رواية للقدر طرقه الغامضة الفصل الخامس عشر 15 بقلم حنين احمد
(الفصل الخامس عشر)
عندما هاتفه عبد الرحمن وأخبره أن يحضر للفيلا لم يكن يتوقع أبدا ما وجده عند
وصوله, فقد وجد ذلك الطبيب السمج عمر جالسا مع عبد الرحمن وعبد الله
والأدهى من ذلك أنه كان متقدما لخطبة وجد, كان على وشك ارتكاب جريمة قتل
عندما دلفت هي بكل براءة من باب المنزل وهي تلقي السلام بمرح كاد يجعله
يذهب إليها ويجرّها إلى غرفتها ليغلقها عليها بعد أن يشبعها.. تقبيلا
نفض رأسه وهو يندهش من مسار أفكاره.
دلفت إلى الداخل وهي تلقي بالسلام بمرح لتتجمد مكانها وهي ترى ذلك الطبيب
الذي مر على خاطرها منذ لحظات والذي لا تتذكر اسمه حتى جالسا مع والدها
وعبد الله و...غيث, ابتلعت ريقها وهي تعتذر بخفوت وتلتفت للمغادرة لتسمع
صوت والدها يناديها فوقفت مكانها دون أن تلتفت إليه فشعرت بيده تحثها على
الخروج معه.
أدخلها غرفة مكتبه وأغلق الباب خلفه وهو يخبرها أن عمر قد طلب يدها ويطلب
الجلوس معها قبل أن تتخذ قرارها..
فكرت بغيظ إن هذا ال..عمر جريئا كثيرا, أومأت برأسها وهي تشعر بالحزن
يكتنفها, لطالما أرادت أن تكون المرة الأولى التي تجلس فيها مع أحدهم بذلك
الوضع أن يكون...غيث
ابتسمت داخلها بسخرية وهي تفكر أن غيث يجلس مع عريسها المقدام في الخارج,
إن لم يكن هو من أحضره من الأساس, شعرت بالألم لتلك الفكرة ولكنها تماسكت
وهي تخرج مع والدها لتجلس مع ذلك الطبيب وتعرف ماذا يريد.
كاد يجن وهو يرى عبد الرحمن يدلف مرة أخرى وهي ترافقه ليمسك عبد الله
بذراع غيث يقوده للخارج ليتركهما يجلسان بمفردهما وتركوا الباب مفتوحا.
ماذا يحدث؟لماذا هذا الألم الذي يشعر به؟
نار حارقة تستعر بداخله, أهذه هي الغيرة؟ ماذا؟هل يغار عليها؟
أفِق غيث..تعلم جيدا أنك تحترق من الغيرة عليها, حتى أنك كدت تضرب ذلك
الرجل بالداخل لأنه تجرّأ وطلب شيئا كنت تتمنى أن تطلبه لنفسك.
تساءل بداخله هل تأخّر في الحصول عليها؟ هل سيخسرها من أجل حماقته؟
هل سيتركها تزف لغيره وهو جالسا ليشاهد؟ لا.. لن يحدث أبدا.
سيذهب لعمّته ويعترف لها أنه غارقا بحب وجد حتى النخاع وهي ستساعده
بالتأكيد, فهي الوحيدة التي تستطيع أن تنقذه من هذا العذاب الذي يعيش به.
جلست على المقعد المقابل له وهي تستعد لسماعه يتحدث عن مميزاته الكثيرة
كأي شاب بمكانه ولكنها فوجئت به يسألها:"هل تحبينه؟"
رفعت بصرها إليه بدهشة وهي تسأله:"من تقصد؟"
أجابها عمر بابتسامة:"من كان على وشك قتلي قبل قليل,غيث"
توردت وجنتاها لسماع اسمه ولكنها ردت بثبات:"وهل أردت التحدث عنه أم عنك؟"
"أردت أن نتحدث بصراحة أيا كان ما سنتحدث عنه, أنا معجب بكِ كثيرا,
لن أكذب وأقول أنني أحبك رغم أن ذلك ليس بعيدا مع شخصية كالتي تملكينها,
ولكني أريد التأكد قبل كل شيء أنني لا أقف حاجزا أمام قصة حب"
أعجبت بصراحته لذا أرادت أن تكون صريحة معه كذلك فقالت بألم:
"قصة حب من طرف واحد, لذا فهي قصة فاشلة بالتأكيد"
ابتسم ثم قال مؤكدا:"ليست من طرف واحد’فالغيرة التي شاهدتها بعينيه قبل قليل
والاهتمام والخوف اللذان شاهدتهما المرة السابقة في المشفى يقولان الكثير,وهذا
رأي رجل يعرف الحب جيدا وطاله الكثير من عذابه"
نظرت له بدهشة:"إذا لماذا لا تذهب للزواج منها؟"
قال عمر بحزن:"لأنني تأخرت كثيرا حتى أدركت مشاعري فخسرتها وتزوجت
سواي لذا لا أريد أن أجعل رجلا يذوق العذاب الذي ذقته من قبل لأنه لا أحد على
الإطلاق بقادر على احتمال ذلك العذاب دون أن يُكسَر شيء بداخله"
تألمت من أجله كثيرا وتمنت لو بيدها أي شيء حتى تزيل ذلك الحزن بداخله فهو
يبدو إنسانا جيدا وعذابه يؤلمها, ولكنها تأكدت أنها لم تكن لتوافق عليه في كل
الأحوال وليس من أجل حبها لغيث فقط.
كان يحترق بالخارج وجيهان تحاول تهدئته دون جدوى, انطلقت ضحكاتها فنظر
إليها بغيظ وهو يهتف:"عمّتي لم أخبرك لتسخري مني بل لتساعدينني"
أجابته جيهان بمرح:"تمنيت أن أراك بتلك الحالة منذ فترة طويلة غيث,طالما
دعوت الله أن تدرك مشاعرك تجاه وجد وأن تكف عن محاربتها من أجلك قبل
أي شيء آخر"
قال بنزق:"وها أنا اعترفت لكِ بمشاعري وأني أريد الزواج بها وأنتِ تسخرين
منّي"
"ولكن ليست هذه هي المشكلة عزيزي"
عقد حاجبيه وهو يقول:"ولماذا توجد مشكلة من الأساس؟"
"أنت تعرف سمعتك جيدا غيث والرجل العابث يخشى الرجال على بناتهم منه"
قالتها بهدوء ليسألها بريبة:"أتقصدين أن عمي عبد الرحمن لن يوافق على زواجنا؟"
أومأت له برأسها وهي تقول:"وعبد الله أيضا, لا تنسَ أنه من قام برعايتها طوال
كل تلك السنوات فله الحق مثل عبد الرحمن تماما في إبداء الرأي بالعريس
المرتقب لوجد"
"وماذا أفعل لأكسب ثقة كلا من عمي عبد الرحمن وعمي عبد الله؟"
سألها لتجيبه بجدية:"لا تخسر ثقة وجد ولا تكسر قلبها لأنك لو فعلت ذلك ولو
بدون قصد منك تأكد أنك ستخسرها للأبد".
....................
بعد مرور أربعة أيام..
ذهبت إلى عبد الرحمن وأخبرته كما اتفقت مع عمر أنها لا توافق عليه رغم أنها
استخارت وشعرت بالراحة تجاهه, ولا تعلم بالحقيقة لماذا استخارت بموضوع
هي سترفضه من الأساس, ربما لأنها اعتادت على الاستخارة بكل أمورها,
وربما لسبب خفي حتى عن عقلها.
في تلك الأيام كان غيث يحترق ببطء, فجيهان قد أخبرته أنها لن تستطيع أن
تفتح موضوع خطبته لوجد إلا لو رفضت عمر لأنه ليس من الصواب بل
وليس من الدين أن يخطب فوق خطبة عمر..
كان يشعر بالاشتعال وجيهان أصرّت على ابتعاده عن المنزل والاستقرار بشقته
حتى يتم الأمر وكان هذا فوق احتماله,فقد تعود على رؤيتها يوميا في الفترة
السابقة لزفاف رمزي, فقد استقر معهم في الفيلا من أجل مخططه لكسب قلبها
الذي عزم عليه, ولكن جاء هذا ال..عمر ليقلب كل مخططاته رأسا على عقب.
كاد يذهب إليها ويقوم بهزّها بقوة وهو يسمعها تخبر عبد الرحمن وعبد الله أنها
ستقوم بالاستخارة.. ماذا؟!
أليس معنى ذلك أنها تشعر بالقبول أو تفكر بذلك الرجل؟
هل أخطأ بقراءة مشاعرها؟! إنه يعلم أنها تكن له المشاعر وهو كان على استعداد
أن يجعل تلك المشاعر طوفانا يغرقها بحبه ولكنه بات يشك بتلك المشاعر التي
شعر بوجودها بداخلها وهو يراها تأخذ وقتها في الاستخارة والرد على عمر.
قضى تلك الأيام على جمر وهو ينتظر رفضها له حتى يستطيع التقدم لخطبتها
وجعلها توافق عليه مهما حدث..
وأخيرا أخبرته عمّته أنها رفضته فألحّ عليها أن تفاتح زوجها برغبته في التقدم
لخطبة وجد وعلى الفور لا داعي للانتظار أكثر من ذلك فهو احترق بالكامل
في الفترة الماضية.
......................
رغم حزن عبد الرحمن من ضياع فرصة كالطبيب عمر على ابنته إلا إنه لم
يستطع الضغط عليها أو مراجعتها في اختيارها فهي ناضجة وتعلم ما تريده
وإن كانت لم تَرِد عمر فليست بمشكلة سيأتي غيره الكثير كالعادة, ولكنه شعر
ببعض التوجس وجيهان تطلب مقابلته مع عبد الله, فهل سيحدث ما شعر به منذ
فترة أم أنها محض هواجس لديه؟
جلست جيهان ووئام معهما ثم بدأت جيهان الحديث أنهما يعرفان غيث وأنه كان
عابثا ولكن كل ذلك كان من الماضي وهو حاليا مستقيم تماما وقد ترك كل
علاقاته النسائية و...
قاطع عبد الرحمن تلك المقدمة الطويلة وهو يخبرها أنه من قام برعاية غيث ويعلم
معدنه جيدا فلا داعي لتلك المقدمة وعليها أن تقول ما جمعتهما لأجله.
توجست خيفة من مقاطعة زوجها ولكنها تابعت حديثها وأخبرتهما بما أخبرت به
وئام قبل قليل وهو أن غيث تقدم لخطبة وجد, نظر عبد الرحمن وعبد الله لبعضهما
البعض ثم نهضا وهما يقولان أنهما سيعرضان الموضوع على وجد وسوف
يكون الجواب بعد أسبوع.
كاد عبد الرحمن أن يضحك على التعبير الذي ارتسم على وجه زوجته عندما ألقى
بكلمته ولكنه تماسك وهو يخرج, فإن كان لغيث مكانة كبيرة بداخله إلا أن ابنته
تهمه أكثر منه بالطبع ومصلحتها فوق حبه لغيث ولو كان بالفعل ترك كل عبثه
الماضي والذي يعلم سببه جيدا فلا مانع لديه أن يتزوجها بالطبع لو وافقت
وجد عليه, أما لو كان ما زال كما هو ولم يترك سهراته ولا علاقاته النسائية
إلا فلا ابنة لديه للزواج.
بعد أسبوع..
كان عبد الرحمن وعبد الله قد استقصيا جيدا عن غيث خلال الأسبوع الماضي
ولكنهما لم يفاتحا وجد بالموضوع ,فقد توسل إليهما غيث أن يتركاه هو ليفاتحها
بأمر خطبته لها وقد وافقا بعد الكثير من التوسل والاقتناع أنه غارقا بحبها حتى
النخاع.
وها هم سافروا جميعا إلى إحدى المدن الساحلية الرائعة لقضاء بعض الوقت بعيدا
عن ضغط العمل وحتى يكون الوضع مناسبا أمام غيث لمفاتحة وجد بخطبته لها.
وكان كلا من رمزي وغادة وعلاء وغدير قد عادوا من سفرهم الطويل ولكنهم
آثروا الراحة بالمنزل ولم يذهبوا معهم.
واستأذن غيث من عبد الرحمن وعبد الله أن تصعد وجد إلى سيارته لتذهب معه
حتى يمهّد لها الموضوع, وبعد توسلات عديدة منه ألا يقلقا عليها فهو يخشى
عليها أكثر من نفسه سمحا له فهما يثقان به أولا وأخيرا, ولكن كان الاعتراض
من وجد التي شعرت بالخوف والخجل من ذهابها بمفردها مع غيث بجرأته التي
كان لها تجارب معها من قبل ولكنها لم تستطع البوح باعتراضها لوالدها.
وفي الطريق..
"ما بكِ وجد؟ كأنك قطة تجلس على صفيح ساخن!"
سألها غيث لتجيبه بارتباك:"ماذا؟ أنا بخير"
أجابها:"لا أعتقد هذا,لقد كان الاعتراض واضحا على قسمات وجهك وعمي
يخبرك أن تصعدي لسيارتي"
"على الإطلاق فقط... اندهشت قليلا وتساءلت لماذا أذهب معك بمفردنا ولم
أذهب معهما"
سألها بشك:"إذا لم يكن خوفا مني؟"
عقدت حاجبيها بدهشة وهي تقول:"ولِمَ أخاف منك؟ ما الذي ستفعله لي ويجعلني
أخشاك؟"
أجابها غيث بمكر:"حقا إنه يخطر لي الكثير من الأشياء التي تجعلك تخافين مني
ومنها أنني ربما أخطفك لمكان بعيد لا يوجد به أحد"
ضحكت وجد وهي تخبره:"لا تقلق أنا أثق بك"
زلزلت ضحكتها كيانه فهو لم يسمعها تضحك من قبل فقط كان يشاهد ابتسامتها
التي تسلب لبه أما ضحكتها فهي جعلته يريد الزمن أن يتوقف به ولا يمر أبدا
من تلك اللحظة.
تنهد بعمق قبل أن يخبرها أنه عانى كثيرا حتى يسمح له والديها أن يصحبها بسيارته,
فابتسمت وهي تتهمه بالمبالغة ولكنه أكد لها أن مايقوله حقيقة وأنه طوال الأسبوع
الماضي يتوسل إليهما أن يجعلاها تذهب معه وأنه تعرّض لاستجواب شرس
وكأنه أسير حربيّ, وضحك قائلا أنه كان يظن أن عبد الرحمن بما أنه من قام
برعايته طوال حياته ويعرفه جيدا فسيكون سندا له أمام عبد الله ولكن العكس ما
حدث.,فقد كان عبد الله رحيما به أكثر من عبد الرحمن..
فسألته بدهشة:"ولِمَ كل هذا الاستجواب من الأساس؟أنت مثل رمزي ولم يكن
هناك من داعٍ لكل ذلك"
شعر بالضيق من تشبيهه بأخيها ولكنه أرجع ذلك لخجلها ولكنه لم يستطع أن يمنع
نفسه من مشاكستها وهو يخبرها:"ولكني لست رمزي ولا أريد أن أكون مثل
مثله بالنسبة إليك"
وكما توقع قابله ذلك التورد الشهيّ الذي يفنته فابتسم راضيا وحوّل الحديث لمنحى
آخر وهو يذكّر نفسه بالصبر لساعات قليلة قبل أن يفاتحها ويعترف لها بما يكنّه
لها من حب.
عندما هاتفه عبد الرحمن وأخبره أن يحضر للفيلا لم يكن يتوقع أبدا ما وجده عند
وصوله, فقد وجد ذلك الطبيب السمج عمر جالسا مع عبد الرحمن وعبد الله
والأدهى من ذلك أنه كان متقدما لخطبة وجد, كان على وشك ارتكاب جريمة قتل
عندما دلفت هي بكل براءة من باب المنزل وهي تلقي السلام بمرح كاد يجعله
يذهب إليها ويجرّها إلى غرفتها ليغلقها عليها بعد أن يشبعها.. تقبيلا
نفض رأسه وهو يندهش من مسار أفكاره.
دلفت إلى الداخل وهي تلقي بالسلام بمرح لتتجمد مكانها وهي ترى ذلك الطبيب
الذي مر على خاطرها منذ لحظات والذي لا تتذكر اسمه حتى جالسا مع والدها
وعبد الله و...غيث, ابتلعت ريقها وهي تعتذر بخفوت وتلتفت للمغادرة لتسمع
صوت والدها يناديها فوقفت مكانها دون أن تلتفت إليه فشعرت بيده تحثها على
الخروج معه.
أدخلها غرفة مكتبه وأغلق الباب خلفه وهو يخبرها أن عمر قد طلب يدها ويطلب
الجلوس معها قبل أن تتخذ قرارها..
فكرت بغيظ إن هذا ال..عمر جريئا كثيرا, أومأت برأسها وهي تشعر بالحزن
يكتنفها, لطالما أرادت أن تكون المرة الأولى التي تجلس فيها مع أحدهم بذلك
الوضع أن يكون...غيث
ابتسمت داخلها بسخرية وهي تفكر أن غيث يجلس مع عريسها المقدام في الخارج,
إن لم يكن هو من أحضره من الأساس, شعرت بالألم لتلك الفكرة ولكنها تماسكت
وهي تخرج مع والدها لتجلس مع ذلك الطبيب وتعرف ماذا يريد.
كاد يجن وهو يرى عبد الرحمن يدلف مرة أخرى وهي ترافقه ليمسك عبد الله
بذراع غيث يقوده للخارج ليتركهما يجلسان بمفردهما وتركوا الباب مفتوحا.
ماذا يحدث؟لماذا هذا الألم الذي يشعر به؟
نار حارقة تستعر بداخله, أهذه هي الغيرة؟ ماذا؟هل يغار عليها؟
أفِق غيث..تعلم جيدا أنك تحترق من الغيرة عليها, حتى أنك كدت تضرب ذلك
الرجل بالداخل لأنه تجرّأ وطلب شيئا كنت تتمنى أن تطلبه لنفسك.
تساءل بداخله هل تأخّر في الحصول عليها؟ هل سيخسرها من أجل حماقته؟
هل سيتركها تزف لغيره وهو جالسا ليشاهد؟ لا.. لن يحدث أبدا.
سيذهب لعمّته ويعترف لها أنه غارقا بحب وجد حتى النخاع وهي ستساعده
بالتأكيد, فهي الوحيدة التي تستطيع أن تنقذه من هذا العذاب الذي يعيش به.
جلست على المقعد المقابل له وهي تستعد لسماعه يتحدث عن مميزاته الكثيرة
كأي شاب بمكانه ولكنها فوجئت به يسألها:"هل تحبينه؟"
رفعت بصرها إليه بدهشة وهي تسأله:"من تقصد؟"
أجابها عمر بابتسامة:"من كان على وشك قتلي قبل قليل,غيث"
توردت وجنتاها لسماع اسمه ولكنها ردت بثبات:"وهل أردت التحدث عنه أم عنك؟"
"أردت أن نتحدث بصراحة أيا كان ما سنتحدث عنه, أنا معجب بكِ كثيرا,
لن أكذب وأقول أنني أحبك رغم أن ذلك ليس بعيدا مع شخصية كالتي تملكينها,
ولكني أريد التأكد قبل كل شيء أنني لا أقف حاجزا أمام قصة حب"
أعجبت بصراحته لذا أرادت أن تكون صريحة معه كذلك فقالت بألم:
"قصة حب من طرف واحد, لذا فهي قصة فاشلة بالتأكيد"
ابتسم ثم قال مؤكدا:"ليست من طرف واحد’فالغيرة التي شاهدتها بعينيه قبل قليل
والاهتمام والخوف اللذان شاهدتهما المرة السابقة في المشفى يقولان الكثير,وهذا
رأي رجل يعرف الحب جيدا وطاله الكثير من عذابه"
نظرت له بدهشة:"إذا لماذا لا تذهب للزواج منها؟"
قال عمر بحزن:"لأنني تأخرت كثيرا حتى أدركت مشاعري فخسرتها وتزوجت
سواي لذا لا أريد أن أجعل رجلا يذوق العذاب الذي ذقته من قبل لأنه لا أحد على
الإطلاق بقادر على احتمال ذلك العذاب دون أن يُكسَر شيء بداخله"
تألمت من أجله كثيرا وتمنت لو بيدها أي شيء حتى تزيل ذلك الحزن بداخله فهو
يبدو إنسانا جيدا وعذابه يؤلمها, ولكنها تأكدت أنها لم تكن لتوافق عليه في كل
الأحوال وليس من أجل حبها لغيث فقط.
كان يحترق بالخارج وجيهان تحاول تهدئته دون جدوى, انطلقت ضحكاتها فنظر
إليها بغيظ وهو يهتف:"عمّتي لم أخبرك لتسخري مني بل لتساعدينني"
أجابته جيهان بمرح:"تمنيت أن أراك بتلك الحالة منذ فترة طويلة غيث,طالما
دعوت الله أن تدرك مشاعرك تجاه وجد وأن تكف عن محاربتها من أجلك قبل
أي شيء آخر"
قال بنزق:"وها أنا اعترفت لكِ بمشاعري وأني أريد الزواج بها وأنتِ تسخرين
منّي"
"ولكن ليست هذه هي المشكلة عزيزي"
عقد حاجبيه وهو يقول:"ولماذا توجد مشكلة من الأساس؟"
"أنت تعرف سمعتك جيدا غيث والرجل العابث يخشى الرجال على بناتهم منه"
قالتها بهدوء ليسألها بريبة:"أتقصدين أن عمي عبد الرحمن لن يوافق على زواجنا؟"
أومأت له برأسها وهي تقول:"وعبد الله أيضا, لا تنسَ أنه من قام برعايتها طوال
كل تلك السنوات فله الحق مثل عبد الرحمن تماما في إبداء الرأي بالعريس
المرتقب لوجد"
"وماذا أفعل لأكسب ثقة كلا من عمي عبد الرحمن وعمي عبد الله؟"
سألها لتجيبه بجدية:"لا تخسر ثقة وجد ولا تكسر قلبها لأنك لو فعلت ذلك ولو
بدون قصد منك تأكد أنك ستخسرها للأبد".
....................
بعد مرور أربعة أيام..
ذهبت إلى عبد الرحمن وأخبرته كما اتفقت مع عمر أنها لا توافق عليه رغم أنها
استخارت وشعرت بالراحة تجاهه, ولا تعلم بالحقيقة لماذا استخارت بموضوع
هي سترفضه من الأساس, ربما لأنها اعتادت على الاستخارة بكل أمورها,
وربما لسبب خفي حتى عن عقلها.
في تلك الأيام كان غيث يحترق ببطء, فجيهان قد أخبرته أنها لن تستطيع أن
تفتح موضوع خطبته لوجد إلا لو رفضت عمر لأنه ليس من الصواب بل
وليس من الدين أن يخطب فوق خطبة عمر..
كان يشعر بالاشتعال وجيهان أصرّت على ابتعاده عن المنزل والاستقرار بشقته
حتى يتم الأمر وكان هذا فوق احتماله,فقد تعود على رؤيتها يوميا في الفترة
السابقة لزفاف رمزي, فقد استقر معهم في الفيلا من أجل مخططه لكسب قلبها
الذي عزم عليه, ولكن جاء هذا ال..عمر ليقلب كل مخططاته رأسا على عقب.
كاد يذهب إليها ويقوم بهزّها بقوة وهو يسمعها تخبر عبد الرحمن وعبد الله أنها
ستقوم بالاستخارة.. ماذا؟!
أليس معنى ذلك أنها تشعر بالقبول أو تفكر بذلك الرجل؟
هل أخطأ بقراءة مشاعرها؟! إنه يعلم أنها تكن له المشاعر وهو كان على استعداد
أن يجعل تلك المشاعر طوفانا يغرقها بحبه ولكنه بات يشك بتلك المشاعر التي
شعر بوجودها بداخلها وهو يراها تأخذ وقتها في الاستخارة والرد على عمر.
قضى تلك الأيام على جمر وهو ينتظر رفضها له حتى يستطيع التقدم لخطبتها
وجعلها توافق عليه مهما حدث..
وأخيرا أخبرته عمّته أنها رفضته فألحّ عليها أن تفاتح زوجها برغبته في التقدم
لخطبة وجد وعلى الفور لا داعي للانتظار أكثر من ذلك فهو احترق بالكامل
في الفترة الماضية.
......................
رغم حزن عبد الرحمن من ضياع فرصة كالطبيب عمر على ابنته إلا إنه لم
يستطع الضغط عليها أو مراجعتها في اختيارها فهي ناضجة وتعلم ما تريده
وإن كانت لم تَرِد عمر فليست بمشكلة سيأتي غيره الكثير كالعادة, ولكنه شعر
ببعض التوجس وجيهان تطلب مقابلته مع عبد الله, فهل سيحدث ما شعر به منذ
فترة أم أنها محض هواجس لديه؟
جلست جيهان ووئام معهما ثم بدأت جيهان الحديث أنهما يعرفان غيث وأنه كان
عابثا ولكن كل ذلك كان من الماضي وهو حاليا مستقيم تماما وقد ترك كل
علاقاته النسائية و...
قاطع عبد الرحمن تلك المقدمة الطويلة وهو يخبرها أنه من قام برعاية غيث ويعلم
معدنه جيدا فلا داعي لتلك المقدمة وعليها أن تقول ما جمعتهما لأجله.
توجست خيفة من مقاطعة زوجها ولكنها تابعت حديثها وأخبرتهما بما أخبرت به
وئام قبل قليل وهو أن غيث تقدم لخطبة وجد, نظر عبد الرحمن وعبد الله لبعضهما
البعض ثم نهضا وهما يقولان أنهما سيعرضان الموضوع على وجد وسوف
يكون الجواب بعد أسبوع.
كاد عبد الرحمن أن يضحك على التعبير الذي ارتسم على وجه زوجته عندما ألقى
بكلمته ولكنه تماسك وهو يخرج, فإن كان لغيث مكانة كبيرة بداخله إلا أن ابنته
تهمه أكثر منه بالطبع ومصلحتها فوق حبه لغيث ولو كان بالفعل ترك كل عبثه
الماضي والذي يعلم سببه جيدا فلا مانع لديه أن يتزوجها بالطبع لو وافقت
وجد عليه, أما لو كان ما زال كما هو ولم يترك سهراته ولا علاقاته النسائية
إلا فلا ابنة لديه للزواج.
بعد أسبوع..
كان عبد الرحمن وعبد الله قد استقصيا جيدا عن غيث خلال الأسبوع الماضي
ولكنهما لم يفاتحا وجد بالموضوع ,فقد توسل إليهما غيث أن يتركاه هو ليفاتحها
بأمر خطبته لها وقد وافقا بعد الكثير من التوسل والاقتناع أنه غارقا بحبها حتى
النخاع.
وها هم سافروا جميعا إلى إحدى المدن الساحلية الرائعة لقضاء بعض الوقت بعيدا
عن ضغط العمل وحتى يكون الوضع مناسبا أمام غيث لمفاتحة وجد بخطبته لها.
وكان كلا من رمزي وغادة وعلاء وغدير قد عادوا من سفرهم الطويل ولكنهم
آثروا الراحة بالمنزل ولم يذهبوا معهم.
واستأذن غيث من عبد الرحمن وعبد الله أن تصعد وجد إلى سيارته لتذهب معه
حتى يمهّد لها الموضوع, وبعد توسلات عديدة منه ألا يقلقا عليها فهو يخشى
عليها أكثر من نفسه سمحا له فهما يثقان به أولا وأخيرا, ولكن كان الاعتراض
من وجد التي شعرت بالخوف والخجل من ذهابها بمفردها مع غيث بجرأته التي
كان لها تجارب معها من قبل ولكنها لم تستطع البوح باعتراضها لوالدها.
وفي الطريق..
"ما بكِ وجد؟ كأنك قطة تجلس على صفيح ساخن!"
سألها غيث لتجيبه بارتباك:"ماذا؟ أنا بخير"
أجابها:"لا أعتقد هذا,لقد كان الاعتراض واضحا على قسمات وجهك وعمي
يخبرك أن تصعدي لسيارتي"
"على الإطلاق فقط... اندهشت قليلا وتساءلت لماذا أذهب معك بمفردنا ولم
أذهب معهما"
سألها بشك:"إذا لم يكن خوفا مني؟"
عقدت حاجبيها بدهشة وهي تقول:"ولِمَ أخاف منك؟ ما الذي ستفعله لي ويجعلني
أخشاك؟"
أجابها غيث بمكر:"حقا إنه يخطر لي الكثير من الأشياء التي تجعلك تخافين مني
ومنها أنني ربما أخطفك لمكان بعيد لا يوجد به أحد"
ضحكت وجد وهي تخبره:"لا تقلق أنا أثق بك"
زلزلت ضحكتها كيانه فهو لم يسمعها تضحك من قبل فقط كان يشاهد ابتسامتها
التي تسلب لبه أما ضحكتها فهي جعلته يريد الزمن أن يتوقف به ولا يمر أبدا
من تلك اللحظة.
تنهد بعمق قبل أن يخبرها أنه عانى كثيرا حتى يسمح له والديها أن يصحبها بسيارته,
فابتسمت وهي تتهمه بالمبالغة ولكنه أكد لها أن مايقوله حقيقة وأنه طوال الأسبوع
الماضي يتوسل إليهما أن يجعلاها تذهب معه وأنه تعرّض لاستجواب شرس
وكأنه أسير حربيّ, وضحك قائلا أنه كان يظن أن عبد الرحمن بما أنه من قام
برعايته طوال حياته ويعرفه جيدا فسيكون سندا له أمام عبد الله ولكن العكس ما
حدث.,فقد كان عبد الله رحيما به أكثر من عبد الرحمن..
فسألته بدهشة:"ولِمَ كل هذا الاستجواب من الأساس؟أنت مثل رمزي ولم يكن
هناك من داعٍ لكل ذلك"
شعر بالضيق من تشبيهه بأخيها ولكنه أرجع ذلك لخجلها ولكنه لم يستطع أن يمنع
نفسه من مشاكستها وهو يخبرها:"ولكني لست رمزي ولا أريد أن أكون مثل
مثله بالنسبة إليك"
وكما توقع قابله ذلك التورد الشهيّ الذي يفنته فابتسم راضيا وحوّل الحديث لمنحى
آخر وهو يذكّر نفسه بالصبر لساعات قليلة قبل أن يفاتحها ويعترف لها بما يكنّه
لها من حب.
