رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل الخامس عشر 15 بقلم نورهان ابراهيم
الفصل الخامس عشر. "من بين أنيابها"
_ بس... بس السجاير العادية مبتعملش كل ده، يعني........
صمت "طلال" مُدرڪًـا الأمر ، و بعنفوانٍ جذب منـه السيجارة، آخذًا إياها منـه بصعوبـةٍ لتشبثـه الشديد بـها، و ڪأن فيها روحـه!
+
ليطفئها على سطح المڪتب لعدم وجود أى مطفئـة، لڪونـه لم يتخيل أنـه سيصادف مثل هذا المشهد البغيض على نفسـه.
+
أعترض "سامـي" بنبرة متقطعـة، تنم عن مدى تأثره بالمواد المخدرة التى تناولها:
_ بتعمل إيه؟ متعرفش أنا دفعت قد إيه عشان اشتريها؟
+
تفحص اللفافة ليڪتشف أن طرفها مفڪوك، و هذا دليل على أنها لُفت يدويًـا، جذب طرفها، عاقدًا حاجبيـه، و أفرغ محتواها بسهولة على سطح المڪتب، أمسك ذرات الحشوة بين إصبعيه و ترك بعضها يسقط من بينهما شيئًـا فشيئًا، متناثرًا في الهواء، ثم يحط على السطح الخشبي للمكتب، و هو يحدق في وجهه سائلًا:
_ إيه ده؟ بتتهبب تشرب إيه؟
+
ألقـى بما بقى بين إصبعيـه، ليفرڪهما مزيلًا ما علق فيهما، و على محياه تعبيرات مشمئزة.
أبعد "سامـي" جفناه عن بعضهما بعسرٍ، و لثقلها عادا يغلقان من تلقاء نفسهما، و هو يجيب بنبرته الخاملة:
_ حـ ..... حشيش.
+
هكذا بساطة يعترف _بلا حياء_ أنه يتعاطى نوعًـا شهيرًا من الممنوعات.
+
...........................................
خرجت ڪلتاهما من المنزل، و تولت "إيناس" إقفال الباب بحرصٍ شديد، بعدما فرتا هاربتين من "عرفه" إثر شجارٍ دام مدة بينه و بين بليدة الأعصاب "تغريد".
+
سارت تتقدم بخطواتها الأنيقة ڪثوبها المحتشم نحو الشارع الفرعي الممتد عن اليمين و الشمال أمام منزلها، و من خلفها "تغريد" المتلڪئة في سيرها بوجهها المتجهم بتعبيراتٍ ساخطة لإنشغال بالها بـ خسارتها في هذه الجولة لصالح ابن عمها المُراهِق.
+
حطت يدها على صدر ابنة عمها الشاردة تمنع تقدمها برفقٍ، هامسة لها بطريقة أثارت الريبة في خلايا عقل الأخرى:
_ استني يا تغريد، متتحركيش.
+
لم تفهم ما يجري حولها، و لڪنها جارتها سائلة في خوفٍ طفيف و توجس ڪبير:
_ ليه؟
+
حافظت على ثبات وضعيتها، و اشتد ضيق عيناها على المشهد المرئي على مدى بصرها، مشيرة لها من وراء ظهرها بيدها ڪأمر بالتراجع للوراء، فنفذت "تغريد" الأمر الصامت و هي في عجب من أمرها المريب بغموضه المُحڪم على تصرفاتها المبهمة، تلى ذلك تراجعها هي أيضًا.
+
حين شعرت أنهما ابتعدتا مسافة ڪافية عن العيون، قبضت على ذراعها لتختبئ و تخبئها معها خلف جدار بعيد عن الأنظار تابع لأحد بيوت الجيران، مادة رأسها المغطى بحجابها، تراقب الشارع بعينين خضراوتين نافذتين، و ضمت أصابعها معًا مبرزة السبابة تشير بها على امرأة تجر طفلة صغيرة من ذراعها بقسوةٍ مرئية، و الصغيرة تبڪي بڪاءًا حارًا يرقق القلوب القاسية ، و مع ذلك لم يبدو التأثر على المرأة المستمرة بسحبها عنوة.
+
تزامن ڪل هذا مع قولها المتأثر بشرارات الغضب:
_ بصي هناك ڪِدة، و إنتي هتاخدي إجابة سؤالك.
+
تقدمت "تغريد" بخطوتين هادئتين حذرتين ، و اسندت يدها على ڪتف "إيناس" لتمد رأسها للأمام حتى تشاهد بشكلٍ أفضل و أوضح، تصدر النفور معالم وجهها وضاق مابين حاجبيها بعضبٍ، و قالت بحميةٍ و اندفاعية:
_ إيه الهمجية دي؟ إزاي تعامل بنتها بالشڪل القاسي ده؟ دي لو ڪانت حيوان ڪان هيصعب عليها!
+
نبهتها "إيناس" لارتفاع صوتها، فهكذا سيتم ڪثشفهما بسهولةٍ، و وقتها يقعان في موقف محرج:
_ هُس، اخرصي، هتفضحينا.
+
استهجنت "تغريد" ما قيل لها، فمن عليه أن يخاف هي هذه المرأة، شُحِنَتْ نفسُها بمزيد من رغبة في حماية المساڪين، و توعدتْ تنفيذ أقصى عقوبة مُمڪِنة في المرأة قائلة بثورةٍ:
_ دا أنا اللي هفضحها قدام الحارة ڪُلها، مافيش أم تعمل في بِنتها ڪِدة!
+
تفتحَتْ آفاق عقلها، و بدأت تستخدم مخزونها من الذڪاء، في تحليل ما يظهر لها من عين الحدث، ومن آخر ڪلمات ابنة عمها التي رن صداها في عقلها مرارًا، لتخرج مسموعة بصوتٍ خافت:
_ مافيش أم تعمل في بنتها ڪدة، ممم، و ليه متڪونش مش بنتها أساسًـا؟
+
و هنا التفتت لوجهها القريب منها، و خاطبتها بنبرة مِلؤها الامتنان، و ظاهرها الثناء:
_ الله عليڪي يا تغريدة قلبي، جبتي التايهة.
+
اندهشت "تغريد" من لقب تدليلها، و بانت على وجهها لمحاتٌ بلهاء، فهي جَهِلَتْ المقصود من عبارتها، فـتساءلت رامشة بعينيها:
_ تايهة إيه؟ هو أنا عملت حاجة أصلًا؟
+
اخبرتها "إيناس" بهمسٍ تشويقي غامض، و عيونها تتابع تحركات المرأة:
_ مش وقته، بعدين أشرحلك، بس أفهم انا الأول.
+
مطت "تغريد" شفاهها، دليل على عدم الفهم، و قالت بغير اقتناع رغم ثقتها بها:
_ ماشي.
+
انتفضت، و ارتج قلبها، و دمعت عيناها، لصرخةٍ متألمة فرت من شفاه الفتاة إثر سقوطها، و انفطر قلبها من بڪائها لوقت طويل، دفعت ابنة عمها جانبًا، و اندفعت بلا مقدماتٍ أو ذرة تفڪير نحو الشارع حيث وصلت المرأة في مقابلتها _تقريبًا_، لتصيح فيها تأمرها بإزدراء:
_ هو إيه؟ مفڪرة الدنيا سايبة و محدش هيقفلك، إيه الجبروت ده ڪله يا شيخة؟ ارحمي البنت، دي اتفحمت من العياط، و دراعها زمانه اتخلع من جرك ليها زي العبيد، إيه؟ أبو لهب واقف قدامي؟!!!
+
ببطئ هادئ موتر للأعصاب رفعت "المرأة" رأسها تحدجها بنظرةٍ امتزج فيها الامبالاة، و الحقد، و الاستغراب، و ارتفعت زوايا فمها بابتسامةٍ مريضة، مرعبة، مروعة، نسبتها "تغريد" لـ شخصيةٍ دموية في فيلم رعب شاهدته سابقًـا، حين همست:
_ ضحكتها و العياذ بالله شبه ضحكة اللعبة تشاكي.
+
شبهتها بالدمية الساكن بداخلها روحٌ شريرة، و طوال الفيلم كانت تقتل باقي شخصيات القصة بطرقٍ مختلفة، و القاسم المشترك بينها أنها كلها مُفزعة.
+
و لشرودها، عبرت المرأة من جانبها، و صدمت كتفها بخاصتها، مائلة نحو أذنها بهمسٍ ثعباني:
_ أبو لهب، و تشاكي، أحلى وصف إتقال فيا، بس لو عاوزة رأيي فـ تشاكي مناسب أكتر.
+
حدقت "تغريد" في عينيها باستحقارٍ، و استوطنت الرهبة في أعماق روحها، رغم صلابة حجر الصوان البادية في وجهها و في صوتها المتسائل:
_ الخِلقة دي مش غريبة عليا.
+
أدارت عينيها في مجحريها، مدعية التفكير، و قالت لها معاتبة:
_ أخص عليكي يا تغريد، بقى مش فاكراني؟
+
انكمشت ملامحها بنفورٍ بمجرد سماعها لاسمها منها، و أخفت في نفسها تعجبها من علمها له، فـ واصلت الأخرى تبث خبثها في كلماتها، ملتفتة في لحظةٍ خاطفة تجاه الجِدار التي تتواري خلفه ثالثتهما، فتلاقت الأعين، و تقابلت الأنفس، لقاءً مجازيًا، و اشتعلت فتائل مشاعر تدميرية:
_ على العموم إسألي بنت عمك اللي مستخبية هناك دي وهي تقولك أنا مين.
+
......................................
+
و وراء الجدار، رأسها الممدود شُلَتْ فقراته، آبيًا التحرك، كُشِف أمرها، مُسِكت متلبسة تختلس الأنظار و تتجسس، أُصِيب قلبها برعدةٍ، و مرت رجفة خفيفة غير مرئية في بدنها، أدت إلى ارتعاشة لحظية في يديها المتضاغطتين، تنامى فيها شعورٌ جديد بالخسارة، تماسكت، و صمدت، و تحاملت على طاقتها، لتمحو قدر مستطاعها هذا الشعور القاتل، لازالت الفرصة أمامها، لإثبات صحة إحساسها القديم، فـ حادث موتها ليس عاديًـا و عابرًا، هناك شيء خفي لا تراه.
+
راقبتهما من موضعها، رافضة تمامًا الاندماج معهما في هذا الشجار، فـ ابنة عمها الهوجاء ضيعت عليها فرصةً لن تعوض، عوضًا عن أنها وضعتهما تحت مجهر هذه المرأة، و عرضتهما لخطر ما، حدسها يخبرها بهذا، و لن يمنع عنهما ما سيجري لهما من مصائب سوى لطف الله.
+
تذللت الطفلة الموشڪة على الإغماء، متشبثة بثياب "تغريد"، و جاذبة لاهتمامها وأنظارها، فباعدت ما بين عينيها و المرأة، لتخفض هامتها، تطالعها بقلبٍ متألمٍ رقيق، لو ڪان بيدها لأخذتها معها لمنزلها، هذه الملاك الباڪي، لا يجدر بها أن تڪون مع هذه الأم الشيطانة.
+
برقةٍ فائقة امسڪت يدها الصغيرة، تحاول أن تطلق سراح نفسها من قبضتها الناعمة، رغم اشتدادها على الثوب، ڪأنما تحاول الهرب من ملك الموت المنتظر لقبض روحها، و دموعها، آهٍ من هذه الجواهر المُراقة على خديها الزهريين، و عينيها الباڪيتان تستجديان منها عطفًا و نجدةً، ليست هي جديرة بتلبيتها.
+
ما الذي بوسعها أن تقدمه لها؟
+
وبأي حقٍ ستخلصها من والدتها؟
+
ابعدت ڪفيها الصغيران عن ثوبها، وانحدرت دمعة من عسليتيها على حال الصغيرة، لتحدثها بلطافةٍ باطنها عدم رضا:
_ روحي مع مامتك يا حبيبتي، متعيطيش، اسمعي كلامها عشان تبقي شطورة.
+
هزت الطفلة رأسها بقوةٍ نافية، و انغمست في وصلة بڪاءٍ أُخرى، صارخة:
_ لأ، هي مش ماما، عشان بتكرهني، و بتقولي علي طول أنا مش أمك، و بتقولي موتي، مش عاوزاكي .... أنا عاوزة بابا، بــ......
+
خفت صوتها، وانهار جسدها، إثر أغمائها، ليصدم جبينُها بإسفلت الأرض، فصرخت "تغريد" بقلبٍ مُمزقٍ، وسارعت برفعها عن الأرض وحملها، صفعتها برفقٍ وخوفٍ على وجنتها، تحاول أن تفيقها، وتردد بصوتٍ كساه الألم، ولم تزل عن وجهها علامات المفاجأة:
_ فوقي، آآآ، هوديكي عند باباكي، بس فوقي، أنا.... آآ
+
تشتت عقلها، وتبعرث تفكريها، وتوقف استيعابها، فكانت كلماتها على ذاك النحو من التلعثم وعدم الترابط، رفعت رأسها لأعلى، تحدق في المرأة بعيونٍ غاضبة مستنفرة، لتصيح فيه بهجومٍ:
_ حسبي الله ونعم الوڪيل فيكي، عملتي في البنت إيه؟
+
هاجمت الدموع مقلتيها، فتزاحمت، وشوشت رؤيتها، فأمسكتها، لن تُسقط دموعها أمام إمرأة عديمة المشاعر مثلها، حولت عيونها لوجه الفتاة الباقي فيه آثار البكاء، ومن عينيها الصغيرتان المغمضتان وقعت دمعة، ليزيد حزنها عليها، ويتضاعف ضيقها في نفسها، ويتزايد تمزق فؤادها، لتقول بصوتٍ هائم في بحور تعاطفها:
_البنت أغمى عليها، لازم أخد.....
+
_ تاخدي مين يا عنيا؟؟
+
قاطعتها المرأة بصياحٍ مهاجمٍ ساخرٍ، ومالت عليهما، لتحمل الصغيرة من على حجرها، فتمسكت "تغريد" بالطفلة الغائبة عن الوعي، رافضة تركها تحت رحمة من لا يرحم، سائلة بتحفزٍ:
_هتعملي فيها إيه تاني؟ سيبيها، لازم اوديها المستشفى عشـ...
+
_ أنا هعرف أفوقها، ملكيش دعوة، قال مستشفى قال.
+
قاطعتها من جديد، جاذبة جسد الطفلة نحوها أكثر، فتألمت بأنين في نومها، ليخفق قلبها خوفًا من أن تتضرر أكثر، فتركتها لها، بالطبع لن تتشاجر معها الآن والطفلة بينهما، وإن استمرت كل واحدة منهما في تجاذب جسدها سيؤذيانها لا محالة.
+
شاهدتها كيف تستقيم، حاملة إياها بين يديها، وسارت بها مبتعدة، قامت "تغريد" تنفض ثوبها الملوث بالتراب، ونظرت ليديها الفارغتين بحسرةٍ، كم آلمها عجزها عن تقديم أبسط مساعدة لها!
+
تنهدت مرهقة نفسيًا، تحركت صوب ابنة عمها، فوجدتها على حالتها من التيبس والجمود، وعيونها الخضراء تنظر بشرودٍ لمكانٍ ما، وعقلها تزاحم بذكريات ليست لطيفة، أبدًا.
استرابت "تغريد" من حالها، وهزتها من كتفها بلطفٍ، سائلة إياها خائفة عليها:
_إيناس ... مالك يا بنت؟!
+
دارت عيونها بذبذبةٍ، وحدقت فيها بنظرةٍ بها رهبة، وغضبٌ كاسحٌ، ورغبة مُلحة في الانتقام.
+
راعها ما رأت منها، وتراجعت خطوة للخلف تُمعن النظر بها جيدًا ، وعصفت الأفكار الحيرى في رأسها كما الإعصار.
+
ألحقت سؤالها بآخر وتڪاد تُجن من جمودها الغريب:
_ومين السِت الحيزبونة دي؟ ،وتعرفك منين؟ دي حتى عارفة إسمي، والبنت اللي معاها دي حڪايتها إيه؟
+
رمقتها "إيناس" بعيونٍ تغيرت بطريقة ما، إنها ترى بهما خرابًا حل بحقولهما الخضراء الغناءة، وبياض عينيها حال للحُمرة، وسمعتها تقول بنبرةٍ حادةٍ، جامدة، مغصوصةٍ دخيلة على صوتها ضاغطة أسنانها:
_ ضُرتها، ضُرة خالتي الله يرحمها، والبنت دي اسمها "چنى" اللي قابلتها في آخر يوم إمتحانات لينا، معرفش لحد دلوقتي هي تقربلها إيه.
+
استرجعت ذاكرتها الأحداث الماضية وسردتها عليها بجمودٍ لا يُناسبها، وڪانت على النحو التالي:
( عندما اختلفت طرقهما، وتفرق جمعهما، لتذهب كل واحدة منهما في طريقها، جسمٌ صلب طار في الهواء وصُدِمَ بأنفها لتتأوه متسائلة بسخطٍ ممزوج بتعجب:
_ آه، إيه ده؟
+
مالت لتأخذه من الأرضية الترابية وامعنت النظر به لتتأكد من شكوكها، جوربٌ غامق اللونٍ محشو بأشياءٍ منها الثقيل ومنها الخفيف، يستخدمه الأطفال في الأحياء الشعبية للعب يقذفونه من جانب لآخر، ويحاولون التقاطه، كانت لُعبتها المُفضلة يومًا ما، في صِغرها، غلت الدماء بوجهها مستشيطة غضبًا، واصتدمت نظراتها الحارقة بوجه طفلة صغيرة مادة يدها مطالبة بصمتٍ بأخذ كُرتها، ويختلط الخجل بلون بشرتها الناعمة، سألتها "إيناس" بحدةٍ طفيفة ترنو مجموعة من البنات والصبيان على مسافة أبعد منهما:
_الكورة دي باعتة مين؟
+
_ بـ... آآآ بتاعتي أنا.
+
بتلعثم بريء أخبرتها، لتخفض "إيناس" بصرها نحوها، متنهدة بقوة تحرك أنفها للجانبين لتضمن خلوها من كسرٍ أو إصابةٍ خطيرة، ثم همهمت بـ:
_ممم... ومين اللي رماها؟
+
قالت "الطفلة" ناطقة بهمسٍ خجولٍ، ونمت ملامح الخوف على وجهها:
_ أأ... أنا.
+
تذبذب نبرتها بلجلجةٍ بائنة، وهذا الخوج السابح في عينيه ڪشفا ڪذبها، فڪلمتها بغير التواءٍ أو مواربة:
_ متڪدبيش، البنات الشطار بيقولوا الحقيقة.
+
افترقت شفتي الطفلة ذاهلة، وتمتمت باندهاشٍ أكبر:
_ هاا... إنتِ عرفتي إزاي؟!
+
ضحكت بخفوتٍ مُستمتعة مما تراه من براءة خالصة متمثلة في شخص هذه الطفلة، ثم تعجبت بصوتها الخفيض وكأن حديثها لنفسها:
_إيه البراءة دي كلها؟!!
+
كررت سؤالها بنفس الصيغة وبنبرة أعلى:
_دلوقتي بقى مين رمى الكورة؟
+
ارتعد بدن الطفلة، مما أثار حيرتها، وارتجفت أطرافها، لتعتريها حالة من الاستغراب حول الأمر، علاوة على اختبائها خفلها تحتمي بها من شرٍ ما، واحڪمت قبضتيها الصغيرتين حول ثيابها من جهة الظهر، بينما أشارت بيدها سريعًا على فتاة أخرى تبتسم بطريقة ترعب أي أحد قد ينظر لها قبل أن تقبض مجددًا على الثوب، وجاهدت لكي تجمع جملة مفهومة ولكن النظرات المصوّبة تُجاهها أصابتها بانتفاضة أخرى، واهتزت الحروف بفمها مهسهسةً بصوتها الذي كرب على الانتحاب:
_هي.... "نُهى" ..... أخدت مني الكورة ورمتها بعيد وجت فيكي.
+
أثار خوفها، و وشوك بڪائها، ما بالها؟
+
عُلقت عيونها بالمدعودة "نُهى" ملكة هذا الرعب المبعوث في الأجواء، التي تضع يدها في خصرها، مع ضيق عينيها عليهما، وارتفع حاجبيها في جُرءةٍ، نافية ما قيل عنها تنعت الطفلة الصغيرة بالڪذب علانية:
_إنتِ أڪبر ڪدابة يا چنى، عشان إنتِ اللي رميتي الكورة.
+
ما يدور الآن هو حوارٌ طفولي بحت لا يليق بآنسة راشدة مثلها، إضافة إلى سخطها المُتأزم في نفسها الملولة، مددت ذراعها خفلها، جاذبة الطفلة بحنوٍ وفتحت لها قبضتها اليُمنى واضعة لها الڪُرة فيها، قائلة:
_خدي يا حبيبتي الڪورة بتاعتك وروحي إلعبي معاهم.
+
أصرت باستماتةٍ على عدم ترڪها، تتوسلها برجاءٍ لحوحٍ:
_لأ، هي هتضربني عشان قولت ليكي عليها.
+
فلانت ملامحها وجه "إيناس" ڪاستجابة للطافتها التي لن يصمد أحد أمامها، مع وجود بعض النظرات الحانقة رشقتهم ناحية "نُهى" التى لا تزال على وضعها و تبادلها بنظرات باردة تشع تحدي.
+
_ خلاص تعالي معايا....هوصلك عند بيتك.
+
همست مستسلمة بغير حيلة لرغبة "چنى" وسحبتها معها متريثة فى مشيتها إلا أن نبرة صدرت عن "نُهى" من خلفهما مُهللة بوعيد صريح:
_إمشي يا "چنى"...بس المرة الجاية مش هسيبك.
+
ارتعش جسد "جنى" من احتداد الصوت، رافعة رأسها لـ "إيناس" هامسة بترجي:
_ مش قولتلك هتضربني!!
طمأنتها "إيناس" بثقة كبيرة تنضح من عيونها ونبرتها:
_ مش هتقدر تعمل حاجة.)
+
حدث بعد ذلك أن سلّمتها لوالدها الذي بلمحتها الخاطفة له شعرت أن ملامحه مألوفة لها، وهي مُستاءة منه لترك صغيرته بمفردها للهو واللعب في الشارع، وأدى لا مُبالاته بها بطريقة ما إلى تعرضها لتعنيفٍ لفظي، وتهديداتٍ من طفلةٍ تُقاربها سِـنًا، ولا تُشابهها في الصِفات.
+
......................................................
يستحق "طلال" جائزة على ثباتـه الانفعالي في هذه اللحظة، حيث مضى في تجريده من المخدرات الموجودة معـه، لمّا أمره بشيء من اللين:
_ هات العلبـة كمان.
+
باستمساك بالغ تشبث "سامـي" بالعلبة، ضامًـا إياها لصدره، رافضًـا الاستغناء عنهـا لأيٍ كان:
_لأ، مستحيل.
+
راح "طلال" يجذبها منـه، و قد بائت كل محاولاتـه فى السيطرة على انفعالاتـه بالفشل الذريع ، ليصيح فيـه بعصبية مُبررة:
_إنت عايز تودي نفسك فى داهيـة و تاخدنـي معاك؟!!! إنت مستوعب آخرة أفعالك إيه؟
+
بدأت جهوده تؤتـي اوڪلها في إقناعـه، بتبدل حال الآخر من الخمول والتيه إلى التنبه وشيء من خوفٍ أطل من عيونـه المتوسعـة قليلًا في محاولة بائسة منه للإفاقة.
فـ استطرد يُرهبـه من العواقب الوخيمة لتدخينـه للممنوعات:
_عاوز يبقى مصيرك زي صحابك اللي اتهجمت عليا معاهم؟ عاوز تقضـي شبابك فى السجن؟؟
+
أرخى "طلال" يده عن العلبة، متوقفًا عن شدِها، تاركًا إياها له، ساعيًا إلى زرع النفور في نفسه من فِعلته:
_ لو عاوز... تبقى حُر، بس هتتحمل عواقب أفعالك لوحدك، و الراحة و الرفاهية و المكانة الاجتماعية و فلوس باباك و مستقبلك و حتى عربياتك اللي بتحبهم و سمعتك قدام الناس كل دول هتخسرهم، و مش بعيد كمان شغل والدك يتضرر.
+
و أضاف موجهًا إليه الاتهام، يحمله مسؤولية الأضرار التي أخبره بها:
_ و هتكون إنت السبب.
+
و كـ طفلٍ تائه في طريق غريب، أو كـ مغترب ألقى به اليأسُ في وطنٍ ليس وطنه، أو كـ شخصٍ يحتضر و تُسلب منه أنفاسه و تُنتزع روحه من أعماقه ، أفلت "سامي" علبة السجائر لتسقط على الأرض، و وقف يدهسها بقدمه، و في عينينه دموعٌ، و في صدره انقباضة، تعبران عن صعوبة تخليه عنها، فهي متنفسه من أثقال روحه، و ملجؤه من شتات عقله.
+
تزاحمت الدموع بعينيه، لتصيرا لامعتين بحزنٍ يـقـتـ ـله، و انهارت عزيمته، و حرك يديه بعصبيةٍ ، ليصيح بحرقةٍ تفتت فؤاده:
_ أهي، رميتها، بس إنتَ تقدر تخفف عني؟ تقدر تساعدني زي ما هي كانت بتساعدني؟
+
تلاشى ما بقي فيه من قُوى ، وتهاوى على ركبتيه جاثيًا، يُحني رأسه، و تهطل دموعه مُبللة الأرضية.
+
هناك فارق شاسع بين رؤية الألم في وجوه و كلمات و تصرفات الآخرين، و بين الشعور به و تجربته، وهو أكثر من ذاق الألم بنوعيه: المعنوي و المادي.
+
فالوالدان بمثابةً الدرع و السيف لأبنائهما في معركة الحياة، يحميانهم، يضمنان سلامتهم، في ڪنف رعاية يوفرانها لهم، يفديانهم بروحيهما، لا يقبلان أن يُذلوا أو يُهانوا، أو يُصابوا بأي شر أو ضرر، و إن كان هينًـا.
+
و فقدهما يخلف حطامًا و رڪامًا في قلوب و أروح الأبناء، يصعب تعميره حتى مع مرور أعوامٍ و أعوام، يبقــى الألم سارينًـا في العروق مجرى الدماء، و تظل مرارة عالقة فـﻲ الحلق لا تقبل الزوال.
+
و هو ذاق مرارة فقدهما، و تحطم قلبه إلى أشلاء متفرقة، و بقيت روحه ضائعة هناك، في ذاك الزمن الذي قُتِلا فيه، و الأجدر أن نقول إنه قُتِلَ معهما.
+
ما أقسـى أن يُعايش بشر مشهدًا مروعًا ڪهذا ليعيشه و هو طفلٌ آنذاك!
+
ألم يتحرك قلب الجانـﻲ و تأخذه الشفقة لـ حال طفلٍ يحتاج لوالديه حاجته للأوڪسچين؟
+
ألم يفهم أنه ڪان يخطو إلى الدنيا بقدمين مترددتين و عينين شغوفتين فضوليتين؟
ليطفأ شغفه، و يعدم براءته، و يلوث نقاوته!!
+
ألم يرى أنه لم يڪن يفهم من الأمور أسهلها و لا يفقه أي حرف من حروف أبجدية الحياة؟
+
ليدمر ماضيه، و يدك أراضـي حاضره، و يسلب أمان مستقبله!!!
+
هاجت الأفكار برأس "طلال" وتناطحت، لتأجج أوجاعه الدفينة وتعزز عطفه واشفاقه عليه ، فـأزاح كرسيه للخلف واقفًا، وأنظاره عليه مُشفقًا، جلس أمامه، محيطًا كتفيه المتهدلين بكفيه الحنونتين المشتدتين عليهما، ليدعمه، ليوصل له شعوره الفقيد بالأمان.
+
رفع "سامي" وجهه الباكي، مُستغربًا تعاطف الآخر _اللامتناهي_معه، فـ أزال "طلال" عن وجه هذا الفتى الدموع، ليخبره وصوته اكتسب مرارةً عريقة، تعوّد التعايش معها منذ صِغره:
+
_ساعات الحياة بتدوس علينا و بتوجعنا، بتاخد مننا أغلـى و أحن الناس، ناس مكناش فـى يوم نتصور إنهم هيفارقونا، و في غمصة عين بنلاقيهم أختفوا و خدوا عقولنا و راحة بالنا معاهم، و خصوصـا لو كانوا الأم و الأب اللى مافيش فـى حنانهم و حبهـم، بس لازم نتمسك بإيمانا بربنا و إلا هنضيع، هنكون فريسة سهلة لأي فكر و أى اتجاه، و أى محاولة بسيطـة من عدو أو صديق لأذيتنا، اتمسك بإيمانك يا سامـي و كمل طريقك لآخره، لإن مافيش خيار تاني، متستسلمش لآلامك و حزنك و شعور الوحدة و الغربة اللى بياكلك و لا الكلام المسموم اللى بيحطمك، و لا النظرات الشمتانة و اللى مستنياك تقع عشان تكمل عليك، خليك قوي و متميلش، أمشـي مستقيـم، هتعيش باقي حياتك راسك مرفوع وحاسس براحـة مكنتش تتصور في يوم إنك تحسها.
+
رأى التأثر جليًا في وجهه، وألمه بيّن من انعقاد حاجبيه، ودموع عينيه لازالت جارية على خديه، سيساعده على تخطي هذه المرحلة الأليمة الصعبة، لن يتركه بين ضياعه ويأسه الذان يمزقانه، لن يترك نقاؤه يُلوث، سيدعمه، سيقف بجانبه حتى تزاح عنه الغمة، ويهتدي لطريق الحق.
+
فتابع بنبرةٍ تشع إيمانًا وثقة بقدرة الخالق _عز وجل_ يتوارى فيها نزعة من المرارة العالقة بحبائله الصوتية :
_ إرجع لربنا يا سامي، هو اللي بين إيديه راحتك، يقدر بقدرته يحول حياتك لجنة، بس إنتَ خد الخطوة الأولى و قرب منه، صلِي يا سامي، اللي شايفه و حاسه في كلامك و في تصرفاتك قِلة أيمان و بُعد عن رب العالمين.
+
_ أ... أصلي؟؟
+
تسائل "سامي" بملامح مدهوشة، و بعيونٍ متوسعة على آخرها، ينظر إليه نظراتٍ عميقة مُستجدية عطفه ونجدته، ليجده يومأ له، مؤكدًا بكلماتٍ هادئة:
_أيوة، صلي، قرب من ربنا.
+
تشوشت رؤية "سامي" فتأثير المخدرات قويٌ عليه، فـ هو حديث عهدٍ بتناولها، و مع ذلك عدم وعيه لم يمنع عنه فهم ما بدور حوله، وما يُقال له، فهمهم قليلًا، وانزعجت ملامحه، ليقول بضياعٍ:
_ مش هعرف، جربت كتير أقرب ومعرفتش أنا.. حاسس إني... إن ربنا مش هيغفر لي و مش هيقبل صلاتي... عشان....
+
فهمه "طلال" وتفهمه، ليندفع قائلًا بتوضيحٍ:
_أخلص له النية، وملكش دعوة بقبول صلاتك أو عدمه، المهم تعمل اللي عليك، وإن شاء الله ربنا هيتقبل منك.
+
رفع "سامي" رأسه للسقف كأنه يُناجي الله، وتسائل في صوتٍ مُتردد خائر القوى:
_تفتكر إنه سبحانه هيغفر لي، هيسامحني على طول بُعدي، وعلى كل ذنوبي.
+
هزه "طلال" من كتفه، وأجابه بنبرة المؤمنة:
_أكيد، ربك في كتابه العزيز بيقول بعد بسم الله الرحمن الرحيم
+
{ قلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا} سورة نوح الآية ٩.
+
ابتلع "سامي" ريقه بمرارةٍ، وشعر بالخزي من نفسه، ليقول بشتاتٍ يؤلمه:
_ بس أنا....
+
مرر "طلال" كفه على شعره ينظمه له، فهو في حالةٍ بين النوم واليقظة، وقاطعه بقوله المكترث:
اسمعني للآخر يا سامي.
+
نظر له بعيونٍ كسولة، وهز رأسه بإيجابٍ، ليكمل "طلال" حديثه مُستعينًا بآياتٍ من سورٍ قرآنية عديدة:
_ ربك غفور رحيم، ولو عاوز دليل على كدة هتلاقيه في قوله تعالى { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفورٌ رحيم} سورة البقرة الآية ١٩٨، عاوز أدلة تانية؟
+
اختتم سرده وتلاوته بسؤالٍ هاديء، فاستجاب له "سامي" بكلمة واحدة وقد تغلغله شعورٌ جديد بالأمان والراحة من حديثه:
_أيوة.
+
_طيب أقف معايا.
+
خاطبه بالعبارة السابقة بنبرةٍ دافئة ، مزامنةً مع وقوفه ومده ليده له، فأمسكها "سامي" وضغط عليها ضغطة واهنة متراخية، ليجذبه الآخر برفقٍ بينما يوزع عليه نظراته المُبالية، وسار مع يحيط خصره بذراعه حتى الأريكة المريحة البعيدة قليلًا عن المكتب، وأراحه عليها.
+
تقابلت جفونه في لقاءٍ يُعبر عن زيارة النعاس لذهنه، ولكنه طلب منه بصوتٍ خافتٍ متوسل:
_كمل أرجوك.
+
تنهد "طلال" مُرهقًا، فمسؤولياته تزداد يومًا بعد يومٍ، في البداية تحتم عليه الاهتمام بــ "باسل"، وإدارة العمل وتطويره والمحافظة على سيره بشكلٍ سليمٍ، والآن تظهر له أولوية جديدة تثقل من مسؤولياته وتضاعف الحمل على أكتافه المهدودةٍ بالفعل.
+
رفع ساقيه عن الأرض ليمدد له جسده كله على الأريكة حينما لاحظ اشتباك رموشه ببعضهما، وخلع سترته ليغطيه بها، ففي منظوره يبدو له طفلًا تائهًا عن حضنٍ أمه، ولا يعلم السبيل لبيته، فلم يجد مُخلصًا له مما هو به سواه، فألتجأ له ليحتمي به كي يدله على طريق العودة، وليس من شيمه أن يرد مُحتاجًا أو يُفلت يدًا تشبثت به لطلب النجدة.
+
غابت عيناه خلف ظِلال ماضيه، لو لم يجد منقذًا له لكان الآن وحشًا يفتك بمن يقف أمامه، غير أن غضبه يستعر بداخله، يأكله، يحرقه، ويضغط على أعصابه، ولكن لطف الله به، وسكينته التي ينزلها على قلبه تهون عليه الكثير، تُثبت أقدامه على الطريق الصحيح بعد كل عثرة، وتوقفه على أقدامه بعد كل سقطة، وتشحذ وقوده بعد كل انهيار.
+
حرك "سامي" راحته على طول جانبه الفارغ باحثًا عن شيء ما، وحين وجده تمسّك به بقوةٍ وجذبه لصدره.
+
اِنْتُزِعَ من لحظاته الشاردة على جذب هذا النائم ليده يحتضنها، يتعلق بها كمنطادٍ في يد هاوٍ للسقوطٍ من الأماكن المرتفعة، وداهمه بجملة استفهامية:
_مش هتكمل؟
+
زفر "طلال" زفرة حارة مُعبئة بكثيرٍ من مشاعر، حزنٌ، شتاتٌ، انفطارٌ، وألم، ليدع له يده ويجلس بقربه، هائمًا في كنوزٍ قرآنية تتضافر مع كل ما لاقاه من سوء وظلمٍ يتجلي في ذكرياته:
_ لفظ التوبة اتكرر كتير في القرآن، ومن المواضع دي في الآية ٥٩ من سورة مريم { إلا من تاب وءامن وعمل صـٰلحًا فأولـٰٓئك يدخلون الجنة لايظلمون شيئًا}،
وكمان هتلاقي في سورة الأعراف الآية ١٥٢ {والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وءامنوٓا إن ربك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ} ،
ولو قرأت سورة آل عمران هتقابلك الآية ٨٨ واللي فيها لفظ التوبة وإن ربك غفور رحيم {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم}.
+
"سامي" يُجاهد للبقاء في طور وعيه، واخترقت الآيات مصحوبة بكلماته قلبه، لتشعره بالسكينة وأشياء أخرى جميلة اجتاحته، وأخذ قراره بالتوب والرجعة عن ما هو فيه من ضلال وعدم هدى، سمع تنهيدات "طلال" واسترساله:
_ ولسة في آيات تانية كتيرة بتتكلم عن التوبة والمغفرة، ربك غفور يعني كثير المغفرة والعفو ، ورحيم يعني كثير الرحمة ، ومن صفاته وأسمائه سبحانه وتعالى "الكريم" وهو كثير الخير الجواد المُعطي الذي لا ينفد عطاؤه، ومن أسماؤه الحليم، وكتير من أسماؤه اللي بتدل على عظمته سبحانه، لأنه "ليس كمثله شيء" مش هتلاقي إنسان في الدنيا دي بيسامح على كل حاجة وبيغفر ويعدي كل حاجة ويتحمل ويصبر وآآآ
+
باعد جفونه بعُسرٍ، يرنوه بعينين بريئتين، وفاجؤه بسؤالٍ عفوي لم يتوقعه:
_بس إنتَ سامحتني! حتى بعد ما كنت السبب في إنك تتطعن وتتألم وتقعد في المستشفى فترة طويلة، و وكا.... وكان ممكن تـ... تـموت...
+
لا أحد في الكون سيشعر به، أو بآلامه، أو بالغُصص التي تضيق على قلبه بين الحين والآخر، حتى الطعام لا يستمتع بمذاقه ولا يكاد يُفرق بين طَعمٍ وآخر، كيف يصف له شعوره كلما رآه؟
+
كيف يُفصح له عن خبايا نفسه وأسرارها؟
+
ولمَ يبوح بمكنونات صدره له بلا وجود رابطٍ متين يجمعهما أو معرفة وثيقة تمكنه من الوثوق به؟
+
دفع الهواء دفعًا من رئتيه، وأحمال فؤاده تتفاقم وتزداد، وأحاسيسه الغريبة المُختلطة المُندمجة مع بعضها لا ترحمه، تعج في عقله، وتضيق المجال على قلبه، قلبه النازف من سنين وحتى الآن.
+
ما حيلته مع ماضٍ عكرٍ مضنٍ يوشك على سلبه روحه؟!
+
أين الخلاص من سيل الحياة العاتي الذي يجرفه في طريقه بلا هوادة؟
+
يحلم منذ أعوامٍ بالفكاك من كل شيء، والهرب من كل ألمٍ يدكه، يحطمه، يشطره إلى أنصاف وأنصاف.
+
دفن كل حسرةٍ في قلبه المُثقل بملايين الانكسارات والخيبات، وخذلته تعبيرات وجهه فأوضحت ألمًا عميقًا يتجلى ويتصدر أى شعور آخر، لمّا رد عليه بمصداقية:
_ سامحتك عشان شفت فيك الخير، شفت فيك نفسي، حسيت إنك بتغرق في مُستنقع ووحل ولازم أخرجك منه وأنقذك.
+
تسرب الألم من صوته كاللص شيئًا فشيئًا، فشعر به "سامي" وفهمه، فمهما كان فارق العمر والخبرة الحياتية بينهما لن يمنع شيء عنه فهم هذا الألم الواضح وضوح القمر في ليلة سوداء مُظلمة، هو ليس غبيًا حتى يضغط على مكامن ألمه، لذا غير الموضوع شاعرًا بالأسف عليه وبالذنب من نفسه، فما ينبغي أبدًا أن يرد كل تصرف نبيل منه بالتسبب له بألمٍ حتى وإن جهل به:
_هو ربنا بيحبني؟
+
توسعت رماديتاه بعفويةٍ، ولاحت على ثغره بسمةٌ صادقة، موقنًا أنه يغير الحديث لأجله، فراقه هذا للغاية، رغم أنه لم يُزل المرارة العالقة بحلقه إلا قليلًا، ومنحه إجابة ما هي إلا حصيلة معتقداته وما لديه من علم:
_ بيحبك أڪتر ما تتصور.
+
ڪأنه كان في انتظار هذا الرد لينام قرير العين، فسمح لعيونه أن تغمض ڪليًا، تارڪًا جيوش النوم تستولي على عقله.
+
...................................................
+
خضراوتيها الجامدتان تُخيفان ابنة عمها، وصوتها الصلب أثناء سردها أيضًا أشعرها أنها كالزجاج تڪاد تُڪسر في أي لحظة.
+
أشفقت عليها، وعبس وجهها حُزنًا عليها، هي تَحفظها، تعلم متى تتألم، ومتى تغضب، وتستاء، لكن هذه التعبيرات العجيبة لم ترها قبل ذلك قط، ماذا دهاها؟
+
ما خطبنا لتتحول لڪرستالة يظنها الناظرين قاسية وما إن تسقط تُثبت عڪس هذا، إنها حزينة، متألمة، تُصارع نفسها بلا شيء يُخصلها، يُزيل شتاتها وألمها، وجِدانها مشدود ناحية ڪل شعور حد التمزق والتفرق والشِقاق، ما عادت تملك زمام نفسها، سهول عينيها تشتعل بلا هوادة، بلا نهاية، مُتزاحمة بعبارتٍ لا تُراق ، حلقها يؤلمها، عملية البلع باتت تؤلمها، صدرها مُعبء باختناقاتٍ وضيق لا حدود لهما.
+
نادتها "تغريد" بلوعةٍ مفزوعة:
_ إيناس!
+
حاولت لمسها من كتفها فوجدتها تتراجع، تنظر لها، لما وراءها، لشيء غير موجود إلا في خيالاتها.
+
انزلقت دمعة من عسليتي "تغريد" وزعرها يتعاظم، وايقنت أنها في غير حالتها الطبيعية، تبدو غريبة الأطوار، تبدو فتاة أخرى غير نفسها.
+
_ طيب خليني أوصلك البيت.
+
تشبثت بأملٍ ضئيل في أن تستجيب لها، وحدثتها بتوسلٍ قَلِقٍ.
+
رأتها تسير ڪالرجل الآلي نحو المنزل، في صمتٍ، وانشطار روحٍ، وعذاب قلبها يُزاد.
+
راقبتها عن كثبٍ، وظلت تسير خلفها مُحافظة على مسافة بينهما، حتى لا تجد منها نفس ردود الأفعال التي لم تستوعبها حتى الآن.
+
...............................
+
استعاد يده منه، وظل يتابعه بذهنٍ شاردٍ، لازال على عهده بشأنه، لن يتخلى عنه، لن يرده خائبًا، لن يخذله بعدما أوى إليه، وآمنه لدرجة تعاطي المخدرات أمامه، والنوم في شركته.
+
وقف باستقامة، أكتافه العريضة ظاهريًا عليها حمول لا يعلمها إلا الله، بعثر خصلاته الرائعة، وفرك رأسه بقوة، يفكر في الخطوة القادمة.
+
أبقى رماديتاه الحانيتين عليه، وسار حتى باب المكتب، وفتحه وخرج وأغلقه خلفه بحرصٍ لئلا يُفيقه من نومته.
+
قابلته عيون عسلية فضولية للغاية، وتعبيراتٌ ناعمة مليئة بأسئلة صامتة، فـ عادةً ما يبقى طوال اليوم في مكتبه لا يخرج إلا للاجتماعات ومقابلة العُملاء، فما الذي دفعه للخروج الآن علاوة على وجود ذاك الفتى في الداخل مُنفردًا؟!!
+
أخبرها "طلال" بملامح مُجهدة:
_ عاوز فنجان قهوة، ويڪون تقيل، تقيل قوي الصراحة.
+
عل هذا الڪوب يڪون أثقل من همومه وأوجاعه.
+
أصغت لأمره، قائلة باحترام فريدٍ يليق بها:
_حاضر يا فندم، حالًا.
+
ثم رفعت سماعة الهاتف الأرضي، لتتحدث عبره بلهجةٍ رسمية وهي تبعد الخصلات الصفراء القصيرة المتساقطة على جبينها:
_ فنجان قهوة بُن تقيل سُكر مظبوط.
+
هو ممتن لها، فليس من صفاتها الثرثرة أو التدخل في أمورٍ لا تعنيها، كل ما تتطرق له هو أحاديث مُقتضبة تخص العمل لا أكثر من ذلك ولا أقل.
+
رن الهاتف الأرضي، فرفعته على أذنها ليأتيها صوتُ أحد رجال الأمن المُرابطين على حراسة البوابة لا ينفكون أن يتركوها إلا نهاية اليوم:
_ ألو، إديني الباشا طلال، حاولت اتصل على مكتبه مبيردش، وياريت بسرعة.
+
وقفت فورًا مما استرعى انتباهه وتوجسه، وقبل أن يتفوه بأي تساؤل وجدها تقول:
_ ماشي.
+
ناولته السماعة بوجلٍ، وارتعشت يدها رعبًا مما قد يكون طرأ على الأحداث من مُتغيرات، وفسرت له سريعًا:
_ده واحد من البودي جارد، بيقول عاوز يكلمك ضروري.
+
تحلى بالهدوء آخذًا السماعة واضعًا إياها على أذنه، فتصادم الصوت مع مستشعرات السمع لديه:
_ ألو، في مصيبة حصلت، لازم نبلغ الباشا فورًا، الأمور خرجت عن السيطرة وآآ
+
قاطعه فورًا بنغمةٍ جامدة كالفولاذ:
_ اهدى وقول إيه اللي حصل بالظبط؟
+
لهث رجل الأمن مُعقبًا بإجابةٍ غير مُبشرة:
_ الوضع ڪان عادي خالص، زي أي يوم، فجأة لاقينا صحفيين عددهم كبير اتجمعوا قدام البوابة وعاوزين يقابلوك بأي شكل حتى لو هيعدوا فوقينا.
+
غطت الضوضاء على صوته ليصله مشوشًا نوعًا ما، ولكنه فهم أغلبه، ليسأله بتحفزٍ وارهاق ممزوجين بالاستعجاب:
_ وده من إمتى؟
+
ابتعد صوت الضجيج قليلًا، دليل على تحركه، وأفرط في استنشاق الهواء، ليستطيع أن يخرج عبارته المُتقطعة هذه:
_ حوالي ..... خمس دقايق، وحاولت..... اتصل على .... حضرتك بس مردتش و...
+
انهى "طلال" الجدال بحاجبين قاربا على التلاصق، وانبعجت عيناه غضبًا حتى بان بياضهما:
_خلاص، هتصرف، المهم متخليهمش يدخلوا.
+
سريعًا ما نطق الآخر بالحقيقة الكارثية:
_ مش هنقدر نصمد كتير يا باشا.
+
تعانق صَفّي أسنانه بفعل ضغطه القوي عليهما حتى شعوره بالألم، والغضب المُضرم به لا يخمد أبدًا، وأملى عليه تعليماته المُشددة حتى إشعارٍ آخر:
_اتحملو لحد ما آجي، متخلوش حد يدخل الشركة مهما حصل.
+
رد الرجل على الجانب الآخر بأذعانٍ وقلق:
_ حاضر يا فندم، رغم إنه صعب.
+
...........................
جرجرت أقدامها، وڪل شعورٍ يغترف من نصف كوبها الممتليء غَرفة، حتى ابصرته في عين خيالها فارغًا.
+
لاحقتها عينا والدتها "صفية" مُتفرسة فيها، وفي طريقة سيرها غير المُتزنة، لتشعُر بإحساسها الأمومي أن مكروهًا ألم بها، هيئتها المهزومة أيدت شعورها الصائب.
+
بقيت ترنوها بتطلعاتٍ اجتمع فيها عاطفتها الأمومية، وهوفها الفطري عليها، وقلقها العفوي، انتهاءًا بالأسى الدفين في قلبها عليها.
+
ماذا جرى لصغيرتها لتكون بهذه الحال التي لم ترَها عليها منذ أعوام؟
+
هل فُتِحتْ أبواب سراديب الماضي؟
+
ألم تنجلي هذه الغمة وتزاح منذ زمن؟
+
وعند باب المنزل الخارجي المفتوح ثُبتت أقدام "تغريد" بلا حراكٍ بُرهة، تضبط اضطراب قلبها بخفقاته المكلومة على ابنة عمها، تومأم روحها.
+
ڪل ما حدث أمام عيونها، وفي حضورها رغـــم غرابته وريبته إن أضفنا إليه ما سردته لها عن تلك الصغيرة لا يُعطيها مُبررًا ولا تفسيرًا واحدًا لحالتها المأساوية هذه.
+
تحسست "صفية" صدرها المقبوض، لينتابها مزيد من الانقباضات، عاطفتها الأمومية تُحتم عليها الشعور بڪم هائل من القلق، ابنتها ليست بخير، ماذا يَنقصها بعد لتتأڪد من هذا؟
رڪضت حتى حجرتها، لن تدعها لأفڪارها وهمومها وڪلومها، ضرب الباب تدُقه براحة يدها المبسوطة، مع ندائها المُتڪرر بعزمٍ:
_ إيناس، إفتحي الباب لمامتك، قوليلي مالك؟ اشكيلي، عيطي في حضني، متعمليش فيا كدة.
+
زيلت استرسالها بتوسلٍ واهنٍ، وعصفت بقلبها مشاعر سلبية، لم تبرح مڪانها، أردف بتوسلها نفسه مريحة جبينها على الباب المُقفل بإحڪامٍ من الداخل يدها لا ترفع عن الباب إلا ورجعت تصتدم به في طرقات صارت عنيفة:
_ يا بنتي ردي عليا، أنا مامتك يا حبيبتي، مش هقول لحد بس قوليلي إيه اللي حصلك؟ بردي نار قلبي، طيب افتحي الباب ومتقوليش حاجة، بس خليني أطمن إنك ڪويسة.
+
شهقاتٌ مكتومة راحت تخرج من فيهها، مُصغية لتوسلات والدتها، لا طاقة لها للوصول للباب، بالڪاد احتملت كي تختلي بنفسها هنا، سارت هذه المسافة من بيت الجيران حتى هنا، هذا في حد ذاته إنجاز لها، تتجب ڪيف ظلت على وعيها ولم تسقط في إغماءة ڪما جرى للطفلة.
+
عزّ عليها أن تتوسل والدتها لأي ڪان، خاصة هي.
لا قِبَل لها بمواجهة أي أحدٍ الآن، لا قدرة لها على إنشاء حوارٍ مع أحد، أو تفسير شيء، الطاقة التي في حوزتها لا تڪفي، تُقارب النفاد، ولا سبيل لتجديدها في الفترة الحالية.
+
الصمت المُتصل يُلهبُ في ثوبٍ عاطفتها نار السعير، سمعت خطواتٍ خفيفة مُنفعلة آتية نحوها، لم تڪترث، لم تڪف عن الطرق، وانسابت دموعها على خديها، ڪأنما رابطة ما تربطها ببنيتها، أحست بڪفٍ رقيقة على ڪتفها المتهدل، وجاءها قول "تغريد" تُبلغها بحزنٍ وتأثر:
_يا طنط صفية خلي بالك من إيناس، شكلها تعبانة قوي، من حاجة مش عارفة هي إيه، ومش لاقية سبب منطقي للحالة اللي هي فيها.
+
وهي تقول ما قالت ليتها حافظت على مشاعر الأخرى أو تفهمتها!
+
ليتها ما نطقت بحرف من عبارتها المُتسرعة!
+
فـ نشوب حرائق بلا نهاية غزت ڪيان الأخرى كان بسبب رعونتها وتسرعها هي، ابتلعت في توجس مُلاحظة بهتان لون زوجة عمها، لتساندها ممسكة بمرفقها علها لا تسقط وهتفت مصعوقة:
_ مرات عمو مالك؟
+
تحڪمت "صفية" بانحلال أعصابها _نوعًا ما_ وتمتمت بنبرةٍ جاف هي في الأصل مُلتاعة على قطعة روحها المحبوسة _بإرادتها_ بين حوائط أربع:
_مافيش يا تغريد.
واستجوبتها ناظرة في عمق عينيها لتتوتر:
_ إحڪيلي إيه اللي حصل بالتفصيل.
+
ريقها يأبى الابتلاع، لا فِڪاك لها من تحقيقاتها، ولن تمرق منها دون الحصول على أجوبة وافية لڪل ما يدور في عقلها من أسئلة، فهمست لها في طاعةٍ واستسلام:
_هقولك على ڪل حاجة.
+
..............................................
+
ما بال المصائب لا تأتي إلا جملة واحدة؟!!
+
تم انهاء المُكالمة، ولازال على وضعه، وفي يده السماعة، كم يود أن يُلقيها لآخر مدى يستطيعه، لولا وجود سكرتيرته وخشيته عليها من أن تُصاب بالزعر منه لفعلها ولكان حطمها لفُتات ، تنفس بانفعال فاق حدوده، إنه غاضب، يتأجج الغضب في ثنايا روحه، وعقله كالمراجل يغلي بلا انقطاع.
+
أنى له بحلولٍ لكل مصائبه المتلاحقة على رأسه ڪزخات المطر؟!!
+
أنى له بهدوءٍ بين عواصف أفكاره، ومشكلاته المُقترنه به هذه الفترة؟
+
ولمَ في هذا الوقت بالتحديد يُذاع الخبر وتأتي الصحافة إلى شركته، بعد أن تكتم على الخبر وأخفاه بشتى الطرق؟
+
ياله من حظٍ تعسٍ!
+
والمصيبة الڪُبرى أن هذا الفتى بداخل مڪتبه لا يجب بأي حال من الأحوال أن يعلم الصحفيون بوجوده، وإلا ستحل عليه لعنة ملاحقتهم للأمر والنبش ورائه ڪالنسور حتى يصلوا لليقين، وحينها سُيلقى بـ"سامي" في السجن، وستڪون عملية إنقاذه ومساعدته شبه مستحيلة.
+
_ يا باشا مش هتديني السماعة؟!
+
سألته "سُندس" بصوتها المُتعجبٍ، ليعطيها له برماديتان شاردتان، ومن ثم اندفع لباب المڪتب يوصده بالمِفتاح الذي في سُترته، والتفت لها قائلًا بتشديد حريصٍ:
_المفتاح ده يفضل معاڪي، إياك سامي يخرج برا المڪتب، هروح أشوف المصيبة اللي حصلت برا دي وهاجي على طول.
+
ضمت "سُندس" المِيدالية بين أصابعها، مُجيبة بتهذيب رغم اهتزاز نبرتها توجسًا من القادم:
_ حاضر يا فندم، ڪل اللي قلته هيتنفذ، بس....
+
توقفت عن استرسال حديثها شاعرة بالتوتر، ليناظرها بعيونه المُشتعلة غضبًا، واراه عنها رأفة بها، لتنطلق مُكملة بترددٍ:
_ بس لو عِطش أو جاع أعمل إيه؟
+
يودُ أن يُرخي كتفيه للقليل من الوقت فقط، أن ينهار، أن يهرب من كل شيء، وينعزل عن العالمين.
+
ليت باستطاعة فعل كل هذا!
+
دفع الهواء من فمه بتعبٍ يُخفيه، واستطرد بلينٍ يُخبرها بمدى ثقته ويمنحها حافزًا لتقبل الأمر والقيام به على أڪمل وجه ڪما اعتاد منها في العمل:
_تدخلي له الأڪل أو الشُرب وتقفلي عليه تاني، أنا مُعتمد عليڪي وواثق إنك أد المسؤولية.
+
وڪمن لا يملك حيلة أو خِيارٍ آخر حدثته "سُندس" بهمسٍ:
_أڪيد يا فندم، إن شاء الله أڪون عند حسن ظنك.
+
............................................
+
"" حريقٌ ناشبٌ يأڪل البيت تدريجيًا، ويحوله لرمادٍ ببطئ مُفجع، صرخاتٌ يائسة، أليمة، مؤلمة تنبعث في الجو الليلي، الجيران يرڪضون من مڪانٍ لآخر، يحملون دلاءً ملآنة بالمياه، ليسڪبوها تباعًا على هذه النيران.
+
وصوتٌ الصراخ يقوى ويشتد، يخلع قلوب السامعين، ويسيل دموع المشاهدين.
ڪل محاولات الإنقاذ ذهبت سُدى، وڪل جُهدٍ أخذه طوفانٌ من نوعٍ آخر، طوفان القدر، الصرخات تزداد، باتصال، بُح الصوت، تجرحت الحنجرة، فُطر القلب والصراخ لا ينقطع، يرن صداه في كل الأنحاء، يرن في العقول، وتهتز له الأفئدة"""
+
أفاقت من الذِكرى الأليمة، والصوت لازال في أذنيها، يَفُتها، يڪسر قلبها ملايين المرات، اشبڪت أصابعها على رڪبتيها، ورفعت رأسها للسماء، فقابلها السقف ليرتطم مع سهام نظراتها المُشوشة بدموعها السخية، أغرب نظراتٍ قد تراها عيناك، غضبٌ، جسارة، خوفٌ، بسالة، ألمٌ ورغبة انتقامية.
+
لمَ الآن؟
+
لمَ يعود الصوت بقوته بعد هذه الأعوام؟
+
لم يعد في قلبها مڪان لألمٍ جديد، فلقد بُلي بالحسراتِ والأوجاع، مُلئ بالندوب والجروح والشقوق، ما عاد يَصلح إلا للنبض الرتيب، نبض بلا حياة، بلا حيوية، بلا فرحةٍ حقيقية.
+
قضمت "إيناس" شفافهها، ستموت حتمًا إن ظلت تڪتم ڪل هذه المشاعر القاتلة، سينفجر عقلها وقلبها ذات يومٍ، ربما ستفقد صوتها بسبب هذه الغصة، دموعها لا تتوقف، لا تجف، ولا تتوانى عن إحراق وجنتيها بحرارتها.
+
إنها الآن بمُفردها، لا أحد معها، ولن تسمح لأفراد أُسرتها برؤيتها على هذه الحالة، ربما أصيبوا بسڪتة قلبية من مظهرها المُقطع للأفئدة.
+
شعورٌ بالقهر، بالعجز، بالاستياء تملڪها.
+
ڪيف تُثبت صحة مُعتقدِها، وتُحول شڪوڪها لحقيقة ملموسة، بأدلةٍ قاطعة؟
+
تهربت من أسئلة ابنة عمها وفضولها وإلحاحها، ومرقت من بين يديها لتختلي هنا، بعدما سردت لها لقاءها بتلك الصغيرة.
+
يُعذبها ضميرها لترڪها مع تلك الثعبانة، لڪنها حين رأتها اختفى الوجود من عينيها، لم ترى إلا ملامح وجهها السمجة، المريضة، الڪريهة على نفسها، لن تدعها وشأنها، سيأتي يوم لتأخذ فيه حقها من بين أنيابها، قريبًا.......
+
