلهفة:"لا عمّتي الليلة ستكون الخطبة, إننا مازلنا بأول اليوم وسأحجز
قاعة الفندق للاحتفال ولديكم الوقت لشراء فستان وكل مايلزمكم فلا تعارضي
أتوسل إليك"
رمزي ساخرا:"لا أصدق,هل غيث هو من يتحدث حقا أم أنني أحلم؟ ماذا حدث لك
يارجل؟"
نظر غيث لوجد وهو يغمزها:"اسأل وجد"
تخضب وجهها وهي تشيح ببصرها عنه وتدفن رأسها بصدر والدها ويضحك الجميع
على مشاكسته لها, فأمسك غيث بذراع رمزي قائلا:"هيّا أمامنا الكثير من العمل"
وقبل أن يغادر انحنى على وجد وهمس لها:"سأراكِ الليلة"
عضّت على شفتيها كعادتها كلما تتوتر أو تخجل ونبضات قلبها تتعالى حتى ظنّت
أن الجميع قد سمعها.
في الخطبة..
وقف ينتظرها وهو يفرك يده بتوتر وبجانبه رمزي يسخر منه ليرفع بصره بعدما
سمع همهمات حوله ليجدها تنزل الدرج ويحيطها كلا من عبد الرحمن وعبد الله,
شعر أنه انفصل عن العالم كله وهو يشرد بجمالها, كانت ترتدي فستانا أرجواني
اللون بحمالتين رفيعتين وفتحة عنق ضيقة, يحتضن جسدها برقة وينسدل بتنورة
ضيقة نسبيا تصل إلى كاحليها, وفوقه سترة بنفس اللون ولكن بدرجة أفتح يتخللها
خيوطا ذهبية تخفي ما كان سيظهر من جسدها وحذاء على الكعبين ذهبي اللون
تتخلله خيوطا أرجوانية وحجابا مناسبا وزينة لا تكاد تُرى وترتدي طقما لازورديا
كان هدية منه إليها إلى أن يعودا لمدينتهم وتختار ما تفضله.
حدّق إليها بانبهار وهو يراها تسير بين والديها الفخورين حتى وصلت إليه فوقف
أمامها لا يدرك ماذا يفعل حتى سمع تعليق رمزي الساخر:"هل أحضر لك
طريقة الاستخدام غيث؟"
فرمقه بنظرة حانقة قبل أن يمسك بيدها التي أعطتها له عن طيب خاطر بعدما عُقِدَ
قرانهما قبل ساعات قليلة ..
فاجأها كعادته بعقد القران وكأنه يخشى أن يحدث شيء يحول بينهما فآثر عقد القران
وعلل ذلك بأنه لا يريد حواجز بينهما خاصة أنهما لن يتأخرا بإقامة الزفاف.
أمسك بيدها بقوة وكأنه يخشى أن يجدها حلما ثم قادها إلى المكان المعد لجلوسهما,
لم يترك يدها بعدما جلسا وكلما حاولت أن تشدّها ضمّها إليه أكثر قبل أن يهمس
لها:"اتركيها حتى لا أفعل شيئا يخجلك أمام الناس فهي تصبرني حتى ينتهي هذا
الاحتفال, وكان الله بعوني لأحتمل الانتظار"
أغمضت عينيها وهي تهمس بداخلها.. يال جرأته فسمعت ضحكته الخافتة بجانبها
وهو يتأكد أن مغزى كلماته قد وصلتها كما أراد..
وبمنتصف الحفل عندما كانا يتلقيان التهنئة من المدعوين وجدت من تقترب منها..
عضت شفتيها وهي تراها تتهادى بسيرها حتى وصلت إليهما, احتضنت أنامل
غيث بين يديها وهي تنحني عليه وتقبل وجنته أمام عينيها المصدومتين ,
ثم انحنت عليها وكأنها تقبلها وهي تهمس لها:"مبارك عزيزتي, فغيث عاشق ممتاز
فتمتعي قليلا معه فلا أعتقد أنكِ ستفين بالغرض لمدة طويلة"
ثم استقامت وهي تهديها ابتسامة صفراء وتغادر مع المدعو خطيبها.
كانت تعض شفتيها بقوة حتى شعرت بطعم الدم بفمها, أما غيث فقد صُدِمَ بفعلة فيفي
ثم نظر إلى وجد ليجدها تعض على شفتيها بقوة حتى لاحظ قطرات الدماء التي
ظهرت على فمها,فأمسك يدها بقوة وهو ينهض ويحثها على النهوض معه
ويعتذر للمدعوين بمرح أنه يريد الانفراد بزوجته.
اصطحبها إلى غرفته وأغلق الباب خلفه ولم يترك يدها حتى أجلسها وجلس بجانبها..
"بماذا همست لكِ؟"
هتفت بغضب:"كانت تخبرني عن مدى...."
اغمضت عينيها بقهر ليستغل الفرصة وهو يطبع قبلة على شفتيها ويهمس لها:
"هل تغارين وجد؟"
ارتجفت بين يديه وهي تحاول الابتعاد عنه وهي تهتف:
"ليست غيرة غيث بقدر ما هي عدم ثقة"
عقد حاجبيه بتساؤل:"عدم ثقة بي؟"
"ليس بك خاصة ولكنني أشعر بالخوف"
"وجد لقد صارحتك بكل شيء حتى تعلمي جيدا مدى حبي لكِ, أنا لم أرد شيئا
بحياتي مثلما أردتك,أنتِ لستِ فقط حبيبتي, أنتِ بالنسبة إليّ النور الذي اقتحم
حياتي وجعلني أفيق من الضلال الذي عشته قبلك,أنتِ المرأة الوحيدة التي
استطعتِ اقتحام الأسوار العالية التي أحطت بها قلبي دون أن تسعى لذلك
أنتِ وجد, أنتِ من أحبها وأريد أن أكمل حياتي معها"
ارتجف قلبها بين ضلوعها وهي تسمع اعترافاته التي جعلت كل أثر للشك بداخلها
يتبخر وهي تبتسم له بحب جعله ينظر إليها بمكر فأسرعت بالانصراف وهي
تلاحظ نظراته الماكرة لتتبعها ضحكاته العالية التي جعلت قلبها يرفرف من السعادة.
*******
مرّ يومان على وصولهما ولم يستطع غيث أن ينفرد بوجد مما قاده للجنون وهو
يتحين أي فرصة للانفراد بها ليعترف لها بحبه لها وبرغبته للزواج منها ,
ومما زاد الطين بلّة اكتشافه رؤيته لفيفي بنفس الفندق مع خطيبها الجديد مما جعل
وجد لا تعطيه أدنى فرصة للتحدث معه , وكأنه ذنبه أن خطيبته السابقة تقيم
بنفس الفندق الذي قرروا النزول به!
كاد يجن وهو يلح على جيهان أن تخبر وجد أنه لا ذنب له في ذلك حتى انه لم
يكن من اختار الفندق من الأساس, إلا أن فيفي كانت تحبط كل محاولة له في
التقرب من وجد..
فبعدما اقتنعت وجد أن لا دخل له بوجود فيفي في نفس الفندق وبعدما كان على
وشك اللحاق بها والاعتراف لها بمشاعره قابلته فيفي وصافحته بغنج أمام
أعين وجد مما جعل الأخيرة ترمقه باحتقار خالص وهي تبتعد عنه.
وذات يوم استيقظت وجد كعادتها باكرا وقررت التنزه على الشاطئ فارتدت
فستانا رقيقا من اللون الأخضر وعليه حجابا مناسبا وحذاءا خفيفا للتنزه وسارت
على الشاطئ مبتعدة عن طريق الفندق ومن فيه..
كانت تفكر في حياتها وماذا ستكون عليه بعد عودتها من تلك العطلة..
هل ستسافر كما اقترح عليها والدها حتى تتابع دراستها في الخارج؟
أم ستظل بمكانها تنتظر غيث أن يعترف لها بمشاعر لا تعلم يقينا إذا كان يكنها
لها أم لا ؟؟
زفرت بضيق وهي تستعيد ذلك الغنج الذي قابلته به خطيبته السابقة والتي لم تلقِ
بالا لا بوجودها ولا بخطيبها الجديد, حتى تكون منصفة هي شعرت بالضيق الذي
شعر به غيث من طريقة فيفي ولكنها لم تستطع إلا أن تلوم عليه, فتلك كانت حياته
قبل فترة وهي تخشى أن تظل حياته على الدوام.
لم ينم منذ ليلة أمس.. يكاد يجن وهي لا تترك له فرصة للاقتراب منه أبدا حتى
أنه ندم على اقتراحه الأحمق بمفاتحتها بنفسه وتمنى لو جعل عبد الرحمن يفاتحها
بخطبته لها,على الأقل كان ليكون محبسه بيدها في الوقت الحالي بدلا من هؤلاء
الرجال الذين يتقدمون لخطبتها أمامه بل ومنه أيضا على اعتباره أخا لها وصديقا
للعائلة.
لمحها وهي تخطو برشاقة خارج الفندق وتتجه للشاطئ فأسرع للحاق بها, فلن يضيع
تلك الفرصة الثمينة للحديث معها ولو قابل فيفي في الطريق سيدفعها إلى أقرب
بحيرة يجدها.
تبعها بتصميم ثم فاجأها وهي تجلس على الرمال بمكانا هادئا..
"صباح الخير"
انتفضت وجد التي لم تشعر بغيث الذي تبعها ثم اطمأنت عندما وجدته غيث فأشاحت
بوجهها وهي ترد عليه التحية:"صباح الخير"
جلس بجانبها تاركا مسافة آمنة بينهما وهو يهتف:"هل أنتِ غاضبة منّي؟"
تظاهرت بالدهشة وهي تهتف:"ولماذا أغضب منك؟"
"لا أعلم ولكن هذا ما يبدو, فأنتِ لا تتركين لي فرصة للتحدث معكِ أبدا"
قالت بنبرة ذات مغزى:"من يريد الفرصة لفعل شيء يجدها بنفسه"
ابتسم وهو يقول:"حسنا وها أنا وجدتها بنفسي فهل تسمحين أن أتحدث معكِ قليلا؟"
"بالطبع تفضل"
أجابته بهدوء ليسألها:"هل تعلمين وجد كيف قضى أبي نحبه؟"
نظره له بدهشة وهي تقول:"لقد سمعت أنه كان مريضا"
قال بمرارة:"ولكن لم يكن المرض هو من قضى عليه"
سألته بتردد:"وما كان السبب؟"
أجابها بحزن:"والدي كان رجلا مفعما بالحياة, طيبا لأقصى حد وأحب فتاة كانت
تقطن قريبا من صديق له ولم يضيع الوقت فذهب إلى أسرتها طالبا الزواج بها,
كانت أسرتها بسيطة الحال فرأوا أن والدي فرصة لهم حتى يخرجون من ذلك الفقر
الذي عاشوا به طوال حياتهم وبالرغم أن والدي لم يكن وقتها ثريا إلا أنه بالنسبة
إليهم كان طوق النجاة وبالنسبة إليها كذلك"
سألته بحذر:"بالنسبة لمن؟"
أجابها بمرارة:"بالنسبة لأمي التي لا أتشرف بنعتها بذلك,فأنا في الحقيقة لم أعرف
لي أم سوى عمّتي جيهان"
تنهد ثم تابع:"كان والدي يعشقها, يعشق التراب الذي تخطو عليه كما يقولون لذا فقد
عَمِلَ بطريقة انتحارية حتى يوفر لها طلباتها التي لم تكن تنتهي أبدا,وفي تلك
الأثناء وُلِدت أنا, وألقتني والدتي للمربية بعد أن عوقِبَت تسعة أشهر كما كانت
تردد بحملها بي,فقد كانت طوال فترة الحمل جليسة الفراش لأنه كان خطرا على
حياتنا معا أن تخرج باستمرار كما كانت تفعل قبل حملها بي, وكم تاقت للتخلص
مني ولكن الله جعل التخلص مني كالتخلص من حياتها فآثرت أن تصبر فترة
الحمل حتى تنجبني وتتابع حياتها وبعد أن استردت عافيتها طلبت الطلاق من والدي
وكانت صدمة كبيرة له رغم أنها كانت تصرح له دائما أنها لم ولن تحبه في يوم
وأنها لم تتزوجه إلا من أجل أن ينتشلها وعائلتها من الفقر المدقع الذي عاشوا به
ولم يستطع والدي أن يطلقها رغم إلحاحها وأفعالها بعد ذلك, فلم تترك رجلا
بمجتمعنا سواء أكان متزوجا أم لا إلا و...ارتبطت معه بعلاقة من أجل أن تهين
والدي وتجعله يطلقها رغما عنه ولم يفعل والدي, ليس لحبه فيها ولكن إمعانا في
التمسك بكرامته, لا أفهم كيف يتمسك بكرامته وهي تهينها كل يوم بتلك الطريقة
ولكن كان هذا تفكيره,وبالنهاية عندما سأمت من طلب الطلاق أو الحصول على
الأموال التي تريدها منه هربت مع آخر تاركا زوجته واطفاله أيضا بعدما طلقها
وألقى بأطفاله دون أن يلتفت خلفه..
أما أبي, فقد اشتد عليه المرض الذي بدأ مع بداية خيانتها له علانية ولم يحتمل أكثر
من ذلك, فقام بتطليقها قبل وفاته حتى لا يكون لها حق في أمواله التي تركها والتي
كتبها باسمي بالطبع, عدت ذات يوم من المدرسة لأجد روحه فاضت إلى بارئها
ومن يومها وأنا أقسمت على أن أعامل النساء جميعهم على أنهم مخلوقات للمتعة
وليس للحب, أقسمت أمام جثمانه أنني لن أسمح للحب أن يعرف طريقا لقلبي
ما حييت, وإمعانا في السخرية فهي بعدما علمت بوفاته بعد حوالي سنة حضرت
إلى منزل عمّتي حتى تطالب بحقها بالإرث, وبالطبع تم طردها وإخبارها أنه
قد طلقها قبل وفاته وأنه لا إرث لها"
كانت تنظر له بصدمة وهو يخبرها بما حدث بالماضي, لا تصدق أن كل ذلك يحدث
في العالم الواقعي, وبعد أن انتهى نظر إليها ليجد التأثر على محياها والارتباك
فابتسم قائلا:"بالطبع أنتِ لا تدركين لِمَ أخبرك بكل هذا؟"
أومأت برأسها قائلة:"أجل"
ليتابع:"بعد وفاة والدي شعرت بأنني أكره النساء جميعا حتى أنني ابتعدت عن كل
أنثى تقابلني فى مجال دراستي,عمتي الوحيدة التي وثقت بها وأحببتها وكنت أرى
حبها لعمي عبد الرحمن وتفانيها في إسعاده ودعمه وأتمنى أن أجد امرأة مثلها
يوما ما علّ تعود إلىّ ثقتي بالنساء وقتها, وبعد انتهائي من الجامعة سافرت للخارج
لاستكمال دراستي وهناك بدأ كل شيء..
سأعترف لكِ أنني كنت عابثا من الدرجة الأولى, بقدر ما كرهت النساء بقدر ما
كانت علاقاتي بهن سطحية ومهينة حتى عندما خطبت فيفي كان ذلك تحت
ضغط من عمّتي فاخترت فتاة لن أستطيع أن أحبها ولو حاولت,
فهي مثال للنوع الذي أكرهه بقوة ولذا لم أستطع أن أكمل حياتي
معها كما حدث,وفي ذلك الوقت قابلت امرأة هزّت كياني بأكمله وقلبت حياتي
رأسا على عقب, حملت عيونها حزنها وألما لا حدود له.. كلما رأيتها كلما أردت
أن أذهب إليها لأضمها وأجعلها تنسى حزنها وألمها بين ذراعيّ وعلى قدر تعلّقي
بها على قدر ابتعادي عنها"
سألته بخفوت:"لماذا؟"
"لا أعلم.. ربما لأنني علمت أنني لو تركت العنان لنفسي لوقعت بحبها ولن يكون
لي أمل في الهروب منه, لذا آثرت الهرب منها وتحاشيت وجدوها في حياتي
وانغمست في اللهو أكثر من ذي قبل, حتى استيقظت ذات يوم على خاطر غريب,
هل سأستطيع أن أراها تُزَف لغيري؟هل سأستطيع أن أراها زوجة آخر؟
وشعرت بالنار تسري بداخلي تحرقني بقوة,لم أستطع التخيل فقط فماذا سيحدث لو
تزوجت سواي؟ فعزمت على التقدم لخطبتها على الفور حتى أضمن أنها ستكون
لي حتى أنني تركت كل اللهو وقطعت كل العلاقات الماضية لأصبح إنسانا
جديدا من أجلها فقط"
شعرت وجد أن قلبها يتمزق من الألم وهو يخبرها عن حبيبته وكأنها شقيقته أو
صديقته ولكنها حاولت تمالك نفسها ولم تكن تعلم أن كل ما يدور بداخلها مكشوفا
لغيث الذى شعر بالسعادة لرؤية غيرتها وألمها وهي لا تدرك أنه يتحدث عنها
هي..
قالت بمرح مصطنع:"إذا هناك أجراس زفاف ستدق قريبا؟!"
" لا أعلم"
سألته بدهشة:"لا افهم شيئا, ألم تخبرها بعد؟"
"لقد أخبرتها ولكنها لم تمنحني جوابا حتى الآن"
"كيف لم تمنحك جوابا بعد؟لا أفهم شيئا غيث!ثم ما دخلي أنا بكل هذا؟
هل تريدني أن أذهب للتحدث معها ومعرفة رأيها؟"
قال بمكر:"يبدو أنها ليست بالذكاء الذي اعتقدته,حسنا سأتحدث مباشرة"
نهض من جانبها ثم ركع على ركبة واحدة أمامها وهو يهتف:
"وجد, أحبك كثيرا.. هل تقبيلن الزواج بي؟"
لبرهة... توقف قلبها عن الخفقان, هل غيث يطلب منها الزواج به أم أنها تتخيل
ما يحدث؟؟
هل حقا هو جاثيا أمامها يطلب منها الزواج وينتظر موافقتها؟؟
نظرت له بصدمة لتجده ينظر لها بابتسامته الرائعة التي طالما أَسَرَتها وهو ينتظر
جوابا على سؤاله..
قال بمرح:"وجد,هل ستطيلين التفكير؟إن ساقي آلمتني فهل من الممكن أن تعجّلي
بموافقتك حتى أستطيع النهوض حتى لا نضطر لقضاء شهر العسل في المشفى"
أفاقت على مرحه لتتورد وجنتيها وهي تدرك أنه طلب منها الزواج بالفعل فأومأت
برأسها موافقة وهي تركض من أمامه عائدة للفندق.
نفض رأسه وهو يهتف:"هل وافقت حقا؟!"
كاد يركض خلفها ليتأكد ولكنه فضّل عدم فعل ذلك حتى يمنحها الفرصة لتداري
خجلها ولأنه لم يكن ليثق بنفسه لو وقفت أمامه مرة أخرى بذلك التورد الذي
طالما حلم بتذوقه.
عادت إلى الفندق لتجد أن غادة ورمزي قد انضما لهم فصافحتهما مسرعة وهي
تركض إلى غرفتها, ذهبت غادة خلفها وهي تشعر بالقلق..
ما الذي حدث لوجد وجعلها تركض بذلك الشكل؟
طرقت الغرفة ودلفت قبل أن تسمع جوابها حتى لتجدها جالسة على الفراش تبكي,
أسرعت إليها وهي تضمها وتهتف بها أن تخبرها عمّا حدث لتبكي بذلك الشكل..
وجد نفسها لا تعلم لِمَ كانت تبكي بذلك الشكل المفزع,هل هي خائفة من خوض
التجربة؟هل هي خائفة من غيث وعلاقاته الماضية؟
هل هي غير واثقة بنفسها للحد الذي يجعلها تشك أنه سيعود إلى علاقاته بعد
الارتباط بها؟؟هل هي خائفة أنها لن تستطيع أن تكون ندا له؟
لا تفهم, ولكنها كانت تشعر بالخوف بالفعل ولم تفهم هل هو لأحد من تلك الأسباب
ام لتلك الأسباب مجتمعة؟
هدأت أخيرا وهي تخبر غادة أن غيث قد طلب يدها,فهتفت غادة بفرح:
"طلب يدك للزواج؟!"
ردت بنزق:"لا طلبها للطلاق"
فرحت غادة كثيرا وباركت لها ولكنها نظرت لها بدهشة وهي تهتف:"إذا لماذا كنتِ
تبكين بتلك الطريقة؟"
قالت بحيرة:"لا أعلم غادة ولكنني أشعر بالخوف ولا أعلم السبب"
"إنه شعورا طبيعي لا تقلقي, كل فتاة تشعر بالتوتر والخوف عندما يتقدم لخطبتها
الرجل الذي تحبه ولنحمد الله أنكِ لم تبكِ أمام والديك بالأسفل حتى لا يقتلان
غيث بسببك"
تدخل رمزي الذي دلف من الباب الذي تركته غادة مفتوحا:" إذا تحركي لتنقذينه من
بين براثن الوحشين في الأسفل, فهما يكادان يفتكان بالمسكين وهو لا يدري ما
جريمته"
تابع بمرح:"كنت أعتقد أن غادة فقط هي الحمقاء ولكني اكتشفت أن فتيات العائلة
كلها حمقاء"
قالت غادة بوعيد:"ألم تلاحظ أنك تسبّني حبيبي؟"
"حقا؟؟ كنت أعتقد أنني أذكر صفة من صفاتك حبيبتي؟"
تركتهما وجد يتجادلان كعادتهما ونزلت مسرعة إلى الأسفل لتجد غيث جالسا بين
عبد الرحمن وعبد الله يتصبب عرقا, فابتسمت لرؤيته بتلك الهيئة لتبطئ خطواتها
مقتربة منهم وهي تتحاشى النظر إليه.
جلست بجانب عبد الرحمن الذي ضمّها إليه بشكل دفاعي وهو ينظر لغيث بتوعد.
همست له شيئا بخجل ليبتسم ثم ينظر إلى عبد الله غامزا إياه, ليقهقه عاليا وهو
يهتف:"حسنا غيث متى ستكون الخطبة؟"
انتفض غيث بسعادة وهو ينظر إليهما متحققا إذا كانا يسخران منه أم يتحدثان
بجدية فهتف عبد الرحمن:"حسنا برأيي الشهر المقبل"
غيث بفزغ:"ماذا؟؟ لا..الليلة"
كانت جيهان هي من هتفت تلك المرة باستنكار:"ماذا؟هل جننت غيث؟ لن نستطيع
أن.."
قاطعها غيث بلهفة:"لا عمّتي الليلة ستكون الخطبة, إننا مازلنا بأول اليوم وسأحجز
قاعة الفندق للاحتفال ولديكم الوقت لشراء فستان وكل مايلزمكم فلا تعارضي
أتوسل إليك"
رمزي ساخرا:"لا أصدق,هل غيث هو من يتحدث حقا أم أنني أحلم؟ ماذا حدث لك
يارجل؟"
نظر غيث لوجد وهو يغمزها:"اسأل وجد"
تخضب وجهها وهي تشيح ببصرها عنه وتدفن رأسها بصدر والدها ويضحك الجميع
على مشاكسته لها, فأمسك غيث بذراع رمزي قائلا:"هيّا أمامنا الكثير من العمل"
وقبل أن يغادر انحنى على وجد وهمس لها:"سأراكِ الليلة"
عضّت على شفتيها كعادتها كلما تتوتر أو تخجل ونبضات قلبها تتعالى حتى ظنّت
أن الجميع قد سمعها.
في الخطبة..
وقف ينتظرها وهو يفرك يده بتوتر وبجانبه رمزي يسخر منه ليرفع بصره بعدما
سمع همهمات حوله ليجدها تنزل الدرج ويحيطها كلا من عبد الرحمن وعبد الله,
شعر أنه انفصل عن العالم كله وهو يشرد بجمالها, كانت ترتدي فستانا أرجواني
اللون بحمالتين رفيعتين وفتحة عنق ضيقة, يحتضن جسدها برقة وينسدل بتنورة
ضيقة نسبيا تصل إلى كاحليها, وفوقه سترة بنفس اللون ولكن بدرجة أفتح يتخللها
خيوطا ذهبية تخفي ما كان سيظهر من جسدها وحذاء على الكعبين ذهبي اللون
تتخلله خيوطا أرجوانية وحجابا مناسبا وزينة لا تكاد تُرى وترتدي طقما لازورديا
كان هدية منه إليها إلى أن يعودا لمدينتهم وتختار ما تفضله.
حدّق إليها بانبهار وهو يراها تسير بين والديها الفخورين حتى وصلت إليه فوقف
أمامها لا يدرك ماذا يفعل حتى سمع تعليق رمزي الساخر:"هل أحضر لك
طريقة الاستخدام غيث؟"
فرمقه بنظرة حانقة قبل أن يمسك بيدها التي أعطتها له عن طيب خاطر بعدما عُقِدَ
قرانهما قبل ساعات قليلة ..
فاجأها كعادته بعقد القران وكأنه يخشى أن يحدث شيء يحول بينهما فآثر عقد القران
وعلل ذلك بأنه لا يريد حواجز بينهما خاصة أنهما لن يتأخرا بإقامة الزفاف.
أمسك بيدها بقوة وكأنه يخشى أن يجدها حلما ثم قادها إلى المكان المعد لجلوسهما,
لم يترك يدها بعدما جلسا وكلما حاولت أن تشدّها ضمّها إليه أكثر قبل أن يهمس
لها:"اتركيها حتى لا أفعل شيئا يخجلك أمام الناس فهي تصبرني حتى ينتهي هذا
الاحتفال, وكان الله بعوني لأحتمل الانتظار"
أغمضت عينيها وهي تهمس بداخلها.. يال جرأته فسمعت ضحكته الخافتة بجانبها
وهو يتأكد أن مغزى كلماته قد وصلتها كما أراد..
وبمنتصف الحفل عندما كانا يتلقيان التهنئة من المدعوين وجدت من تقترب منها..
عضت شفتيها وهي تراها تتهادى بسيرها حتى وصلت إليهما, احتضنت أنامل
غيث بين يديها وهي تنحني عليه وتقبل وجنته أمام عينيها المصدومتين ,
ثم انحنت عليها وكأنها تقبلها وهي تهمس لها:"مبارك عزيزتي, فغيث عاشق ممتاز
فتمتعي قليلا معه فلا أعتقد أنكِ ستفين بالغرض لمدة طويلة"
ثم استقامت وهي تهديها ابتسامة صفراء وتغادر مع المدعو خطيبها.
كانت تعض شفتيها بقوة حتى شعرت بطعم الدم بفمها, أما غيث فقد صُدِمَ بفعلة فيفي
ثم نظر إلى وجد ليجدها تعض على شفتيها بقوة حتى لاحظ قطرات الدماء التي
ظهرت على فمها,فأمسك يدها بقوة وهو ينهض ويحثها على النهوض معه
ويعتذر للمدعوين بمرح أنه يريد الانفراد بزوجته.
اصطحبها إلى غرفته وأغلق الباب خلفه ولم يترك يدها حتى أجلسها وجلس بجانبها..
"بماذا همست لكِ؟"
هتفت بغضب:"كانت تخبرني عن مدى...."
اغمضت عينيها بقهر ليستغل الفرصة وهو يطبع قبلة على شفتيها ويهمس لها:
"هل تغارين وجد؟"
ارتجفت بين يديه وهي تحاول الابتعاد عنه وهي تهتف:
"ليست غيرة غيث بقدر ما هي عدم ثقة"
عقد حاجبيه بتساؤل:"عدم ثقة بي؟"
"ليس بك خاصة ولكنني أشعر بالخوف"
"وجد لقد صارحتك بكل شيء حتى تعلمي جيدا مدى حبي لكِ, أنا لم أرد شيئا
بحياتي مثلما أردتك,أنتِ لستِ فقط حبيبتي, أنتِ بالنسبة إليّ النور الذي اقتحم
حياتي وجعلني أفيق من الضلال الذي عشته قبلك,أنتِ المرأة الوحيدة التي
استطعتِ اقتحام الأسوار العالية التي أحطت بها قلبي دون أن تسعى لذلك
أنتِ وجد, أنتِ من أحبها وأريد أن أكمل حياتي معها"
ارتجف قلبها بين ضلوعها وهي تسمع اعترافاته التي جعلت كل أثر للشك بداخلها
يتبخر وهي تبتسم له بحب جعله ينظر إليها بمكر فأسرعت بالانصراف وهي
تلاحظ نظراته الماكرة لتتبعها ضحكاته العالية التي جعلت قلبها يرفرف من السعادة.
*******
