رواية احببت عبراني الفصل الخامس عشر 15 بقلم مريم غريب
( 15 )
_ أحبه ! _
"آية" .. يا هلاكي . يا فجر غرامي يا بحر ظلماتي .. الذي يسّرني الغرق فيه
يا كنز لياليّ يا درب لعناتي . أحبك . يا خطيئتي يا جحيمي المستعر . يا سلامي يا آلامي . أيتها الصغيرة الشقية . يا أطهر من ندفات الثلج المنهمرة من السماء . يا أجمل من الآلئ المكنونة بأعماق الأعماق
لا براء من حبك . فقلبي تمرد . و عقلي تبلد . أصبح عمري بين يديك .. أقبضي . أبسطي . لن تشير بوصلتي إلا إليك
يا لعنة كتبت علي جبيني . أينما ذهبت أتبعك . إلي الجحيم . إلي النعيم . معك ......... !
يضع "إبراهام" القلم من يده ، كان يجلس بمكتبه السفلية العملاقة ، ما أن فرغ من الكتابة حتي أمسك بالورقة و راح يمرر نظراته المذهولة علي خطه الأنيق
أشعار ! أشعار أيها السيد النبيل !!
منذ متي أصبح شاعراً ؟ و تلك الكلمات العميقة التي سطرها بيده .. لها هي ؟ هل أصبح مشغوفاً بحبها إلي هذا الحد ؟ هل حقاً يعني كل كلمة وردت بالنص السابق ؟ هل يكن لها هذا الكم من المشاعر ؟
فتاته العربية .. إبنة العم .. سليلة أعدائه كما قالت له أكثر من مرة ... يبدو أنه صدق الكلمة ، "أحبك" .. تكرارها رسخها بوجدانه ، أصبح الأمر حقيقياً الآن
"آية" ... السبية الجميلة .. زوجته .. إنه يحبها
حب غير مشروط ، خطير ، مميت ، لن تنفك آواصره إلا بالدماء
و لكن أتراها تكون دماؤه أم دمائها !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
لفحتها نسمات الهواء التشرينية الباردة ، و هي تقف في هذا الوقت فوق سطح أكبر بروج القصر المهيب و أكثرهم ضخامة
كانت تشد طرفي سترتها الصوفية الثمينة حول صدرها ، بينما عينيها مصوبتان بشرود متأمل نحو نقطة معينة ، لم تكن تراقب سواه بالطبع
سجانها و آسرها ، جلادها و عاشقها في آن ، كان يمارس رياضته الصباحية مثل عادة كل يوم ، ينتعل حذاؤه الرياضي ، و ذاك السروال الأسود السميك ، و تلك السترة ذات الغطاء المسدل علي الظهر لكنه يضعه فوق رأسه الآن ليقيه رذاذ المطر الخفيف و هو يركض بوتيرة منتظمة حول مرفأ القصر الكبير
كانت أدمع متفاوتة تنساب من عينيها من حين لأخر ، كلما نظرت له فتتذكر كل ما مرت به علي يديه ، و الظروف التي أفضت بها إليه .. كأن شيطان الذي يعبث بأفكارها ، فكيف تحولت عواطفها بين عشية و ضحاها لا تعرف !
كيف غدت مستسلمة لهجماته الغرامية ... تواقة لرفقته الحميمية ... تدليله لها ، شغفه ، إهتمامه ، حتي عنفه و غضبه في بعض الأحيان
لم تعد تهابه كما السابق ، بل هي في الحقيقة قد إكتشفت أنها .. أحبته ، و تحبه ، و يبدو أن عقلها قد فقد صلاحيته و سلطته علي ذلك القلب الأخرق الذي ينبض بين أضلاعها
عدو .. تحب عدو !!
يا لها من كارثة ، ماذا فعل ليستحق حبها ؟ هي تعلم أنه ليس شخص سيئ جداً ، رفيع الأخلاق إلي حداً ما ، و ليس قبيح الشكل ، بل أنه جذاب و وسيم بدرجة إمتياز ، و لكن هل تكفي تلك الأسباب لتحبه ؟
فقط لأنه عطوف و جميل ؟ كيف جعلها تخضع إليه دون أن تدري ؟ بحنانه أم بصبره عليها ، بلطفه أم برقته التي ينتهجها في كل مرة قبل أن يأخذها بين ذراعيه ليشتري رضاها ، حتي يستطيع أن يتلقي منها ما لا يمكن أن تمنحه إياه إلا قسراً
كانت تقدم له كل شيء ، ثم تنتحب بعد ذلك و تذرف دموع الندم و اليأس ، كانت تشعر في أحيان كثيرة بأنها أصبحت خائنة ، الهزيمة التي ألمت بها جعلتها تتصرف كالغريق الذي يتصرف بعشوائية في عمق البحر رغم علمه الأكيد أنه هالك لا محالة
و كانوا الأجنة التي حملت بهم لمرتان هم كبش الفداء لشعور الذنب الذي أخذ ينهل من روحها منذ إكتشفت أنها تحب العبراني اليهودي ، لم يكن الإجهاض حلاً سهل بالنسبة لها ، خاصة الطفل الأول ، الذي إستطاعت أن تشعر بنبضه بداخلها ، و بحركته الضئيلة جداً
كم كابدت ألوان العذاب و هي تجهضه ، لم تكن تعبأ بالآلم الجسدي بقدر آلم قلبها ، لو أنه تركها تموت يومها ربما لكانت إرتاحت ، لكنه أبي إلا أن يحملها إلي أقرب مشفي لينقذها بتصميمه المعجز
و هناك أجرت جراحة خطيرة ، نجم عنها إرشدادات الطبيب المتشددة بوجوب الإعتناء بها و تجنب تكرار الأمر مرة أخري ، لكنها لم تنصت طبعاً و أجهضت للمرة الثانية
أتراها سوف تستمر في هذا ؟ حتي ينقطع أمل الإنجاب لديها تماماً !!!
أفاقت "آية" من شرودها محدقة بإهتمام و فضول شديدين نحو تلك السيارة الفارهة التي بلغت بوابات القصر في تلك اللحظة ، نزلت منها إمرأة شابة سوداء الشعر طويلة و ترتدي معطف كله من الفراء الذهبي و جوارب ساقيها مخرمة ، نعم إستطاعت تبينها بوضوح
رأت "إبراهام" يقبل عليها مهرولاً ، إتسعت عيناها بذهول و هي تشاهدها في أقل من ثانية قد طارت إلي ما بين ذراعيه ، لفت ذراعيها حوله و دفعت بنفسها أكثر لتقبله بطريقة مشينة مثيرة للقرف و الغضب في الوقت ذاته
فارت الدماء بعروقها و هي تراه يظهر تجاوباً ملحوظاً معها ، نهشت الغيرة قلبها ، لأول مرة تختبر هذا الشعور ، و لم تكن تتخيل أن ينطوي علي حبها لشخص مثله
توارت خلف حائط البرج عندما إستدار زوجها المزعوم أخذاً تلك الفاسقة الجذابة بإتجاه البيت ..
لم تدري بنفسها إلا و هي تندفع كالعمياء للأسفل ، كانت متوجهة إلي حيث هما ، لكنها كبحت نفسها فجأة .. تذكرت أمور عدة و علي رأسها الموقف العدائي الذي تظهره نحوه بإستمرار ، فبأي حق تذهب له و تعابته علي هذا ؟
أطبقت فكاها بقوة و إستدارت عائدة إلي غرفتها ، غرفته !
مكثت هناك واقفة ، لم تجلس أبداً و هي تقف بجوار الشرفة مترقبة رحيلها ، و لكن طال إنتظارها كثيراً ، حتي سمعت باب الغرفة ينفتح فجأة
إلتفتت بسرعة ، لتجده هو ، بتعبير وجهه الغير مبالي كعادته خلال الفترة الأخيرة ، ولج متجهاً صوب خزانته دون أن يعيرها أدني أهمية مما ضاعف شعورها بالغيظ
كتفت ذراعيها أمام صدرها و هي تهتف من مكانها بحنق واضح :
-أري أن الوافدة الجديدة ليست عربية . لكنها تعجبك كثيراً صحيح ؟ من أين هي يا تري ؟!
لم يرد عليها و تجاهلها تماماً ، فجن جنونها لتصيح بصوت هادر و قد أحمـّر وجهه بشكل خطير :
-أيها العبراني الكريه . أنا أكلمك !!
أدار "إبراهام" وجهه نحوها ، رمقها بنظرة إزدراء قائلاً :
-للآسف لست متاحاً لك اليوم يا قطتي العربية . لكني بالطبع لن أنسي وصلة التأديب التي و لا بد أنك بحاجة إليها . فور أن أتفرغ مما بين يدي سآتي إليك أعدك .. و تابع ما كان يفعله
زمت شفتيها بقوة و هي ترد عليه بأنفعال شديد :
-لا أريد أن أري وجهك أصلاً . أنا أبغضك . أتمني ألا تعود أبداً !
رد دون أن يلتفت لها :
-أشكرك يا عزيزتي
لهجته الباردة قضت علي ما تبقي من تعقلها ، أخذت تتلفت حولها باحثة عن أي شيء تقذفه به ، أو تطعنه أو أي شيء يفرغ منها مشاعر الغضب هذه
لم تري إلا لوح الزجاج المستطيل فوق تلك المنضدة الصغيرة ، و بلا تردد أمسكت به و رفعته عالياً بين يديها ، ثم إندفعت صوب "إبراهام" المنهمك في البحث عن شيء داخل رف الخزانة ، و بمنتهي القوة و العنف نزلت باللوح علي أكتافه
لم تسمع في هذه اللحظة سوي صوت التحطم المصم ممتزج بصيحة "إبراهام" المتألمة ، و رأته في اللحظة التالية مقلوباً علي وجهه فوق الأرض و حوله إنتثرت الشظايا المفتتة
أخذ يتآوه بصوت مكتوم ، و بالكاد إستطاع أن يلتقط أنفاسه ... نهض بصعوبة و هو يقول متطلعاً إليها بنظرات محتقنة :
-تحطمين فوق ظهري لوحاً من الزجاج . هل جننت ؟
صرخت بعصبية :
-ستري الجنون بعينه إذا لم تسـّرح تلك الساقطة من هنا و حالاً !!
لم يستطع مقاومة الإبتسامة التي قفزت علي وجهه و هو يرد عليها بشيء من الحدة :
-أولاً ليّا ليست ساقطة . إنها صديقتي و عميلة خاصة لدي بالعمل . ثانياً ما علتك أنت أنا لا أفهمك . منذ متي تتدخلين بأموري الشخصية ؟ أم أنك تغارين الآن ؟!
جمدت مبهوتة للحظة ، ثم إنفجرت فيه :
-أنا أغار عليك أنت ؟ هذا في أحلامك . ألا تري ؟ أنا حتي لا أطيق رؤيتك . أنت منفر بالنسبة لي و مجرد قربك مني يقززني و يثير إشمئزازي
كان الكلام يندفع من فمها كالقنابل ، لم تكن تدري بأي هراء تتفوه أصلاً ، لكنها لم تعي إلا و هو يقترب منها بخطوات وئيدة متمتماً :
-أحقا ترينني منفراً ؟ هل أقرفك و أثير إشمئزازك إلي هذه الدرجة ؟ فلننظر في هذا إذن . ربما أخطأت في تقديرك !
كانت تتراجع للخلف مع كل كلمة يقولها و قد إشتبكت نظراتها المرتابة بنظراته المتخابثة ، حذرته مشيرة بسبابتها :
-أنت . إبق مكانك . ماذا تريد مني ؟ لن أتحملك اليوم أبداً . خيراً لك أن تبتعد عني . سمعت ؟ سأقاومك هذه المرة . لن أتوقف عن مقاومتك لحظة واحدة يـ آ آآآاااه ! .. و صرخت حين إصطدمت بحافة السرير و سقطت فوقه
لم تمهلها المفاجأة وقتاً لتتصرف ، فوجدته قد جثم فوقها مكبلاً حركتها بجسمه الضخم ...
شق قميصها شقاً بليغ ، فكشف عن بشرتها الغضة اللدنة ، ثم إنهال عليها بالقبلات .. كان هذا إسلوبه في التعبير عن فيض مشاعره العنيفة ، و كان هذا النوع الوحيد من العنف الذي يلتجئ إليه معها ، لقد أتلف أغلب الثياب المكدسة بخزانتها تقريباً
لو لم تكن سليطة اللسان !!
-توقف . قلت لك توقف .. هتفت "آية" بإحتجاج واهي
كانت تتلوي تحت ثقله آملة في قليل من مشاعر الرفض حتي تقوي علي مجابهته ، لكنها بهذا لم تزداد إلا توقاً و صبوةً له
-إبتعد . إتركني . إذهب لصديقتك ! .. كان العذاب يملأ صوتها و هي تقول له ذلك
أبعد وجهه قليلاً ليستطيع أن ينظر إليها ، تفرس في وجهها المتوهج بنظرات متقدة بالرغبة الخالصة ، ركز عينيه الغائمتان علي شفاهها الصغيرة المكتنزة
همس لها و أنفاسه الساخنة تحلق علي بشرتها الرطبة :
-هل حقاً تريدين أن أبتعد عنك ؟ تريدينني أن أذهب لغيرك ؟ قوليها . قولي ذلك الآن و سأتركك فوراً
اللعنة !
إنه يساومها الآن ، يضع الكرة بملعبها ، ماذا ستفعل ؟ يا للخزي ، يا للعار ، لا مناص من الإستسلام ، مجدداً !!!
هزت "آية" رأسها للجانبين و هي تقول بصوت ينم عن تآوه :
-لا . لا أريدك أن تذهب . لا تذهب ..
و أطبق "إبراهام" بفمه علي فمها بقوة ، قبل أن تنطق بكلمة أخري ، أخذ يداعب شعرها بيد و بيده الأخري يحسس علي كتفها العاري بلمسات حارة .. كان قد ضمن إستسلامها الكامل عند وصوله إلي هذه النقطة معها ، كان قد نسي نفسه و كل شيء في خضم هذا كله
لكنها هي لم تنسي ، خاصةً تلك اللعوب التي حتماً تجلس في الأسفل بإنتظاره ...
-لا ! .. غمغمت "آية" و هي تنترع شفتها من بين شفتاه
لهث "إبراهام" هو ينظر لها عابساً ، لم يعجبه أن تنسحب و تتركه هكذا في غمرة وصالهما ، بينما قالت محدقة في عينيه بإصرار :
-سـّرحها من هنا أولاً . قل لها أن تذهب !
عرف فوراً من تقصد بكلامها ، و في الواقع لم يتردد لحظة ، قام و إتجه نحو الهاتف الموصول بجناح المستخدمين ، رفع السماعة و تحدث لنصف دقيقة بالعبرية
لم تفهم "آية" ما قاله بالضبط ، لكنها علمت من تعابير وجهه و هو يستدير عائداً إليها ، ما أقدم علي فعله ، فتنهدت براحة منتصرة ، و لم تبدي أي إعتراض عندما إستلقي بجوارها ثانيةً و أخذها بين ذراعيه و هو يجردها و يتجرد معها مما تبقي لهما من ثياب ....
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
لم يصدق "قصي" نفسه عندما سمع صوت عمه آتياً من الناحية الأخري من التليفون العمومي ...
إبتسم قائلاً و عيناه معلقتان علي بناء باريس المشيد ببراعة .. "إيڤل" :
-عماه. لقد إشتقت لك أيضاً . طمئني عنك . كيف حالك ؟
رد العم بصوته المحزون :
-لست بخير بني . منذ رحلت و أنا لا أنام أبداً من شدة قلقي عليك . فقط لو تذعن إليّ و تعود !
تلاشت إبتسامة "قصي" و هو يرد عليه بصلابة :
-أنت تعرف أن هذا الأمر محسوم و غير قابل للنقاش يا عم . سبق و قلت لك لن أعود إلا بأختي
-و لكن كيف ستجدها ؟ أنت تدور بمتاهة ليس لها أخر
-لا يا عم . أنا أسير علي الطريق الصواب . لقد نجحت اليوم في إنتزاع إسم ذلك السافل منها و سأبحث عنه حتي أجده
-هل عرفت آية أنك هناك ؟ هل قلت لها شيء ؟
-بالتأكيد لا . ليس من الحكمة أن تعلم . فأنا لا أريدها أن تتوتر و تثير الشكوك حولها
سمعه يتنهد و يقول :
-و أنا لا أملك سوي الدعاء لكما . أتمني أن ترجعا إليّ في أقرب وقت
وعده "قصي" بثقة :
-لا تقلق يا عم . نحن في كـنف الله و رعـايته . و الله خير حافظ .. سنعود قريباً إن شاء الله !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كانت نائمة علي صدره الحجري الآن ، ترفرف بعينيها الناعستان ، و كان يمرر أصابعه في شعرها الحريري و أحياناً يربت علي كتفها و يرفع يدها الصغيرة ليقبل أناملها الناعمة الواحداً تلو الأخر بأقصي ما يستطيع من رقة
كان سعيداً بإحتواء ثقلها الدافئ بين أحضانه ، لأول مرة تمنحه نفسها بكل هذا الرضا و هذه المشاركة ، هل تفعل الغيرة كل ذلك !!
-أحبك يا آية ! .. تمتم "إبراهام" ملامساً حدود فكها بطرف إصبعه
و هنا إرتكزت "آية" علي مرفقها و رفعت وجهها قبالة وجهه الجميل ، همست و هي ترنو إليه بنظرات خاشعة :
-و أنا أحبك . لن أكذب عليك بعد الآن .. لقد أحببتك . أحبك يا إبراهام !
إبتسم بغبطة شديدة و طوقها أكثر بذراعاه مغمغماً :
-هذا يعني أنك ما عدت تجهضين أطفالنا ؟ لن تفعلي ذلك مجدداً صحيح ؟!
إحتضنت وجهه بين كفيها ، وخزتها شعيرات لحيته الخفيفة قليلاً ، بينما تقول و قد بدا صوتها مترقرقاً بالدموع :
-لا . لن أفعل ذلك أبداً . لن أقتل أطفالي . أطفالنا بعد اليوم ! .. و أغمضت عيناها بشدة
عبس "إبراهام" و هو يري الدموع في أهدابها السوداء الكثة ، كانت تلتمع هناك علي حافة الجفن ، رفع كفه مزيلاً تلك الدمعات و هو يقول بصوت خافت :
-و لكن لماذا تبكين الآن ؟ ماذا حدث ؟ ألم تقولي بأنك تحبينني ؟ هل يساورك الشك تجاهي ؟ لقد أخبرتك مراراً أنني أحبك . و مع هذا إطمئني يا عمري . أستطيع أن أبذل حياتي كلها في سبيلك فقط لأبرهن لك عن حبي . بل عشقي إليك . ما عليك سوي الطلب و عليّ أنا السمع و الطاعة
رمقته بنظرة صمت مطولة ، ثم قالت بتضرع :
-هل يمكنك أن تعدني بشيء ؟
-بالطبع يا حبيبتي . أي شيء . قولي ماذا تريدين ؟
-لا أريد شيء . أريد وعداً فقط
قال بإيماءة حائرة :
-أنا أسمع . و تأكدي أنني لن أتردد أبداً في تقديم كل ما لدي حتي أسعدك و أرسم البهجة علي وجهك
-فلتبحث ! .. دمدمت محدقة فيه ملء عيناها
كرر "إبراهام" بغرابة :
-أبحث ؟
-نعم . أريدك أن تبحث و تقرأ عن الإسلام . أرجوك . أفعل ذلك من أجلي . من أجلك أولاً . و إذا لم تقتنع لن أفاتحك في هذا مجدداً . أعدك
عقد "إبراهام" حاجبيه بشدة قائلاً :
-و لكن لما كل هذا الإصرار علي تغيير ديانتي ؟ لما لا تستطيعين أن تعيشي معي و تحبيني كما أنا . فأنا أفعل ذلك . أنا أحبك كما أنت . و لا أريد أن أغير فيك شعرة
-أرجوك ! .. تمتمت بتوسل أكبر
فتنهد "إبراهام" و صمت مفكراً لبعض الوقت ... نظر لها من جديد و قال مذعناً لرغبتها :
-حاضر . أعدك بأنني سأبحث و سأقرأ عن الإسلام !
علت إبتسامتها في هذه اللحظة ، أمسكت بكتفيه و إحتضنته بقوة و هي تهمس له :
-أحبك . أحبك أيها العبراني !
شدد "إبراهام" ذراعيه من حولها و قال مبتسماً :
-أنا أيضاً أحبك . أيتها العربية الحديدية .. و تآوه فجأة منتبهاً لوضعهما ، ليقول بدهشة :
-و لكن أخبريني كيف وصلنا للأرض ؟!
ضحكت "آية" بإنطلاق و ردت و هي تسحب وسادة من فوق السرير لتضعهاخلف رأسه :
-للآسف لم أنتبه لهذا الجزء !
و ضحكا معا ......... !!!!!!
يتبـــع
_ أحبه ! _
"آية" .. يا هلاكي . يا فجر غرامي يا بحر ظلماتي .. الذي يسّرني الغرق فيه
يا كنز لياليّ يا درب لعناتي . أحبك . يا خطيئتي يا جحيمي المستعر . يا سلامي يا آلامي . أيتها الصغيرة الشقية . يا أطهر من ندفات الثلج المنهمرة من السماء . يا أجمل من الآلئ المكنونة بأعماق الأعماق
لا براء من حبك . فقلبي تمرد . و عقلي تبلد . أصبح عمري بين يديك .. أقبضي . أبسطي . لن تشير بوصلتي إلا إليك
يا لعنة كتبت علي جبيني . أينما ذهبت أتبعك . إلي الجحيم . إلي النعيم . معك ......... !
يضع "إبراهام" القلم من يده ، كان يجلس بمكتبه السفلية العملاقة ، ما أن فرغ من الكتابة حتي أمسك بالورقة و راح يمرر نظراته المذهولة علي خطه الأنيق
أشعار ! أشعار أيها السيد النبيل !!
منذ متي أصبح شاعراً ؟ و تلك الكلمات العميقة التي سطرها بيده .. لها هي ؟ هل أصبح مشغوفاً بحبها إلي هذا الحد ؟ هل حقاً يعني كل كلمة وردت بالنص السابق ؟ هل يكن لها هذا الكم من المشاعر ؟
فتاته العربية .. إبنة العم .. سليلة أعدائه كما قالت له أكثر من مرة ... يبدو أنه صدق الكلمة ، "أحبك" .. تكرارها رسخها بوجدانه ، أصبح الأمر حقيقياً الآن
"آية" ... السبية الجميلة .. زوجته .. إنه يحبها
حب غير مشروط ، خطير ، مميت ، لن تنفك آواصره إلا بالدماء
و لكن أتراها تكون دماؤه أم دمائها !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
لفحتها نسمات الهواء التشرينية الباردة ، و هي تقف في هذا الوقت فوق سطح أكبر بروج القصر المهيب و أكثرهم ضخامة
كانت تشد طرفي سترتها الصوفية الثمينة حول صدرها ، بينما عينيها مصوبتان بشرود متأمل نحو نقطة معينة ، لم تكن تراقب سواه بالطبع
سجانها و آسرها ، جلادها و عاشقها في آن ، كان يمارس رياضته الصباحية مثل عادة كل يوم ، ينتعل حذاؤه الرياضي ، و ذاك السروال الأسود السميك ، و تلك السترة ذات الغطاء المسدل علي الظهر لكنه يضعه فوق رأسه الآن ليقيه رذاذ المطر الخفيف و هو يركض بوتيرة منتظمة حول مرفأ القصر الكبير
كانت أدمع متفاوتة تنساب من عينيها من حين لأخر ، كلما نظرت له فتتذكر كل ما مرت به علي يديه ، و الظروف التي أفضت بها إليه .. كأن شيطان الذي يعبث بأفكارها ، فكيف تحولت عواطفها بين عشية و ضحاها لا تعرف !
كيف غدت مستسلمة لهجماته الغرامية ... تواقة لرفقته الحميمية ... تدليله لها ، شغفه ، إهتمامه ، حتي عنفه و غضبه في بعض الأحيان
لم تعد تهابه كما السابق ، بل هي في الحقيقة قد إكتشفت أنها .. أحبته ، و تحبه ، و يبدو أن عقلها قد فقد صلاحيته و سلطته علي ذلك القلب الأخرق الذي ينبض بين أضلاعها
عدو .. تحب عدو !!
يا لها من كارثة ، ماذا فعل ليستحق حبها ؟ هي تعلم أنه ليس شخص سيئ جداً ، رفيع الأخلاق إلي حداً ما ، و ليس قبيح الشكل ، بل أنه جذاب و وسيم بدرجة إمتياز ، و لكن هل تكفي تلك الأسباب لتحبه ؟
فقط لأنه عطوف و جميل ؟ كيف جعلها تخضع إليه دون أن تدري ؟ بحنانه أم بصبره عليها ، بلطفه أم برقته التي ينتهجها في كل مرة قبل أن يأخذها بين ذراعيه ليشتري رضاها ، حتي يستطيع أن يتلقي منها ما لا يمكن أن تمنحه إياه إلا قسراً
كانت تقدم له كل شيء ، ثم تنتحب بعد ذلك و تذرف دموع الندم و اليأس ، كانت تشعر في أحيان كثيرة بأنها أصبحت خائنة ، الهزيمة التي ألمت بها جعلتها تتصرف كالغريق الذي يتصرف بعشوائية في عمق البحر رغم علمه الأكيد أنه هالك لا محالة
و كانوا الأجنة التي حملت بهم لمرتان هم كبش الفداء لشعور الذنب الذي أخذ ينهل من روحها منذ إكتشفت أنها تحب العبراني اليهودي ، لم يكن الإجهاض حلاً سهل بالنسبة لها ، خاصة الطفل الأول ، الذي إستطاعت أن تشعر بنبضه بداخلها ، و بحركته الضئيلة جداً
كم كابدت ألوان العذاب و هي تجهضه ، لم تكن تعبأ بالآلم الجسدي بقدر آلم قلبها ، لو أنه تركها تموت يومها ربما لكانت إرتاحت ، لكنه أبي إلا أن يحملها إلي أقرب مشفي لينقذها بتصميمه المعجز
و هناك أجرت جراحة خطيرة ، نجم عنها إرشدادات الطبيب المتشددة بوجوب الإعتناء بها و تجنب تكرار الأمر مرة أخري ، لكنها لم تنصت طبعاً و أجهضت للمرة الثانية
أتراها سوف تستمر في هذا ؟ حتي ينقطع أمل الإنجاب لديها تماماً !!!
أفاقت "آية" من شرودها محدقة بإهتمام و فضول شديدين نحو تلك السيارة الفارهة التي بلغت بوابات القصر في تلك اللحظة ، نزلت منها إمرأة شابة سوداء الشعر طويلة و ترتدي معطف كله من الفراء الذهبي و جوارب ساقيها مخرمة ، نعم إستطاعت تبينها بوضوح
رأت "إبراهام" يقبل عليها مهرولاً ، إتسعت عيناها بذهول و هي تشاهدها في أقل من ثانية قد طارت إلي ما بين ذراعيه ، لفت ذراعيها حوله و دفعت بنفسها أكثر لتقبله بطريقة مشينة مثيرة للقرف و الغضب في الوقت ذاته
فارت الدماء بعروقها و هي تراه يظهر تجاوباً ملحوظاً معها ، نهشت الغيرة قلبها ، لأول مرة تختبر هذا الشعور ، و لم تكن تتخيل أن ينطوي علي حبها لشخص مثله
توارت خلف حائط البرج عندما إستدار زوجها المزعوم أخذاً تلك الفاسقة الجذابة بإتجاه البيت ..
لم تدري بنفسها إلا و هي تندفع كالعمياء للأسفل ، كانت متوجهة إلي حيث هما ، لكنها كبحت نفسها فجأة .. تذكرت أمور عدة و علي رأسها الموقف العدائي الذي تظهره نحوه بإستمرار ، فبأي حق تذهب له و تعابته علي هذا ؟
أطبقت فكاها بقوة و إستدارت عائدة إلي غرفتها ، غرفته !
مكثت هناك واقفة ، لم تجلس أبداً و هي تقف بجوار الشرفة مترقبة رحيلها ، و لكن طال إنتظارها كثيراً ، حتي سمعت باب الغرفة ينفتح فجأة
إلتفتت بسرعة ، لتجده هو ، بتعبير وجهه الغير مبالي كعادته خلال الفترة الأخيرة ، ولج متجهاً صوب خزانته دون أن يعيرها أدني أهمية مما ضاعف شعورها بالغيظ
كتفت ذراعيها أمام صدرها و هي تهتف من مكانها بحنق واضح :
-أري أن الوافدة الجديدة ليست عربية . لكنها تعجبك كثيراً صحيح ؟ من أين هي يا تري ؟!
لم يرد عليها و تجاهلها تماماً ، فجن جنونها لتصيح بصوت هادر و قد أحمـّر وجهه بشكل خطير :
-أيها العبراني الكريه . أنا أكلمك !!
أدار "إبراهام" وجهه نحوها ، رمقها بنظرة إزدراء قائلاً :
-للآسف لست متاحاً لك اليوم يا قطتي العربية . لكني بالطبع لن أنسي وصلة التأديب التي و لا بد أنك بحاجة إليها . فور أن أتفرغ مما بين يدي سآتي إليك أعدك .. و تابع ما كان يفعله
زمت شفتيها بقوة و هي ترد عليه بأنفعال شديد :
-لا أريد أن أري وجهك أصلاً . أنا أبغضك . أتمني ألا تعود أبداً !
رد دون أن يلتفت لها :
-أشكرك يا عزيزتي
لهجته الباردة قضت علي ما تبقي من تعقلها ، أخذت تتلفت حولها باحثة عن أي شيء تقذفه به ، أو تطعنه أو أي شيء يفرغ منها مشاعر الغضب هذه
لم تري إلا لوح الزجاج المستطيل فوق تلك المنضدة الصغيرة ، و بلا تردد أمسكت به و رفعته عالياً بين يديها ، ثم إندفعت صوب "إبراهام" المنهمك في البحث عن شيء داخل رف الخزانة ، و بمنتهي القوة و العنف نزلت باللوح علي أكتافه
لم تسمع في هذه اللحظة سوي صوت التحطم المصم ممتزج بصيحة "إبراهام" المتألمة ، و رأته في اللحظة التالية مقلوباً علي وجهه فوق الأرض و حوله إنتثرت الشظايا المفتتة
أخذ يتآوه بصوت مكتوم ، و بالكاد إستطاع أن يلتقط أنفاسه ... نهض بصعوبة و هو يقول متطلعاً إليها بنظرات محتقنة :
-تحطمين فوق ظهري لوحاً من الزجاج . هل جننت ؟
صرخت بعصبية :
-ستري الجنون بعينه إذا لم تسـّرح تلك الساقطة من هنا و حالاً !!
لم يستطع مقاومة الإبتسامة التي قفزت علي وجهه و هو يرد عليها بشيء من الحدة :
-أولاً ليّا ليست ساقطة . إنها صديقتي و عميلة خاصة لدي بالعمل . ثانياً ما علتك أنت أنا لا أفهمك . منذ متي تتدخلين بأموري الشخصية ؟ أم أنك تغارين الآن ؟!
جمدت مبهوتة للحظة ، ثم إنفجرت فيه :
-أنا أغار عليك أنت ؟ هذا في أحلامك . ألا تري ؟ أنا حتي لا أطيق رؤيتك . أنت منفر بالنسبة لي و مجرد قربك مني يقززني و يثير إشمئزازي
كان الكلام يندفع من فمها كالقنابل ، لم تكن تدري بأي هراء تتفوه أصلاً ، لكنها لم تعي إلا و هو يقترب منها بخطوات وئيدة متمتماً :
-أحقا ترينني منفراً ؟ هل أقرفك و أثير إشمئزازك إلي هذه الدرجة ؟ فلننظر في هذا إذن . ربما أخطأت في تقديرك !
كانت تتراجع للخلف مع كل كلمة يقولها و قد إشتبكت نظراتها المرتابة بنظراته المتخابثة ، حذرته مشيرة بسبابتها :
-أنت . إبق مكانك . ماذا تريد مني ؟ لن أتحملك اليوم أبداً . خيراً لك أن تبتعد عني . سمعت ؟ سأقاومك هذه المرة . لن أتوقف عن مقاومتك لحظة واحدة يـ آ آآآاااه ! .. و صرخت حين إصطدمت بحافة السرير و سقطت فوقه
لم تمهلها المفاجأة وقتاً لتتصرف ، فوجدته قد جثم فوقها مكبلاً حركتها بجسمه الضخم ...
شق قميصها شقاً بليغ ، فكشف عن بشرتها الغضة اللدنة ، ثم إنهال عليها بالقبلات .. كان هذا إسلوبه في التعبير عن فيض مشاعره العنيفة ، و كان هذا النوع الوحيد من العنف الذي يلتجئ إليه معها ، لقد أتلف أغلب الثياب المكدسة بخزانتها تقريباً
لو لم تكن سليطة اللسان !!
-توقف . قلت لك توقف .. هتفت "آية" بإحتجاج واهي
كانت تتلوي تحت ثقله آملة في قليل من مشاعر الرفض حتي تقوي علي مجابهته ، لكنها بهذا لم تزداد إلا توقاً و صبوةً له
-إبتعد . إتركني . إذهب لصديقتك ! .. كان العذاب يملأ صوتها و هي تقول له ذلك
أبعد وجهه قليلاً ليستطيع أن ينظر إليها ، تفرس في وجهها المتوهج بنظرات متقدة بالرغبة الخالصة ، ركز عينيه الغائمتان علي شفاهها الصغيرة المكتنزة
همس لها و أنفاسه الساخنة تحلق علي بشرتها الرطبة :
-هل حقاً تريدين أن أبتعد عنك ؟ تريدينني أن أذهب لغيرك ؟ قوليها . قولي ذلك الآن و سأتركك فوراً
اللعنة !
إنه يساومها الآن ، يضع الكرة بملعبها ، ماذا ستفعل ؟ يا للخزي ، يا للعار ، لا مناص من الإستسلام ، مجدداً !!!
هزت "آية" رأسها للجانبين و هي تقول بصوت ينم عن تآوه :
-لا . لا أريدك أن تذهب . لا تذهب ..
و أطبق "إبراهام" بفمه علي فمها بقوة ، قبل أن تنطق بكلمة أخري ، أخذ يداعب شعرها بيد و بيده الأخري يحسس علي كتفها العاري بلمسات حارة .. كان قد ضمن إستسلامها الكامل عند وصوله إلي هذه النقطة معها ، كان قد نسي نفسه و كل شيء في خضم هذا كله
لكنها هي لم تنسي ، خاصةً تلك اللعوب التي حتماً تجلس في الأسفل بإنتظاره ...
-لا ! .. غمغمت "آية" و هي تنترع شفتها من بين شفتاه
لهث "إبراهام" هو ينظر لها عابساً ، لم يعجبه أن تنسحب و تتركه هكذا في غمرة وصالهما ، بينما قالت محدقة في عينيه بإصرار :
-سـّرحها من هنا أولاً . قل لها أن تذهب !
عرف فوراً من تقصد بكلامها ، و في الواقع لم يتردد لحظة ، قام و إتجه نحو الهاتف الموصول بجناح المستخدمين ، رفع السماعة و تحدث لنصف دقيقة بالعبرية
لم تفهم "آية" ما قاله بالضبط ، لكنها علمت من تعابير وجهه و هو يستدير عائداً إليها ، ما أقدم علي فعله ، فتنهدت براحة منتصرة ، و لم تبدي أي إعتراض عندما إستلقي بجوارها ثانيةً و أخذها بين ذراعيه و هو يجردها و يتجرد معها مما تبقي لهما من ثياب ....
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
لم يصدق "قصي" نفسه عندما سمع صوت عمه آتياً من الناحية الأخري من التليفون العمومي ...
إبتسم قائلاً و عيناه معلقتان علي بناء باريس المشيد ببراعة .. "إيڤل" :
-عماه. لقد إشتقت لك أيضاً . طمئني عنك . كيف حالك ؟
رد العم بصوته المحزون :
-لست بخير بني . منذ رحلت و أنا لا أنام أبداً من شدة قلقي عليك . فقط لو تذعن إليّ و تعود !
تلاشت إبتسامة "قصي" و هو يرد عليه بصلابة :
-أنت تعرف أن هذا الأمر محسوم و غير قابل للنقاش يا عم . سبق و قلت لك لن أعود إلا بأختي
-و لكن كيف ستجدها ؟ أنت تدور بمتاهة ليس لها أخر
-لا يا عم . أنا أسير علي الطريق الصواب . لقد نجحت اليوم في إنتزاع إسم ذلك السافل منها و سأبحث عنه حتي أجده
-هل عرفت آية أنك هناك ؟ هل قلت لها شيء ؟
-بالتأكيد لا . ليس من الحكمة أن تعلم . فأنا لا أريدها أن تتوتر و تثير الشكوك حولها
سمعه يتنهد و يقول :
-و أنا لا أملك سوي الدعاء لكما . أتمني أن ترجعا إليّ في أقرب وقت
وعده "قصي" بثقة :
-لا تقلق يا عم . نحن في كـنف الله و رعـايته . و الله خير حافظ .. سنعود قريباً إن شاء الله !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كانت نائمة علي صدره الحجري الآن ، ترفرف بعينيها الناعستان ، و كان يمرر أصابعه في شعرها الحريري و أحياناً يربت علي كتفها و يرفع يدها الصغيرة ليقبل أناملها الناعمة الواحداً تلو الأخر بأقصي ما يستطيع من رقة
كان سعيداً بإحتواء ثقلها الدافئ بين أحضانه ، لأول مرة تمنحه نفسها بكل هذا الرضا و هذه المشاركة ، هل تفعل الغيرة كل ذلك !!
-أحبك يا آية ! .. تمتم "إبراهام" ملامساً حدود فكها بطرف إصبعه
و هنا إرتكزت "آية" علي مرفقها و رفعت وجهها قبالة وجهه الجميل ، همست و هي ترنو إليه بنظرات خاشعة :
-و أنا أحبك . لن أكذب عليك بعد الآن .. لقد أحببتك . أحبك يا إبراهام !
إبتسم بغبطة شديدة و طوقها أكثر بذراعاه مغمغماً :
-هذا يعني أنك ما عدت تجهضين أطفالنا ؟ لن تفعلي ذلك مجدداً صحيح ؟!
إحتضنت وجهه بين كفيها ، وخزتها شعيرات لحيته الخفيفة قليلاً ، بينما تقول و قد بدا صوتها مترقرقاً بالدموع :
-لا . لن أفعل ذلك أبداً . لن أقتل أطفالي . أطفالنا بعد اليوم ! .. و أغمضت عيناها بشدة
عبس "إبراهام" و هو يري الدموع في أهدابها السوداء الكثة ، كانت تلتمع هناك علي حافة الجفن ، رفع كفه مزيلاً تلك الدمعات و هو يقول بصوت خافت :
-و لكن لماذا تبكين الآن ؟ ماذا حدث ؟ ألم تقولي بأنك تحبينني ؟ هل يساورك الشك تجاهي ؟ لقد أخبرتك مراراً أنني أحبك . و مع هذا إطمئني يا عمري . أستطيع أن أبذل حياتي كلها في سبيلك فقط لأبرهن لك عن حبي . بل عشقي إليك . ما عليك سوي الطلب و عليّ أنا السمع و الطاعة
رمقته بنظرة صمت مطولة ، ثم قالت بتضرع :
-هل يمكنك أن تعدني بشيء ؟
-بالطبع يا حبيبتي . أي شيء . قولي ماذا تريدين ؟
-لا أريد شيء . أريد وعداً فقط
قال بإيماءة حائرة :
-أنا أسمع . و تأكدي أنني لن أتردد أبداً في تقديم كل ما لدي حتي أسعدك و أرسم البهجة علي وجهك
-فلتبحث ! .. دمدمت محدقة فيه ملء عيناها
كرر "إبراهام" بغرابة :
-أبحث ؟
-نعم . أريدك أن تبحث و تقرأ عن الإسلام . أرجوك . أفعل ذلك من أجلي . من أجلك أولاً . و إذا لم تقتنع لن أفاتحك في هذا مجدداً . أعدك
عقد "إبراهام" حاجبيه بشدة قائلاً :
-و لكن لما كل هذا الإصرار علي تغيير ديانتي ؟ لما لا تستطيعين أن تعيشي معي و تحبيني كما أنا . فأنا أفعل ذلك . أنا أحبك كما أنت . و لا أريد أن أغير فيك شعرة
-أرجوك ! .. تمتمت بتوسل أكبر
فتنهد "إبراهام" و صمت مفكراً لبعض الوقت ... نظر لها من جديد و قال مذعناً لرغبتها :
-حاضر . أعدك بأنني سأبحث و سأقرأ عن الإسلام !
علت إبتسامتها في هذه اللحظة ، أمسكت بكتفيه و إحتضنته بقوة و هي تهمس له :
-أحبك . أحبك أيها العبراني !
شدد "إبراهام" ذراعيه من حولها و قال مبتسماً :
-أنا أيضاً أحبك . أيتها العربية الحديدية .. و تآوه فجأة منتبهاً لوضعهما ، ليقول بدهشة :
-و لكن أخبريني كيف وصلنا للأرض ؟!
ضحكت "آية" بإنطلاق و ردت و هي تسحب وسادة من فوق السرير لتضعهاخلف رأسه :
-للآسف لم أنتبه لهذا الجزء !
و ضحكا معا ......... !!!!!!
يتبـــع
