رواية الحب بيجمع ناسه الفصل الخامس عشر 15 بقلم هند سعد الدين
— اقفلي الباب.
قالها وهو رايح يشغل الدفاية، صوت الكالون كان أوضح من اللازم، روحت له..
— مالك؟ إنت كويس؟ البرد راح؟
— بحاول أستوعب الهنا اللي أنا فيه، عارفة لو كان حد سألني من كام شهر بس إيه خططك للشهور الجاية كنت هقوله، هفضل أجري ورا هند وهي تجري مني، وإنتي دلوقتي معايا وفـ بيتي في بلد تانية وبتحبيني!
قرب أكتر..
المسافة قلت من غير ما ناخد بالنا..
إيده رفعت خصلة شعر وقعت على عيني.
سابها تعدّي من بين صوابعه ببطء.
— شعرك ريحته بحر.
— وإنت ريحتك شاي ودُخان هوا.
ضحك ضحكة قصيرة.
قرب أكتر.
— هند
— نعم؟
— لو قولتي لأ، هستنى.
بصّيت له.
— ولو ما قلتش حاجة؟
ما استناش إجابة.. باسني.
البوسة الأولى كانت هادية..
التانية أطول…
التالتة فيها جوع وعاطفة.
إيدي راحت على صدره، حسّيت دقّات قلبه سريعة، امممم، زيي.
شدّني عليه.
— كده كتير؟
همستها وأنا نفسي لسه متلخبط.
— لسه.
شال الجاكيت من على كتافي.
وقع على الأرض.
ما اهتميناش.
— إنتي فاكرة نفسك هتيجي تنامي؟
— أومال؟
قرب وداني.
— لأ.. إنتي جاية تنسي أي حاجة فاتت.
— لو مامتك دخلت؟
— أمي؟
ضحك.
— أمي لو دخلت هتضحك وتطلع تاني.
ـــ بس هي نبهتك ممنوع اللمس لحد ما نعمل الفرح تاني عشان نوحش بعض أكتر..
الساعة عدّت، ما عرفتش بقت كام، بس نور الصبح صحاني..
صوت خبط فوقني أكتر..
قبل ما أفهم حاجة كان في صوت خبط تاني.
بصّيت لعابد وصحيته..
— إيه ده؟
— سيبيه، محتاج أنام تاني..
خبط تالت.. أقوى.
— عابد!
صوت نسائي، مش محتاج تعريف.. سيلين.
نطيت من على سريري، ولميت شعري وقفلت الروب عليا، ضحك عليا وقام يفتح.
فتح الباب شبر.
— نعم؟
— خالتو مستنياكم على الفطار.
صمت ثانية.
— دلوقتي؟
— آه.
وسكتت لحظة، وبعدين قالت بنبرة ملسوعة:
— هحاول مفتنش على اللي حصل بليل
الهواء اتجمّد.
عابد ما ردش.
قفلت الباب ومشيت.
لفّ ناحيتي.
— سمعتي حاجة؟
— سمعت.
وشّي بقى أحمر في ثانية، مش ذنب.. إحراج.
— هند، بصّي لي.
بصّيت.
— إحنا مش غلطانين.
هزّيت راسي.
— عارفة.. بس برضه.
مسك وشي بين إيديه.
— مفيش حاجة تحطيها في دماغك.
— حاضر.
نزلنا.
سفرة طويلة، فطار تركي تقيل:
جبن، زيتون، عسل، خبز سخن، بيض بالسدق بلغتنا وشاي.
طنط إلفان كانت قاعدة في النص.
— صباح الخير يا حبايب قلبي.
حضنتني قبل ما أقعد، حسّت إن فيا حاجة
سيلين كانت قاعدة قدّامي.
بتحرّك الشاي بإيد مش ثابتة.
— اتأخرتوا.
قالتها وهي مبتسمة، بس ابتسامة حادة وبتطلع شرار.
— النوم بعد السفر بيبقى تقيل.
طنط إلفان ردّت، وهي بتدلق الشاي.
سيلين رفعت حاجبها.
— مش نوم بس.
الصمت نزل على السفرة.
بلعت ريقي، عيوني نزلت في الطبق.
— سيلين.
طنط إلفان قالتها بهدوء يخوّف.
— نعم يا خالتو؟
— كمّلي كلامك.
اتلجلجت شوية.
— أقصد.. يعني.. البيت فيه ناس.. وفيه عادات.
رفعت راسي غصب عني.
عيون طنط إلفان كانت عليّا الأول.
— إنتي اتكسفتي؟
سألتني.
هزّيت راسي بخفة.
قامت.
— اسمعي بقى يا سيلين..
قالتها وهي واقفة.
— دول متجوزين.
سيلين حاولت تتكلم.
— بس..
— بس إيه؟
قاطعتها.
— بيتي يعني بيتهم، مش عشان أنا ماكنتش هنا تعتبرونا ضيوف، ده بيتي ودول عيالي، وهي مراته براحتهم.
بصّت حوالين السفرة.
— اللي مش عاجبه حاجة، يغمض عينيه، لإنه عاجبني، ويا ريت كل واحد يبص في طبقُه.
سيلين احمرّ وشها.
— أنا ما كنتش أقصد إحراجها..
لفّت لها طنط إلفان.
— لأ، إنتي قصدتي.
وبهدوء أكتر:
— بس الغيرة على اللي ماتملكيهوش عيبه، والبيت ده بيت حب، مش محكمة.
قعدت تاني.
مسكت إيدي تحت السفرة.
— كُلي.
همست لي.
— الحب ما بيستخباش.
رفعت عيني.
سيلين كانت باصة في الشاي
وفي اللحظة دي، فهمت إن بعض الستات، مش بتحمي ولادها بس، بتحمي البنات اللي دخلوا حياتهم بالحب.
تمام.
عابد ما سابش إيدي، ولا بصّ لحد، بس مال عليّا شوية.
— كُلي.
قالها كإنه بيقول: أنا هنا.
طنط إلفان رجعت تمسك كباية الشاي.
— بعد الفطار…
وسكتت ثانية.
— هنتكلم.
سيلين ما علّقتش.
السكوت بقى تقيل عليها.
بعد الفطار، البيت هدي.
الصحون اتشالت، والأصوات بقت أهدى.
طنط إلفان نادتنا الصالون.
— تعالوا.
قعدت قدّامنا، حاطة رجل على رجل، كوباية القهوة بين إيديها.
نظرتها ثابتة.
— أنا مش بحب اللف والدوران.
بصّت لعابد.
— إنت ناوي إيه؟
— الفرح.
قالها من غير تردد.
— هنا.
لفّت نظرها ليا..
— وإنتي يا كتكوتة؟
اتنفّست.
— اللي حضرتك شايفاه.
هزّت راسها.
— حلو.
قربت.
— نعمله على هدوء؟ ولا فرح كبير؟
عابد سبقني.
— كبير.. بس دافي.
ابتسمت.
— يعني تركي على مصري.
ضحكت.
— نعمله على البحر.
سألتها..
— بجد فين؟
— ساريير.
قالتها بثقة.
— قدّام الماية، نور أصفر، موسيقى حية، ورقص تركي من تراثنا بعد يومين، ليلة حنة، وبعده فرح على ذوقك بعادتنا.
قلبي دق.
— كتير كده..
مسكت إيدي.
— إنتي اتحرمتي قبل كده، وأنا مش بحب الحرمان.
عابد بصّ لي.
— إنتي موافقة؟
بصّيت له.
— لو إنت جنبي.
— أنا مش جنبك بس..
قرب أكتر.
— أنا في ضهرك.
طنط إلفان قامت.
— خلاص.. اتفقنا.
لفّت ناحية الباب.
— وأنا معاكم؟
ظهرت سيلين واقفة.
واضح إنها كانت سامعة.
— الفرح فرحهم.
قالتها طنط إلفان بهدوء حاسم.
— اللي ييجي، ييجي بقلبه، واللي مش قادر يستوعب فرحتنا الباب واسع.
سيلين بلعت ريقها.
— حاضر يا خالتو.
مشيت.
طنط إلفان رجعت لنا.
— وأنا هبقى معاكي في كل تفصيلة، الفستان، الطرحة، الأغاني..
غمزت.
— وحتى الزغروطة.
ضحكت ودموعي طلعت.
— شكرًا.
حضنتني.
— لأ، قولي: أنا أستاهل.
قلت.
— أنا أستاهل.
عابد شدّني عليه.
— وأنا محظوظ.
