رواية الغضب الاسود الفصل الخامس عشر 15 بقلم الكاتبة كوين اسمهان
الفصل 15|العلامة!
أزال هوجو قطرة ماء باردة فاجأت وجهه، ثم تلتهما قطرتان، فمسحهما كذلك مقطبا و هو يغمغم بصوت منخفض:
+
"سُحقا! من أين تأتي هذه؟".
2
رفع رأسه إلى السماء فاكتشف في عرضها سحابًا قاتما يزحف و يتمخضُ عن احتكاكه ببعضه وميض برق خافت، و ما هي إلا دقائق على بلغه صوتُ رعد بعيد، اعتمر قبعته احتماءً من المطر الذي بدأ يتساقطُ بغزارة أكبر، و غمغم من جديد مواصلاً انتظاره:
+
"نحن في أواسطِ ديسمبر، يفترضُ أنه صيف كما تعودنا، لا أصدقُ أن المطر يسقطُ خلال هذا الموسم الجاف؟ أستراليا أنتِ أرض الأعاجيب!".
2
لمح سيده يقبل عليه، فحشد انتباهه و تركيزه في مسار الإصغاء إلى كل كلمة سيقولها:
+
"لِيو و الفتاة في عنايتكَ هوجو! لا تفارقهما أبدا".
6
أومأ له عامل فريق النقل بثقة، و ما إن التقط وجهي الطفل و ماريغولد آتيين من بعيد، حتى انطلق ليبث الحياة في محرك السيارة، التفت هارولان فورا ينظر إليهما، و ظل يساوره ذلك القلق الغريب في أعماقه، حقيقةً... لا عمل يقوم به اليوم سوى الإشراف قصير الأمد على نقل حليب بقراته في الصهاريج الخاصة إلى المصنع، ثم تحديد الرؤوس التي ستتجه إلى المذبح، قبل أن يحول ما تبقى من اليوم إلى إجازة عامة، ليستطيع جميع من في المزرعة تجهيز أنفسهم من أجل حضور حفل الليلة، كان باستطاعته أن يترك الإشراف لكبير العمال رود جونز، و أن يخلد إلى الراحة اليوم بطوله، لكنه قرر أن يكون ندًّا لنفسه، أن يحارب المشاعر الغامضة التي تحركه نحوها، و تجعله تواقا ليكون دائما قريبا منها، إنه يريد أن يتأملها و يرفض ذلك في ذات الوقت، عقله يأمره أن يشيح عن جمالها، و عيناه تتمردان!
1
حدقت فيه ماريغولد بغرابة، هي لا تفهم هذا الرجل، أمس آلمها و قهر قلبها بكسره أجمل ذكرى من أمها، و هذا الصباح يعيدُ إليها ذكرى أخرى ظنتها ضائعة، القلادة التي لم تفارق عنقها منذ الصبا! كيف يمكنها فهم هذا الرجل؟ كأنه يجمع لهيب النار و صقيع الجليد معا! كان يقف قريبا جدا من السيارة، يا للعجب! هل يفتح لها الباب بنفسه؟ هل ترى حلما أم ماذا؟ مشت صوبه متشبثة بيد لِيو المتحمس، و اضطرت أن تقترب منه كثيرا و هي تُجلس الطفل مكانه، نظر هارولان إلى عنقها حينما كانت تمرُّ من أمامه، فلاحظ نبضا مجنونا يهزُّ وريدها، و شامات عدة دقيقة -تكاد لا تظهر- تسترخي فوق عظام جيدها، مثلما تسترخي القلادة، همس لها حينها:
7
"لقد وثقتُ بكِ اليوم، و لقاء هذه الثقة، كوني بطلة الغابة مجددًا، و لا تتركي يد لِيو!".
15
رفعت بصرها إليه متسلقة بعينيها النجلاوين قسمات وجهه، و تعانقت نظراتهما المتأججة بالمشاعر الغامضة قبل أن تعقب بهدوء:
+
"لن أترك يده أبدًا، هذا وعد!".
3
آمن هارولان بكلماتها و عينيها، و صدق حركات شفتيها، أدرك أنها أطالت البقاء تحت المطر، و كره أن يبتل هذا الشعر الجميل، فحثَّها على اتخاذ مكانها في السيارة إلى جوار لِيو، ثم أغلق الباب، و شعور التحذير الخفي يتصاعد داخله، لماذا يشعر أنه سيفقدهما معا؟ و أن هذه آخر مرة قد يرى فيها هذين الوجهين؟
18
من خلف الزجاج الذي انزلقت عليه قطرات المطر... لوَّح الطفل بسعادة، فأومأ له خاله بهزة خفيفة من رأسه، قبل أن يجذبه ما تفعله ماريغولد، راقبها حائرًا و هي تنفخ على الزجاج محدثة بأنفاسها بقعة ضباب كافية لتطبع وسطها علامة يدها المنبسطة! ابتعد هوجو بالسيارة يشق الطريق المفضي إلى بوابة كينغلاند الكبيرة، مخلفا وراءه النقع و آثار عجلات الجيب الضخمة، و ظل هارولان يحدق بالفراغ، دون أن ينتزع من عقله الحركة التب قامت بها تلك الفتاة، تراجع نحو أرض الحضائر ليتفقد سيرورة العمل مفكرا في علامة الكف التي طبعتها على الزجاج، هل سهت فقط... أم أن هناك قصة ما خلفها؟!
3
سحرت بريدجتاون ماريغولد، لم تكن بالمدينة الكبيرة، لكنها كانت غاية في الجمال و النظام، تتسم أبنيتها بالعصرنة، فيما يضفي عليها نهر بلاكوود -الذي يتعرج خلالها- لمسة بوهيمية خلابة، تجعل المرء يشعر كأنه قطف قطعة من الجنة ثم نثرها بين شوارع المدينة!
1
"يبدو هذا التمثال مذهلا! ما رأيكِ ماريغولد؟".
+
داخل أحد مزارات السُوَّاح... أشار لِيو إلى تمثال صغير يجسد مقاتل السومو، فضحكت ماريغولد قائلة:
+
"عزيزي لِيو، السيد لي صيني و ليس يابانيا، هيا فلنواصل البحث، علَّنا نجد هدية أفضل من تمثال هاكوهو!". '¹'
+
────────────────────
+
¹• هاكوهو: رياضي ياباني شهير محطم الأرقام القياسية في مصارعة السومو.
+
────────────────────
+
مضت ماريغولد تقلب رأسها بين الرفوف بحزن، ليتها كانت تملكُ مالاً لإقتناء هدية للزوجين لي هي الأخرى، لو لم يصرَّ أوليفر على بيعها للبيت حتى تتخلص من الديون المتراكمة، لكانت على الأقل أهدتهما ورودًا زاهية من شجيرات الفيراندا، أما الآن فلم يعد من حقها لمسها حتى! أوشكت على البكاء، و بصعوبة تماسكت، ... ما نفع اجترار الماضي و التحسُّر عليه الآن، ما حدث قد حدث و انتهى الأمر!
19
"ٱنظر إلى هذه القطعة الخزفية المميزة".
+
تذكرت أن السيد لي ليلة أمس كان يلامس برفق شديد فنجاني الخزف، و هو يسكب داخلهما القهوة، مما أوحى لها بفكرة رائعة، فقالت بحماس للطفل:
+
"أعتقد أن السيد لي كصيني أصيل يحب الخزف، هذان القلبان الملتحمان يرمزان للحب الأبدي و الإخلاص، يمكن لهانا أن تضع مجوهراتها على أحد القلبين قبل أن تنام، و يمكن للسيد لي أن يضع ساعة يده على القلب الآخر، كما يمكنهما أن يتركا لبعضهما هنا ملاحظات و رسائل شوق قصيرة، إن هذه القطعة متعددة الإستعمالات ناهيك عن كونها تحفة فنية و أثاث زينة فذّ!".
10
وافقها لِيو و انطلقا على الفور إلى المقصف للدفع، قدمت ماريغولد بطاقة الإئتمان إلى موظفة المبيعات، إلا أن البطاقة سقطت قبل أن تصبح رهن يدها، اعتذرت ماريغولد و قرفصت لتلتقطها، فجأة كشف لها جدار المقصف الزجاجي وجود شخص مألوف خلفهما، استقامت ثانية و هي تشعر أنها فقدت الإحساس بساقيها، إنه هو... المتسلل الذي سمم العلف، الرجل الذي أوسعه هارولان ضربا صباح أمس! هل يتبعهما؟ هل اكتشف أنها السبب في افتضاح أمره و أتى لينتقم؟ ليتها سمحت لهوجو أن يدخل برفقتهما إلى المزار، لكنها حمقاء! أقنعته بأنها ستراقبُ لِيو جيدا و تعتني به، و الآن... ما الذي ستفعله؟ فكرت بروية و قررت أن تلتزم الحذر، و تتصرف بهدوء و حكمة، فلن تستبعد أن يكون هذا الرجل مسلحا!
+
تناولت البطاقة من الأرض بأنفاس مضطربة، استوت واقفة، و همست للبائعة بابتسامة سطحية:
+
"هناك رجل خلفي يثير ريبتي!".
+
"عفوا!".
+
رغم أن المحل آنذاك كان خاليا من الزوَّار إلا أن الهدوء لم يسعف صوت ماريغولد الهامس ليوصله إلى أذني البائعة، فكررت بهمس أوضح قليلا:
+
"الرجل الذي يقف خلفي... أعتقد أنه يحاول إيذائي أنا و الطفل! هل يمكنكِ الإتصال بالشرطة دون أن تجعلي ذلك واضحا له!".
+
جالت البائعة بنظرها خلف ماريغولد، و قالت بتعجب:
+
"آنستي... لا أحد يقف خلفكِ!".
5
التفتت ماريغولد بحدة، و تسمرت مصعوقة من إختفاء الرجل، إنها متأكدة أنها رأته هناك، و كانت عيناه تقدحان شرًّا، كأنه يتحين فقط الفرصة السانحة ليبطش بهما، فكرت أن تهرب إلى الباب الرئيسي للمزار، و تستنجد بهوجو، لكن ماذا لو كان ذلك المجرم الخطير بانتظارها هناك؟ ربما سيؤذي لِيو، كلا! لن تسمح بذلك! لِيو المسكين لا ذنب له في العداوة بين خاله و هذا المتعقب، ثم إنها وعدت هارولان بأن تحمي إبن أخته و تكون بطلته مرة ثانية، لمعت فكرة في رأسها، فتوجهت بالحديث إلى الموظفة مجددا:
+
"هل يمكنني إجراء إتصال من فضلك؟!".
+
بدا التردد على البائعة قبل أن تتمتم متشككة:
+
"آنستي، لا يجب أن يبقى هاتف مزارنا مشغولا لأننا نتلقى طوال الدوام مخابرات مهمة من الزبائن، نحن لا نسمح بهذا سوى في حالات الطوارئ!".
+
لم تستسلم ماريغولد، ابتسمت في وجه البائعة بغنج، و عقبت مستعينة ببعض الكذب الإضطراري:
+
"الحالة طارئة بالفعل، علي محادثة زوجي قبل أن ينجح هذا الرجل الخطير في إيذاء ابننا و تشويه سعادتنا، رجاءً!".
23
ظهر التأثر جليا عليها، تلألأت عيناها بالقبول، و تمتمت:
+
"حسنا، كم رقم زوجكِ؟".
+
"الرقم موجود على بطاقة الإئتمان، تفضلي!".
+
ذهلت البائعة، دققت النظر بالبطاقة عدة مرات، و شحبت مستفسرة بتلعثم كأنها ستفقد الوعي:
+
"هل... تقصدين... هل... تقصدين أن هارولان كينغ نفسه... هو زوجكِ؟".
21
هزَّت ماريغولد رأسها بحمرة خجل عنيفة، ثم سألت مكررة النظر حولها و هي تفكر في عواقب هذه الكذبة:
+
"نعم، نحن متزوجان، لا وقت للشرح، أنا و صغيري في خطر الآن، هلا اتصلت به رجاءً!".
+
انتفضت البائعة قائلة:
+
"طبعا آنستي... أعني سيدتي! لا شيء يضطرك لشرح حياتك الخاصة، أمهليني لحظة فقط!".
2
دوَّنت الرقم، و طلبته فورا، ليُجيبها صوتٌ رجوليٌّ قوي:
+
"هارولان كينغ يتحدث!".
+
"مرحبا سيدي، السيدة كينغ تريدُ محادثتك لسبب ضروري! ها هي ذي على الخط".
6
تجمد هارولان في مكانه، كان منكبا رفقة رود جونز فوق طاولة مكتبه، و على وشك أن يحدد له أرقام العجول التعريفية التي ستشطب من لائحة الذبح لصغر سنها، لكن ما سمعه على الهاتف شطب كل أفكاره، اتكأ على ظهر كرسيه مرددا بذهول:
+
"السيدة... كينغ؟!".
29
لم تدُم حيرته، فورا توضح الأمر أمامه عندما تدفق عبر سماعة الهاتف ذلك الصوت الدافئ قائلا:
+
"مرحبا! ماريغولد تتحدث".
+
دعك حاجبه طالبًا من رود أن يتولى أمر اللائحة بنفسه، و صرفه ليتحدث على أريحية، و فكرة منطقية تدور في خلده، لا بد أن البائعة التبس عليها الأمر، و ظنت تلك الفتاة فردًا من آل كينغ، و هذا أمر طبيعي الحدوث، غير أن ماريغولد قالت هامسة ما بدد أريحيته، و أثبت صحة حدسه القوي:
+
"انتهينا توا من التسوق، لكن...".
+
صمتت فحثها لتمضي في قولها قلقا:
+
"لكن ماذا؟ هل ألمَّ بكما مكروه؟".
7
أذهتلها لفظة «بكما» و هزتها حتى العظم، ظنت أنه لا يصرف قلقه إلا في سبيل شخص واحد في العالم و هو لِيو، لكنه فاجأها بالمُثنى الذي يشغل تفكيره، و يسكن قلقه، هل يعقل أنها أخطأت قراءة هذا الرجل؟ هل يعقل أن خلف غضبه و قسوته يوجد قلب رحيم و رؤوف حتى بغريبة مثلها؟ لا وقت لمثل هذه الأفكار المتخبطة، لا وقت تضيعه في التساؤلات!
+
أجابته بسرعة:
+
"نحن بخير، لكنني أرتاب لوجود رجل غريب يحوم حولنا، إنه يشبه بشدة ذلك الرجل الذي سمم العلف الخاص بك!".
+
قسا وجه هارولان و احتدت نظراته، بل اشتعلت كالنار في الهشيم، و سريعا قال لها مشددا على كلماته:
+
"لا تتحركا من مكانكما، لا تخرجا من المزار مهما حدث، أنا آتٍ!".
13
أغلق الخط دون أن ينتظر بقية كلامها، حمل سلاحه الناري على خصره، و السوط، و ساق أضخم رجلين بين حراسه مع أربعة كلاب من فصيلة الدوبرمان إلى سيارة الجيب، محاولا الاتصال بهوجو في نفس الوقت، لكن الرياح التي بدأت فجأة بالهبوب كيفما إتفق أفسدت الشبكة، زمجر لاعنا و هو يقود السيارة بسرعة البرق:
1
"لم يكن ينقصني إلا هذه الرياح العاتية، ما الذي يحدث في العالم اليوم بحق السماء؟".
+
"إنها آثار «إل نينو» سيدي".
+
ردَّ أحد حراسه مربتا على أعناق الكلاب و أضاف:
+
"هذا ما يفعله بنا التذبذب الجنوبي".
2
أعادت ماريغولد السماعة إلى البائعة شاكرة مساعدتها، و ابتسمت هذه الأخيرة لها هاتفة:
+
"على الرحب و السعة سيدة كينغ، أنتِ زوجة أفضل زبائننا، و ممولنا الأول، مساعدتنا لكِ شرف عظيم!".
+
خطت ماريغولد نحو الرفوف من جديد مفكرة، هل من الصواب البقاء داخل المزار، ماذا عن هوجو؟ هل هو في خطر يا تُرى؟ فجأها سؤال لِيو الصاعق:
+
"ماريغولد! متى تزوجتِ من خالي هارولان؟".
30
تخضب وجهها بحمرة جلية، و غمغمت مضطربة:
+
"أوه! لا شيء من هذا حدث يا صغيري!".
+
أضافت بدهاء:
+
"مجرد تمثيلية عابرة!".
+
ابتسم لِيو بعدما وجد في الفكرة استحسانا، آنذاك... همت ماريغولد بقول شيء ما، لكن مرور طيف خلف الرف الذي يقابلها جعلها تجفل و تتأهبُ للخطر، على أن شيئا من مخاوفها لم يتحقق، ربما كان طيف الفتى المسؤول عن ترتيب الرفوف، قررت أن ترتجل حلاًّ ما بنفسها، إن جلست تنتظر هارولان، فقد يقبض عليهما المجرم، و بعدها لن ينفع الندم، هناك ما ستجرب فعله و لا بد أن ينجح! لكن ماذا عن لِيو؟ كيف عساه أن ينفذ معها شيئا كهذا؟ التقطت وجهه الجميل براحتيها هامسة:
+
"أصغِ إلي جيدا صغيري، أريدك أن تشاركني لعبة ممتعة، هل تحب التمثيل؟".
+
رفع رأسه نحوها مكللا فمه الصغير بابتسامة، و أردف:
+
"كثيرا!".
+
"إذن... سنمثل أننا نهربُ و نحاول النجاة من رجل شرير، أغمض عينيك و لا تفلت يدي مهما حدث!".
14
سحبته معها راكضة، و وثبت من الباب الخلفي للمحل، لتجد نفسها تقع في فخ خبيث، انتهى بها الأمر تصارع ذلك الرجل محاولة خدش وجهه و لكمه دون جدوى، نجح رايس في كتم صوتها، و ضغط منديلا مخدرا على أنفها، فبدأت مقاومتها تضعف، و شيئا فشيئا خبا بريق القوة في عينيها، و استكانت بين يديه كدمية مغلوب على أمرها، و وسط كل ذلك وقف الطفل محدقا بما يحدث، و هو يظن أن ذلك جزء من لعبة التمثيل، لكنه هو الآخر تم تخديره، و حشره رايس داخل صندوق السيارة، فيما ألقى بماريغولد على المقاعد الخلفية، التي يستخدمها كتمويه و حسب. كانت السماء تكفهر و ترعد كأنه الفناء، راح هارولان يلتهم الطريق أكثر، حتى تبين المزار، و السيارة التي كانت تحت قيادة هوجو مركونة على شفة الرصيف، لمح هوجو سيده فأسرع نحوه مستفسرا:
30
"المعلم؟ ما الأمر؟ ما الذي يحدث؟".
+
"اللعنة على أسئلتك الفارغة هوجو!".
+
ساءه أن يجده خارج المزار يضرب حصاة بمقدمة حذائه، و لا يراقبهما بشكل لصيق كما أمره، و كاد يُجنُّ حين دلف المحل و لم يجدهما حيث أمرهما أن يبقيا، طلب من الموظفة مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة، و كان أمرا واحب الطاعة أكثر منه طلبا! شاهد المقطع الذي اختطفا فيه على الباب الخلفي للمزار،ثم راح ينظر حوله متنفسا بحدة، لا أثر لذلك الوغد! هذه المرة سيُجهز عليه إن طاله، أراد أن يطلق صرخة مرعبة، لكنه تحلى بالصبر و التعقل، امتطى سيارته من جديد، بعدما اشتمت كلابه ذيل سيجارة انطفأ حديثا و ٱلقي به هناك! سيقلب العالم رأسا على عقب حتى يعثر عليهما، و لن يهمل فرصة و لو كانت واحدة في المليون لإنقاذهما!
+
شعرت ماريغولد أن هالة من الخمول تقيد أطرافها، و ثقل رهيب يطيح برأسها كلما حاولت رفعه، لماذا تهتز هكذا؟ إنها في السيارة! لا... هذه ليست سيارة هوجو! بل سيارة أجرة! استوت جالسة، و رأت صاحب المنديل الأحمر يحرك عجلة القيادة بملامح شامتة، فعادت إليها الذكريات القريبة دفعة واحدة، و ارتعش قلبها ملتاعا لعدم وجود لِيو معها، صاحت به و روحها تتمزق هلعا:
+
"أين الطفل؟ ماذا فعلت به؟ إلى أين تأخذني؟".
+
أحجم رايس عن تقديم رد، فحدجته بنظرة مشتعلة، لتنقض عليه من حيث لا يحتسب كنمرة شرسة، و تخنقه محاولة التلاعب بالمقود لجعله يتوقف، صرخ بها مُسخرًا قصارى جهده لمنعها من التسبب في كارثة:
4
"ابتعدي! أفلتي عنقي أيتها البائسة!".
+
لكن عناد ماريغولد كان أكبر من عناد ثيران كينغ، منحها خوفها على الطفل قوة لا تصدق، فشددت الخناق عليه حتى سببت له سعالا حادا، الأمر الذي جعله يفقد السيطرة على السيارة، و ينحرف مصطدمًا بشجرة! تجاوزت ماريغولد صدمة الحادث، و الألم جراء إصابة شفتها السفلى بتورم بسيط، و سرَّها أن الرجل ٱصيب في رأسه بجرخ غائر، و كانت نجاته مستحيلة حسب ما يبدو، غير أنها كادت تفقد صوابها و هي تخمن مكان لِيو و ترفع غطاء صندوق السيارة لتقع عيناها على مجرد جثة صغيرة، لا! هو حي! لا يمكن أن يرحل هكذا! التقطته بين ذراعيها تضمه و تشم ريحه، كما لو أنها هي من أنجبته و أنفقت الليالي سهرا على تنشئته و رعاية شؤونه! و يا الله! كان قلبه ينبض جنبا إلى جنب مع قلبها، بكت بحرقة و هي تواصل ضمه مغمغمة:
6
"ستكون بخير يا قلبي، لن أترك يدك أبدا!".
+
أفزعتها حركة طفيفة من الرجل، و انَّة خافتة أصدرها، اللعنة عليه! أعملت عقلها، لا يمكنها الهرب بسيارة الأجرة لأن الحادث جعلها تخرج عن الخدمة، فكرت بحركة ما تدل هارولان على مكانهما، لأنها لن تستطيع الوقوف هنا وسط الطريق طالبة النجدة، ففي النهاية سيستعيد المجرم وعيه، و ينال منها و من الطفل، تأملت باشمئزاز الدم الذي ينزف بغزارة من جرحه، تبا! هذا ليس إنسانيا البتة! لكنها مضطرة، غطست يدها في بركة الدم المتساقط سيولا من رأس السائق، و نفذت حركتها المنتظرة، ثم أسرعت تحمل لِيو و تركض به بعيدا باتجاه الغابة، هارولان فطن و دقيق الملاحظة... لعل تلك العلامة تلفت انتباهه إن مر من هنا.
7
حملت لِيو على ظهرها، و سارت به طويلاً بين أشجار الكينا و السرو الشاهقة محاولة العثور على كوخ الصيد مثل أول مرة، غير أنها تخلت عن الفكرة مفكرة أنهما في مكان ربما بعيد جدا عن الكوخ و مزرعة كينغ، أو ربما هما قريبان، إنها لا تدري، شعرت بالضمأ و التعب، و كادت تتهالك لترتاح أسفل أقرب شجرة عندما سمعت صوتا يصرخ بنبرة شريرة:
+
"أين أنتما؟ أيتها الفتاة الحشرية، سأمزق عقلك الذي سول لك أن تتسببي لي بالحادث! تعالي! تعالي!
2
غاص أكثر بالغابة مباعدا بعض الأغصان المتعانقة، و راح يدندن تلك العبارة عشرات المرات كالمهووس! كممت فمها، أحكمت السيطرة على شهقاتها، و كادت تنجح في إيهامه بأنها هربت باتجاه آخر، لولا البرق الذي ضرب فجأة! و جعلها تخسر حرصها و هدوءها، و تطلق صرخة قصيرة، كشر رايس عن ضحكة شريرة و قهقه مستمتعا:
+
"السماء فضحتكِ، هيا! الفئران لا تختبئ إلى الأبد!".
3
لمح هارولان سيارة أجرة و قد انتهى بها المطاف تعانق الشجرة هناك، فانقبض صدره، و خشي و هو يترجل من سيارته أن يلقي نظرة و يصدمه ما سيراه، لكنه داس على مخاوفه، و الصور السوداء التي خطرت له، و ألقى بصره داخلها، لم يجد هناك سوى الفراغ و الأسئلة و المنظر البشع، جحظت عيناه و برقتا بقلق أكبر، هذا الدم للسائق فحسب... أم أنه دمها... أم أنه دم لِيو؟! يا لهذا الشعور الطاحن! كاد ينهار، لولا العلامة التي التقطتها عيناه، دنا منها مدققا، إنها علامة الكف مطبوعة بالدماء على جانب من السيارة، مثل تلك التي طبعتها بأثر أنفاسها على الزجاج منذ ساعتين أو يزيد! انتفض بصيحة أمل:
+
"هذه إشارة استنجاد و أثر تتبع معا، فلننقسم و نبحث في الغابة، لا اتصور أنهما ابتعدا كثيرا!".
13
نهاية الفصل الخامس عشر.
+
