رواية احببت عبراني الفصل الرابع عشر 14 بقلم مريم غريب
( 14 )
_ لست لك ! _
إسطنبول / تركيا
كان صباحاً غائماً ، فوق ذلك الشاطئ المقفر ، و هذا البيت الوحيد المشيد بالخشب و الأسمنت في وسطه
كانت النوارس تصرخ محلقة في الأفق و علي سطح مياه البحر الفيروزية ، تتابعها نظرات ذاك الشاب عبر زجاج نافذته المغلقة
وقف وحيداً في غرفة ضيقة ، بالكاد إحتوت خزانة صغيرة و مقعد مبطن بالأسفنج و سريراً يطابق نسبياً مقاس جسمه الضخم ..
شعره الأسود القصير مشعثاً يسير في كل إتجاه ، عيناه اللوزيتين غائرتان تحت حاجباه المعقودين بشدة ، بشرته السمراء مخضبة بحمرة دمائه التي يضخها قلبه الملتهب بلا إنقطاع
ألقي نظرة علي هاتفه الملقي علي السرير ، كان يصارع فكرة الإتصال بها مجدداً ، يعلم جيداً أن الحكمة تقتضي بألا يفعل ، لكنه حتماً سوف يجن ، إن لم يفهم ما الذي يجري معها بالضبط ، سيفقد عقله لا محالة ...
-قُصي ! .. قالها صوت رجولي أجش من خلف باب الغرفة
رفع "قُصي" رأسه منتبهاً ، في نفس اللحظة ينفتح باب الغرفة و يلج رجلاً في العقد الخامس من عمره ، يرتدي عمامة فوق رأسه و بذلة أشبة برداء الرعاة ذي التصميم الفضفاض البدائي
تقدم نحو "قصي" قائلاً و هو يدرس تعابير وجهه المكفهرة بإهتمام :
-صباح الخير يا ولدي !
قصي بصوته العميق :
-صباح الخير يا عم . هل جئت لتوقظني لموعد العمل ؟ لقد وفرت عليك هذه المشقة اليوم . ها أنا ذا مستيقظ و سألحق بك فوراً . أمهلني دقيقة فقط حتي أرتدي حذائي
إبتسم العم قائلاً بلطف :
-أري أن تركيزك خلال الفترة الأخيرة أصبح أقل من المعتاد . أي عمل يا قصي ؟ إنها صبيحة السبت . اليوم عطلتنا يا عزيزي
عبس "قصي" مطلقاً زفيراً مختنقاً و قال :
-يبدو أنني علي وشك أن أفقد تركيزي كله يا عم !! .. و رمي بنفسه فوق الكرسي الوحيد بالغرفة
وضع رأسه بين كفيه و راح يهز قدمه بعصبية واضحة ، أشفق العم علي حاله و أحزنه أن يراه قد عاد لحالة الغم و الحزن التي إستمرت معه لأشهر عديدة بعد حادث القصف الدموي
جلس مقابله علي طرف السرير ، ربت علي كتفه مآزراً إياه ، ثم قال بخفوت حذر :
-هل حدثتك آية مجدداً ؟!
أحس بإنقباضة جسده الخفيفة تحت ملمس يده ، ليرد الأخير بصوت مكتوم دون أن يغير من وضعه :
-حدثتني . بالطبع . و لكن من يصدق الآن ؟ أن تتواصل معي أختي منذ ستة أشهر من حين لأخر . إنما ترفض أن تعطني معلومة مفيدة تمكنني من الوصول إليها .. أختي التي إحتسبتها ميتة و مضيت في سبيلي مسلماً بالواقع و الأقدار . إلا أنها حية . حية و قد غدت سبية لأحد هؤلاء السفلة الأوغاد بينما أعيش أنا هنا و لا أعرف لها عنوان أو مكان . لقد تعبت . تعبت يا عم . ما عدت قادراً علي التحمل . التفكير سيقضي عليّ
العم بتأثر :
-إهدأ . إهدأ بني . إنها تدابير الله . و علي كل ليس بيدك شيئاً و لم تفعله . أنت لا تقصر
قصي بتأنيب ضمير شديد :
-في ذلك اليوم كان عليّ أن أذهب و أتفقد حطام البيت بنفسي . ما كان يجب أن أنصت للشهود و أصدق علي كلامهم . لقد أضعت أختي . لم أنتظر حتي أتأكد من خبر موتها . بل هربت كالجبناء
-صدقني أنت لم تفعل ذلك . إنما كتب الله لك النجاة . إنها أرادته سبحانه و تعالى . لو كنت ذهبت لقتلوك كما قتلوا البقية آنذاك
-ليتني مت معهم ! .. صاح "قصي" قافزاً علي قدميه فجأة ، و إستطرد بإنفعال جم :
-ليتهم فجروا رأسي أنا أيضاً . علي الأقل ما كان سيلحق بي هذا العار . أن تسبي أختي و يتخذها ××××× حقير لتقيم معه و يفعل بها ما يشاء . كل هذا و أنا علي قيد الحياة . أنا لا أستحق الهواء الذي أتنفسه
قام العم واقفاً و هو يجادله بنفس معذبة :
-لست وحدك من يشعر بكل هذا القهر و كل هذا الإذلال . أنا الأخر أكاد أموت خزياً بسبب ما جري لأختك . فهي إبنة أخي و لا تخصك وحدك . لكن مع هذا ليس بوسعنا فعل شيء . يبدو أنها تخشي علينا أمراً ما و ألا لكانت أخبرتك بكل ما حدث معها و أين هي بالضبط
-أعرف أين هي ! .. هتف "قصي" بقوة
-المكالمات كلها صادرة من باريس . و أعتقد أن المسافة من هنا إلي هناك ليست طويلة جداً . خاصة لو قطعت جوياً
إستوضحه العم واجماً :
-لم أفهمك تماماً . ماذا تقصد بهذا الكلام ؟!!
قصي بصرامة :
-أقصد أنني لن أهدأ حتي أعيد آية يا عماه . لقد حجزت تذكرة السفر . و غداً صباحاً سأكون علي متن طائرة قاصداً فرنسا . سأجوب البلدة كلها بحثاً عنها . و لن أعود إلا بها !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كان "إبراهام" جالساً بالبهو العلوي ، بجوار جناح نومه ، عندما خرج الطبيب "بارنر" مغلقاً باب الغرفة خلفه
لم يحس "إبراهام" بلهفة الإسراع إليه للإطمئنان علي حالة زوجته كما فعل بالمرة السابقة ، ظل بمكانه يدخن سيجاره الفاخر في هدوء تام
ما أن شعر بإقتراب "برنر" منه حتي قال بصوت جاف خالي من التعابير :
-هل حدث ذلك مرة أخري ؟
رمقه "بارنر" بنظرات مشفقة و رد بأسف :
-كنت آمل أن ألحق بها . لكني تأخرت كثيراً .. أنا آسف سيد فردمان !
أومأ "إبراهام" و هو يقول بفم ملتوي :
-لا تتأسف يا رجل . علي كل حال لا أحد بإمكانه إيقاف شخص مصمم . و يبدو أنها لن تفقد هذا التصميم أبداً مهما حاولنا معها
هز "بارنر" رأسه و قال بنبرة أكثر تعاطفاً :
-لا أدري كيف عساني أن أشرح لك . لكن الأمانة المهنية تقتضي أن أخبرك بهذا . إذا أقدمت زوجتك علي فعلتها مجدداً . لن يكون بإمكانها الإنجاب بعد ذلك . أبداً
أغمض "إبراهام" عيناه بشدة ، إمتص أخر عبق من سيجاره الرفيع ثم أطفأه بالمنفضة و قام واقفاً ، إلتفت نحو "بارنر" قائلاً بإقتضاب :
-فهمت يا بارنر . شكراً لك . يمكنك أن ترحل الآن !
تنهد "بارنر" عاجزاً عن إيجاد الكلمات المناسبة لمواساته ، ربت علي كتفه فقط و تمتم بعبارة مودعة ، ثم توجه صوب الدرج ليذهب
لم يمكث "إبراهام" بمكانه طويلاً ، ولج إليها متذرعاً بشئ من الهدوة ، أقفل الباب بروية و هو يصوب نظراته ناحيتها ، كانت نصف ممدة علي الفراش ، و إستطاع أن يري عبر المسافة الفاصلة بينهما وجهها
لم يزول شحوبها بعد ، و عينيها غائرتان تحيط بهما دوائر زرقاء ناجمة عن التعب الشديد الذي ألم بها
إتجه "إبراهام" إليها بخطوات متباطئة ، شد كرسي محاذي للسرير و جلس بجوارها ، لاحظ أنها تتحاشي النظر إليه ، لكنه لم يكن يهتم بمطلق شيء في هذه اللحظة ، سوي بما كررت فعله به و بنفسها ...
-هل أنت سعيدة الآن ؟ .. قالها "إبراهام" بصوته الأجش
-لقد أجهضت للمرة الثانية حتي الآن . أتعلمين ما معني ذلك ؟ إذا فعلتيها مجدداً لن تتسني لك فرصة أن تكوني أماً
ردت "آية" عليه بصوت مهزوز بسبب الدموع الحبيسة بمآقيها :
-لا أكترث . لست متلهفة لمشاعر الأمومة .. أصلاً أي شيء سيكون أفضل من الإنجاب منك أنت !
-أيتها الـ !! .. صاح "إبراهام" بغضب جم
إنقض عليها قابضاً بيديه علي ذراعيها ، صرخ بها بوحشية و قد برزت كل شرايينه و أوردته النابضة :
-في المرة الأولي قتلت جنين بعمر الأربعة الأشهر و كنت ستموتين معه . و اليوم قتلت الأخر و هو لم يتجاوز شهره الثاني . لماذا ؟ ما الذي فعلته بك لتفعلي هذا بأولادي ؟ أنا لم ألحق بك أي أذي . لم أدع مخلوقاً يقبل عليك بسوء . تكلمي . لماذا تفعلين ذلك بـي ؟!!!
إنسابت الدموع من عينيها و هي تقول متمسكة برفضها :
-لن أحمل في أحشائي طفلاً منك . أبداً !
تفاقم شعوره بالغضب إلي حد أعجزه عن النطق إلا بعد برهة ، ليقول بصوت ملؤه اليأس و الإنفعال :
-لماذا ؟ ما الذي يعيبني ؟ لا أصدق أن تكون مسألة الدين فقط !!
آية بصرامة :
-بل هي . أخبرتك من قبل أنني لا أجوز لك . لست زوجي كما تزعم و أنا لن أكون أماً لأولادك . لن يحدث هذا كن واثقاً
إحتقن وجهه بالدماء ، إنعقد حاجباه و هو يحني رأسه قليلاً حتي أحست بأنفاسه الساخنة تلفحها بقوة ، ثم تمتم بإصرار مخيف :
-و أنا أقول لك أنني سأجعلك أماً لأولادي . مهما كلف الأمر . كوني واثقة ! .. و إبتعد عنها فجأة
إعتدل في وقفته محدقاً فيها بقساوة ، شعر بإهتزاز هاتفه بجيب سرواله الرياضي ، تجاهله للحظات و هو يقول لها منذراً :
-لم ينتهي الحديث بيننا . سأعود لك سريعاً !
و خرج من الغرفة مستلاً الهاتف من جيبه ، رد و هو يتجه نحو الشرفة المفتوحة بالواجهة المقابلة :
-ماذا يا چورچ ! .. كان الضيق يملأه في هذه الآونة
أجاب "چورچ" بنبرته الجدية :
-إبراهام . هل أنت وحدك ؟ هناك أمر طارئ يجب أن أطلعك عليه !
إبراهام و هو يستند إلي سور الشرفة :
-تكلم يا چورچ . هات من عندك . هل هناك مشكلة بالعمل ؟
-لا يتعلق الأمر بالعمل يا سيدي . لقد جاءتني فاتورة الخطوط الخاصة بهواتفك الشخصية منذ قليل
-ثم ماذا ! لا أفهم هل تخاطبني لتخبرني بهذا الأمر ؟ ما بالك يا چورچ هل فقدت عقلك الآن ؟ فلتدفع لهم القيمة المطلوبة منذ متي تقحمني بهذه التفاهات !!
-إهدأ أيها السيد . بالتأكيد لم أخاطبك لأجل هذا . بل أردت أن أستفسر منك عن شيء
إبراهام بنفاذ صبر :
-أي شيء ؟!!
-أمامي الآن جرد بسجل المكالمات الصادرة عن أحد هواتفك الخلوية . هناك رقم تم التخابر معه لستة أشهر منصرمة . الشركة المنتجة له حاصلة علي توكيل عراقي .. لكن موقعه الآن بإسطنبول / تركيا . هل تعرف شيء عن هذا الرقم يا سيدي ؟
كان تعبير وجهه يتجهم مع كل كلمة يسمعها ، حتي أصبح مقنعاً بوجوم مريب ، إلتفت مرسلاً نظراته نحو الباب الذي ترقد خلفه ...
و هنا توقف عقله عن التفكير ، عرف فقط ، أن لا أحد غيرها له علاقة بذلك ......... !!!!!!!!
يتبـــع .
_ لست لك ! _
إسطنبول / تركيا
كان صباحاً غائماً ، فوق ذلك الشاطئ المقفر ، و هذا البيت الوحيد المشيد بالخشب و الأسمنت في وسطه
كانت النوارس تصرخ محلقة في الأفق و علي سطح مياه البحر الفيروزية ، تتابعها نظرات ذاك الشاب عبر زجاج نافذته المغلقة
وقف وحيداً في غرفة ضيقة ، بالكاد إحتوت خزانة صغيرة و مقعد مبطن بالأسفنج و سريراً يطابق نسبياً مقاس جسمه الضخم ..
شعره الأسود القصير مشعثاً يسير في كل إتجاه ، عيناه اللوزيتين غائرتان تحت حاجباه المعقودين بشدة ، بشرته السمراء مخضبة بحمرة دمائه التي يضخها قلبه الملتهب بلا إنقطاع
ألقي نظرة علي هاتفه الملقي علي السرير ، كان يصارع فكرة الإتصال بها مجدداً ، يعلم جيداً أن الحكمة تقتضي بألا يفعل ، لكنه حتماً سوف يجن ، إن لم يفهم ما الذي يجري معها بالضبط ، سيفقد عقله لا محالة ...
-قُصي ! .. قالها صوت رجولي أجش من خلف باب الغرفة
رفع "قُصي" رأسه منتبهاً ، في نفس اللحظة ينفتح باب الغرفة و يلج رجلاً في العقد الخامس من عمره ، يرتدي عمامة فوق رأسه و بذلة أشبة برداء الرعاة ذي التصميم الفضفاض البدائي
تقدم نحو "قصي" قائلاً و هو يدرس تعابير وجهه المكفهرة بإهتمام :
-صباح الخير يا ولدي !
قصي بصوته العميق :
-صباح الخير يا عم . هل جئت لتوقظني لموعد العمل ؟ لقد وفرت عليك هذه المشقة اليوم . ها أنا ذا مستيقظ و سألحق بك فوراً . أمهلني دقيقة فقط حتي أرتدي حذائي
إبتسم العم قائلاً بلطف :
-أري أن تركيزك خلال الفترة الأخيرة أصبح أقل من المعتاد . أي عمل يا قصي ؟ إنها صبيحة السبت . اليوم عطلتنا يا عزيزي
عبس "قصي" مطلقاً زفيراً مختنقاً و قال :
-يبدو أنني علي وشك أن أفقد تركيزي كله يا عم !! .. و رمي بنفسه فوق الكرسي الوحيد بالغرفة
وضع رأسه بين كفيه و راح يهز قدمه بعصبية واضحة ، أشفق العم علي حاله و أحزنه أن يراه قد عاد لحالة الغم و الحزن التي إستمرت معه لأشهر عديدة بعد حادث القصف الدموي
جلس مقابله علي طرف السرير ، ربت علي كتفه مآزراً إياه ، ثم قال بخفوت حذر :
-هل حدثتك آية مجدداً ؟!
أحس بإنقباضة جسده الخفيفة تحت ملمس يده ، ليرد الأخير بصوت مكتوم دون أن يغير من وضعه :
-حدثتني . بالطبع . و لكن من يصدق الآن ؟ أن تتواصل معي أختي منذ ستة أشهر من حين لأخر . إنما ترفض أن تعطني معلومة مفيدة تمكنني من الوصول إليها .. أختي التي إحتسبتها ميتة و مضيت في سبيلي مسلماً بالواقع و الأقدار . إلا أنها حية . حية و قد غدت سبية لأحد هؤلاء السفلة الأوغاد بينما أعيش أنا هنا و لا أعرف لها عنوان أو مكان . لقد تعبت . تعبت يا عم . ما عدت قادراً علي التحمل . التفكير سيقضي عليّ
العم بتأثر :
-إهدأ . إهدأ بني . إنها تدابير الله . و علي كل ليس بيدك شيئاً و لم تفعله . أنت لا تقصر
قصي بتأنيب ضمير شديد :
-في ذلك اليوم كان عليّ أن أذهب و أتفقد حطام البيت بنفسي . ما كان يجب أن أنصت للشهود و أصدق علي كلامهم . لقد أضعت أختي . لم أنتظر حتي أتأكد من خبر موتها . بل هربت كالجبناء
-صدقني أنت لم تفعل ذلك . إنما كتب الله لك النجاة . إنها أرادته سبحانه و تعالى . لو كنت ذهبت لقتلوك كما قتلوا البقية آنذاك
-ليتني مت معهم ! .. صاح "قصي" قافزاً علي قدميه فجأة ، و إستطرد بإنفعال جم :
-ليتهم فجروا رأسي أنا أيضاً . علي الأقل ما كان سيلحق بي هذا العار . أن تسبي أختي و يتخذها ××××× حقير لتقيم معه و يفعل بها ما يشاء . كل هذا و أنا علي قيد الحياة . أنا لا أستحق الهواء الذي أتنفسه
قام العم واقفاً و هو يجادله بنفس معذبة :
-لست وحدك من يشعر بكل هذا القهر و كل هذا الإذلال . أنا الأخر أكاد أموت خزياً بسبب ما جري لأختك . فهي إبنة أخي و لا تخصك وحدك . لكن مع هذا ليس بوسعنا فعل شيء . يبدو أنها تخشي علينا أمراً ما و ألا لكانت أخبرتك بكل ما حدث معها و أين هي بالضبط
-أعرف أين هي ! .. هتف "قصي" بقوة
-المكالمات كلها صادرة من باريس . و أعتقد أن المسافة من هنا إلي هناك ليست طويلة جداً . خاصة لو قطعت جوياً
إستوضحه العم واجماً :
-لم أفهمك تماماً . ماذا تقصد بهذا الكلام ؟!!
قصي بصرامة :
-أقصد أنني لن أهدأ حتي أعيد آية يا عماه . لقد حجزت تذكرة السفر . و غداً صباحاً سأكون علي متن طائرة قاصداً فرنسا . سأجوب البلدة كلها بحثاً عنها . و لن أعود إلا بها !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كان "إبراهام" جالساً بالبهو العلوي ، بجوار جناح نومه ، عندما خرج الطبيب "بارنر" مغلقاً باب الغرفة خلفه
لم يحس "إبراهام" بلهفة الإسراع إليه للإطمئنان علي حالة زوجته كما فعل بالمرة السابقة ، ظل بمكانه يدخن سيجاره الفاخر في هدوء تام
ما أن شعر بإقتراب "برنر" منه حتي قال بصوت جاف خالي من التعابير :
-هل حدث ذلك مرة أخري ؟
رمقه "بارنر" بنظرات مشفقة و رد بأسف :
-كنت آمل أن ألحق بها . لكني تأخرت كثيراً .. أنا آسف سيد فردمان !
أومأ "إبراهام" و هو يقول بفم ملتوي :
-لا تتأسف يا رجل . علي كل حال لا أحد بإمكانه إيقاف شخص مصمم . و يبدو أنها لن تفقد هذا التصميم أبداً مهما حاولنا معها
هز "بارنر" رأسه و قال بنبرة أكثر تعاطفاً :
-لا أدري كيف عساني أن أشرح لك . لكن الأمانة المهنية تقتضي أن أخبرك بهذا . إذا أقدمت زوجتك علي فعلتها مجدداً . لن يكون بإمكانها الإنجاب بعد ذلك . أبداً
أغمض "إبراهام" عيناه بشدة ، إمتص أخر عبق من سيجاره الرفيع ثم أطفأه بالمنفضة و قام واقفاً ، إلتفت نحو "بارنر" قائلاً بإقتضاب :
-فهمت يا بارنر . شكراً لك . يمكنك أن ترحل الآن !
تنهد "بارنر" عاجزاً عن إيجاد الكلمات المناسبة لمواساته ، ربت علي كتفه فقط و تمتم بعبارة مودعة ، ثم توجه صوب الدرج ليذهب
لم يمكث "إبراهام" بمكانه طويلاً ، ولج إليها متذرعاً بشئ من الهدوة ، أقفل الباب بروية و هو يصوب نظراته ناحيتها ، كانت نصف ممدة علي الفراش ، و إستطاع أن يري عبر المسافة الفاصلة بينهما وجهها
لم يزول شحوبها بعد ، و عينيها غائرتان تحيط بهما دوائر زرقاء ناجمة عن التعب الشديد الذي ألم بها
إتجه "إبراهام" إليها بخطوات متباطئة ، شد كرسي محاذي للسرير و جلس بجوارها ، لاحظ أنها تتحاشي النظر إليه ، لكنه لم يكن يهتم بمطلق شيء في هذه اللحظة ، سوي بما كررت فعله به و بنفسها ...
-هل أنت سعيدة الآن ؟ .. قالها "إبراهام" بصوته الأجش
-لقد أجهضت للمرة الثانية حتي الآن . أتعلمين ما معني ذلك ؟ إذا فعلتيها مجدداً لن تتسني لك فرصة أن تكوني أماً
ردت "آية" عليه بصوت مهزوز بسبب الدموع الحبيسة بمآقيها :
-لا أكترث . لست متلهفة لمشاعر الأمومة .. أصلاً أي شيء سيكون أفضل من الإنجاب منك أنت !
-أيتها الـ !! .. صاح "إبراهام" بغضب جم
إنقض عليها قابضاً بيديه علي ذراعيها ، صرخ بها بوحشية و قد برزت كل شرايينه و أوردته النابضة :
-في المرة الأولي قتلت جنين بعمر الأربعة الأشهر و كنت ستموتين معه . و اليوم قتلت الأخر و هو لم يتجاوز شهره الثاني . لماذا ؟ ما الذي فعلته بك لتفعلي هذا بأولادي ؟ أنا لم ألحق بك أي أذي . لم أدع مخلوقاً يقبل عليك بسوء . تكلمي . لماذا تفعلين ذلك بـي ؟!!!
إنسابت الدموع من عينيها و هي تقول متمسكة برفضها :
-لن أحمل في أحشائي طفلاً منك . أبداً !
تفاقم شعوره بالغضب إلي حد أعجزه عن النطق إلا بعد برهة ، ليقول بصوت ملؤه اليأس و الإنفعال :
-لماذا ؟ ما الذي يعيبني ؟ لا أصدق أن تكون مسألة الدين فقط !!
آية بصرامة :
-بل هي . أخبرتك من قبل أنني لا أجوز لك . لست زوجي كما تزعم و أنا لن أكون أماً لأولادك . لن يحدث هذا كن واثقاً
إحتقن وجهه بالدماء ، إنعقد حاجباه و هو يحني رأسه قليلاً حتي أحست بأنفاسه الساخنة تلفحها بقوة ، ثم تمتم بإصرار مخيف :
-و أنا أقول لك أنني سأجعلك أماً لأولادي . مهما كلف الأمر . كوني واثقة ! .. و إبتعد عنها فجأة
إعتدل في وقفته محدقاً فيها بقساوة ، شعر بإهتزاز هاتفه بجيب سرواله الرياضي ، تجاهله للحظات و هو يقول لها منذراً :
-لم ينتهي الحديث بيننا . سأعود لك سريعاً !
و خرج من الغرفة مستلاً الهاتف من جيبه ، رد و هو يتجه نحو الشرفة المفتوحة بالواجهة المقابلة :
-ماذا يا چورچ ! .. كان الضيق يملأه في هذه الآونة
أجاب "چورچ" بنبرته الجدية :
-إبراهام . هل أنت وحدك ؟ هناك أمر طارئ يجب أن أطلعك عليه !
إبراهام و هو يستند إلي سور الشرفة :
-تكلم يا چورچ . هات من عندك . هل هناك مشكلة بالعمل ؟
-لا يتعلق الأمر بالعمل يا سيدي . لقد جاءتني فاتورة الخطوط الخاصة بهواتفك الشخصية منذ قليل
-ثم ماذا ! لا أفهم هل تخاطبني لتخبرني بهذا الأمر ؟ ما بالك يا چورچ هل فقدت عقلك الآن ؟ فلتدفع لهم القيمة المطلوبة منذ متي تقحمني بهذه التفاهات !!
-إهدأ أيها السيد . بالتأكيد لم أخاطبك لأجل هذا . بل أردت أن أستفسر منك عن شيء
إبراهام بنفاذ صبر :
-أي شيء ؟!!
-أمامي الآن جرد بسجل المكالمات الصادرة عن أحد هواتفك الخلوية . هناك رقم تم التخابر معه لستة أشهر منصرمة . الشركة المنتجة له حاصلة علي توكيل عراقي .. لكن موقعه الآن بإسطنبول / تركيا . هل تعرف شيء عن هذا الرقم يا سيدي ؟
كان تعبير وجهه يتجهم مع كل كلمة يسمعها ، حتي أصبح مقنعاً بوجوم مريب ، إلتفت مرسلاً نظراته نحو الباب الذي ترقد خلفه ...
و هنا توقف عقله عن التفكير ، عرف فقط ، أن لا أحد غيرها له علاقة بذلك ......... !!!!!!!!
يتبـــع .
