رواية الحب بيجمع ناسه الفصل السادس عشر 16 بقلم هند سعد الدين
— صحّيتي؟
— أنا فايقة بس مش مصدّقة إني هكرره تاني!.
— قومي يا عروسة، النهارده يومك.
فتحت عيني على صوت طنط إلفان.
كانت واقفة عند الشباك، فاتحاه، هوا إسطنبول داخل ببرود خفيف، وستارة دانتيل بتتحرك بهدوء.
— الساعة كام؟
— بدري، بس يومنا طويل، يلا يا عروسة في حنة النهاردة.
قعدت على السرير.
— حنة؟ تاني؟.
ضحكت.
— صدقيني اليوم ده هيتحفر في الذاكرة، هناك كنا لوحدنا انبسطنا بس النهاردة هيكون يوم استثنائي ومميز، وعشان كده لازم نبدأ من بدري، وحجزت لك الحمّام.
— حمّام؟
— حمّام العروسة.
قامت تقفل الشباك.
— جهّزي نفسك، رايحين حمّام جالاتا سراي.
الطريق كان مبلول من أثر ليلة مطر إمبارح.
الشوارع ضيّقة، المحلات لسه بتفتح، ريحة خبز وسمسم.
— الشوارع غريبة..
ـــ تقصدي قديمة؟
ـــ هو المكان ده قديم؟
— من أيام السلطان، كل عروسة هنا بتدخل الحمّام قبل الحنة.
اتوترت شوية بس اتطمنت من وجودها جمبي.
دخلنا.
باب خشب تقيل، بخار، رخام أبيض، صوت ماية، ستات لابسين فوَط، ضحك خفيف، همس ورقص!
— خايفة؟
— أنا متوترة.
— التوتر ده بيروح أول ما تمسكك دينيز.
ـــ مين دينيز يا ماما..
شاورت لي على شفايفها إني أسكت!
قعدتني على رخام سخن، ماية دافية نزلت على كتافي.
جات دينيز أو المفروض نقولها خالتي دينيز..
ست كبيرة، بشوشة، طبطبت عليا، ومعرفش إزاي سيبت لها نفسي، كإنها روضتني من بصة واحدة.
إيديها بتفرك جسمي بحنية.
نمت على ضهري وربعت إيدي عند رقبتي، قصادي طنط إلفان مبتسمه وبتملس على شعري..
— دي علشان التعب يطلع.
— والتفكير؟
— التفكير بيطلع لوحده.
غمضت عيني، افتكرت كل حاجة عدّت، حاجات كانت تقيلة وبقت أخف.
طنط إلفان قربت.
— لما دخلت حمّام عروستي أول مرة، كنت لوحدي، محدش كان جنبي، دلوقتي أنا جنبك.
مسحت وشي.
— شكرًا يا ماما.
— ما تشكرينيش، ده واجبي وحقك عليا كأم ليكي.
رجعنا البيت.
ريحة بخور، ورد ناشف مرمي جنينية البيت، أصوات ستات كتيرة..
— إيه ده كله؟
— الحنة.
الصالة متغيّرة، سجاد أحمر، مخدات محطوطة في الأرض، صواني نحاس عشان التفاخر وعشان الطاقة السلبية، ستات العيلة لابسين فساتين تقليدية.
أحمر.
أخضر زمردي.
دهبي.
— اقعدي هنا.
قعدت على كرسي واطي.
طرحة حمرا اتفردت على شعري.
— دي طرحة الحنة، لازم تبقي مخبية وشك شوية، علشان الفرح يبان أكتر.
دخلت فرقة صغيرة، دفوف، غُنا تركي قديم.
طنط إلفان بدأت تغني بصوت واطي:
— Yüksek yüksek tepelere ev kurmasınlar…
(ما تبنوش بيوتكم فوق الجبال العالية…)
حسّيت قلبي بيدق.
الكلمات عن البعد، عن الفراق، عن الرجوع.
سيلين كانت موجودة.. بس ساكتة، واقفـة بعيد.
الحنّة اتخلطت.
— مدّي إيدك.
مدّيت إيدي، حطولي الحنة في كفي..
طنط إلفان قالت..
— قولي أمنية.
— في السر؟
ابتسمت لي وحركة راسها..
غمضت عيني، قلت اسمه من غير صوت.
لفّت إيدي بشاش أحمر.
— مبروك يا بنتي.
حضنتني.
— الليلة دي بتقفل باب وتفتح باب، وإنتي داخلة الباب الصح.
كان في رقص كتير وأنا مبعرفش غير الرقص المصري!
رقصت على إنت عمري لأم كلثوم لإنهم عارفينها، كانوا بيضحكوا من الانبهار وبيشبهوني بسهير زكي بسبب اسلوب رقصها اللي بيجمع بين الأنوثة والدلع!
ـــ يا ترى يا عروسة هتعرفي تبقي مننا ولا لأ..
صوت سيلين المستفز..
ـــ لو مش أخده بالك أنا هنا الأصل..
بصيت لها من فوق لتحت وسط تجمد نظرات الناس اللي بتفهم عربي..
ـــ إنتي يا سيلين لو ربنا كرمك ونيتك سلكت لله، احتمال تمشي من هنا وماتبقيش مننا، تبقى من عيلة تانية!
طنط إلفان قامت من مكانها وبصت لنا إحنا الاتنين.
خلعت الشال بهدوء، رَمته على الكنبة، وفردت دراعها الاتنين.
مش فرداهم قوي..
نص فردة، زي باب بيت قديم مفتوح على نصّه.
— دي بقى..
سكتت ثانية، ابتسامة جانبية.
— رقصة الريحاني شايفاني يا هندا؟ اتعلميها عشان تبقي مننا.
ضحكت وغمزت لي.
المزيكا اشتغلت فجأة، إيقاع خفيف، الدُف بيضحك، مش بيدق.
— شوفي.
قالتها وهي بتتحرك، رجليها مكانتش بتتحرك كتير، السر كله كان فوق..
الخصر.
الكتاف.
الرقبة.
— الريحاني ما بتترقصش برجلك، بتترقص بالهوى اللي بين ضلوعك.
لفّت وسطها حركة صغيرة، دايرة ناقصة.
كتفها نزل وطلع، راسها مالت، شعرها اتحرك.
— دي رقصة الست اللي عارفة نفسها، مش بتستأذن، ومش بتستعرض، بتقول: أنا هنا.. ومبسوطـة بده.
حاولت أقلّدها.
ضحكت.
— لأ لأ.
— إنتي مستعجلة.
قربت مني.
مسكت خصرى بإيد واحدة، مش ضغط.. يا دوب توجيه.
— استني النغمة، سيبيها تدخل الأول.. وبعدين ردّي.
غمضت عيني.
الدُف دخل جوه صدري، حرّكت كتفي، وبعدين وسطي.
— أهو، كده؟
في اللحظة دي..
دخل عابد، مش فجأة، ولا باستعراض، دخل كأنه كان واقف برا الدايرة ومستني الإشارة، المزيكا ما وقفتش، بس الإحساس اتغيّر.
طنط إلفان ابتسمت.
خطوة لورا.
— خلاص، دلوقتي الدور عليك يا عريس.
قرب.
وقف ورايا بخطوة، ما لمسنيش.
— الريحاني مش مواجهة، ولا حرب، بهدوء..
قالتها طنط إلفان بصوت واطي.
— دي مشاركة.
إيده قربت من وسطي
الهوى سخن فجأة..
— حسّي الإيقاع؟
هزّيت راسي.
— طب سيبي الحركة تطلع منك، وأنا هكمّلها.
حرّكت وسطي، لفّة بسيطة، إيده دخلت المساحة، مسكت وسطي من غير ضغط.
— أيوه ما تشديش.
جسمه كان قريب، نفسه عند ودني.
— كتفك، ارفعيه سنة، وبعدين سيبيه يقع.
عملت كده.
إيده اتحركت معايا، كأنها ظلّي.
— الريحاني فيها دلع، ولازم تبقى واثقة ومطمّنة إن اللي وراكي مش هيسيبك.
لفّيت.
بقيت في وشّه، المسافة صفر، إيده سابت وسطى، مسكت إيدي، سحبني خطوة، لفّني.
ضحكت غصب عني.
— لما تضحكي، الرقصة تظبط وتحلى أكتر..
كان بيقولها بصوت هادي اوي وشاعري وهو قريب مني مقدار المللي.
طنط إلفان سقفت.
— كده كويس؟
— شطورة خالص
المزيكا عليت.
الدف سخن.
حركتنا بقت واحدة.
مكانتش رقصة عريس وعروسة.
كانت رقصة اتنين حافظين بعض.
في آخر نغمة وقفنا.
أنفاسنا واحدة.
عابد مال عليّا.
— دلوقتي تقدري ترقصيها لوحدك، بس أحلى وإنتي مش لوحدك.
باسني بوسة سريعة ومشي من الإحراج..
طنط إلفان قربت، حضنتني.
— اتعلمتي؟
هزّيت راسي.
— أظن..
الريحاني خلّتني أفهم حاجة بسيطة وخطيرة:
في رقصات بتتعلّم.
وفي رقصات.. بتكتشفك.
بالليل، بعد ما الناس مشيت، البيت هدي.
قعدنا أنا وهي في المطبخ.
— تعبتي؟
— حلو التعب ده.
— عابد فرحان.
— باين.
ابتسمت.
— عارفه؟
— إيه؟
— الرجالة دول.. محتاجين ست تعرف تحمي فرحتهم وأنا شايفاكي الست دي.
مسكت إيدي.
— نامي ، بكرة نكمّل.
ـــ هي ماما هتيجي؟
دورت وشها، وابتسمت بالغصب..
ـــ احتمال كبير، يلا على النوم.
دخلت أوضتي، إيدي مربوطة، ريحتها حنّة، وقلبي هادي.
جالي اتصال، رديت بسرعة..
ـــ ألو..
ـــ أنا ماما يا هند، بقالي في اسطنبول يومين، البلد ممتعة أوووي.
ـــ يومين؟ طب ماجيتيش ليه هنا؟
ـــ أصلك مش هتصدقي قابلت مين في الإمارات وأصر ييجي يحضر فرحك..
ـــ مش فارق لي، إنتي لما جيتي ماكنتش أول حاجة حابة تشوفيها..
ـــ لما تعرفي هتفرحي.. محمد خطيبك الأولاني.
