رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل الرابع عشر 14 بقلم اسراء الوزير
رواية (عاشقة بأرض الأوغاد)
الفصل الرابع عشر:
عاد خالد إلى منزله أخيرا بعد غياب دام لأسبوع، أنهى صعود الدرج ثم دلف بداخل غرفة نومه لتجفل سما عن قراءة الكتاب الذي بيدها مُتفاجئة؛ حيث لم تكن على علمٍ مسبقا بقدومه، أغلق الباب ثم اقترب بخطوات وئيدة قبل أن يحمحم مُجليا حنجرته ثم يقول بنبرة هادئة:
_ صباح الخير
لم تجبه وإنما وقفت عن السرير ثم طَوَت جزءا من الورقة التي توقّفت عندها وألقت الكتاب جانبا ليزدرد خالد ريقه بينما يراها تقترب منه حتى تقف مقابله مباشرة، ودون مقدمات تولّت الحديث بنبرة صامدة تخفي غصّة قويّة بحلقها:
_ سيبتوا بعض ليه يا خالد؟
شعر خالد بأن ذَنُوبا من الماء البارد انسكب عليه وقد وُضِعَ بأكبر موقف صعب في حياته؛ حيث يواجه الحقيقة للمرة الأولى والخطأ له صاحبا، أطلق تنهيدة طويلة قبل أن يقول مُستنتجا بنبرة متردّدة:
_ يبقى روحتي الشقة زي ما قلت لك؟
أجابته بهدوء رغم الصخب المعتمل بداخلها:
_ وناقص تجاوب على سؤالي الأخير
أغمض عينيه للحظات وقد وجد أن لا مفر من الجواب وفتح خزائن الأسرار المغلقة والتي اعتقد أن لا حاجة للعودة إليها من جديد، ولكن دوما القدر يأتي بالمفاجآت، ويخالف التوقعات بحيث تسير الرياح دون أن تشتهي السفن، ساعة مرّت وهو يشرح باختصار مدى علاقتهما وكيف كان حبهما صامدا لولا أغرقته أمواج الأوغاد الغادرة بحيث أفاق في شاطئ يبتعد بأميال عن حبيبته، وكيف آثرت الصمت على المجاهرة بحقها لأجل سلامته وكيف اعترفت بذنب لم تقترفه لأجل إنقاذه من جديد، وكلما حاول ويحاول الأوغاد القيام بأمر أفسدته هي دون تراجع، اختتم قوله بحزن:
_ أنا السبب في دمار حياتها بالشكل ده، أنا اللي المفروض ييجي فيه السهم بس هي اللي بتاخده مكاني، لولا وجودي ماكانتش اتعذّبت بالشكل ده
جلست سما على طرف السرير ثم أعادت خصلات شعرها الشقراء إلى الخلف ناطقة بوجوم:
_ لا انت لازم تكون موجود فــ حياتها يا خالد
حدّق بها بغرابة لترفع رأسها كي تواجه عينيه بخاصتيها الدامعتين:
_ أنا عمري ما شفت حب بالشكل ده ولا حتى في الروايات اللي بقراها، سارة حبتك بطريقة جنونية، أثبتت حبها بالأفعال قبل الكلام، سارة من غيرك تموت يا خالد
جلس على السرير بجانبها ولا يزال يحملق بها والتعجب يكسو وجهه حيث لم يفهم بعد مغزى ما تريده زوجته فقامت بالإيضاح وإزاحة ستار الغموض عن مقصدها متمتمة:
_ طلقني يا خالد
اعتصر عينيه بقوة ولم يحتمل ما تلفّظت به هذه السيّدة من قرار صادم وكأنها قد رتبت له مسبقا، فتح عينيه ليواجهها بنظراته الحزينة التي تخفي بداخلها اعتذارا فتحدث بنبرة راجية:
_ يا سما أنااا....
قاطعته تقول بجديّة متوسّلة بجزع:
_ أرجوك يا خالد، ما تصعبهاش عليا وعليك أكتر من كدة، أنا فضلت في البيت ده مستنية أفهم باقي اللي حصل وكنت فاكرة ان سارة غلطت فــ حقك وبتحاول تكفّر عن ذنبها بالاعتراف ده، لكن بعد اللي قلته اكتشفت ان في اللي بتحبك أكتر مني، أرجوك قولها ومن بكرة مش هتشوف وشي تاني
طالعها بنظرات متألمة يغلفها الإرهاق لتكمل بصوت مبحوح إثر الدمع المُنكتم:
_ أرجوك
أغمض عينيه للحظات قبل أن يعود مُلتفتا إليها قائلا بصوت خفيض منكسر:
_ إنتي.. إنتي طالق يا سما
أغمضت عينيها بقوة تاركة العنان لدموعها بالتعبير عن حالة قلبها الممزّق فكانت عبراتها كالشلال على صفحة وجهها، بينما ودّ هو في تلك اللحظة أن يقتل نفسه ولا يرى مثل هذا العذاب الذي تختبره زوجته ورفيقته والتي أحبته بكل جوارحها، بعد مرور ثوان معدودة أخذت تكفكف دموعها بظاهر كفّها قبل أن تقول من بين بكائها بنبرة تحاول جعلها طبيعية:
_ اتفضل اخرج برة وكمان ساعتين مش هتلاقيني هنا تاني
تناول شهيقا عميقا زفره على مهل قبل أن يقف عن السرير ثم يسير نحو الباب وقد شعر بقلبه كالمضخات يبكي شفقة على حالها، فما أسوأ من كون المطلوب أقوى من استطاعته، يريد إرضائها وحقا لا يعرف كيف ذلك؟! قبل أن يخرج من الغرفة توقف عند الباب ثم أردف بهدوء:
_ الفيلا دي مكتوبة بإسمك، وإن كان في حد المفروض يخرج، فهو أنا
نقلت بصرها صوبه لتواجهه بخضراوتيها المُغلّفتان بالاحمرار بينما يكمل هو بصوت متحشرج:
_ مع السلامة يا سما
ولم يجد غير ذلك لقوله حيث خرج سريعا هاربا من نظراتها التي توحي بالغضب والعتاب، وكان ذلك بالفعل تحسه ولكن ليس من خالد بل من حظّها العثر، فلم يوفّر لها الإمكانيّة لإيجاد من يبادلها الحب الذي كانت تكنّه بقلبها، ولآخر لحظة احترمت حبها حيث أطلقت لحبيبها الحريّة وتركته إلى ما يحتاج، ولتكن هذه إحدى التضحيات التي يجب أن يقدمها العاشق، وهو ما تعلمته من الأستاذة سارة التي أصبحث مثالا يُحتَذى به في هذا الموّال، موّال العشق والغرام.
بعد مرور يومين، ضرب بقبضته على سطح مكتبه بقوة حتى كاد يهشمه بينما ينظر إلى عدد من العساكر يتقدّمهم النقيب حسام ماثلين أمامه ناكسي رؤوسهم في حالة من الخزي، هدر بعصبيّة:
_ بقى ينفع الإهمال يوصل للدرجة دي يا سيادة النقيب؟ السجينة تهرب وانتو نايمين على ودانكم؟
زمّ حسام شفتيه بحزن وقد أصابته حالة من الصمت التام جرّاء المصيبة التي تمّت بالسجن، وبصعوبة تمتم بنبرة واجمة:
_ يا فندم دول تعمّدوا يكون الموضوع في نص الليل واتنين منهم اتنكروا بزيّ عساكر عشان كدة كان سهل عليهم يهربوا بيها حتى اسأل الحراس
هتف العقيد بصوت أكثر صلابة:
_ مش مبرر، البنت دي ترجع فــ أقرب وقت وكلكم هتتعرضوا عــالتحقيق يا سادة، اتفضلوا
أدى جميعهم التحية العسكرية ثم هربوا إلى خارج الغرفة سريعا قبل أن تحرقهم عينيه المشتعلتين من فرط الغضب، كاد يلحقهم حسام ولكنه توقف مع صوت العقيد مناديا باسمه مجرّدا:
_ حسـام
التقط شهيقا طويلا زفره ببطء قبل أن يلتفّ ليواجه نظرات العقيد الصارمة حيث أكمل الأخير بقتامة:
_ خليك أد مسؤولية الترقية عشان ما تزعّلش سيادة اللوا
امتعضت ملامحه مع تطرّقه لهذا الأمر، ولكن دون أن يبدي ردة فعل أماء برأسه ثم انسحب في خشوع قبل أن يغلق الباب خلفه
_ إزاي يعني هربت؟!
صاحت بها سهى بنزق بينما ترمق هذا الذي يجلس على الكرسي مكفهرّ الوجه فعاد ينظر إليها ثم تمتم بغضب مكتوم:
_ أهو اللي حصل، والعساكر كلهم نايمين على ودانهم، ماحدش خد باله
_ طب وهنعمل إيه دلوقتي؟!
أجاب أحمد بوعيد:
_ جنب ما البوليس هيدور، أنا هراقب المكالمات اللي من عند مكتب خالد وبيته ومراته وكمان صاحبات سارة، لازم حد فيهم هيتصل، ولو حد اتصل هعرف المكان اللي مستخبيين فيه، وساعتها هسلّم الهانم واولع في خالد
ثم عاد ببصره نحو سهى قائلا:
_ المهم لازم إعلام الوراثة يبقى فــ أقرب وقت
تحدثت سهى مع إيماءة من رأسها:
_ لسة المحامي بيحصر الممتلكات، وبكرة هخرج واقدم له الورقة اللي تثبت كل الفلوس باسمي
ثم وضعت يدها على بطنها تمسّدها مُكمِلَة بخبث:
_ واسم ابني
هبّت أمال عن مجلسها واقفة بينما ترمق زوجها الذي يجلس مسندا مرفقيه إلى ركبتيه ويُغلّف الحزن والحيرة معالمه، نطقت أمال باستنكار:
_ إزاي يعني سارة هربت؟ وبمساعدة مين؟! هو خالد بيساعدها؟
رفع شريف رأسه كي يواجه نظراته المتسائلة ليكمل بجديّة:
_ ما ارتاحش غير لما نفّذ اللي في دماغه وهرّبها
تحدثت أمال وهي تحدجه بنظرة ثاقبة:
_ هو انت كنت بتكلمه؟
أماء برأسه إيجابا لتنهره أمال بصراخ:
_ كنت بتكلمه وما رضيتش تقولي؟ كنت عارف انه هيهرب بسارة وما رضيتش تقولي؟!
أدى صياحها المنفعل إلى استيقاظ صغيرتها النائمة على الأريكة جوارهم لتقوم إيمان بسرعة وتلتقطها ثم تبدأ بتهدئتها بينما تقول أمال بحزم:
_ سكّتي فرح برة يا إيمان
نطقت إيمان بطاعة:
_ حاضر
ثم أسرعت إلى الخارج مانحة إياهم قدرا من الخصوصية للنقاش في هذا الأمر الحساس منفردَين، أغلقت أمال الباب ثم التفّت لتواجه زوجها الذي وقف كي يستطيع حسم الموقف الذي ازدادت حدّته بعد علم زوجته بتواصله مع خالد دون درايتها كل هذا الوقت، أردفت أمال بحدة:
_ هو إي اللي حصل بالظبط يا شريف، خالد عمل ايه بعد ما سارة اعترفت على نفسها؟
أجابها شريف بوجوم:
_ بعد ما خرج مارضيش يهداله بال إلا لما يخرّج سارة من السجن ويدفّع سهى وأحمد تمن اللي عملوه، بس ما قاليش خالص انه هيهرب!
نطقت أمال متسائلة:
_ وبتكلمه ازاي؟
_ عــالتليفون
قبضت على فكها بقوة وقد تمكّن الغضب منها من جديد لتسرع نحو الكومود حيث يوجد هاتف شريف بينما يرتقب الثاني ما ستقوم به ثم سرعان ما صاح ناهيا:
_ لا يا أمال ما تتصليش
نقلت بصرها عن شاشة الهاتف ثم قالت بقتامة:
_ عايزة اتطمن على صاحبتي يا دكتور شريف، مش كفاية ماعرفتش احضر المحكمة بسبب الولادة، ولا خليتني أزورها يوم في السجن! دلوقتي حتى الاتصال مرفوض؟!
لفظت الأخيرة باستهجان ثم عادت تضغط بأصابعها من جديد ليهتف شريف بجديّة يكالبها الرعب:
_ مش من تليفوني يا أمال الأرقام متراقبة
أبعدت سبابتها عن شاشة الهاتف سريعا ثم عادت تنظر إليه بعينين جاحظتين بينما يكمل بتأكيد:
_ رقمي متراقب، وما ينفعش يظهر في الصورة خالص ان احنا بنتواصل معاهم وإلا طليقها الكلب ممكن يتهجّم على البيت، ده غير انهم هيوصلوا لمكان خالد بالطريقة دي
احتقنت الدماء بوجهها وقد ثار غضبها كالبركان لتُلقِيَ الهاتف جانبا ثم تعود ببصرها إلى شريف ناطقة بتألم:
_ يعني إيه؟ يعني كدة ماقدرش اكلم صاحبتي أبدا؟!
أطرق شريف برأسه دون أن يُدليَ بإجابته لتتنهّد أمال بحرارة قبل أن تُعيد خصلات شعرها إلى الخلف ثم تقول بخمول مستفهمة:
_ لحد إمتا؟
مطّ شريف شفتيه بإحباط بينما يقول بحزن:
_ ماعرفش، خالد كل اللي عمله إنه خرج سارة عشان يعرف يشوف لهم حاجة توقعهم لما يخافوا من هروبها وإنها ممكن تلاقي دليل قوي يكشفهم
ثم استطرد بهدوء:
_ إحنا كل اللي علينا ندعيلهم يتوفّقوا ويلاقوا دليل، ده طبعا قبل ما الشرطة تعرف حاجة!
نطقت أمال من بين حزنها بتضرع:
_ ياااارب
وقف خالد أمام باب الغرفة ثم طرق به عدة مرات وانتظر للحظات حتى فُتِحَ الباب وظهرت من خلفه سارة التي لاح شبح ابتسامة إلى وجهها ما أن رأته ليبادلها الابتسامة قائلا:
_ أنا جبت حاجة ناكلها، تعالي
هزّت رأسها بينما تقول نافية:
_ بس انا ما نضفتش غير الأوضة دي بس!
أثناها قائلا بجديّة:
_ هنضف أنا أوضتي، يالا تعالي كُلي
سارت خلفه دون الإدلاء بكلمة أخرى حتى وصلا إلى الصالون عند ورقتين من الجرائد مفرودتين على الأرض تحملان الطعام، جلست سارة على طرف إحدى الورقتين وماثلها خالد عند الطرف الآخر، شرع خالد في تناول الجبن والمربى مع قطع الخبز، وما هي إلا لقيمات صغيرة حتى لَحِظَ سارة التي شرد ذهنها إلى مكان آخر وكأنها لا تشعر بمذاق الطعام بلسانها، ابتلع اللقمة التي كانت عالقة بين أسنانه قبل أن يتمتم مناديا:
_ سارة
لم تلتفت إليه أو بالأحرى لم تسمعه مما جعله يقطب جبينه بتعجب، فنادى بصوت أعلى:
_ يا سارة
شهقت بخفة مع وقد استعادت انتباهها توّا فنقلت عينيها إليه قائلة بهدوء:
_ أيوة يا خالد
_ ما بتاكليش ليه؟
وضعت قطعة الخبز المخضّبة بالجبن الأبيض بفمها ثم أخفضت بصرها قائلة بنفي:
_ باكل اهو
نطق خالد بنبرة ذات مغزى:
_ أنا عارفك يا سارة ومش هتكدبي وتقولي مافيش أدامي، باين من نبرتك ان في حاجة شاغلاكي، قوليلي بتفكري فــ إيه؟
سلّطت عينيها بخاصتيه لتجدهما ترجوانها للإكمال دون تردد فابتلعت قطعة الطعام ثم أردفت متسائلة:
_ إنت ناوي على إيه مع أحمد وسهى يا خالد؟
أجابها باختصار:
_ أخليهم يقعوا فــ شر أعمالهم من غير ما اوسخ إيدي بدم واحد فيهم
ازدردت سارة ريقها بصعوبة بعدما شعرت بشظايا الخوف تقترب منهما مع قول خالد لأشياء تفوقه قدرة، فتكلمت بقلق:
_ بس دول زبالة، ولو وصلوا لك مش هيرحموك!
تحدث خالد مع ابتسامة هادئة بشدقه لطمْأنتها بينما يقول بنبرة حانية:
_ كل حاجة هتبقى تمام، بطلي انتي تقلقي عليا وهدّي نفسك شوية وان شاء الله الكابوس ده هيروح قريب
نطقت بخوف:
_ بإذن الله
ثم عادا إلى الطعام من جديد والصمت المُطبق سيد الموقف هنا حيث انغلقت الشفاه والحديث صار من اختصاص العيون فقط، ففي العقل ألف سؤال والقلب يرجوه ألّا ينطق ليتمتع بالنظر إلى محبوبه قليلا فقد زاد البعاد وبعد فترة طويلة تمّ اللقاء على الرغم من الأخطار المحيطة به، ولكن أبى العقل إلا وأمرها بأن تطرح سؤالا أهميته لا تقل عن سلامة خالد بالنسبة لها؛ فتوقفت عن الأكل ثم أردفت بتساؤل:
_ سما عارفة احنا فين يا خالد؟!
اكفهرّ وجهه وانطفأت معالم البسمة التي كانت بادية به قبلا، فعاد ينظر إليها بنظرات يغلب الحزن عليها ليجدها تبادله بأخرى حائرة؛ فاختار إزاحة الحيرة مُردفا بصوت خفيض:
_ طلقتها
شهقة عالية الصوت انبعثت من حنجرتها بينما تضع يدها على فمها لتكميمه تزامنا مع جحوظ عينيها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، أبعدت أناملها هاتفة بدهشة يسكنها القلق:
_ ليه يا خالد؟
ظل مُحدّقا بها دون رد وقد كان صدع عقله كفيلا بإسكاته؛ فلا يستطيع انتقاء الكلمات المناسبة التي يبرر بها ما حدث، فعادت تسأل سارة بصوت أكثر حدّة:
_ قولي يا خالد ليــه؟!
أجابها بوجوم يعتلي قسماته قبل نبرته:
_ عرفت كل حاجة يوم المحكمة وطلبت الطلاق
اغرورقت عيناها بالدمع حزنا لوقْع هذه الصدمة على رأسها حيث لم تشأ أبدا أن تكون سببا بتخريب علاقة نقيّة كتلك التي بين خالد وسما، نطقت بصوت متقطع يتخلّله الألم:
_ ليه عملت كدة يا خالد؟! ليــه؟!
أجابها بجمود ظاهريّ:
_ كانت مُصرَّة تعرف وانا كنت ملهوف عليكي وبفكر فــ طريقة تخرجك، عملت اللي كانت عايزاه وعرفتها، وهي فــ لحظتها طلبت الطلاق وأصرت أطلقها فــ لحظتها عشانك
احتقنت الدماء بوجهها واحتدّت عيناها بقسوة وقد وصل الاستهجان إلى منتهاه؛ حيث أردفت تقول بذهول:
_ عشاني؟! عشاني يبقى تخرب بيتها بنفسها؟ دي غبية ولازم تردها قبل العدّة ما تخلص، دي بتحبك يا خالد
أجابها خالد بصلابة:
_ مش غبية دي عملت حاجة شايفاها صح
صرخت سارة بثورة:
_ لا مش صح، إي الصح فــ دمار جواز من غير ذنب ليها! ليه وافقت يا خالد ليه سيبت حبها؟!
تحدث خالد بصرامة:
_ حبها حبها، وبالنسبة لحبك انتي يا أستاذة ياللي ما بتستنيش أقل فرصة إلا وبتضحي بسببه، إن كان سما حبتني مرة فإنتي قصادها ألف وده اللي شافته وأمرتني اعمله
ثم استطرد ينهرها بشئ من الشفقة:
_ هتفضلي لحد إمتا بتخافي على كل الناس وسعادتك انتي اللي فــ الآخر يا سارة؟!
ثم أكمل مصحّحا:
_ أقصد سعادتنا
لم تستطع أن تجيبه بل شعرت باختناق شديد أطبق على أنفاسها فوقفت عن مكانها ثم هربت سريعا إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها وأوصدت أقفاله، جلست أرضا بينما تستند بظهرها على الباب ليأتيها صوت خالد من الجهة الأخرى والفاصل هو الباب هاتفا بإقرار:
_ أنا بحبك يا سارة، ومش هسمح تضيعي مني تاني
ماثلته الهُتاف بقولها بعناد:
_ إنسى فكرة اننا نرجع تاني ي خالد، مكانك مع الإنسانة اللي بتحبك، حرام تبني سعادتك على سعادتها، وبالنسبة لي بمجرد ما نخلص من الهمّ ده أنا هختفي من حياتك للأبد، ولو هتفضل على رأيك ده هرجع للسجن من دلوقتي
هدر بصوت ثائر ينهرها:
_ بس ماسمعكيش تقولي الكلمة دي تاني
لما وجد إجابتها الصمت على نوبة غضبه تلك أكمل بذات النبرة:
_ هخرجك من بين إيديهم وانتقم منهم على كل اللي حصل بسببهم، وهتبقي ليا ومش هضيعك مني تاني، مفهـــوم؟
وضعت كلتا يديها على أذنيها تغلقهما بقوة مع صراخه بالأخيرة وقد شعرت أن أرجاء المكان قد اهتزّت من قوة صدى صوته، فما كان منها سوى الصمت لإنهاء هذا الجدال الحادّ الذي كانت عاقبته على خلاف ما أرادت، فخسران فتاة طيبة كسما زوجا صالحا تجعلها تشعر بالاشمئزاز من نفسها، أجل تحبه وتحلم بذلك اليوم الذي يجمعهما منذ أعوام، ولكن لا ضيْر من استمرار هذا الحلم مع صلاح علاقة أخرى، بدلا من أن تبني سعادتها من حطام أحزانها لفراقه
وبالجهة الأخرى ضرب خالد بقبضته على الحائط مرات متتالية حتى تمزّق جلده وأدمت يداه، يزفر أنفاسا حارة تكاد تحرق الأخضر واليابس، فقد أصابه الحنق بسبب هذه الفتاة مُحبة التضحية، تضع سعادة الآخرين نُصْب عينيها ولم تذُق يوما من كأس السعادة! يريدها وكلما يقطع الأمتار للقياها تسارع بالابتعاد أميالا! وما يملك من الحلول سوى الصبر علّ الأحزان تهرب مع مرور الأيام
بعد مرور عشر دقائق عاد أدراجه إلى غرفته حيث يريد مُداواة آلامه، آلام نفور محبوبته منه وهو الظمآن الذي ينتظر أن ينهَل من فيض حبها، دلف غرفته التي تعلو الفوضى بجنباتها فضلا عن الثرى المُتراكم بكل شبر فيها، بدأ يُزيل الفوضى ويُعيد الأشياء إلى مكانها في محاولة يائسة لنسيان ما يشعر به بسبب هذه العاشقة المُتفانية بعشقها، بعدما أفرغ الحقيبة _التي أعطتها له سارة منذ أعوام_ من المحتويات التي كانت بها حيث أغلبها مُهشّم، حمل الحقيبة كي يركنها بإحدى الزوايا ولكن أوقفه صوت داخلي انبعث من أحد جيوبها، خمّن كونه نَسِيَ شيئا بجيوبها الجانبية، جلس أرضا وأخذ يبحث بجنباتها حتى صحّ تخمينه حين أخرج علبة قطيفة زرقاء غيرة الحجم عَرَف سريعا ماهيّتها وما تحويه بداخلها، فتح العلبة ليجد خاتمه الذهبي الذي أهداه لها في آخر حفل لعيد الحب حيث ألبسه لها أمام الجميع، أخذ ينظر إليه بإنهاك والحزن يعتلي نظراته حيث يوجد الخاتم بعيدا عن صاحبته والتي كان وجوده باسمها فقط ولا توجد غيرها تستحق ارتداؤه
اجتمع كل أفراد العائلة حول الطاولة الكبيرة والتي تحمل على سطحها شتّى أنواع من الطعام وبكميّات وفيرة تكفي كل الموجودين وتفيض أيضا، ما ان وضعت سيدة في آخر العقد الثالث الطبقين على المائدة حتى التفتت إلى زوجها ثم تساءلت:
_ هو حسام مش ناوي ينزل ولا إيه؟!
تناول الإجابة بالنيابة عنه والده حين أردف بنبرة حازمة:
_ الأكل ليه معاد والمفروض سيادة النقيب يكون عارفه
التفتت إليه زوجته التي تجلس على يمينه بنظرات متعجبة حيث تقول باحتجاج:
_ بلاش تتكلم كدة عن الولد، إنت عايز نفسيته تتعقّد لما يعرف اننا هنبدأ في الأكل من غيره؟!
نطق ابنها البكري بغضب مكتوم:
_ ما هو الحنيّة الزايدة دي خلته مش مسؤول نهائي يا أمي، ده اولادي عارفين معاد الأكل عنه، سيبيه ييجي لوحده
أتاهم صوت حسام من ناحية الدرج يهتف راكضا:
_ أنا جييت يا جماعة ماتأخرتش خالص
التفتت إليه والدته مع ابتسامة بشوشة تزيّن ثغرها حيث ترمق صغيرها الشاب آتيا حتى اقترب ليقبل رأس والده ثم رأسها، أتبع ذلك بأن جلس في الكرسي المجانب لها قائلا:
_ مساء الخير يا جماعة
أجاب التحية الجميع عدا اثنين شرعا في الطعام دون النطق بكلمة واحدة، التفت حسام إلى أخيه الأكبر ثم قال بنبرة متعجبة:
_ هتفضل زعلان كدة كتير يا فهمي؟
ابتلع فهمي قطعة الطعام التي كان يلوكها بين أسنانه ثم نقل بصره إلى أخيه وقال بنفس الاقتضاب:
_ غلطتك ما تتنسيش يا سيادة النقيب
أثناه حسام بقوله معتذرا:
_ يا فهمي والله غلطت وهحل الموضوع وهكون أد المسؤولية بس بلاش وش الخشب ده
تكلّمت والدتهما بنزق:
_ يا جماعة بطلوا كلام في الشغل
ثم عادت ببصرها إلى فهمي قائلة بحدة:
_ وبعدين مش كفاية انك اتعصبت على اخوك النقيب أدام العساكر وهتحوله تحقيق؟!
أجابها زوجها بصلابة:
_ ابنك عمل اللي عليه يا مدام، الدور والباقي على اللي مسك قضيّة وطلع مش قدها، وبعدين ما ينفعش التّهاون معاه لمجرد ان ابوه لوا ولا أخوه عقيد، كلنا في الشرطة واحد
تكلم حسام بإصرار:
_ هعرف اجيبها واقفل ملف القضيّة، بس سامحوني رجاء
التفت فهمي إلى والده قائلا بابتسامة هادئة:
_ إي رأيك يا سيادة اللوا؟
أجابه اللواء بنبرة حاسمة:
_ لحد ما يثبت
عاد فهمي إلى أخيه قائلا بشئ من المزاح الذي لا يخلو من الجديّة:
_ أول ما تثبت مسؤوليتك، يأتيكَ العفو يا سيادة النقيب
مسح حسام جبهته بتعب بينما يتناول الأرز من الملعقة وقد وجد أنه في مأزق كبير والمهمة شاقّة إلى حين تنفيذها، فهل ينجح وينال ترقية الريادة باكرا؟ أم يخذلهم وينتظر المعاد المحدّد لها بعد ثلاث سنوات؟!
نفحات التوتر تُغَلِّف الأجواء القاتمة والتي تسببت بها حدّة مناقشتهما قبل ساعتين، وما أصعب من وجود الثمرة في متناول الجائع ويمنع نفسه من أن يقربها؟! وها هي سارة التي اختارت المشقّة كعادتها والابتعاد عن حبيبها رغم محاولته للاقتراب! وكذلك خالد الذي كلما يقطع ميلا للقائها تقابله بالابتعاد ألفا! يعلم أنها تخاف أن تبني سعادتها من حطام سما، ولكنه يحبها وكذلك تبادله المشاعر وحتى التي تخاف منها تفهَّمت ذلك، فلمَ العناد إذا؟! حمل طبقا به قطعتين من الدجاج المُتبّل المقليّ ثم اقترب نحو الباب الذي توجد خلفه، وطرق عدة مرات قبل أن يقول:
_ سارة ممكن تفتحي؟
لم يأته الرد على الرغم من تأكده بيقظتها، فأعاد السؤال بصوت أعلى:
_ طيب خدي الأكل واقفلي تاني
شعر بصوت شهقات خفيفة منبعث خلف هذا الحاجز الخشبي اللعين الذي يفصلهما، فأردف بنبرة حزينة مشفقة:
_ يا سارة أرجوكي افتحي الباب ماتقلقينيش عليكي أكتر من كدة
بعد مرور ثوانٍ قاربت الدقيقة وجد الباب ينفتح ببطءٍ حتى ظهرت من خلفه سارة التي كانت الدماء محتقنة بوجهها وكذلك عيناها منتفختان من كثرة الدمع مما سارع من نبضات خافقه حتى بدأ يُعنّف نفسه على الحديث معها بهذه الصرامة وإيلامها بهذا الشكل المُوحش، أمسكت الطبق بيدها دون كلام ثم جذبته ولكن توقفت حيث لا زال يشدّ على إمساكه من الناحية الأخرى لتعود بعينيها إليه فتجده يسلّط خاصّتيه بملامحها قائلا:
_ سارة كنت عايز اقولك حاجة
لم تجبه وإنما ظلّت صامتة ولم تستطع الرد وكأن كثرة الجدال أصابتها بنوبة صمت مطبق فيهمس معتذرا:
_ سامحيني على عصبيتي بدري، أنا آسف
انحلّت عقدة لسانها أخيرا حين أعربت عن رغبتها في الرد بإجابة مختصرة بقولها:
_ ما تتأسفش يا خالد، أنا كمان اتعصبت
أجابها بابتسامة هادئة:
_ تمام، كلي كويس عشان ما تتعبيش
_ حاضر
قالتها بنبرة خفيضة قبل أن تدخل ومعها الطعام وقد هدأ انفعالها قليلا بمجرد عودة الحديث الودّيّ من جديد، شعرت بتوقّف عبراتها لمجرّد الكلام معه والذي أدخل السرور إلى قلبها، تعشقه كما لم ولن تعشق أبدا، ولكن ضميرها يحتّم عليها أن تظلّ مبتعدة لئلا تتسبّب في أحزان أنثى مثلها، ومن غيرها ذاق عذاب الفراق واختبر مشقّته اللامتناهية؟!
_ ألو، النقيب حسام معايا؟
رفع حسام أحد حاجبيه بشك وقد ثار تساؤله حول ماهية وصول رقمه الخاص إلى أحد الغرباء، أجاب بنبرة جامدة:
_ أيوة يا فندم، مين؟
أتاه صوت الثاني قائلا بصلابة:
_ المقدم أحمد عبدالسلام
أسرع حسام بالتقاط هويّة المتصل مع ذكر الاسم، حيث هو مقدم مكافحة التهريب والذي تردّد صدى اسمه كثيرا بعد اعتراف زوجته بقتل أخيها، يعرف عن نزاهته إلى درجة أنه طلق زوجته بعد اعترافها هذا وبرّأ ذمّته منها، بعد برهة تحدث حسام مرحبا:
_ آه أهلا بيك يا سيادة المقدم
ثم استطرد بنبرة ثاقبة:
_ في حاجة ولا إيه؟
أجابه أحمد شئ من التردد:
_ آه في الحقيقة كنت عايز اعرف وصلتوا لحاجة فــ تحقيق هروب سارة؟!
زمّ حسام شفتيه بخيبة أمل بينما يجيب بحزن:
_ والله لحد دلوقتي لسة، بحاول أوصل لأي طرف خيط يوصلني بيها بس مش لاقي!
نطق أحمد بجديّة:
_ ممكن اساعدك بحاجة يا حضرة الظابط
_ إزاي؟
هتف بها حسام بلهفة بعدما اعتدل في جلسته بالمكتب ليجيبه أحمد بمكر:
_ لو عرفت توصل للولد اللي اسمه خالد اللي طليقتي خرّجته من السجن يبقى هتعرف فين سارة
ضيّق حسام حدقتيه بريبة بينما ينطق بعدم فهم:
_ واشمعنا ده بالذات؟
شعر أحمد بالخطر يتسلّل إليه من نبرة صوت حسام المستفهمة مما يستلزم منه الحذر حيث غيّر من طريقة حديث ناطقا بجزع مصطنع:
_ لإن اتضح ان الهانم كانت على علاقة معاه وانا على عمايا، عشان كدة طلقتها علطول من غير تفاهم
عاد حسام يسأله باستنكار لا يخلو من الحدّة:
_ وعرفت منين حاجة زي كدة يا حضرة المقدم؟
شعر بحبات العرق تتفصّد بجبينه من أسئلة هذا الشقي الثاقبة، فأسرع بإزاحة العرق عن جبينه بواسطة منديل ثم حمحم مُجليا حنجرته قبل أن يكمل بجديّة ظاهريّة:
_ من تليفون طليقتي بعد ما اتقبض عليها لقيت في مكالمات كتير كانت بينهم وده اللي عصبني جدا وخلاني بعتّلها ورق الطلاق تاني يوم من غير ماروح حتى!
حلّ السكون على معالمه بعدما سمع من نبأ صادم لا يتحمله بشريّ سويّ وقد اضطر أحمد إلى الاحتمال ولأن يسير الأمر رسميا كي تعاقبها الشرطة دون أن يفقد ماء وجهه وتظهر خيانتها للعلن، تكلّم حسام بنبرة مُشفقة:
_ معلش يا حضرة المقدم، أنا هستدعي خالد الصاوي واشوف فين أراضيه
_ متشكر جدا يا سيادة النقيب، بالتوفيق
قالها بنبرة واجمة لا تخلو من الامتنان، وما أن أغلق الهاتف حتى شعّت عيناه بخبث واضح بينما يحكّ ذقنه بأريحيّة وقد نال مراده من تسليط عيون الشرطة على منحنى الشرف، كي لا ينتهي الأمر من مجرد التحقيق بقضيّة قتل بل يتجاوز ذلك إلى زنا!! استطاعت الوضاعة أن تدفعه إلى الطعن بشرف امرأة لم تقدّم له سوى الوفاء ليبادلها بالخيانة العظمى وتشويه براءتها أمام الجميع؛ كي يظهر في النهاية أنه الحَمَل الوديع!
في معمل للتحاليل الطبية، أراح شريف ظهره على الكرسي بينما يلتفت إلى صديقه قائلا بابتسامة:
_ والله واحشاني أيامك يا محمد
وضع محمد كوب الشاي أمام شريف ثم التفت إليه قائلا بعتاب لا يخلو من الدعابة:
_ ماهو لو واحشاك فعلا كنت زوّدت التليفونات شوية، مش زيارة كل سنة اللي بتنقطني بيها دي يا دكتور!
تحدث شريف بابتسامة:
_ معلش يا دكتور عارف اني مقصر، بس الماجستير مبهدل معايا خالص عقبال ما اناقش واخلص
ثم استطرد يقول بضحك:
_ يالا كفاية عليك رسايل الواتس
التفت كلاهما إلى قدوم إحدى الزبائن ليقف محمد عن مجلسه ثم يقول موافقا:
_ على رأيك رضا
ثم التفت برأسه باتجاه الزبونة التي تقف أمام المكتب قائلة:
_ أنا عايزة استلم نتيجة تحليل
سألها باهتمام:
_ باسم مين يا فندم؟
_ سهام أحمد متولي
_ حاضر
فتح محمد الملف الذي يحوي كل النتائج مرتّبة أبجديا ثم بدأ بفحص الاسم المدوّن أعلى كل ورقة فحص، حتى وجد الاسم المنشود وبينما يسحب الفحص الذي يريده وقع الفحص الذي يليه أرضا لينظر محمد بالأسفل بينما يتنهد بتعب وهو يسند كل هذه الأوراق لينحني شريف قائلا:
_ استنى هجيبها انا
أماء محمد بهدوء ثم عاد ببصره إلى السيدة ليحدّثها حول نتيجة الفحص ويطمْئنها بشأن صحتها، ما أن ذهبت حتى جلس على الكرسي ثم نظر إلى صديقه فوجده ساهم الوجه منتفخ الأوداج مما أثار قلقه حيث أردف بتساؤل:
_ مالك يا شريف؟
أجابه بأن انتفض عن الكرسي واقفا ثم اندفع نحو الباب قائلا بتجهّم:
_ معلش يا محمد هعمل حاجة وراجع تاني
ثم أسرع إلى الخارج متجاوزا الباب ومنه إلى المصعد، وبعد ما يقرب الخمس دقائق خرج من المبنى وأخذ يبحث بعينيه عن وُجهة ينشدها في التو واللحظة، ثم سرعان ما تحرك عابرا الطريق إلى الرصيف الآخر، مشى قليلا حتى وصل محلا للهواتف الخلويّة، اندفع إلى الداخل ثم حادث أحد العاملَين متسائلا بأنفاس متلاحقة:
_ ممكن تليفون 011؟
أجابه العامل بالإيجاب مانحا إياه أحد الهواتف قائلا:
_ اتفضل يا فندم
التقطه شريف ثم أخذ يعبث بأزراره بسرعة حتى نقش الرقم كاملا وقد كان يحفظه عن ظهر قلب، انتظر للحظات حتى أتتْه إجابة الطرف الآخر ليهتف سريعا:
_ أيوة يا خالد، إسمعني
خرجت سما من الغرفة بعدما أعلمتها الخادمة بقدوم أحد الضيوف بزيٍّ رسميّ مخصّص للشرطة، نزلت الدرج ثم سارت قليلا حتى وجدت العسكري يقف عند مدخل الباب وبيده ورقة بيضاء صغيرة المساحة، ما أن وقفت أمامه حتى نطق متسائلا بقتامة:
_ إنتي سما محمد البنداري؟
أجابته بشئ من القلق:
_ أيوة أنا، خير؟
مدّ لها الورقة لتلتقطها من بين أنامله ثم أردف بهدوء:
_ ده استدعاء من النقيب حسام عايز يستجوبك بكرة في القسم
أماءت برأسها بهدوء ظاهري بينما شعرت بالقلق يسكن بين ضلوعها من هذا الاستدعاء المفاجئ، فماذا تريد الشرطة منها بعدما ثبتت براءة خالد؟! ماذا حدث يا تُرى لتعود أنظار الشرطة نحو دائرتها من جديد؟!
أشرقت الشمس الذهبيّة مُعتلية السماء الصافية دون غيوم تقربها وتعكّر إشراقتها في الأجواء، تسلّلت خيوطها الذهبيّة بالأركان حتى وصلت إحداها إلى حيث تستلقي سارة على السرير نائمة، فأزعجتها وأَبَت إلا ان تُشتّت سُباتها، أخذت رموشها ترفّ عدة مرات قبل أن تستيقظ بالكامل فنهضت ثم فركت عينيها بينما تتثاءب بنعاس، ما ان أزاحت أصابعها عن عينيها حتى حادت ببصرها نحو الباب لتقطب جبينها باستفهام؛ حيث لم تسمع بعد طرقات خالد على الباب لدعوتها إلى الطعام كما اعتادت منذ أربعة أيام من مكوثها هنا، أزاحت الغطاء عنها ثم وقفت عن السرير وسارت بهدوء نحو الباب، تردّدت لثوان قبل أن تُدير المقبض لينفتح الباب ثم تراقب من خلفه الأجواء التي بَدَتْ هادئة مُظلمة، لا يُنيرها ضوء الشمس بسبب النوافذ المُغلقة، فهمت سريعا كون خالد لم يستيقظ بعد وإلا كان ليفتح النوافذ لإيصال الهواء النقيّ بأرجاء الشقة، وبدلا عنه تولّت هذه المهمة اليوم فأضاءت الشقة مستنشقة من هواء الطبيعة ومُستمدّة طاقتها من قوة الشمس الصباحيّة، التفّت بجسدها نحو المرحاض فغسلت وجهها ثم جفّفته واتجهت بعد ذلك إلى المطبخ
خرج خالد من الغرفة بينما يتمطّأ محاولا فكّ انقباض عضلاته ثم سرعان ما وضع يديه على عينيه يخبئهما من جدائل الضوء التي عمّت بأرجاء الصالة المتوسطة، أغمض عينيه عدّة مرات قبل أن يفتحهما ببطء ليتبيّن أن النوافذ مفتوحة _على غير اعتقاده_ التفت إلى الغرفة المقابلة فوجد بابها مفتوحا، عقد جبينه بتساؤل ولم يفهم بعد ما يجري حتى أُزيحت علامة الاستفهام سريعا مع صوت سارة القادم من المطبخ:
_ صباح الخير يا خالد
التفت إلى مصدر الصوت ليجد سارة آتية ومعها صينية بها بعضا من أطباق الطعام في حدود المُتاح مع ابتسامة خافتة تزيّن محياها، أخذ يرقبها بينما تقترب قائلا بنبرة عادية:
_ صباح النور
انحنت لتضع الصينية على الطاولة ثم أمسكت بطبق منها مع رغيف خبز وأكملت:
_ أنا حضرتلك الفطار
أخذ يتأمل ملامحها الهادئة وابتسامتها الغير اعتيادية بينما يقول بامتنان:
_ شكرا يا سارة
اكتفت بإيماءة صغيرة من رأسها ثم اتجهت إلى غرفتها حيث أغلقت الباب ثم شرعت في تناول الطعام دون أن تشعر بمذاقه، لا تعلم ما السبب وراء ذلك؟ فقد طاوعت قلبها وقابلته بإشراقة بعدما اعتاد الغضب من جانبها بعد تلك المحادثة، ولكن لم تَنَلْ رضا القلب بعد فماذا يريد هذا الخافق المجنون إذا؟! إن كان بمحسوبه أن تعود للكلام معه وتحويل النار التي نشبت قبلا بردا وسلاما فإن هذا لن يحدث ولو على جثتها، وهي في ذلك تسمع للعقل حتى يتراجع خالد ويعود إلى زوجته سما، وتختفي هي من حياته إلى الأبد فلا تكون سوى نكرة لا يذكرها أبدا!
صاح العقل بغضب:
_ تبا لك أيها القلب صاحب السلطة رغم انعدامها! لا تملك حق التحكم في هذا الجسد ومع ذلك تتحكّم! خفقاتك المتسارعة تُعرب وبوضوح عن احتجاجك على أحكامي وما أراه صائبا! لِمَ تريد هزّ سلطاني لتملك أنت زمام الأمور وتوقع صاحبتنا في المهالك من جديد؟! دعها تسمع كلمتي حتى تصل إلى الأمان دون ضرر يُذكَر
أجابه القلب ثائرا:
_ ما وَصَلَت إليه صاحبتنا لم يكن أمانا مطلقا وإنما كان جحيما! أن تتنعّم بلحظات الحب ساعة خير من سنوات من الاحتراق بنيران القهر والفراق، لقد تكلمتَ بما فيه الكفاية والآن اترك الحكم لي
وبعد فوز القلب بهذه المناقشة وقفت سارة عن مجلسها ثم سارت حتى خرجت من الغرفة لتجد الطعام بالطاولة كما هو دون قطعة منقوصة، عقدت جبينها بتعجب ثم حادت ببصرها نحو الشُرفة لتجده يقف هناك يرتشف من كوب الشاي الخاص به بينما يستند بظهره إلى الحائط شاردا منعزلا حتى لم يميّز صوت الباب حين خرجت من الغرفة، تقدّمت منه حتى صارت مقابلة له لينظر إليها بهدوء اكتسى جميع معالمه، ازدردت سارة ريقها قبل ان تقول متعجبة:
_ إنت ليه شربت شاي من غير ما تاكل؟!
_ ماليش نفس دلوقتي
قالها بذات الهدوء الذي أثار قلقها حقا مما جعلها تتساءل بخوف:
_ مالك يا خالد؟ في إيه؟
تحدث بشئ من اللامبالاة:
_ مافيش حاجة يا سارة، أدخلي أوضتك
أردفت بعتاب:
_ عليا انا برضه بتكدب؟!
أجابها بالصمت الرخيم بينما يرمقها بحزن يسكن بين جفونه المتهدلة وكأن هناك ما يؤرّق ذهنه بالفعل، اقتربت منه أكثر حتى أمسكت بكفّه بين أناملها كمحاولة ضعيفة لاحتوائه بينما تردف بدفء:
_ مالك يا خالد؟ إنت لسة زعلان من اللي حصل من يومين؟
هزّ رأسه بينما يقول نافيا:
_ لا طبعا أنا نسيت الموضوع خالص
عادت تسأله دون أن يتسلل اليأس إليها:
_ طب في حاجة جديدة هيعملها طليقي وسهى؟
_ لا بس...
صمت للحظات وقد أراد مراجعة نفسه للمرة الأخيرة قبل أن ينطق بذلك، سلّط بنيّتيْه بعسليّتيها ليجدهما ترجوانه الإجابة، فما كان منه سوى التكلم بوجوم:
_ سهى حامل
_ إيــــه؟!
كان ذلك صوت سارة الغاضب المستهجن بعدما سمعت من كلمات ظنّتها حقيقيّة، فاعتلت الحيرة عينيها بينما انفغر فاهها إلى آخره وقد شعرت أنها بكابوس لن تستطيع الهرب منه، أكمل خالد بعبوس:
_ إختارت التوقيت المظبوط عشان تقتل اخوكي بعد ما تورث فيه هي وإبنه
صاحت سارة بنزق:
_ إبنه؟!!
التفت إليها خالد بينما الدهشة تحتلّ معالمه من كلمة سارة الأخيرة والتي تعدّ أبرك من مقال حيث أكملت موضّحة بغضب:
_ أخويا ما بيخلفش يا خالد
