رواية وكانت للقلوب رحمة الفصل الخامس عشر 15 بقلم مروة حمدي
وكانت للقلوب رحمة
_١٥_
وأشرقت شمس يوم جديد ملئ بالأحداث والمفاجأت العاصفة لسكان هذا العقار، فعندما تراه من الخارج وأنت تقرأ تلك اللافتة الصغيرة المعلقه على الجانب الأيمن من الباب "آل الجمال" لا يخطر ببالك سو أنه منزل لعائلة مترابطة متحابة، يشعر الفرد فيها بما يعتمر بقلب أخيه، إذا كان فرحًا سعد لأجله و إذا كان حزناً فعل ما بوسعه للتهوين عليه.
ولكن من قال قديماً بأن الأبواب المغلقة تخفى خلفها الكثير والكثير كان محقا، نصيحة من ذهب أخبرنا بها أجدادنا سابقا لا تحكم على شئ قبل أن تعايشه بنفسك، وها هم آل الجمال خير مثال.
بالشقة بالدور العلوى، شقة المرحوم فتحى أستيقظت تلك الكريهة من نومها الذى لم تذقه سوى كمقطتفات صغيرة سرقتها من الليل، خلسة من فكرهُا الحائر، وقلبها المشتعل بنار لم تعرف لها سببا.
تململت فى نومها وهى تجبر نفسها على الأفاقة، لتأتى صورته أمامها كتنبيه لها؛ ليدق قلبها بلهفة لرؤياه، هبطت من على الفراش بسرعة، تمشى بدون إتزان، تصطدم بكل شئ يقابلها حتى وصلت إلى نافذتها المفتوحة منذ ليلة أمس، وقفت بها بأعين تشتاق لرؤيا من ملك القلب والجسد، بحثت بأعينها داخل غرفته ، وقد رأف بحالها أو ربما لا؛ تاركاً نافذته مفتوحه_كعادته _بكل صباح عند الأستيقاظ، تبسمت براحة بأن هناك أملا لها، عقدت حاجبيها وهى لا تراه داخل غرفة نومه، تساءلت بهمس.
"هو فين؟ معقولة يكون فى المطبخ ولا فى الصالة؟!!
أشاحت بيديها وهى تحدث نفسها بصوت عالى نسبياً: وأنت هحتار ليه! أروح اشوفه فى أنهى حته من الشباك التانى.
همت بالتحرك من مكانها ومالبثت بأن خطت بقدمها خطوة واحدة، لتتوقف قدمها ولم تكمل خطوتها التالية بسبب تلك الضحكات التى هزت جميع أجزاء جسدها بعدما وصلت إلى أذنها مارة بقلبها وقد تسارع تدفق الدماء به لتزيد سرعة دقاته بعنف، أغمضت عينيها و هى تسجل داخلها صوت ضحكته الرنانه؛ تلك الضحكة التى أفتقدتها بشده بالأيام الماضية.
عادت مسرعة لمكان وقوفها من جديد، تتطلع داخل الغرفة أمامها بلهفة وحب وفضول؛عن سبب تلك الضحكات، لم تهتم لهيئتها أو بمظهرها كما كانت تحرص دائما عند رؤيته لها، فأشتياقها له أوقف جميع خلايا عقلها.
عقدت حاجبيها بضيق، تتمتم ببعض الكلمات الغير مفهومة المعبرة عن حنقها وغضبها وقد عرفت الان سبب ضحكاته، وهى تراه يلاعب إبنته بعدما دلف إلى الغرفة حاملا إياها على كتفه وهو يدور بها بالمكان و تلك الصغيرة تضحك بسعادة لا تعلم بتلك الأعين المتابعة لها بغضب يتفاقم كلما أرتفع صوت ضحكاتها.
فى داخل الغرفة تتحدث تلك الصغيرة لأبيها بمرح.
رحمة: كفاية يا بابا دوخت خلاص.
عبد الله بفرحة على سعادتها: هتعملى كده تانى؟!
تهز رأسها ينفى سريع: أبدا، غلطة مش مقصودة ومش هتتكرر تانى.
يهم بإنزالها عن كتفه لتتابع هى بمكر طفولى محبب الى قلبه: أصل دى كانت أخر حبايه بعد ما خلصته كله.
شهقة عالية تصطنع الصدمة خرجت من فم والدها وهو يلقى بها على السرير بعدها، يشير بيده عليها بغضب مصطنع: يا مكارة أحنا مش أتفقنا واحنا راجعين سوا بالليل أننا هنقسم الفول السودانى ده بالنص الصبح وناكل سوا!
_رحمة بضحكة خفيفة: وده ال انا عملته.
_وفين نصيبى؟
_حضرتك ال صحيت متأخر عنى إنهاردة.
_يعنى ايه؟
_ترفع كتفيها وهى تجيب: الغائب مالهوش يا والدى.
_بقا كده؟!!
أجابته بهزة من رأسها مع ضحكة خفيفة.
_يبقى أنتى الجانية على نفسك.
قالها تزامنا على إقترابه منها، يدغدغها بمعدتها لتتعالى صوت ضحكاتها مع ضحكاته الفرحة بها
_رحمة بضحك: كفاية، خلاص يا بابا كفاية .
_عبدالله: وكفاية ليه؟
_رحمة بمراوغة: علشان تاخد نصيبك.
_نظر لها بسم وهو يضيق عينيه يجاريها: من ايه؟
_من الفول يا بابا.
_عبدالله بحاجب مرفوع: بس أنتى قولتى أنه خلص، وبعدين انا قفشتك بنفس وانتى بتقضى عليهم، ده حتى ما خلتيش ليا حباية وحده.
_رحمة وهى تمد يدها داخل جيب منامتها تخرج كيس صغير تلوح به أمامه متابعه بمشاغبة: بصراحة ، انا لما فتحت الكيس ، شيلت نصيب حضرتك على جنب من الأول ، ولما سألتنى وأنا باكل قولتلك أنها كانت أخر حباية وفعلا ده صح كانت آخر وحده بس من نصيبى أنا، بس حضرتك ما أستنتش علشان تسمعنى للأخر .
عبدالله وهو يدعى قلة الحيلة : أعمل ايه غصب عنى ، زى ما أنتى عارفة لما الحكاية تخص الفول.
تكملة رحمة حديثه بابتسامة: أنا مش مسئول.
ضحك عليها وهو يقترب منها، ينزع الكيس من بين يديها على حين غرة؛ لتعترض هى بطفولية ليقرضها من وجنتيها وهو يحدثها: ده نصيبى يا حبيبتى، وده مصر اصلا لصحتك فأنا هأكله مكانك، يالا بسرعة علشان منتأخرش على مدرستك يالا يارحومة.
رحمة راحلة من أمامه: مكنش المفروض أطلعه من جيبى.
عبدالله وهو يتناول الحبات بإستمتاع: بسرررررعة.
يعتدل هو الآخر بعد رحيلها متوجهاً للخزانة، حتى يخرج بعض الملابس ليتجهز هو الاخر، ليوقفه ظل أحدهم واقفا بالنافذة أمامه، ضحك ساخرا داخله وهو على علم بهوية ذلك الشخص.
أبتعد عن الفراش متوجها للنافذة، يهم بغلقها، ليقف مكانه لثوانى ناظرا لتلك المراقبة أمامه لتلمع أعينه برضا وراحة على هيئتها، لتسعد الأخرى كثيرا بهذا النظرات التى ظنت بإنها استطاعت لفت نظره لها، ألقت تحيه الصباح بسرعة بوجهه وإبتسامتها تتسع من أذنها اليمين حتى وصلت لأذنها اليسرى.
وكان غلق النافذة بوجهها بعنف خير رد منه على تحية صباحها.
نظرت إلى النافذة المغلقة بغصة بحلقها، وريق فم مر كالعلقم إبتلعته بقهر وهى تنظر لأثره ولنافذته المغلقة بقلب حزين.
تحاملت على نفسها وخرجت من غرفتها بأعين قد شابها بعض الحمار مع شعر مشعث، بملابس غير مهندمة، وهالات سوداء ظهرت تحت أعينها التى أخذت تفتحهم بصعوبة وهى تمسك برأسها من ذلك الألم العاصف به، لتجلس على الطاولة بإهمال، لا تعى نظرات تلك الفتاتين لها وبالإساس لا تهتم.
لتميل غادة على إذن عبير تسألها بهمس: هى ماما مالها،عاملة كده ليه؟ زى ما يكون كلب كان بيجرى وراها وهى نائمة!
تنهرها عبير بزجرة من عنيها وهى تخبرها: هش أسكتى، سيبى ماما فى حالها، يالا علشان متتأخريش انتى على عمك وانا على جدتى.
غادة بشهقة: عمى، لازم أنزل ليصيبنى ويمشى.
أرتدت حقيبتها وخرجت من الباب بسرعة وهى تخبر والدتها بذهابها، لتجيبها الأخرى تشير بيدها لها بلإ إهتمام.
نظرت إليها عبير بحزن عليها وعلى ما تفعله بنفسها وهى تتساءل داخلها: لحد إمتى يا ماما لحد إمتى ؟
جمعت كتبها داخل حقيبتها وخرجت من الباب دون أى حديث، فلما تفعل ووالدتهم جالسة بعقل شارد ولن تجيب.
وبالشقة القابعة أسفلهم، يخرج عبدالله من الباب بصحبة إبنته وهو يولى ظهره للدرج، يضع القفل عليه، لتصل له تحية الصباح من تلك المشاكسة الصغيرة، والتى خصته بها وحده متجاهلا تلك الواقفة جواره.
_عبدالله بابتسامة وهو يعتدل: صباح النور على عيونك يا غادة.
_رحمة وهى تلقى بتحيتها عليها: صباح الخير يا غادة.
هزت رأسها لها بإقتضاب، لتنظر باتجاه عمها من جديد وهى لا تزال تهبط الدرج تغمض إحدى عينيها وتشير عليه بإصبعها تسأله بطريقة مضحكة.
"كنت هتمشى و تسيبنى؟!"
عبدالله بضحكة صغيرة: وأنا أقدر!
تهز كتفيها بدلال: لا، كدة كدة كنت حأجى وراك.
قالتها تزامنا مع وقوفها أمامه، ليضحك عليها وهو يربط على رأسها.
_اه، ربنا يكون فى عونه، صعبان عليا من دلوقتى.
_غادة بدون فهم: مين ده؟!
_عبدالله بابتسامة: ما تأخديش فى بالك لما تكبرى هتعرفى.
ليكمل هامساً داخله: المغلوب على أمره ال هتكونى من نصيبه.
رفع صوته قليلا، وهو يتحدث إلى الفتاتين: يالا بسرعة ، علشان منتأخرش.
هزت كلتاهما رأسهما له، لتسبقانه بالهبوط إلى اسفل.
بينما بالشقة أسفلهم، شقة كريمة وأسرتها المجتمعة حول مائدة الطعام فى مشهد لا يتكرر كثيراً.
كريمة لإبنها: مش من عادتك يعنى تفطر معانا يا عماد؟ هو فى حاجة بينك وبين جدتك ولا ايه؟
رفع رأسه عن طبقه: ناظرا لها داخل عينيها وهو يسألها داخله: حقا، لا تعلمين؟!
أربكتها نظرة العتاب تلك، لتحيد عنه لمن تجلس على جواره من جهة اليمين تحدثها بسخرية: ايه النشاط ده كله يا ست نورهان، من أمتى؟ ده انتى معملتهاش أيام دراستك وكنت يستعين بفرقة من القوات الخاصة اكتر من مرة علشان بس تصحى، خير الله ما أجعله خير.
تضع قطعة من الخبز بفمها وهى تجيب والدتها: الدورة التدريبية معادها أتغير وهتبدأ من تسعة الصبح لحد تلاتة العصر.
عماد وهوعاقد حاجبيه: وليه الوقت ده كله؟
نورهان: لأننا هنشتغل ال أخدناه عملى.
عماد: وايه الداعى لده كله؟
نورهان بمكر: أتعلم.
لم تبرر له بأكثر من هذه الكلمة حتى بكف عن تساؤلاته؛ فأن علم بأى من مخططاتها للعمل الآن، فسيقف لها كحائط سد وهى فى غنى عن أى مشاحنات معه الان.
التفت عماد إلى الجالس جواره على الجهة الأخرى متعجباً ييباغته بحديثه وهو يراه يلتزم الصمت التام على غير عادته.
عماد لهانى: ما أسكت الله لك حسا ياهانى، مالك فى ايه؟
هانى: مافيش.
عماد بشك: اممم، على العموم زى ما أنت عارف انا موجود ومعلم فى اى وقت.
هز رأسه له بإماءة يجيبه داخله: إلا أنت فى هذا يا عماد إلا أنت.
ليرفع نظره لوالدته التى شحب وجهها عقب جملة عماد التى ألقى به لأخيه، ليتأكلها القلق والخوف، تنتظر إجابه صغيرها؛ فعلى الرغم من طباعه الصعبة وشغبه إلا أنه لا يخفى شيئا عن أخيه، لتتنفس الصعداء بعدما أطمئنت؛ بأنه لن يتحدث.
عماد: الحمدلله، أنا ماشى يا أمى.
كريمة: مش لسه بدرى!
عماد وهو يقف أمام الباب ليتلتفت لها بجزعه العلوى: واضح انك نس أنك نسيتى أن جدتى عيانة.
قالها وخرج صافا الباب خلفه.
لتمتم داخلها وهى تحرك شفتيها بالاتجاهين: خالك قدامك، يعنى انت هتجيبه من بره!
كل هذا وممدوح صامت ينظر إلى حال ابنه المتبدل بحيرة، أين صراخه و أين حركاته الصبيانية التى تكاد تصيبهم بالجنون، مزحه مع أخاه، مشاكسته لأخته، إشعال غضب والدته، أين ذهب كل هذا بين ليلة وضحاها.
يخرج من أفكاره على صوت كريمة وهى تحدثه: عايزاك فى الأوضة يا ممدوح قبل ماتنزل، تعالى ورايا.
دخلت وصفق الباب خلفه، تاركين ذلك الفتى ينظر فى أثرهم بإستهزاء.
وبالداخل كريمة تمد يدها إلى ممدوح بدون سابق إنذار أو حتى تمهيد لهذا المسكين: يالا أدينى.
ممدوح بدون فهم: ايه؟
كريمة: مصروف البيت.
_ممدوح بصدمة: اايه، والفلوس ال أدتهالك من يومين من شغل الورشة؟!
_كريمة بلجلحة أخفتها بسرعة: انصرفوا على البيت.
_ممدوح بحده فأجاءتها على الأخير: كل الفلوس دى فى يومين؟! ليه؟ لا جبتى حاجة جديدة ولا حطيتى فى الاكل دهب، علشان الفلوس تخلص بالسرعة دى.
أرتبكت وكثيرا فالنقود قد سدت بها قسط الشقة لهذا الشهر ولا ترغب بأن يعلم عنها شئ، لتزيح توترها تتابع بحده: قولتلك ما أتبقاش معايا حاجة، وعايزة فلوس أكمل الشهر.
نظر لها بغضب: روحى وقولى الكلام ده لاخوكى مش ليا يا ست.
ألقى بحديثه راحلا تاركا إياها تنظر له بإندهاش.
لتميل نورهان على إذن هانى تخبره بعدما إستمعا بصراخ والديها : هو أبوم زعق لأمك، ولا أنا بيتهيألى؟!
رد عليها بسخرية شديدة: لا مش بتتوهمى ولا حاجة، ده بس هو ال أتاخر .
نورهان: قصدك ايه؟
توجه لغرفة نوم والدته بعدما رحل أباه ولم يجبها، لتوقفه بسؤالها وهى تراه يهم بالدخول إلى غرفة والدتها المحرمة دون حتى طلب الإذن لذلك.
نورهان: أنت فاكر نفسك داخل فين؟
هانى: لكريمة.
وبالداخل لا تزال فى صدمتها من رد فعل زوجها الجديد عليه، لياتيها صوت من خلفها.
"المصروف"
رفعت نظرها له، لتجده يمد يده لها كما كانت تمدها لأباه منذ قليل.
أمسكت جزلانها وأخذت منه قطعة ورقية فئة صغيرة وضعتها بيده.
نظر لها ثم لما بيده: ما أتفقناش على كدة الزيادة فين؟!
كريمة: مش دلوقتى، ظروفنا الشهر ده ما تسمحش.
_هانى بلا مبالاة: مشكلتكم أنتم مش أنا.
أمسكت بجزلانها مرة أخرى لتضع ورقة أخرى بيده، لينظر لها لثوانى، متمتما: أنا نازل وهتأخر بعد المدرسة.
كريمة: ليه، وراك درس؟
هانى وهو يخرج من أمامها: لا، هقعد مع أصحابى .
تاركا إياها ولم ينتظر رفضها أو قبولها لما قال.
ليخرج من شقتهم وخلفه أخته نورهان؛ التى فضلت الخروج قبل موعدها بساعة على أن تنتظرها هذة المدة بمنزلها، لا يعنيها ما يحدث بين والدها ووالدتها، تقفز الدرج قفزا، تتمنى الوصول إلى ذلك المكان القريب من مكان تدريباتها، لعلها تراه من جديد.
بينما بالشقة بالدور السفلى، تحاملت على نفسها وهى تقم من مرقدها متجاهلة أمر هذا الدوار العاصف بها؛ حتى تتمكن من رؤيته، فلقد أشتاقته كثيرا.
وصلت الى الباب بإنهكاك تهم بفتحه، لتقف يدها وهى تفكر إذا هبط ووجدنا وفعل معها مثل المرة السابقة،؟!
أطلقت زفيرا حارا وهى تفتح الباب فتحه صغيرة للغاية، تقف خلف أحد جانبيه وننتظر هبوطه بلهفة حتى تملئ عيناها منه.
هبطت الفتيات إلى الخارج وهو خلفهم رفع نظرة للباب الشبه مغلق وقد أصابه الحزن على والدته محدثا نفسه: ياريتنى أقدر أرمى نفسى فى حضنك يا أماه، أشكيلك ظلم زمانى وظلمك.
أخرج تنهيدة عميقة من صدره متابعا"ربنا يشفيكى يا أمى ، ده ال ااقدر أقوله"
مر من بابها وخرج متوجها للخارج وهى لا تزال تنظر له خفية، هبطت دموعها وهى تتساءل.
عزيزة بدموع: ياترى عرفت انى عيانة ولا لا يا بنى؟!
أمسكت بالمقبض وقد زحف لها الإرهاق من جديد، فهى لم تتناول شيئا حتى الآن، لتتوجه إلى المائدة فى منتصف البهو تلتقط أنفاسها ، تذكر نفسها بأخذ العلاج و تناول أى شىء يصادفها حتى لو بقايا طعام ليلة البارحة التى أحضرتها عبير.
وعلى ذكر تلك الفراشة البريئة التى فتحت الباب بابتسامة تشع أمل وحياة، ألقت التحية على جدتها التى أبتسمت لها وهى ترى تلك الإشراقة على وجهها.
عبير وهى تقبل وجنتيها: عاملة ايه إنهاردة يا جدتى؟
عزيزة بكسره: الحمد لله يا بنتى.
عبير وهى تضع أعراضها على المائدة: أدينى خمس دقائق وهعملك أحلى فطار.
عزيزة: لا ، علشان متتأخريش على مدرستك يا عبير، روحى يا بنتى وانا هدبر نفسى.
عبير وهى توليها ظهرها تتجه إلى المطبخ: لا ما تخافيش لسه الوقت بدرى.
أتى صوت من الباب وجهت رأسها له بابتسامة وهى تعرف من هو جيدا.
"أخبارك ايه إنهاردة يا قمر"
"بقيت أحسن لما شفتك يا حبيبى"
هكذا أجابته عزيزة بمحبة خالصة، ليتقدم هو منها مقبلا يدها بإحترام..
عماد كمن يحدث طفل صغير: أخدتى علاجك؟!
عزيزة: لسه، أستنيتك زى ما قولتلى علشان ما ألغبطش لحد ما أعرفهم كويس.
عماد : انتى كده بنت شاطرة.
تركها وودلف إلى غرفتها يحضر الأدوية، لتضحك هى عليه وهى تعلق.
عزيزة: وهو فى بنت فى سنى؟!
عماد وهو يقف أمامها ممسكا بدواءها: أنتى يا قمر.
حقا عجيب أمر هذا القلب نطالبه بالثبات ويأمره العقل بكل حزم بأن يهدئ قليلا و يتحكم بدقاته؛ ورغم موافقته وإقتناعه لحديث العقل وخضوعه التام لتلك القرارات التى تتلو عليه؛ إلا أن نبضاته تدق بقوة تجعله ينتفض فى موقعه؛ رؤيته لمن سكنه؛ تصيبه بالجنون؛ ضاربا بكل قرارات العقل عرض الحائط، متناسيا كل ما عاهد على فعله منذ قليل، خارجا عن السيطرة وعن المعقول، هنيئاً لكل من له قلب هو المسيطر الاول والأخير على دقاته ولكن أيوجد مثل هذا الشخص؟!
تقف فى المطبخ الخاص بجدتها، ترتدى مريول المطبخ فوق زيها المدرسى، تدندن بسعادة وابتسامه خارجة من ذلك القلب البرئ، فرحتها التى أوصلتها لعنان السماء ليلة أمس، ظهر تأثيرها جليا على وجهها المشرق، عيناها اللامعة، نبرة صوتها التى تقطر سعادة، تلك الاااه الحالمة التى تخرج منها ما بين تنهيدة وأخرى.
تصنم جسدها عما تفعل، أخذت دقات قلبها تتضارب بسرعة كأنها فى سباق مع بعضها البعض، لتضع يدها بشكل تلقائي على صدرها وهى تلتقط أنفاسها المتلاحقة، قشعريرة سرت بجسدها، وكأن لحفة برد خفيفة ولكن لذيذة مرت بها، نعم هو صوته وهل تخطئ بها أذنها، ابتسامتها عادت من جديد وهى تستمع لحديثه مع الجدة، تغمض عينيها بهيام وهى تتساءل بينها وبين نفسها: قولى يا حبيبى،هحبك أكتر من كده ايه؟!
خرجت من شرودها على سؤاله الذى ألقاه لجدته بالخارج وهو يسألها بإهتمام ما إذا تناولت طعامها ام لا وان هناك أدوية يجب أن تأخذ قبل الاكل.
تنحنت وهى تستعيد ثباتها، تتحدث إلى نفسها بهمس مسموع وهى تملى على حالها، كيف يجب أن تتصرف فى حضوره!
"أسمعى يا عبير هو بنفسه قالك أنه هيتقدملك بعد سنتين واحد ما ده يحصل فالعلاقة ما بينا هتكون هو ابن عمتى وانا بنت خاله، فأهدى كده وبلاش تتصرفى بهبل قدامه،هو التزم بحدود العلاقة. لحد ما يجى الوقت ال هنرتبط فيه، فالتزمى أنتى كمان، علشان لا يفكر ولا يظن بيكى ظن وحش، فهمتى،؟!
"أنا معاكى بخصوص الالتزام بحدود العلاقة يا بنت خالى لحد ما نرتبط بشكل رسمى، بس مش متفق معاكى بخصوص سوء الظن بيكى"
ترك جملته معلقة ولم يكملها وهو يتأملها بعينيه، يراقب حركات جسدها العفوية بشغف، وهى توليه ظهرها تقف أمام حوض المياة، عادا بعقله لدقائق من الان، عندما أتى وتقدم من جدته يلقى عليها تحية الصباح ثم بعدها مشط المكان بعينه عنها ولا يجدها، كيف جال بنظراته فى المكان متلهفاً لرؤيتها، وعندما لم يبصر ها عقد حاجبيه متسائلا داخله.
_عماد لنفسه: هى فين؟ احنا مش أتفقنا على أنها المسئولة على مهمة التأكيد أن جدتى بتاكل كويس!
خرج من حديث نفسه وهو يسأل جدته بلؤم؛ حتى يعرف منها ما إذا هبطت لها أم لا.
_,قوليلى يا قمرى أخدتى علاجك ولا لسه؟
_الجدة بإبتسامة صافية: لا، لسه عبير بتحهزهولى فى المطبخ.
أتسعت إبتسامته وقد حصل على ما يريد.
ابتسم على حاله وهو لا يزال ينظر لها كيف تحجج بإحضاره لكوب ماء من المطبخ؛ حتى تتناول جدته دواءها، وهو بالأساس متلهف لرؤية تلك القابعة بداخله ولم تخرج بعد.
هز رأسه بيأس على ما آل إليه من عجل و قلة صبر؛ ليتفاجا بها تحدث نفسها بتلك الكلمات التى لقنها هو لنفسه قبلها.
بينما هى أتسعت أعينها على الاخير، تقبض على يدها بقوة، وهى تستمع لصوته وهو يعلق على حديثها، شهقة خافته خرجت منها عفوية، تتمتم بهمس.
"سمعنى وسمع كلامى الأهبل زى ، أهرب فين دلوقتى ؟!
وصلها جملته الأخيرة بسوء الظن والتى تركها معلقة ولم يكملها؛ لتلتف له ببطء، تناظره وهو يقف على باب المطبخ متكأ على الحائط يستند عليه بكتفه وهو رابط لساعديه وعيناه تحاصرانها من جميع الأتجاهات.
مرت بضع لحظات وهما على هذا الحالة، ليكمل هو حديثه بعدما أعتدل بوقفته وصار بإتجاهها ببطء ولا تزال أعينهم متصلة؛ وكأنها مرتبطة بخيط لا ينقطع.
_عماد لعبير: أنا ممكن أسوء الظن بأى حد حتى نفسى إلا انتى يا عبير.
قالها وقد وقف أمامها تفصله عنها خطوتين، ليحاول إضفاء بعض المرح على حديثه، الذى أخذ بالإنجراف إلى منحنى هو لا يريده الان؛ حتى لا يضعف أمام جاذبيتها تلك التى تسحبه إليها، ضاربا بوعده و مبادئه عرض الحائط.
عماد بمرح خفيف: كوباية مياة للجدة علشان تأخد علاجها.
هزت رأسها له سريعا عدة مرات متتالية نتيجة لفرط توترها، أولته ظهرها تلتقط أنفاسها التى حبستها، شاكرة أياه على محاولة الخروج من ذلك الجو المشحون بالعاطفة من حولهم، وقد وفهمت موقفه وإلما يرمى، لتقرر هى مساعدته، متذكرة تلك المقولة التى لطالما أخبرتها بها زوجة عمها ناهد رحمها الله.
"من أستعجل شئ قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه"
بسرعة ملئت الكوب بالماء وألتفتت له من جديد بابتسامة صغيرة، متجنبة النظر بعينيه حتى لا تضعف، وهى تحدثه بنبرة حاولت قدر الإمكان جعلها طبيعية.
"وها هو الكوب تفضل"
عماد وهو يأخذ منها الكوب، يشير لها على الطعام: خلصتى؟!
_تجيبه بإماءة من رأسها: أيوة.
_طيب يالا بينا نحطه قدامها ونديها الدواء، وتنسى علشان منتأخرش.
_عندك حق.
خرج من المطبخ وهى خلفه تحمل صنية الطعام وضعتها على المائدة أمام جدتها.
الجدة عزيزة وهى تناظرهما:مش هتأكلوا معايا؟!
عماد وعبير بصوت واحد: سبقناكى يا جدة.
نظرا لبعضهما عقب جملتهما المتماثلة، ليبتسم لها إبتسامة صغيرة و تهرب هى بنظرتها إلى الجهة الأخرى بإرتباك.
مررت دقائق وها هما يسيران بالطريق، بعدما تأكدا من أن جدتهما تناولت طعامها وأخذت دواءها.
تسير وهو خلفها، تنظر إلى ظله الممتد أمامها بأمان، تسير بخفة ورشاقة كأنها تطير لا تمشى، فهى تكاد لا تضغط على الأرض؛ وكيف تفعل وتضغط على ظل مالك قلبها بقدمها؟ تمنى نفسها بأن اليوم الذى ستسير فيه إلى جواره، ممسكه بيده ليس ببعيد.
وهو ناظرا لها والشعور الراحة الذى يتملكه كلما رأءها لا يفارقه، ليقرر بينه وبين نفسه أنه يجب أن يطلع خاله على قراره بشأنها لا داعى للإنتظار، هو يريد الراحة والراحه تأتى مع عبير إذا راحته هى عبير، وشرط خاله أعجبه وللغاية هو أيضا لم يرغب بالمكوث بهذا المنزل بعد الزواج ولم يكن هذا ضمن مخططاته قط.
وعلى بعد مناسب من تلك المدرسة الثانويه يقف منزوى على جانب الطريق؛ حتى لا يلاحظه من يخافه، تصله بعض المهمات من بعض الفتيات وهن يسيرن من جواره ومن أمامه؛ فى محاولة للفت إنتباه هذا الوسيم، وهو على غير عادته لا يلقى لأى واحدة منهن بالاً، يقف ينتظر قطعة السكر تلك التى رأءها بالأمس صباحا وسرقت منه النوم مساءا، تحفز جسده وأعتدل فى وقفته وقد لمح طيفها وهى قادمة من بعيد، لتتضح له رؤيتها وقد أقتربت، تاه من جديد فى جمال هاتين العينين، نظر لها بتأمل وهو يرى إبتسامة مشرقة على وجهها، جعلته يهمس لنفسه.
_رفقا بنا نحن معشر الشباب يا فتاة، تحتكرين لون العسل بعينيك هاتين وترتكبين جريمة بحق قلوبنا بتلك الإبتسامة الخلابة، وهل تنقصين حسناً، وجمال؟!
دقق النظر لها ولتلك السعادة التى رسمت بوضوح على وجهها، طريقتها وهى تسير كمن ترقص على أنغام كمان أو عود، لا فتاة تسير على الأرض.
يضع يده على قلبه بحركة درامية وهو يتمتم: بالراحة علينا مش كده! فيكى حاجة جديدة مختلفة إنهاردة، يا ترى فرق ايه إنهاردة عن إمبارح؟! علشان تكونى مبسوطة كده؟
أكمل بصدق وهو ينظر لها "ربنا يديم عليكى فرحتك يا سكر محلى".
حبس أنفاسه و أتسعت أعينه برعب وقد أبصر الان ذاك الذى يسير خلفها على بعد خطوات، ليضرب على وجهه بيديه متمتماً.
أروح فين ؟ هيقتلنى ومش هيرحمنى، مهما حلفت انى مش يعاكس مش هيصدقنى القطر ده.
وضع يده على وجهه متحسسا تلك الكدمة الناتجة عن لكمة أمس، ليكمل بهمس.
_دى لسه وجعانى، وماليش نفس اضرب تانى، أعمل ايه أعمل ايه؟
أولهما ظهره فى محاوله بائسه حتى لا يتعرف عليه صديقه، ليمرا من أمام الزاوية التى يقف بها دون أن يتلفت أى أحد منهما له.
وقف عماد على بعد خطوات من باب المدرسة متجاهلا نظرات الفتيات الوقحة له، يتحدث إلى عبير يخبرها بأن تنتظر عودته ليعيدها إلى المنزل، وهى بعالم أخر تنظر إلى الفتيات، يصلها صوت همهماتهن وهن يصفن عماد بإعجاب صارخ لهيئته، يصفون تفاصيله دون خجل، كسى الغضب ملامحها؛ ترغب بالأنقضاض عليهن وتمزيق تلك الالسنه بعد إخراجها من حلقهن بإسنانها، صارخة بهم بأنه ملكية خاصة بها وحدها.
"عماد لعبير وفقط لعبير" هكذا صرخ عقلها داخلها بغصب، ظهر عليها وهى تجيبه بصوت حاد.
خلاص فهمت، أمشى دلوقت.
نظر لها وهو يرفع أحد حاجبيه من طريقتها فى الحديث تلك.
_عبير بضيق وهى تتلفت حولهما ولا تزيدها تلك الهمسات والنظريات الا إشتعالا ليخرج صوتها حانق غاضب وعالى: قولتلك أمشى، واقف ليه؟ ولا عجبتك البصات دى؟!
_ابتسامة صغيره بحاجب مرفوع، أتتها كإحابه على حديثها هذا متمتما: الصغيرة تغار إذا.
رفع صوته قليلا ناظرا لها بقوة:بت أنتى أول وأخر مرة صوتك ده يعلى عليا مفهوم، موضوع أن بصات المجانين دول عجبانى ، فدى ليها حساب يجمعنا بس مش دلوقتى ، ادخلى واستنينى زى ما قولتلك.
هزت رأسها له وقد لمعت عيناها بالدموع ولكنها أبت الهبوط، لتسرع من أمامه تدلف من الباب، ليطلق هو زفيرا طويلا غاضبا من نفسه ومنها، هو لم يرد إحزانها ولكن طريقتها فى الحديث وتشكيكها بإخلاقه حتى لو بدافع الغيرة، لا يعجبه ابدا ولا بد من وضع بعض الأساسيات فى بداية علاقتهم .
والأخر لا يزال يقف نوايا ظهره، لا يستطيع التحرك من مكانه؛ فلللخروج من هذا الحى عليك عبور الشارع الرئيسى أمام المدرسة وان فعل سيراه عماد وهو عائد ووقتها لن يسلم لا من أسئلته ولا يده، لذا فضل الوقوف منزويا على نفسه حتى يمر ذلك القطار ويرحل دون أن يراه كما حدث منذ قليل.
خرج من أفكاره وحديث نفسه على لكزه على كتفه من أحدهم، ليلوح بيده وهو لا يزال يولى ظهره كمن يبعد إحدى الحشرات الطائرة، ليعود اللكز من جديد، ليغتدل بضيق صارخا : انت مين وعايز ايه يا متخل،،،ف؟
توقف عن تكمله صراخه وهو يرى مخاوفه وقد تجسدت أمامه بصورة صديقه بحاجبه المرفوع، عروق جبهته النافرة، هبط ببصره إلى يد صديقه؛ ليجدها كما تخيل مقبضه وبقوة، بلع ريقه بصعوبة وهو يعاود رفع رأسه، يتلو تحية الصباح على صديقه بإرتباك حاول إخفاءه.
_عماد بحده: انت بتعمل ايه هنا يامحمد؟
_بسرعة بديهة أجابه: السؤال هو انت ال بتعمل ايه هنا؟ انا وجودى هنا طبيعى.
رفع له عماد حاجبه وهو يسأل: ليه إن شاء الله!
محمد ببراءة: نسيت انى ساكن هنا يا صحبى ولا ايه؟!
هز عماد رأسه وقد أقتنع بعض الشئ، ليعاود محمد سؤاله مرة أخرى فى محاولة لقلب الطاولة على صديقه.
"ما قولتليش بتعمل هنا ايه؟"
يسير عماد وهو يجيبه والآخر يلحق به: كنت بوصل بنت خالى.
يهز له محمد رأسه، ليتابعا حديثهما فى أمور شتى تجمعهما بعيد عن ذكر المدرسة و السبب لوجودهما الآن.
$$$$$$$$$$$$$
استغفروا
_١٥_
وأشرقت شمس يوم جديد ملئ بالأحداث والمفاجأت العاصفة لسكان هذا العقار، فعندما تراه من الخارج وأنت تقرأ تلك اللافتة الصغيرة المعلقه على الجانب الأيمن من الباب "آل الجمال" لا يخطر ببالك سو أنه منزل لعائلة مترابطة متحابة، يشعر الفرد فيها بما يعتمر بقلب أخيه، إذا كان فرحًا سعد لأجله و إذا كان حزناً فعل ما بوسعه للتهوين عليه.
ولكن من قال قديماً بأن الأبواب المغلقة تخفى خلفها الكثير والكثير كان محقا، نصيحة من ذهب أخبرنا بها أجدادنا سابقا لا تحكم على شئ قبل أن تعايشه بنفسك، وها هم آل الجمال خير مثال.
بالشقة بالدور العلوى، شقة المرحوم فتحى أستيقظت تلك الكريهة من نومها الذى لم تذقه سوى كمقطتفات صغيرة سرقتها من الليل، خلسة من فكرهُا الحائر، وقلبها المشتعل بنار لم تعرف لها سببا.
تململت فى نومها وهى تجبر نفسها على الأفاقة، لتأتى صورته أمامها كتنبيه لها؛ ليدق قلبها بلهفة لرؤياه، هبطت من على الفراش بسرعة، تمشى بدون إتزان، تصطدم بكل شئ يقابلها حتى وصلت إلى نافذتها المفتوحة منذ ليلة أمس، وقفت بها بأعين تشتاق لرؤيا من ملك القلب والجسد، بحثت بأعينها داخل غرفته ، وقد رأف بحالها أو ربما لا؛ تاركاً نافذته مفتوحه_كعادته _بكل صباح عند الأستيقاظ، تبسمت براحة بأن هناك أملا لها، عقدت حاجبيها وهى لا تراه داخل غرفة نومه، تساءلت بهمس.
"هو فين؟ معقولة يكون فى المطبخ ولا فى الصالة؟!!
أشاحت بيديها وهى تحدث نفسها بصوت عالى نسبياً: وأنت هحتار ليه! أروح اشوفه فى أنهى حته من الشباك التانى.
همت بالتحرك من مكانها ومالبثت بأن خطت بقدمها خطوة واحدة، لتتوقف قدمها ولم تكمل خطوتها التالية بسبب تلك الضحكات التى هزت جميع أجزاء جسدها بعدما وصلت إلى أذنها مارة بقلبها وقد تسارع تدفق الدماء به لتزيد سرعة دقاته بعنف، أغمضت عينيها و هى تسجل داخلها صوت ضحكته الرنانه؛ تلك الضحكة التى أفتقدتها بشده بالأيام الماضية.
عادت مسرعة لمكان وقوفها من جديد، تتطلع داخل الغرفة أمامها بلهفة وحب وفضول؛عن سبب تلك الضحكات، لم تهتم لهيئتها أو بمظهرها كما كانت تحرص دائما عند رؤيته لها، فأشتياقها له أوقف جميع خلايا عقلها.
عقدت حاجبيها بضيق، تتمتم ببعض الكلمات الغير مفهومة المعبرة عن حنقها وغضبها وقد عرفت الان سبب ضحكاته، وهى تراه يلاعب إبنته بعدما دلف إلى الغرفة حاملا إياها على كتفه وهو يدور بها بالمكان و تلك الصغيرة تضحك بسعادة لا تعلم بتلك الأعين المتابعة لها بغضب يتفاقم كلما أرتفع صوت ضحكاتها.
فى داخل الغرفة تتحدث تلك الصغيرة لأبيها بمرح.
رحمة: كفاية يا بابا دوخت خلاص.
عبد الله بفرحة على سعادتها: هتعملى كده تانى؟!
تهز رأسها ينفى سريع: أبدا، غلطة مش مقصودة ومش هتتكرر تانى.
يهم بإنزالها عن كتفه لتتابع هى بمكر طفولى محبب الى قلبه: أصل دى كانت أخر حبايه بعد ما خلصته كله.
شهقة عالية تصطنع الصدمة خرجت من فم والدها وهو يلقى بها على السرير بعدها، يشير بيده عليها بغضب مصطنع: يا مكارة أحنا مش أتفقنا واحنا راجعين سوا بالليل أننا هنقسم الفول السودانى ده بالنص الصبح وناكل سوا!
_رحمة بضحكة خفيفة: وده ال انا عملته.
_وفين نصيبى؟
_حضرتك ال صحيت متأخر عنى إنهاردة.
_يعنى ايه؟
_ترفع كتفيها وهى تجيب: الغائب مالهوش يا والدى.
_بقا كده؟!!
أجابته بهزة من رأسها مع ضحكة خفيفة.
_يبقى أنتى الجانية على نفسك.
قالها تزامنا على إقترابه منها، يدغدغها بمعدتها لتتعالى صوت ضحكاتها مع ضحكاته الفرحة بها
_رحمة بضحك: كفاية، خلاص يا بابا كفاية .
_عبدالله: وكفاية ليه؟
_رحمة بمراوغة: علشان تاخد نصيبك.
_نظر لها بسم وهو يضيق عينيه يجاريها: من ايه؟
_من الفول يا بابا.
_عبدالله بحاجب مرفوع: بس أنتى قولتى أنه خلص، وبعدين انا قفشتك بنفس وانتى بتقضى عليهم، ده حتى ما خلتيش ليا حباية وحده.
_رحمة وهى تمد يدها داخل جيب منامتها تخرج كيس صغير تلوح به أمامه متابعه بمشاغبة: بصراحة ، انا لما فتحت الكيس ، شيلت نصيب حضرتك على جنب من الأول ، ولما سألتنى وأنا باكل قولتلك أنها كانت أخر حباية وفعلا ده صح كانت آخر وحده بس من نصيبى أنا، بس حضرتك ما أستنتش علشان تسمعنى للأخر .
عبدالله وهو يدعى قلة الحيلة : أعمل ايه غصب عنى ، زى ما أنتى عارفة لما الحكاية تخص الفول.
تكملة رحمة حديثه بابتسامة: أنا مش مسئول.
ضحك عليها وهو يقترب منها، ينزع الكيس من بين يديها على حين غرة؛ لتعترض هى بطفولية ليقرضها من وجنتيها وهو يحدثها: ده نصيبى يا حبيبتى، وده مصر اصلا لصحتك فأنا هأكله مكانك، يالا بسرعة علشان منتأخرش على مدرستك يالا يارحومة.
رحمة راحلة من أمامه: مكنش المفروض أطلعه من جيبى.
عبدالله وهو يتناول الحبات بإستمتاع: بسرررررعة.
يعتدل هو الآخر بعد رحيلها متوجهاً للخزانة، حتى يخرج بعض الملابس ليتجهز هو الاخر، ليوقفه ظل أحدهم واقفا بالنافذة أمامه، ضحك ساخرا داخله وهو على علم بهوية ذلك الشخص.
أبتعد عن الفراش متوجها للنافذة، يهم بغلقها، ليقف مكانه لثوانى ناظرا لتلك المراقبة أمامه لتلمع أعينه برضا وراحة على هيئتها، لتسعد الأخرى كثيرا بهذا النظرات التى ظنت بإنها استطاعت لفت نظره لها، ألقت تحيه الصباح بسرعة بوجهه وإبتسامتها تتسع من أذنها اليمين حتى وصلت لأذنها اليسرى.
وكان غلق النافذة بوجهها بعنف خير رد منه على تحية صباحها.
نظرت إلى النافذة المغلقة بغصة بحلقها، وريق فم مر كالعلقم إبتلعته بقهر وهى تنظر لأثره ولنافذته المغلقة بقلب حزين.
تحاملت على نفسها وخرجت من غرفتها بأعين قد شابها بعض الحمار مع شعر مشعث، بملابس غير مهندمة، وهالات سوداء ظهرت تحت أعينها التى أخذت تفتحهم بصعوبة وهى تمسك برأسها من ذلك الألم العاصف به، لتجلس على الطاولة بإهمال، لا تعى نظرات تلك الفتاتين لها وبالإساس لا تهتم.
لتميل غادة على إذن عبير تسألها بهمس: هى ماما مالها،عاملة كده ليه؟ زى ما يكون كلب كان بيجرى وراها وهى نائمة!
تنهرها عبير بزجرة من عنيها وهى تخبرها: هش أسكتى، سيبى ماما فى حالها، يالا علشان متتأخريش انتى على عمك وانا على جدتى.
غادة بشهقة: عمى، لازم أنزل ليصيبنى ويمشى.
أرتدت حقيبتها وخرجت من الباب بسرعة وهى تخبر والدتها بذهابها، لتجيبها الأخرى تشير بيدها لها بلإ إهتمام.
نظرت إليها عبير بحزن عليها وعلى ما تفعله بنفسها وهى تتساءل داخلها: لحد إمتى يا ماما لحد إمتى ؟
جمعت كتبها داخل حقيبتها وخرجت من الباب دون أى حديث، فلما تفعل ووالدتهم جالسة بعقل شارد ولن تجيب.
وبالشقة القابعة أسفلهم، يخرج عبدالله من الباب بصحبة إبنته وهو يولى ظهره للدرج، يضع القفل عليه، لتصل له تحية الصباح من تلك المشاكسة الصغيرة، والتى خصته بها وحده متجاهلا تلك الواقفة جواره.
_عبدالله بابتسامة وهو يعتدل: صباح النور على عيونك يا غادة.
_رحمة وهى تلقى بتحيتها عليها: صباح الخير يا غادة.
هزت رأسها لها بإقتضاب، لتنظر باتجاه عمها من جديد وهى لا تزال تهبط الدرج تغمض إحدى عينيها وتشير عليه بإصبعها تسأله بطريقة مضحكة.
"كنت هتمشى و تسيبنى؟!"
عبدالله بضحكة صغيرة: وأنا أقدر!
تهز كتفيها بدلال: لا، كدة كدة كنت حأجى وراك.
قالتها تزامنا مع وقوفها أمامه، ليضحك عليها وهو يربط على رأسها.
_اه، ربنا يكون فى عونه، صعبان عليا من دلوقتى.
_غادة بدون فهم: مين ده؟!
_عبدالله بابتسامة: ما تأخديش فى بالك لما تكبرى هتعرفى.
ليكمل هامساً داخله: المغلوب على أمره ال هتكونى من نصيبه.
رفع صوته قليلا، وهو يتحدث إلى الفتاتين: يالا بسرعة ، علشان منتأخرش.
هزت كلتاهما رأسهما له، لتسبقانه بالهبوط إلى اسفل.
بينما بالشقة أسفلهم، شقة كريمة وأسرتها المجتمعة حول مائدة الطعام فى مشهد لا يتكرر كثيراً.
كريمة لإبنها: مش من عادتك يعنى تفطر معانا يا عماد؟ هو فى حاجة بينك وبين جدتك ولا ايه؟
رفع رأسه عن طبقه: ناظرا لها داخل عينيها وهو يسألها داخله: حقا، لا تعلمين؟!
أربكتها نظرة العتاب تلك، لتحيد عنه لمن تجلس على جواره من جهة اليمين تحدثها بسخرية: ايه النشاط ده كله يا ست نورهان، من أمتى؟ ده انتى معملتهاش أيام دراستك وكنت يستعين بفرقة من القوات الخاصة اكتر من مرة علشان بس تصحى، خير الله ما أجعله خير.
تضع قطعة من الخبز بفمها وهى تجيب والدتها: الدورة التدريبية معادها أتغير وهتبدأ من تسعة الصبح لحد تلاتة العصر.
عماد وهوعاقد حاجبيه: وليه الوقت ده كله؟
نورهان: لأننا هنشتغل ال أخدناه عملى.
عماد: وايه الداعى لده كله؟
نورهان بمكر: أتعلم.
لم تبرر له بأكثر من هذه الكلمة حتى بكف عن تساؤلاته؛ فأن علم بأى من مخططاتها للعمل الآن، فسيقف لها كحائط سد وهى فى غنى عن أى مشاحنات معه الان.
التفت عماد إلى الجالس جواره على الجهة الأخرى متعجباً ييباغته بحديثه وهو يراه يلتزم الصمت التام على غير عادته.
عماد لهانى: ما أسكت الله لك حسا ياهانى، مالك فى ايه؟
هانى: مافيش.
عماد بشك: اممم، على العموم زى ما أنت عارف انا موجود ومعلم فى اى وقت.
هز رأسه له بإماءة يجيبه داخله: إلا أنت فى هذا يا عماد إلا أنت.
ليرفع نظره لوالدته التى شحب وجهها عقب جملة عماد التى ألقى به لأخيه، ليتأكلها القلق والخوف، تنتظر إجابه صغيرها؛ فعلى الرغم من طباعه الصعبة وشغبه إلا أنه لا يخفى شيئا عن أخيه، لتتنفس الصعداء بعدما أطمئنت؛ بأنه لن يتحدث.
عماد: الحمدلله، أنا ماشى يا أمى.
كريمة: مش لسه بدرى!
عماد وهو يقف أمام الباب ليتلتفت لها بجزعه العلوى: واضح انك نس أنك نسيتى أن جدتى عيانة.
قالها وخرج صافا الباب خلفه.
لتمتم داخلها وهى تحرك شفتيها بالاتجاهين: خالك قدامك، يعنى انت هتجيبه من بره!
كل هذا وممدوح صامت ينظر إلى حال ابنه المتبدل بحيرة، أين صراخه و أين حركاته الصبيانية التى تكاد تصيبهم بالجنون، مزحه مع أخاه، مشاكسته لأخته، إشعال غضب والدته، أين ذهب كل هذا بين ليلة وضحاها.
يخرج من أفكاره على صوت كريمة وهى تحدثه: عايزاك فى الأوضة يا ممدوح قبل ماتنزل، تعالى ورايا.
دخلت وصفق الباب خلفه، تاركين ذلك الفتى ينظر فى أثرهم بإستهزاء.
وبالداخل كريمة تمد يدها إلى ممدوح بدون سابق إنذار أو حتى تمهيد لهذا المسكين: يالا أدينى.
ممدوح بدون فهم: ايه؟
كريمة: مصروف البيت.
_ممدوح بصدمة: اايه، والفلوس ال أدتهالك من يومين من شغل الورشة؟!
_كريمة بلجلحة أخفتها بسرعة: انصرفوا على البيت.
_ممدوح بحده فأجاءتها على الأخير: كل الفلوس دى فى يومين؟! ليه؟ لا جبتى حاجة جديدة ولا حطيتى فى الاكل دهب، علشان الفلوس تخلص بالسرعة دى.
أرتبكت وكثيرا فالنقود قد سدت بها قسط الشقة لهذا الشهر ولا ترغب بأن يعلم عنها شئ، لتزيح توترها تتابع بحده: قولتلك ما أتبقاش معايا حاجة، وعايزة فلوس أكمل الشهر.
نظر لها بغضب: روحى وقولى الكلام ده لاخوكى مش ليا يا ست.
ألقى بحديثه راحلا تاركا إياها تنظر له بإندهاش.
لتميل نورهان على إذن هانى تخبره بعدما إستمعا بصراخ والديها : هو أبوم زعق لأمك، ولا أنا بيتهيألى؟!
رد عليها بسخرية شديدة: لا مش بتتوهمى ولا حاجة، ده بس هو ال أتاخر .
نورهان: قصدك ايه؟
توجه لغرفة نوم والدته بعدما رحل أباه ولم يجبها، لتوقفه بسؤالها وهى تراه يهم بالدخول إلى غرفة والدتها المحرمة دون حتى طلب الإذن لذلك.
نورهان: أنت فاكر نفسك داخل فين؟
هانى: لكريمة.
وبالداخل لا تزال فى صدمتها من رد فعل زوجها الجديد عليه، لياتيها صوت من خلفها.
"المصروف"
رفعت نظرها له، لتجده يمد يده لها كما كانت تمدها لأباه منذ قليل.
أمسكت جزلانها وأخذت منه قطعة ورقية فئة صغيرة وضعتها بيده.
نظر لها ثم لما بيده: ما أتفقناش على كدة الزيادة فين؟!
كريمة: مش دلوقتى، ظروفنا الشهر ده ما تسمحش.
_هانى بلا مبالاة: مشكلتكم أنتم مش أنا.
أمسكت بجزلانها مرة أخرى لتضع ورقة أخرى بيده، لينظر لها لثوانى، متمتما: أنا نازل وهتأخر بعد المدرسة.
كريمة: ليه، وراك درس؟
هانى وهو يخرج من أمامها: لا، هقعد مع أصحابى .
تاركا إياها ولم ينتظر رفضها أو قبولها لما قال.
ليخرج من شقتهم وخلفه أخته نورهان؛ التى فضلت الخروج قبل موعدها بساعة على أن تنتظرها هذة المدة بمنزلها، لا يعنيها ما يحدث بين والدها ووالدتها، تقفز الدرج قفزا، تتمنى الوصول إلى ذلك المكان القريب من مكان تدريباتها، لعلها تراه من جديد.
بينما بالشقة بالدور السفلى، تحاملت على نفسها وهى تقم من مرقدها متجاهلة أمر هذا الدوار العاصف بها؛ حتى تتمكن من رؤيته، فلقد أشتاقته كثيرا.
وصلت الى الباب بإنهكاك تهم بفتحه، لتقف يدها وهى تفكر إذا هبط ووجدنا وفعل معها مثل المرة السابقة،؟!
أطلقت زفيرا حارا وهى تفتح الباب فتحه صغيرة للغاية، تقف خلف أحد جانبيه وننتظر هبوطه بلهفة حتى تملئ عيناها منه.
هبطت الفتيات إلى الخارج وهو خلفهم رفع نظرة للباب الشبه مغلق وقد أصابه الحزن على والدته محدثا نفسه: ياريتنى أقدر أرمى نفسى فى حضنك يا أماه، أشكيلك ظلم زمانى وظلمك.
أخرج تنهيدة عميقة من صدره متابعا"ربنا يشفيكى يا أمى ، ده ال ااقدر أقوله"
مر من بابها وخرج متوجها للخارج وهى لا تزال تنظر له خفية، هبطت دموعها وهى تتساءل.
عزيزة بدموع: ياترى عرفت انى عيانة ولا لا يا بنى؟!
أمسكت بالمقبض وقد زحف لها الإرهاق من جديد، فهى لم تتناول شيئا حتى الآن، لتتوجه إلى المائدة فى منتصف البهو تلتقط أنفاسها ، تذكر نفسها بأخذ العلاج و تناول أى شىء يصادفها حتى لو بقايا طعام ليلة البارحة التى أحضرتها عبير.
وعلى ذكر تلك الفراشة البريئة التى فتحت الباب بابتسامة تشع أمل وحياة، ألقت التحية على جدتها التى أبتسمت لها وهى ترى تلك الإشراقة على وجهها.
عبير وهى تقبل وجنتيها: عاملة ايه إنهاردة يا جدتى؟
عزيزة بكسره: الحمد لله يا بنتى.
عبير وهى تضع أعراضها على المائدة: أدينى خمس دقائق وهعملك أحلى فطار.
عزيزة: لا ، علشان متتأخريش على مدرستك يا عبير، روحى يا بنتى وانا هدبر نفسى.
عبير وهى توليها ظهرها تتجه إلى المطبخ: لا ما تخافيش لسه الوقت بدرى.
أتى صوت من الباب وجهت رأسها له بابتسامة وهى تعرف من هو جيدا.
"أخبارك ايه إنهاردة يا قمر"
"بقيت أحسن لما شفتك يا حبيبى"
هكذا أجابته عزيزة بمحبة خالصة، ليتقدم هو منها مقبلا يدها بإحترام..
عماد كمن يحدث طفل صغير: أخدتى علاجك؟!
عزيزة: لسه، أستنيتك زى ما قولتلى علشان ما ألغبطش لحد ما أعرفهم كويس.
عماد : انتى كده بنت شاطرة.
تركها وودلف إلى غرفتها يحضر الأدوية، لتضحك هى عليه وهى تعلق.
عزيزة: وهو فى بنت فى سنى؟!
عماد وهو يقف أمامها ممسكا بدواءها: أنتى يا قمر.
حقا عجيب أمر هذا القلب نطالبه بالثبات ويأمره العقل بكل حزم بأن يهدئ قليلا و يتحكم بدقاته؛ ورغم موافقته وإقتناعه لحديث العقل وخضوعه التام لتلك القرارات التى تتلو عليه؛ إلا أن نبضاته تدق بقوة تجعله ينتفض فى موقعه؛ رؤيته لمن سكنه؛ تصيبه بالجنون؛ ضاربا بكل قرارات العقل عرض الحائط، متناسيا كل ما عاهد على فعله منذ قليل، خارجا عن السيطرة وعن المعقول، هنيئاً لكل من له قلب هو المسيطر الاول والأخير على دقاته ولكن أيوجد مثل هذا الشخص؟!
تقف فى المطبخ الخاص بجدتها، ترتدى مريول المطبخ فوق زيها المدرسى، تدندن بسعادة وابتسامه خارجة من ذلك القلب البرئ، فرحتها التى أوصلتها لعنان السماء ليلة أمس، ظهر تأثيرها جليا على وجهها المشرق، عيناها اللامعة، نبرة صوتها التى تقطر سعادة، تلك الاااه الحالمة التى تخرج منها ما بين تنهيدة وأخرى.
تصنم جسدها عما تفعل، أخذت دقات قلبها تتضارب بسرعة كأنها فى سباق مع بعضها البعض، لتضع يدها بشكل تلقائي على صدرها وهى تلتقط أنفاسها المتلاحقة، قشعريرة سرت بجسدها، وكأن لحفة برد خفيفة ولكن لذيذة مرت بها، نعم هو صوته وهل تخطئ بها أذنها، ابتسامتها عادت من جديد وهى تستمع لحديثه مع الجدة، تغمض عينيها بهيام وهى تتساءل بينها وبين نفسها: قولى يا حبيبى،هحبك أكتر من كده ايه؟!
خرجت من شرودها على سؤاله الذى ألقاه لجدته بالخارج وهو يسألها بإهتمام ما إذا تناولت طعامها ام لا وان هناك أدوية يجب أن تأخذ قبل الاكل.
تنحنت وهى تستعيد ثباتها، تتحدث إلى نفسها بهمس مسموع وهى تملى على حالها، كيف يجب أن تتصرف فى حضوره!
"أسمعى يا عبير هو بنفسه قالك أنه هيتقدملك بعد سنتين واحد ما ده يحصل فالعلاقة ما بينا هتكون هو ابن عمتى وانا بنت خاله، فأهدى كده وبلاش تتصرفى بهبل قدامه،هو التزم بحدود العلاقة. لحد ما يجى الوقت ال هنرتبط فيه، فالتزمى أنتى كمان، علشان لا يفكر ولا يظن بيكى ظن وحش، فهمتى،؟!
"أنا معاكى بخصوص الالتزام بحدود العلاقة يا بنت خالى لحد ما نرتبط بشكل رسمى، بس مش متفق معاكى بخصوص سوء الظن بيكى"
ترك جملته معلقة ولم يكملها وهو يتأملها بعينيه، يراقب حركات جسدها العفوية بشغف، وهى توليه ظهرها تقف أمام حوض المياة، عادا بعقله لدقائق من الان، عندما أتى وتقدم من جدته يلقى عليها تحية الصباح ثم بعدها مشط المكان بعينه عنها ولا يجدها، كيف جال بنظراته فى المكان متلهفاً لرؤيتها، وعندما لم يبصر ها عقد حاجبيه متسائلا داخله.
_عماد لنفسه: هى فين؟ احنا مش أتفقنا على أنها المسئولة على مهمة التأكيد أن جدتى بتاكل كويس!
خرج من حديث نفسه وهو يسأل جدته بلؤم؛ حتى يعرف منها ما إذا هبطت لها أم لا.
_,قوليلى يا قمرى أخدتى علاجك ولا لسه؟
_الجدة بإبتسامة صافية: لا، لسه عبير بتحهزهولى فى المطبخ.
أتسعت إبتسامته وقد حصل على ما يريد.
ابتسم على حاله وهو لا يزال ينظر لها كيف تحجج بإحضاره لكوب ماء من المطبخ؛ حتى تتناول جدته دواءها، وهو بالأساس متلهف لرؤية تلك القابعة بداخله ولم تخرج بعد.
هز رأسه بيأس على ما آل إليه من عجل و قلة صبر؛ ليتفاجا بها تحدث نفسها بتلك الكلمات التى لقنها هو لنفسه قبلها.
بينما هى أتسعت أعينها على الاخير، تقبض على يدها بقوة، وهى تستمع لصوته وهو يعلق على حديثها، شهقة خافته خرجت منها عفوية، تتمتم بهمس.
"سمعنى وسمع كلامى الأهبل زى ، أهرب فين دلوقتى ؟!
وصلها جملته الأخيرة بسوء الظن والتى تركها معلقة ولم يكملها؛ لتلتف له ببطء، تناظره وهو يقف على باب المطبخ متكأ على الحائط يستند عليه بكتفه وهو رابط لساعديه وعيناه تحاصرانها من جميع الأتجاهات.
مرت بضع لحظات وهما على هذا الحالة، ليكمل هو حديثه بعدما أعتدل بوقفته وصار بإتجاهها ببطء ولا تزال أعينهم متصلة؛ وكأنها مرتبطة بخيط لا ينقطع.
_عماد لعبير: أنا ممكن أسوء الظن بأى حد حتى نفسى إلا انتى يا عبير.
قالها وقد وقف أمامها تفصله عنها خطوتين، ليحاول إضفاء بعض المرح على حديثه، الذى أخذ بالإنجراف إلى منحنى هو لا يريده الان؛ حتى لا يضعف أمام جاذبيتها تلك التى تسحبه إليها، ضاربا بوعده و مبادئه عرض الحائط.
عماد بمرح خفيف: كوباية مياة للجدة علشان تأخد علاجها.
هزت رأسها له سريعا عدة مرات متتالية نتيجة لفرط توترها، أولته ظهرها تلتقط أنفاسها التى حبستها، شاكرة أياه على محاولة الخروج من ذلك الجو المشحون بالعاطفة من حولهم، وقد وفهمت موقفه وإلما يرمى، لتقرر هى مساعدته، متذكرة تلك المقولة التى لطالما أخبرتها بها زوجة عمها ناهد رحمها الله.
"من أستعجل شئ قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه"
بسرعة ملئت الكوب بالماء وألتفتت له من جديد بابتسامة صغيرة، متجنبة النظر بعينيه حتى لا تضعف، وهى تحدثه بنبرة حاولت قدر الإمكان جعلها طبيعية.
"وها هو الكوب تفضل"
عماد وهو يأخذ منها الكوب، يشير لها على الطعام: خلصتى؟!
_تجيبه بإماءة من رأسها: أيوة.
_طيب يالا بينا نحطه قدامها ونديها الدواء، وتنسى علشان منتأخرش.
_عندك حق.
خرج من المطبخ وهى خلفه تحمل صنية الطعام وضعتها على المائدة أمام جدتها.
الجدة عزيزة وهى تناظرهما:مش هتأكلوا معايا؟!
عماد وعبير بصوت واحد: سبقناكى يا جدة.
نظرا لبعضهما عقب جملتهما المتماثلة، ليبتسم لها إبتسامة صغيرة و تهرب هى بنظرتها إلى الجهة الأخرى بإرتباك.
مررت دقائق وها هما يسيران بالطريق، بعدما تأكدا من أن جدتهما تناولت طعامها وأخذت دواءها.
تسير وهو خلفها، تنظر إلى ظله الممتد أمامها بأمان، تسير بخفة ورشاقة كأنها تطير لا تمشى، فهى تكاد لا تضغط على الأرض؛ وكيف تفعل وتضغط على ظل مالك قلبها بقدمها؟ تمنى نفسها بأن اليوم الذى ستسير فيه إلى جواره، ممسكه بيده ليس ببعيد.
وهو ناظرا لها والشعور الراحة الذى يتملكه كلما رأءها لا يفارقه، ليقرر بينه وبين نفسه أنه يجب أن يطلع خاله على قراره بشأنها لا داعى للإنتظار، هو يريد الراحة والراحه تأتى مع عبير إذا راحته هى عبير، وشرط خاله أعجبه وللغاية هو أيضا لم يرغب بالمكوث بهذا المنزل بعد الزواج ولم يكن هذا ضمن مخططاته قط.
وعلى بعد مناسب من تلك المدرسة الثانويه يقف منزوى على جانب الطريق؛ حتى لا يلاحظه من يخافه، تصله بعض المهمات من بعض الفتيات وهن يسيرن من جواره ومن أمامه؛ فى محاولة للفت إنتباه هذا الوسيم، وهو على غير عادته لا يلقى لأى واحدة منهن بالاً، يقف ينتظر قطعة السكر تلك التى رأءها بالأمس صباحا وسرقت منه النوم مساءا، تحفز جسده وأعتدل فى وقفته وقد لمح طيفها وهى قادمة من بعيد، لتتضح له رؤيتها وقد أقتربت، تاه من جديد فى جمال هاتين العينين، نظر لها بتأمل وهو يرى إبتسامة مشرقة على وجهها، جعلته يهمس لنفسه.
_رفقا بنا نحن معشر الشباب يا فتاة، تحتكرين لون العسل بعينيك هاتين وترتكبين جريمة بحق قلوبنا بتلك الإبتسامة الخلابة، وهل تنقصين حسناً، وجمال؟!
دقق النظر لها ولتلك السعادة التى رسمت بوضوح على وجهها، طريقتها وهى تسير كمن ترقص على أنغام كمان أو عود، لا فتاة تسير على الأرض.
يضع يده على قلبه بحركة درامية وهو يتمتم: بالراحة علينا مش كده! فيكى حاجة جديدة مختلفة إنهاردة، يا ترى فرق ايه إنهاردة عن إمبارح؟! علشان تكونى مبسوطة كده؟
أكمل بصدق وهو ينظر لها "ربنا يديم عليكى فرحتك يا سكر محلى".
حبس أنفاسه و أتسعت أعينه برعب وقد أبصر الان ذاك الذى يسير خلفها على بعد خطوات، ليضرب على وجهه بيديه متمتماً.
أروح فين ؟ هيقتلنى ومش هيرحمنى، مهما حلفت انى مش يعاكس مش هيصدقنى القطر ده.
وضع يده على وجهه متحسسا تلك الكدمة الناتجة عن لكمة أمس، ليكمل بهمس.
_دى لسه وجعانى، وماليش نفس اضرب تانى، أعمل ايه أعمل ايه؟
أولهما ظهره فى محاوله بائسه حتى لا يتعرف عليه صديقه، ليمرا من أمام الزاوية التى يقف بها دون أن يتلفت أى أحد منهما له.
وقف عماد على بعد خطوات من باب المدرسة متجاهلا نظرات الفتيات الوقحة له، يتحدث إلى عبير يخبرها بأن تنتظر عودته ليعيدها إلى المنزل، وهى بعالم أخر تنظر إلى الفتيات، يصلها صوت همهماتهن وهن يصفن عماد بإعجاب صارخ لهيئته، يصفون تفاصيله دون خجل، كسى الغضب ملامحها؛ ترغب بالأنقضاض عليهن وتمزيق تلك الالسنه بعد إخراجها من حلقهن بإسنانها، صارخة بهم بأنه ملكية خاصة بها وحدها.
"عماد لعبير وفقط لعبير" هكذا صرخ عقلها داخلها بغصب، ظهر عليها وهى تجيبه بصوت حاد.
خلاص فهمت، أمشى دلوقت.
نظر لها وهو يرفع أحد حاجبيه من طريقتها فى الحديث تلك.
_عبير بضيق وهى تتلفت حولهما ولا تزيدها تلك الهمسات والنظريات الا إشتعالا ليخرج صوتها حانق غاضب وعالى: قولتلك أمشى، واقف ليه؟ ولا عجبتك البصات دى؟!
_ابتسامة صغيره بحاجب مرفوع، أتتها كإحابه على حديثها هذا متمتما: الصغيرة تغار إذا.
رفع صوته قليلا ناظرا لها بقوة:بت أنتى أول وأخر مرة صوتك ده يعلى عليا مفهوم، موضوع أن بصات المجانين دول عجبانى ، فدى ليها حساب يجمعنا بس مش دلوقتى ، ادخلى واستنينى زى ما قولتلك.
هزت رأسها له وقد لمعت عيناها بالدموع ولكنها أبت الهبوط، لتسرع من أمامه تدلف من الباب، ليطلق هو زفيرا طويلا غاضبا من نفسه ومنها، هو لم يرد إحزانها ولكن طريقتها فى الحديث وتشكيكها بإخلاقه حتى لو بدافع الغيرة، لا يعجبه ابدا ولا بد من وضع بعض الأساسيات فى بداية علاقتهم .
والأخر لا يزال يقف نوايا ظهره، لا يستطيع التحرك من مكانه؛ فلللخروج من هذا الحى عليك عبور الشارع الرئيسى أمام المدرسة وان فعل سيراه عماد وهو عائد ووقتها لن يسلم لا من أسئلته ولا يده، لذا فضل الوقوف منزويا على نفسه حتى يمر ذلك القطار ويرحل دون أن يراه كما حدث منذ قليل.
خرج من أفكاره وحديث نفسه على لكزه على كتفه من أحدهم، ليلوح بيده وهو لا يزال يولى ظهره كمن يبعد إحدى الحشرات الطائرة، ليعود اللكز من جديد، ليغتدل بضيق صارخا : انت مين وعايز ايه يا متخل،،،ف؟
توقف عن تكمله صراخه وهو يرى مخاوفه وقد تجسدت أمامه بصورة صديقه بحاجبه المرفوع، عروق جبهته النافرة، هبط ببصره إلى يد صديقه؛ ليجدها كما تخيل مقبضه وبقوة، بلع ريقه بصعوبة وهو يعاود رفع رأسه، يتلو تحية الصباح على صديقه بإرتباك حاول إخفاءه.
_عماد بحده: انت بتعمل ايه هنا يامحمد؟
_بسرعة بديهة أجابه: السؤال هو انت ال بتعمل ايه هنا؟ انا وجودى هنا طبيعى.
رفع له عماد حاجبه وهو يسأل: ليه إن شاء الله!
محمد ببراءة: نسيت انى ساكن هنا يا صحبى ولا ايه؟!
هز عماد رأسه وقد أقتنع بعض الشئ، ليعاود محمد سؤاله مرة أخرى فى محاولة لقلب الطاولة على صديقه.
"ما قولتليش بتعمل هنا ايه؟"
يسير عماد وهو يجيبه والآخر يلحق به: كنت بوصل بنت خالى.
يهز له محمد رأسه، ليتابعا حديثهما فى أمور شتى تجمعهما بعيد عن ذكر المدرسة و السبب لوجودهما الآن.
$$$$$$$$$$$$$
استغفروا
