رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل الخامس عشر 15 بقلم اسراء الوزير
رواية (عاشقة بين الأوغاد)
الفصل الخامس عشر:
جلست على أقرب مقعد قابلها بعدما شعرت بخوار قواها حتى لم تعد أقدامها تستطيع حملها، وكذلك خالد الذي جلس مقابلها دون أن يبدي رد فعل، ينظر أرضا بوجه ممتقع وقد شعر بأن عقله شُلّ عن التفكير في التو واللحظة بعد وقع هذه المصيبة على رأسه، نقل عينيه نحوها حين بدأت تنطق من بين أسنانها بغيظ:
_ هي مش حدّدت الوقت المظبوط، لا دي قتلت اخويا لما لقيت نفسها هتتفضح وقالت تلحق تداري وبالمرة تبقى كل حاجة فــ إيدها، ولولا اني اعترفت على نفسي والمفروض موتي يبقى على إيد المحكمة كان زمانها موتتني هي والشيطان التاني بإيديهم
زفر خالد بحرارة قبل أن يسلط عينيه بنظراتها المتألمة قائلا:
_ ممكن يكون اخوكي بقى كويس قبل ما يموت يا سارة
انتفضت عن كرسيها واقفة ثم حدجته بنظرات مشتعلة حارقة قبل أن تنفجر بغضب:
_ بقولك ما بيخلفش يا خالد، أخويا عقيم ما بيخلفش!
أخذت تحاول التقاط أنفاسها المتلاحقة قبل أن تكمل موضحة:
_ راح أماكن كتير وسافر برة أكتر من مرة وبرضه مافيش حاجة نفعت له!
ثم أخفضت بصرها بقلة حيلة لتختم قولها بنبرة يعتريها الألم:
_ ودي آخرة واحد جه على أخته وقدّم مصلحته على مصلحتها وساومها على أكتر حاجة بتحبها من غير رحمة!
تهاوت على المقعد من جديد بعدما عاد القهر ينخر بقلبها ونيران الحسرة تحرقها دون رحمة، وقد باتت الصدمات متتالية دون رحمة إلى حدّ لم تعد تستطيع الاحتمال، اعتلت الشفقة وجه خالد الذي يرمق حبيبته بهذا الوضع المُزري دون أن يستطيع تقديم شئٍ للتخفيف عنها، يرجو الاقتراب ومؤازرتها بشدّتها ولكن تمتنع وتخلق حاجزا بينهما يصعب اختراقه،ولمَّا وجد الحزن قد سار بها إلى حيث توجد العبرات المنسابة من لؤلؤتيها البريئتين لم يستطع الاحتمال أكثر من ذلك ولْيذهب الحاجز إلى الجحيم فحبيبته تتألم دون مُداوي لجروحها، أسرع بالوقوف وجلس أرضا على هيئة القرفصاء أمامها ثم أمسك بكفّها بين أنامله يحتويها، التفتت إليه بعينيها لتجده يرمقها بتشجيع وبنبرة مطمْئنة يقول:
_ ماتزعليش يا حبيبتي أرجوكي،كل حاجة هتبقى تمام
ثم أكمل بنبرة أكثر تأكيدا:
_ طول مانتي معايا يبقى ما تزعليش من حاجة واعتبري كل اللي حصل ده كان مجرد كابوس وانتهى
تشدّقت مع شهقات متقطعة:
_ بس هــ هما مــ ما سابوش حــ حاجة حلوة إلا و...
بتر كلمتها بأن وضع يده على فمها لتصمت ثم وقف وجلس إلى جانبها وجذبها ضامّا إياها إلى صدره مكملا:
_ انسي يا سارة، أرجوكي إنسي
أطلق زفرة محملة بالضيق والغضب بعدما رأى الاسم المكلّل شاشة هاتفه حيث هذا الاتصال الرابع على التوالي الذي يرِدَه ولا يجيب، ولكن صاحبه لا يمل على ما يبدو؛ فما كان منه سوى أن يستسلم أمام عزمه ويسحب زرّ الإجابة، وضع الهاتف على أذنه ناطقا بترحاب مصطنع:
_ أهلا يا حضرة المقدم
_ أهلا يا سيادة النقيب عامل إيه؟
أجابه باختصار:
_ الحمد لله
أسرع بتناول صلب الموضوع دون مقدمات أخرى حيث نطق بجدية:
_ وصلت لفين فــ موضوع التحقيق؟
تنهد حسام بانزعاج ثم أردف بنبرة مقتضبة:
_ مع إن دي إجراءات سريّة بس هقولك، دورنا على أستاذ خالد ما لقيناهوش وبعدين استجوبنا مدام سما وطلعت متطلقة منه بقالها فترة!
أسرع أحمد هاتفا بنزق:
_ يبقى ده دليل كبير على إن البيه هرب بيها بعد ما طلق مراته!
اعتلى الضيق معالم حسام بعد كل هذا التدخل من جانب ضابط لا يماثله في القسم حتى! بل يستخدم مكانته لإزعاجه فقط، فتشدّق بضجر:
_ وشُغلتي أنا أعرف اجيبه، شكرا لمساعدتك يا حضرة المقدم
بادر أحمد يقول بثبات ظاهريّ:
_ ياريت تعرفني كل جديد وصلت له
أجابه حسام بلامبالاة:
_ ربنا يسهل، بعد إذنك بقى عشان ورايا شغل
ثم أغلق الهاتف سريعا دون انتظار رد منه ليلوي الثاني فمه ناطقا بغيظ:
_ ده إنت إنسان مستفز!
ألقى الهاتف على الطاولة ثم أراح ظهره على الكرسي وبدأ بالتفكير في اتجاه آخر للإمساك بهذه الحقيرة وعشيقها؛ فلقد لَحِظَ استحالة الإمساك بهذين عن طريق الشرطة خاصة وأن المشرف على القضية ضابط مدلّل يمشي بمساعدة أقربائه في سلك وزارة الداخلية، كما أن خالد لن يخرج من جُحْرِه ومعه سارة ولو على جثّته، وهنا لابد من التفكير بحلٍ بديل خارج الصندوق يدفع خالد يهرول راكعا ومعه سارة بطبقٍ من ذهب، وما قد يحقّق ذلك سوى ورقة رابحة لا تظل بالخارج تُدعى سما، إن تم اختطافها والتهديد بممارسة التعذيب معها، سيحرّك ذلك مشاعر الإنسانية لدى خالد فيأتي بسارة طالبا السماح وتحرير هذه المرأة الضعيفة، وهنا يقوم أحمد بقتل ثلاثتهم ودفنهم بمكان لا يجده أحد ويكون قد انتهى من الاحتمال الأخير للقضاء عليْه
مر ما يقارب العشر دقائق وسارة لا تزال دافنة رأسها بصدر خالد وكأنها تجد الملاذ بأحضانه من غدر العالم الخارجي، مستكينة هي لا تشعر بما حولها؛ حيث يطنّ بأذنها صوت معزوفة صنعتها دقات قلبه المتسارعة لقربها منه بهذا الشكل، صوتٌ عذبٌ لقلب نقي يهمس لها بأن تظل ولا تبتعد من جديد، ففي فراقها يكمن العذاب، فلتفهم وترحم خافقه المسكين، ولكن يبدو أن قسوتها بلغت العنان فقد ابتعدت عنه سريعا ما أن أفاقت من غفوتها تحت سطوة القلب؛ حيث أعطاها العقل مؤشّرا بمدى الجرم الذي تقترفه، وقفت عن الأريكة ثم رمقته بمعالم جامدة يبادلها بأخرى متعجبة، قالت بنبرة جافة:
_ بعد إذنك يا خالد
ثم هربت إلى الغرفة مُسرعة تحت نطراته الحزينة وقد عاد قلبه إلى التلوّي بلظى الفراق وجفاء معشوقته دون رحمة، تظن أنها تقوم بالصواب على الرغم من أنها المتضررة الأولى من صدمة قرارها هذا، تنهد بحرارة ثم عاد إلى غرفته واجما والحزن قد أثقل على صدره إلى حدّ أن نطق من بين أوجاعه بحيرة:
_ ازاي احل المشكلة دي واعرف ارجعها تاني؟! ازاااي؟!
في مساء اليوم التالي، وأمام باب الفيلا الرئيسي، توقفت سيارتان تتميزان بالضخامة يخرج منهما عدد من الرجال ذوي الملابس السوداء التي تخفي أجسامهم القوية، مُلثَّمين يحمل كل منهم سلاحا، واجهوا بعض العقبات مع رجال حراسة الفيلا، ولكن استطاع اثنان منهم تولّي الأمر سريعا وتهديدهم بالصمت التام حتى دلف البقيّة إلى الداخل، ضغط أحدهم جرس الباب ثم انتظر لبرهة قبل أن يُفتح بواسطة الخادمة ليدفعه بقوة حتى وقعت الخادمة أرضا، ولجوا إلى الداخل جميعا دون إنذار وانتشروا بأرجاء المبنى فهتفت الخادمة بينما تستند بكفها إلى الأرض:
_ انتو عايزين إيـــه؟
وجّه أحدهم السلاح إلى رأسها لتزحف إلى الخلف خطوة بينما تزدرد ريقها بخوف، نطق الرجل ذا السلاح بلهجة آمرة:
_ قوليلي سما فين؟
أجابته بتلعثم إثر الخوف الذي يعتريها من توجيه السلاح نحوها:
_ سـ سما هــ هانم، مــ مش موجودة
_ إيــه؟!
أكملت إجابتها بتوتر:
_ هي لمّت شنطتها وسايبة البيت بقالها يومين
ضيّق حدقتيه بريبة وقد لاح إلى ظنونه كونها تكذب ولكن أتاه صوت زميله القادم من الأعلى هاتفا:
_ مافيش حد فوق!
انتقل برأسه إلى زميله للحظات قبل أن يعود للخادمة ليجدها على حالها من الفزع والرعب، فنطق بنبرة خشنة:
_ ماتعرفيش راحت فين؟
هزّت رأسها نافية بينما تقول بذات النبرة الخائفة:
_ ماقالتش والله
استشعر في نبرتها المرتعبة الصدق فأشار إلى زملائه بالانسحاب جارّين معهم أذيال الخيبة ولم تُكلَّل المهمة التي وُكّلت إليهم بالنجاح، والآن عليهم تحمّل غضب أحمد وعقابه على هذا الخطأ الذي ليس لهم يد فيه!
_ إي أخبارك دلوقتي يا سما؟
أردف بها خالد بينما يسند الهاتف على أذنه لتأتيه إجابة الطرف الآخر قائلة:
_ الحمد لله يا خالد، فعلا كان معاك حق انهم هيحاولوا يجيبوني من البيت ويهددوك بيا
تحدث خالد بنبرة شاكرة:
_ الحمد لله اني لحقتك
تمتمت هي الأخرى بلفظ الحمد ثم استطردت تقول مغيّرة مجرى الحديث:
_ المهم، فين سارة؟
أغمض عينيه للحظات وقد تذكر هذه المُعذِّبة الغاضبة التي لا تنفك تجرحه بسكين غير حادّ لتزيد من عذابه وآلام قلبه المنكسر، فتناول شهيقا عميقا زفره ببطء قبل أن يقول بثبات:
_ في الأوضة
_ طب عايزة اكلمها
_ حاضر
قالها ثم وقف عن الكرسي ومشى صوب الغرفة التي تقطن بها سارة ولا تخرج إلا قليلا، طرق الباب ثلاثا ثم انتظر للحظات حتى أتته الإجابة بأن فتحت سارة الباب بتثاقل، اشرأب بعنقه ليرى وجهه المنتفخة معالمه والاحمرار يكبّل عينيها وكأنها كانت في وصلة نحيب للتّو لم يقطعها سوى طرقة الباب، ظلّ مجمّدا للحظات بينما يحدّق بها وقلبه يكاد يخرج من مكانه على رؤياها بهذه الهيئة المؤلمة، ثوان مرّت كالساعات حتى أفاق من شروده مع تذكّره للهاتف، فأشار إلى إليه عند أذنه قائلا:
_ سما عالتليفون عايزة تكلمك
تسارعت دقّات قلبها كالطبول وقد شعرت بقدوم الخطر مع هذا الاتصال، فبالتأكيد ستحصل على سيْلٍ من السّباب وسياط من الاتهام حيث سارة هي سارقة زوجها، ظهر الامتعاض بملامحها بينما همّ خالد بمناولتها الهاتف ولكن أوقفته سهام بقولها آمرة:
_ افتح المكبر يا خالد، في الحقيقة انا عايزة اكلمكم انتو الاتنين
كانت سهى مستلقية على السرير بينما تعبث بهاتفها حيث تتصفّح مواقع التواصل الاجتماعي، انقطع انتباهها حين فُتِحَ الباب فجأة دون استئذان، همّت لتُعرِبَ عن غضبها من تلك الفعلة ولكن سرعان ما سكنت ملامحها مع رؤية المُقتحم والذي لم يكن سوى أحمد الذي دلف وشرارة الغضب تطاير من عينيه، نهضت عن السرير ثم اقتربت منه قائلة:
_ ازيك يا بيبي؟
تجاهل نبرتها الودودة بأن جلس على طرف السرير ثم هتف بتبرم:
_ شفتي اللي حصل؟ خالد عرف يخبّي سما عشان ماعرفش اوصلها؟!
ظلت على حالها من السكينة والهدوء حيث جلست بجانبه ثم ربتت على كتفه قائلة:
_ هدي نفسك واقعد فكر برواقة، العصبية مش هتحل حاجة
قبض على فكّه بانفعال من تصرف هذه الحمقاء غير المُبالية بالخطر الجسيم الذي يوشك على ابتلاعهما، زمجر باستهجان:
_ أنا عايز افهم، إنتي ليه حاطة إيدك فــ الماية الباردة ومش حاسة بالخطر اللي حولينا؟
تكلمت ببرود:
_ لإني لقيتك هتتصرف بخطّة بس خُفْت احسن تفشل، عشان كدة عملت حسابي بحاجة تانية
_ واللي هي إيه؟
وقفت عن السرير ثم سارت نحو الكومود وأمسكت بالجريدة المستندة على سطحه ثم عادت بها تحت أنظاره المستفهمة، وناولته إياها قائلة:
_ شوف الخبر ده؟
ما أن رأى الصورة المعروضة والتي تعتلي منتصف مساحة الصفحة والعنوان المُجانب لها حتى انفغر فاهه من شدة الصدمة كما حلّت الدهشة على عينيه الجاحظتين، التفت إليها ثم قال بعدم تصديق:
_ ده بيقول معروض مكافأة مليون جنيه للي يعرف مكان سارة الألفي!
_ بالظبط
عاد ينظر إلى إحدى زوايا الصفحة ثم نظر إليها قائلا باستنكار:
_ ومنشور بقاله أسبوع؟!
أجابته موافقة:
_ أيوة قلت الحق اجيبهم بإيدي، وخالد مهما استخبى لازم هيخرج، مش هيقعدوا كدة يعني من غير أكل!
ثم استرسلت تقول بنبرة متوعّدة:
_ وأول ماعرف مكانهم هقتلهم بإيدي بطريقة تبيّن ان الموت كان طبيعي جدا
ثم سرعان ما تبدّلت نبرتها من الغيظ إلى الغنج حيث تقول بدلال:
_ ونخلص من الكابوس، وحلال علينا وعلى ابننا الميراث بعد 10 أيام!
اعتلت ابتسامة خبيثة شدق أحمد بينما ينظر إلى شريكته قائلا بإعجاب:
_ فكرة حلوة يا سوسو، برافو عليكي
أخذت تتلمّس وجهه بأناملها بينما تقول بنبرة مشتاقة:
_ خلي التفكير عليا، أنا عايزاك علطول مبسوط يا قلبي
ما ان انتهت منها حتى أسرعت تحتضنه وتقبل رقبته ليستجيب لندائها بأن نزع سترة بدلته وتجاوب معها بالقبلات واللمسات دون الاعتبار بما يحدث جرّاء أفعالهما القذرة وخططهم الماكرة التي تستهدف السعي وراء الثروة وإرضاء الشهوة، وليفعل الظالم ما يشاء ولو بلغ طغيانه عنان السماء فله حدّ ينتهي عنده
_ عاملة إيه يا سارة؟
أردفت بها سما بنبرة حانية يخالجها التردد الذي لَحِظَتْه سارة من فورها، فخطفت نظرة إلى خالد لتجده يُماثلها في التساؤل ثم عادت تنظر إلى الهاتف قائلة:
_ الحمد لله يا سما
دخلت بصلب الموضوع دون المزيد من المقدمات:
_ عارفة انك مستغربة من طلبي اني أكلمك، بس ده كان لازم....
أكملت عنها بنبرة جادّة صامدة:
_ قبل ماتقولي أي حاجة، حابة اقولك ان اللي انتي عرفتيه ده كان زمان مالوش علاقة بدلوقتي، بمجرد ما نخرج من الموضوع ده أنا مستعدة اسافر وترجعي لخالد وكل حاجة تبقى زي ما هي، بس ماتزعليش مني يا ريـــ...........
قاطعتها سما باستنكار:
_ ومين قالك اني زعلانة منك يا سارة؟ اللي حصل ده مش بإيدك إنتي، وبعدين لو كان في احتمال إني اعرف اعيش مع خالد ماكنتش طلبت الطلاق
عقدت جبينها بعدم فهم ودون ان تستطيع التلفظ بكلمة أخرى بينما أكملت سما مبررة:
_ لإن ببساطة ماقدرش اعيش مع واحد انا عارفة ان قلبه مع غيري
انتقلت عيناها إلى خاصتي خالد لتجده يحدق بها بنظرات هادئة أما سما فقد استغلت الصمت الذي حلّ بسارة وأكملت مُضاعِفَة صدمتها:
_ دي الحقيقة يا سارة، خالد بيحبك وانتي بتحبيه، والظروف هي اللي وقفت أدام الحب ده، لكن لولا كدة كان زمانكم مع بعض دلوقتي
تناولت سارة شهيقا عميقا زفرته على مهل قبل أن تردف بنشيج:
_ الكلام ده كان ممكن يحصل زمان يا سما، لكن دلوقتي صعب عليا، أنا ماتعودتش ابني سعادتي على حساب تعاسة حد تاني
أجابتها سما مستنتجة:
_ لكن اتعودتي تضحي بسعادتك عشان حبيبك يبقى بخير
ثم أكملت بنبرة حزينة تسكنها الشفقة:
_ وحبيبك مش بخير يا سارة، من ساعة ما سيبتيه وهو مش بخير ولا انتي كمان
أسبلت أهدابها بإرهاق وقد غامت عيناها ليربت خالد على كتفها، رفعت عينيها كي تنظر إليه لتجده يؤازرها بنظراته المشجعة، وبينما تسلّط عينيها بخاصتيه أكملت من بالطرف الآخر مستنكرة:
_ لسة ما لاحظتيش؟! كفاية كدة عذاب يا سارة، دي كدة فرصة كبيرة عشان ترجعوا لبعض، كفاية تضييع وقت
ثم استرسلت بنبرة جديّة يعلوها الصدق:
_ وإن كان عليا يا ستّي والله ما زعلانة، بالعكس أنا فرحانة عشان رجعتوا لبعض، ولو انتي سبتي خالد أنا مش هرجعله، عدّوا الأزمة دي مع بعض وعيشوا حياة سعيدة كنتوا بتتمنوها بقالكم سنين
ثم مرت ثوان معدودة قبل أن تردف مُودّعة:
_ أنا هقفل دلوقتي، سلام
وانقطع الاتصال بعد كلمتها مباشرة بينما يحدق هذان ببعضهما دون الشعور بما حولهما، وكأن العيون التَقَتا وأبحرتا معا إلى عالم آخر لا يعرفه غيرهما، عالم آخر خاص بهما فقط! ابتسامة مبتهجة ارتسمت على ثغر خالد بينما تفضح عيناه ما يود قوله هذه المرة، بينما يعتلي الخوف والقلق عينيْ سارة التي لا تصدق أن الظروف كلها قد تجتمع معا لصالحها هذه المرة! فلقد نالت من العذاب ما يجعلها معتادة على وجع الفراق والرضا بنصيبها بمنأى عن عاشقها المغوار، رضيت جيدا بما انطبق عليها من حدوثه لأجل بقاء معشوقها حيّا، رضيت ولكن أبى هو الاستسلام، وللطريق المحفوف بالمخاطر قَبِلَ المواجهة، وإن كان أعزلا يفقد السلطة فإن بقائها معه يكفيه وزيادة، ولو ذاق من الحب ساعة فإن ذلك كافيا ليموت بهناء، وإن مات فدائها فهو أقصى ما يشاء، المهم أن تكون معه، بين أحضانه، تغرق ببحور عشقه اللامتناهي
أرادت الانسحاب من أسرِ نظراته العاشقة، ولكن لم تستطع حيث أمسك بيدها مانعا إياها من الهروب كي تواجه عشقه بنظراتها الصامدة، أردف خالد بحنو:
_ أنا بحبك يا سارة، وإن ماكنتش ليكي مش هكون لغيرك
أخفضت نظراتها مع صوتها الباكي قائلة:
_ خايفة يا خالد
جذبها بقوة حتى انتقلت إلى أحضانه فيحتويها بين ذراعيه لتدفن وجهها بصدره هاربة من قسوة الظروف التي تمنعها بينما يطبع خالد قبلة رقيقة على رأسها ثم يقول بنبرة مشجعة:
_ خليكي معايا، وماتخافيش من حاجة
ابتعدت عنه قائلة بخوف:
_ توعدني هنكون بخير؟
أماء برأسه مع ابتسامة عريضة تزيّن وجهه بينما يخرج من جيبه الخاتم الذهبي الذي لقِيَه بالحقيبة ذلك اليوم وألبسه ببنصرها الأيمن تحت نظراتها الخائفة، عاد ينظر إليها قائلا بوَلَهْ:
_ أوعدك
استيقظت سهى بانزعاج مع رنات هاتفها المتتالية لتفتح عينيها ثم تنهض بخفة بينما تتشبّث بالغطاء الذي يستر جسدها العاري حتى أسفل كتفها، أزاحت شعرها إلى الخلف بينما تتأفف بغضب على الاتصال المفاجئ الذي قد يردها في التاسعة مساء، فتناولت الهاتف من فوق الكومود ثم ضيّقت عينيها بينما تنظر إلى شاشة الهاتف لتجده رقما مجهول الهويّة، سحبت زر الإجابة ثم وضعته أمام أذنها قائلة بنعاس:
_ ألو
وما هي إلا ثوان معدودات حتى هتفت بلهفة:
_ بجد؟!
_ طيب بص تعالى عند ... ، مستنياك
ثم أغلقت الهاتف على الفور والتفتت إلى جانبها لتجد أحمد النائم على بطنه جانبها عاري الصدر، فأسرعت تهزه قائلة:
_ أحمد، أحمد فوق، فوق بقى يالا
فتح أحمد عينيه ببطء ثم أخذ يفرك شعره قائلا بضيق:
_ في إيه يا سهى؟ بتصحيني ليه؟!
أزاحت الغطاء عنها ثم وقفت وارتدت البرنس المُلقى على الأرض بإهمال قبل أن تجيبه وهي تتجه للمرحاض:
_ في واحد لقى سارة وخالد، وجاي حالا عشان يعرّفني العنوان وياخد الفلوس
وما كانت سوى نصف ساعة حتى كان كلاهما في أتم استعداد لمقابلة هذا الزائر الذي كان اتصاله بمثابة إجابة الاستغاثة التي نشداها منذ هروب هذه العنيدة، كانا ينتظران بغرفة الصالون يحتسيان الشاي في صمت مطبق يتخلّله التوتر، التفتت سهى إلى شريكها ثم قالت متسائلة:
_ إي رأيك نسلمهم للشرطة بدل ما نقتلهم؟!
وضع أحمد الكوب على سطح المنضدة بعد أن انتهى من تجرّع آخر رشفة به ثم تكلم من بين أسنانه موضحا:
_ لو سلمناهم للشرطة هنفتح عنيهم علينا وهيشكّوا فينا؛ لإن المفروض ده شغلهم مش شغلنا احنا، وبعدين لو سارة رجعت برضه مش هنخلص، لازم نقطع عرق ونسيح دمه
همّت لتجيبه ولكن اوقفتها طرقة على الباب المفتوح، لتلتفت نحوه فتجد الخادمة تقترب ثم تقول باحترام:
_ الأستاذ جه يا مدام
تحدثت سهى بشئ من اللهفة:
_ دخليه هنا بسرعة
أجابتها بإيماءة من رأسها سمعا وطاعة ليتم تنفيذ الأمر في أقل من دقيقة حيث يدخل رجل أربعيني الملامح، يرتدي جلبابا رمادي اللون وعلى رأسه عمّة بيضاء يعلوها طربوش أحمر، يمسك بدفتر طويل بعض الشئ بيمينه وبيساره مسبحة ذات حبات من العقيق الأحمر، يسير بوقار حتى يقف عند مسافة مترين منهما لتقول سهى دون ان تنزاح عن مجلسها بكبرياء:
_ أهلا اتفضل يا أستاذ
أجابها بالاقتراب أكثر حتى جلس على أول مقعد قابله، ثم نظر إليهما قائلا:
_ أنا صابر عبدالفضيل المأذون الشرعي
أجابه أحمد:
_ أهلا بيك
ثم استطرد دون مقدمات:
_ عرفني لقيت سارة فين؟
أجابه المأذون برفعِ أحد حاجبيه مستنكرا بينما يقول ببعض السخرية:
_ عمرك سمعت عن حد يدّي حاجة قبل ما ياخد التمن؟!
كزّ أحمد على أسنانه حتى كاد يهشّمها بغيظ ولكن أسرعت سهى تنقذ الموقف وهي تشير نحو الحقيبة السوداء المجانبة لمقعدها قائلة بكبرياء:
_ اهو المليون كامل يا سيدي من غير ما نضحك عليك، بس تقول الأول هي فــ أنهي حتة
أجابها بإقرار:
_ أنا لقيتها مع شاب في ... في المعادي، وكُنت معاهم فــ الشقة اللي هما فيها وماكنتش مركز أوي مع الصورة، لكن لما شفت البطايق بتاعتهم عرفت سارة من الاسم اللي في الجرنال، وقلت اتصل عليكي علطول
ضيّق احمد حدقتيه بعدم فهم قبل أن يقول متسائلا:
_ وازاي شفت البطايق بتاعتهم؟!
أجابه بعملية غير مباليا:
_ ده ضروري للقسيمة، عشان تتم الجوازة
احتدت عينا سهى الجاحظتان من فرط الصدمة المتكالبة مع الغضب حيث تهتف بنزق:
_ نـعـــــــــم!
التفت إليها والتعجب يكتسي ملامحه من ردّة فعلها قائلا:
_ في إيه يا فندم مستغربة ليه؟ أنا لسة مجوّزهم حالا
ثم فتح دفتره الذي يحوي العديد من الأوراق وأخرج منه إحداها وناولهما إياها مؤكدا:
_ ودي صورة من قسيمة الجواز وعليها اسم المدام اللي بتدوروا عليها ثلاثي
نفثت سهى أنفاسا حارة تكاد تحرق تلك الورقة المزعجة أمامها، ولم يكن أحمد بأقل منها حيث أراد وبشدة أن يمزق هذه الورقة وينتهي الأمر، ولكن فكر جديّا بعواقب ما سيقوم به، فأعاد القسيمة إلى المأذون بينما يقول على مضض:
_ عموما متشكرين على اللي عملته يا أستاذ صابر، اتفضل المكافأة وياريت ماتقولش لحد انك جيت وعرفتنا مكانهم خصوصا الشرطة
وقف المأذون عن مكانه قائلا بتأكيد:
_ ماتخافش يا باشا، مبلغ مليون جنيه يخليني ابقى أخرس لو عايز، سلام عليكم
ثم انصرف مسرعا وبحوزته الحقيبة وأغراضه ليجيبه أحمد باستهزاء:
_ وعليكم السلام يا دقن بالاسم!
ثم انتقل ببصره نحو سهى التي شعّت عيناها بانفعال واضح تملّك منها إلى درجة شرودها بمكان آخر، مكان يمتلئ بنيران غيظها المستعر، اقترب منها أحمد وقبل أن ينطق بادرت تزمجر من بين أسنانها بحنق:
_ الكلاب اللي بيستخفوا بينا دول! افتكروا ان سهل يتجوزوا ويفرحوا كدة من غير ما يعملوا حساب لينا!
ربت على كتفها قائلا بنبرة يعلوها الخبث:
_ إوعي تزعلي يا قلبي، ده كدة حلو جدا عشان نعرف ناخدهم على خوانة مظبوط، وبدل ما يدخلوا دنيا هيخرجوا منها
في الغرفة كانت سارة جالسة على طرف السرير بينما تفرك أناملها بعنف وقد بلغ التوتر منها مبلغه، بفستانها الأبيض الرقيق المفرود على أرجاء السرير بانسيابية حتى زادها رقة وجمالا، زينتها البسيطة التي وضعت من لمساتها القليل لإخفاء آثار الدمع الذي هاجمها طيلة الأيام الماضية، شعرت بخفقاتها تتضاعف تزامنا مع صوت أقدام خالد الذي ولج إلى الغرفة ثم اقترب منها بخطوات هادئة يعكس ضجيجا بقلبه وعقله على السواء، فلا يصدق بعد كونه حصل على محبوبته أخيرا وتمّ الزواج دون عوائق أخرى، أجل يعرف أن الظروف لا تسمح ولكنه لن يسمح بتأجيل سعادتهما أكثر من ذلك، وتبا للعالم ومن فيه، ما أن وقف أمامها حتى أمسك بكفها ثم جذبها لتقف مقابله وعيناها لم تنزاحا عن الأرض خجلا، أمسك بذقنها بين أنامله ثم رفعه لتواجهه بنظراتها الخائفة ليبادلها بأخرى ولهانة عاشقة، استمدّت شجاعتها من لهفته حين حركت لسانها بخوف:
_ هو اللي احنا عملناه ده صح يا خالد؟!
أجابها بينما يسلط عينيه بخاصتيها قائلا بثقة:
_ أنا عمري ما شفت نفسي صح أد النهاردة
ثم استطرد بحب:
_ عايزك بس تنسي الخوف شوية
نطقت بتوجس:
_ هحاول
وأتبعتها رنات متتالية على جرس الباب لتتسع عيناها بدهشة بينما تقول بقلق:
_ هو مين اللي بيرن دلوقتي
تركها ثم التفّ نحو الخارج قائلا:
_ ثانية واحدة
وبالفعل تحرك إلى الخارج على مضض حتى وصل إلى الباب ففتحه لتجحظ عيناه بصدمة بعدما رأى الطارقين بهذا الوقت المتأخر، همّ لينطق ولكن أخرسه أحمد بأن رفع سلاحه صوب رأسه قائلا بنبرة سمجة يسكنها التهديد:
_ لمؤاخذة لو جينا فــ وقت مش مناسب ولا حاجة
ثم دلف سريعا ولا يزال مسدسه مصوبا نحو رأس خالد وخلفه دلفت سهى مع أربعة رجال ضخام البنية احتلوا أرجاء الشقة، وما هي إلا ثوان حتى انبعثت من الغرفة صرخات متتالية بصوت سارة مستنجدة:
_ خاااالد، خااااالد
نظر خالد باتجاه الغرفة ليجد أحد الرجال يمسكها من عضدها جارّا إياها نحو الخارج عنوة، همّ خالد ليساعدها هادرا بغضب:
_ سيبها يا حيوا.....
ولكن كانت ضربة أحد الرجال القاسية على مؤخرة رأسه كافية ليجثو على ركبتيه أرضا وقد شعر بألم شديد أصاب رأسه حتى كاد يدميها، أردفت سهى بمكر:
_ معلش بقى، قلنا نلحق نريحكم من الدنيا بدل مانتوا مستخبيين كدة، واهو تتقابلوا مع بعض في الآخرة
انحنى أحمد حتى صار على مقربة من زميله ناطقا بخبث:
_ قولي بقى تحبوا مين اللي يموت الأول؟!
صاح خالد من بين أسنانه بازدراء:
_ إنت أحقر واحد شفته فــ حياتي
تجاهله أحمد بأن اعتدل في وقفته ثم تحرك خطوتين مبتعدا بينما تقول سهى بنبرة وعيد تمتلئ بالشراسة:
_ البني آدم ده تعبني أوي ولولاه الست هانم اتفرعنت علينا، نقتل حبيبته أدامه عشان يتعذب شوية
التفت خالد إلى حبيبته ليجد الهلع يسكن معالمها بينما تنطق من بين نحيبها الصامت بتألم:
_ سامحني يا خالد، كل ده بسببي أنا
