رواية الغضب الاسود الفصل الرابع عشر 14 بقلم الكاتبة كوين اسمهان
الفصل 14|شتاء عينيها!
وضع هارولان قطعة الخشب التي سينحتها، مفكرًا في شكل معين يستلهم منه تحفته الجديدة، إنها أكثر هواية يحبها بعد ترويض الجياد و البقر، النحتُ على الخشب، تسحبه هذه الممارسة تحت أشرعة الليالي إلى عالم خاص به وحده، دقُّ الإزميل بالمطرقة يجعله يستعيد سيطرته على أعصابه، و نفخه بين حين و آخر على الرذاذ المتطاير يمتص غضبه، و إحداثه خطوطا و أشكالا شتى بين ثنايا الخشب يفتح أمامه آفاقا كثيرة لتأمل الحياة و ليكون هادئا متصالحا مع نفسه، هكذا كان دوما يمضي سهراته، يرتشف قهوته المُرَّة و يتحدث بلسان المِنحت و المِدَق.
9
رفع رأسه فجأة مستغربا الطرقة الغريبة التي استرعت انتباهه، هذا ليس السيد لي حتما! لا شكَّ إذن أنها إحدى الخادمات، عقد حاجبيه و عاد إلى تأمل قطعة الخشب مفكرًا، لو تبين أنها ساري الساذجة، سيحرص على منعها من اللهو مع ريك جونسون، فهو أيضا ليس مستعدا في الوقت الراهن لطرده و البحث عن مروض آخر في مثل كفاءته.
+
"يمكنك الدخول".
+
قال ذلك بلهجة عادية دون أن يتحرك من خلف مكتبه، منتظرًا توبيخ الخادمة و وعظها، دار مقبض الباب بهدوء، و فوجئ بماريغولد تدخلُ حاملة شيئا ما، تبا لذلك الشيء الذي تحمله! إنه لا يستطيعُ الانتباه سوى للحُسن الذي يطفحُ من كل قسماتها، لا شيء... لا شيء ينافس هذه المخلوقة قوةً و رقةً و بهاءً! لا شيء يشبه جرأة عينيها البندقيتين و لمعان شعرها المسترخي فوق كتفيها، كانت على وجهها أجمل ابتسامة رآها في حياته!
3
استجمعت ماريغولد كل قوتها لتتقدم نحوه، و تضع الصينية على المكتب، الآن فقط... أدرك أنها هي التي أحضرت له فنجان القهوة! بل فنجانين! و لكن... ألم تكن نائمة بجوار لِيو؟ هل هي حقا تقف أمامه الآن... أم أنه فقد صوابه؟ استفاق من شروده، أيقن أنه لا يتخيلها، و بدأ الغضب فورا يتشكل على وجهه، فسبقته بالكلام قبل أن يطلق عاصفة من الألفاظ القاسية:
1
"يُقالُ أن القهوة أفضل رفيقة للدردشة".
12
أشاح عنها مرسلاً نظره عبر النافذة، و علق بجفاء و مرارة كأنه يحدث الليل بدلاً منها:
+
"لم أعرف في القهوة سوى رفيقة للوحدة".
9
جلست قبالته بهدوء، التقطت فنجانها تحت نظره الحاد، و سرقت رشفة سريعة مبتهجة بطعم القهوة الممتاز، راقبها بهياج مكتوم، و أنفاس متصاعدة، بينما خاطبته هي محتفظة بابتسامتها المشعة:
+
"لا أرى أنك وحيد البتَّة!".
3
رفع حاجبيه، فأضافت و ابتسامتها المذهلة تتسعُ أكثر كاشفة عن أسنانها الشبيهة بصفين من اللؤلؤ المنضود:
+
"حولك قلوب رائعة، لِيو الصغير، هانا الطيبة، السيد لي و درره الفذَّة، و هناك أيضا الخادمات اللطيفات اللاتي يحلقن هنا و هناك كفراشات جذلى من أجل راحتك، و الرعاة الأقوياء...".
4
قاطعها باستهزاء:
+
"هل ستحدثينني عن أهل مزرعتي أفضل مني؟".
4
رمقته بنظرة ثابتة، و أردفت في لهجة ساخرة:
+
"عظيم! ها أنت تعتبرهم أهلك في نهاية المطاف".
+
احتدَّت نظرته، و ردَّ مدافعا عن نفسه أمام اتهامها المبطن:
+
"كل شخص ينتمي إلى أرضي، هو أهل لي و أنا أهل له".
7
تابع ممتعضا و هو يغرزُ مقدمة الإزميل المدبَّبة بقطعة الخشب:
+
"أنا لا أنظر إلى من يعملون لدي نظرة طبقية سخيفة!".
2
تمسكت بهدوئها أمامه، لاحظت أنه حليق الذقن، و يرتدي ثيابا قاتمة كالعادة، و أنه لم يلمس فنجانه بعد، ارتشفت جرعة ثانية من قهوتها، مفكرة فيما كانت ستناقشه حوله قبل قليل، و قالت مغيرة دفَّة الحديث تماما:
+
"في طفولتي... توعَّكت صحة أبي، و جعله ذلك ملزما بالإبتعاد عن السكَّر، حضَّرتُ له القهوة مُرَّة كما أشار طبيبه، ثم قرَّرت أن أشاركه بها رغم أنها أكثر شيء أمقته آنذاك، كان أبي يشاركني مرارة الأدوية حين أمرض أيضا، لهذا قلتُ في سري: «لِمَ لا تجمعنا المرارة مثلما تجمعنا السعادة؟» سكبتُ لنفسي فنجانا أيضا، و تجرَّعت محتوياته بصعوبة مدعية أن المذاق رائع، و في الحقيقة كان أسوء من السم! لكن أبي كان سعيدا بوجودي قربه، و بالمرارة التي وحدتنا! و منذُ ذلك اليوم أصبحت القهوة المُرَّة جزءً لا ينسلخ عني، أفتتحُ بها صباحاتي، و أجعلها مسك الختام لأمسياتي!".
18
"كفى!".
2
قذفها بنظرة عصبية مقاطعًا كلامها، ثم أضاف من بين أسنانه:
+
"لا أريدُ سماع أي شيء عن طفولتك، أخرجي من هنا فورًا!".
74
لم تسمح ماريغولد لتعليقه العنيف بأن يثنيها عن عزمها، تذكرت ما قاله السيد لي في المطبخ: «ربما حان الوقت كي يسمع من أحدهم ما يخشى الاعتراف به حتى لنفسه!»، و قالت بقوة:
+
"لن أخرج! أنت مضطرٌّ لسماعي سيد كينغ، لعلك تعتبر كل شخص هنا جزءً من عائلتك، لكنك للأسف تبقي نفسك وحيدًا و بعيدًا عن هذه العائلة!".
19
جمحت شعلتان في عينيه السوداوين، و لم تُلقِ ماريغولد لذلك بالاً، بل استمرَّت تقول بنفس الوتيرة:
1
"هل قلت هم أهل لك و أنت أهل لهم؟ أنا لم أرَ شيئا كهذا! أنتَ لا تبتسم لأي شخص هنا حتى! أنتَ إنسانٌ مليءٌ بالمرارة و الظلام، و لا تفقه أدنى شيء عن العائلة الحقيقية!".
7
ابتسمت لوجومه، و مشطته بنظراتها مستطردة:
+
"أقرُّ بأنك سيد ممتاز، راعي بقر من الطراز الرفيع، ربُّ عمل صارم نظامي، و رجل أعمال فاحش الثراء واسع النفوذ، حتى أنك تؤثر في اقتصاد البلاد! مثلما تؤثر في حياة من حولك هنا... لكن... بشكل سيء!".
6
كافح هارولان نفسه طوال ذلك الوقت، فيما واصلت ماريغولد قولها غير عابئة بالحال العصبية التي يختبرها، و هي تعبث بأناملها فوق حواف الفنجان:
+
"العائلة التي لا تتبادل الإبتسامات و لا تتقاسمُ آلامها و مرارتها ليست عائلة، و الحديقة التي لا ورود فيها من غير الممكن أن تكون حديقة كاملة، و الغرفة التي تفتقرُ للألوان و الألعاب يستحيل تسميتها غرفة أطفال، تفحصتُ خزانة لِيو هذا المساء و لم تكن بها قطعة ثياب واحدة ملونة أو حتى لعبة تسليه كأي طفل طبيعي! لقد فرضتَ على حياة طفل في الخامسة من عمره نمطا سوداويا لا بهجة فيه، و تُسمي نفسك أهلا له؟".
26
انفجر شيءٌ ما فيه، ترك مقعده و التفَّ حول المكتب لينتزع الفنجان من بين يديها و يضعه على الصينية بعنف، حدق فيها بوحشية جديدة عليها، و علمت أن غضبه أخذ منحى خطيرا حين أمسك ذراعيها بكلتا يديه، و سحبها لتقف مثله، ثم نشب أنامله القاسية في جلدها الناعم، و ضغط بشدة، زمت ماريغولد شفتيها متحملة الوخز الفضيع الذي شعرت به تحت يديه، لكنها لم تصدر أنَّةً واحدة، راح هارولان يصرخُ و يهزُّها كأنها مجرد سوط خنوع يجلد بواسطته أطيافًا يكرهها:
6
"وفِّري ألوانكِ اللعينة لبيت الزوجية الذي كنتِ تنوين بناءه مع ذلك الهارب الأرعن! لِيو و حدائقي و أنا و كل ما على أرضي... لا يعنيكِ! لا حاجة بنا لفلسفتكِ الفارغة في الحياة".
6
تواصل ضغطه المهلك على ذراعيها، و هو يضيف صارخا بوجهها:
+
"لِيو لم يطلب شيئا من ذلك، لو طلب العالم لما تأخرت... و لوضعته بين يديه!"
5
ناضلت لتقول بصوت متهدج:
+
"و هل منحته فرصة ليطلب أو يختار بنفسه ماذا يريد؟ منذ قليل فقط... عجزتَ عن تلبية أبسط طلب لديه، حرمته من أكثر شيء يتوق له أي طفل يتيم، و رفضت أن تحدثه عن أمه!".
16
كشَّر لاعنا:
+
"أفهمُ أنكِ كنتِ تدَّعين النوم!".
9
تحدَّته مجيبة رغم الألم الذي حاصرها من كل صوب:
+
"أجل! كنتُ أدعي النوم، يمكنك أن تشعر بأنك ضحية و مخدوع لأن حيلة نومي انطلت عليك، كان يجب في كل الأحوال أن أكتشف إلى أي حد أنت أسود حتى مع أقرب شخص لك!".
11
تمخضت عن إلتواء شفتيه تكشيرة ازدراء متعالية، و غرز أنامله أكثر بجلدها، فالآن... استنفذ هارولان كل ما لديه من صبر و سيطرة، و أصبح غضبه الجنوني طليقا، شعرت ماريغولد أنها تجابه بجسدها الضعيف ريحا عاتية سرعان ما ستطيح بها، و قاومت باستماتة دموعا ملحة خلف ستائر عينيها المتجالدة، مصغية إلى خشونة طاحنة تحملها كلماته:
+
"اللعنة عليكِ! لقد سمَّمتِ عقله بقصصك السخيفة عن الأم، و فتحتِ داخله جراحًا لن ينجو منها لاحقا!".
+
عقبت بجرأة:
+
"ربما الجراح التي فتحتها ليست إلا داخلكَ أنت!"
7
تطاير الشرر من عينيه، و زمجر ساحقا ذراعيها:
+
"ماذا تعرفين عني؟ ماذا تعرفين عن شعور طفل يتيم؟".
6
شعرت ماريغولد أنها لن تتحمل أكثر الألم الذي تعيشه، و قِسرا تشبثت بالصمود مردفة:
+
"أعرف... ما يكفي!".
3
انجلت غشاوة الغضب عن عيني هارولان حين انزلقت نظراته إلى يديه الضاغطتين على ذراعيها بلا رحمة، لمح دماءً تسيلُ بين أصابعه، فاتسعت مقلتاه، مدركًا أنه تمادى في انفعاله، و اقترف في حقها أذىً لم يقصده، أين كانت بصيرته و هو يؤلمها بهذه الوحشية؟ صارع نفسه في الأعماق، و لعن يديه المخضبتين بدمها، قبل أن يهمس لها مضطربا:
+
"هذا... أنا... أنتِ...".
17
اللعنة على يديه و لسانه معا، ما هذا الجنون الذي صدر منه؟ إنها المرة الأولى التي يؤذي فيها مخلوقا ضعيفا لا يستطيع رد أذيته، و المرة الأولى التي يشعر فيها أنه مذنب في حق امرأة! عجبا! إنه الآن يتألم لألم امرأة! و يستاء من أجل امرأة! من أجل امرأة عجيبة! دنا منها ليتفقد ذراعيها فتراجعت بسرعة، و إثر حركتها الدفاعية قال غاضبا من نفسه:
+
"أنا... لن أؤذيك!".
22
ظلت مكانها، و فكر هو أنها لن تطمئن له بسهولة بعدما بدر منه، فعاد ليقول ثانية بصوت بارد:
+
"لديَّ جانب مؤذٍ كالزجاج المكسور، أُبقيه بمنأى عن العائلة، فلا تحتكي به!"
7
خطا نحو الباب متابعا قوله:
+
"لا تتركي المكتب، سأجلب صندوق الإسعافات من البيت".
13
لسبب غريب، أطاعته ماريغولد و لم ترغب بالمغادرة بعد ذهابه، انتظرته و هي تلتقطُ أنفاسها لاهثة مما حدث بينهما، أجل! كانت معاملته لها عنيفة، لكنها لا تهتم، ستمنحه فرصة ليعتذر، و لو أن الاعتذار يبدو شيئا بعيدا عن أمثاله. جالت ببصرها فوق طاولة مكتبه ملاحظة للمرة الأولى عُدَّة النحت خاصته و قطعة الخشب، فتساءلت: هل هكذا يُروض غضبه في عزلته هنا؟ لكنَّها تجمدت فجأة حين رأت على طرف الطاولة شيئا آخر لم تتوقعه!
12
فتح هارولان باب المكتب مجددا، و استغرب رؤيته لها متكورة على الكرسي تنكس رأسها، تضغط بيديها على صدرها، و ترتجف مجهشة بالبكاء! وضع الصندوق جانبا، ثم أسرع إليها و انحنى أمامها يتساءل:
1
"ماذا بك؟".
+
لم تتحرك، و لم تجبه، كأنه لم يكن هناك قط، تواصل نشيجها القوي الذي أثر به إلى حد لا يطاق، فهمس:
+
"أنظري إلي! هل تتألمين كثيرا؟".
18
الآن فقط أمسكت نشيجها قليلا، و رفعت رأسها إليه كاشفة عما يؤلمها، و كم كان منظر بكائها خانقا له، وجد هارولان أن من المستحيل تأمل شتاء عينيها دون أن ينقبض صدره و تتلوى روحه مع كل دمعة تذرفها! تأرجحت عيناها المحمرَّتان بينه و بين الإطار المكسور الذي كانت تحتضنه، و تمتمت بنبرة مهزوزة:
6
"إن كنت تسأل عما تقترفه يداك... فأجل، إنه مؤلم جدا! لكن الألم لم يعد في جسدي الآن، روحي هي التي تتألم، و هذا الصندوق الذي أتيت به لن يسعف روحي أبدا!".
9
تركت مكان جلوسها و انطلقت نحو الباب لا تلوي على شيء، غير أن هارولان أمسك معصمها و أدارها إليه قائلا:
+
"انتظري! جراحكِ... يجب أن...".
2
قاطعته ماريغولد بصوت ممزق، و الدموع لا تزال تنزلق على وجهها:
1
"عن أي جراح تتحدث؟ لقد كسرت أشياء كثيرة مع صورة أمي الوحيدة التي أملكها، و مع هذه الأشياء و هذه الصورة... كسرتني أيضا!".
38
في غمرة صدمته مما استوعبه، استلت يدها من قبضته، و فتحت الباب راكضة إلى البيت، لحق بها هارولان، و على عتبة غرفتها كاد يدركها، إلا أنها صفقت في وجهه الباب، و انهارت مواصلة بكاءها المرير. مكث هارولان أمام غرفتها لوقت طويل يفكر فيما جرى للتو، لم يحدث هذا من قبل! لم يسبق أن أدار له أحدهم ظهره و صفق بابا أمامه بهذا الشكل! هل حقا أغلقت امرأة الباب في وجهه؟ هل حقا آلم روح هذه المرأة و كسرها؟ و هل حقا كان السبب في تشويه الصورة الوحيدة التي بقيت من أثر أمها؟ تحرك بشرود راجعا إلى مكتبه، و أيقن أخيرا أن صاحبة تلك الأغراض الثمينة ليست إلا أمها المتوفاة!
23
كانت العودة إلى مكتبه كدخول الجحيم، ذرع المكان جيئة و ذهابا، و التقط فنجان قهوته لعل مرارة البن تطرد عنه مرارة التوتر، لكن المذاق كان عجيبا، مرارته ساحرة، مألوفة و غريبة في آن واحد، أهذا عطرها في الفنجان؟ فتح عينيه على وسعهما موقنا أنه أخطأ و ارتشف من فنجانها، راوده شعور لا يُفسر عندما تحسس بأنامله آثار شفتيها على حافة الفنجان، ثم أطلق شتيمة و وضعه ثانية مكانه بقوة حتى كاد يكسره، ماذا الآن؟ هل يكرهها... أم يكره ألمها؟ دخل عليه الخادم فجأة ليأخذ الصينية، خطا بهدوء نحو السيد، و انحنى ملتقطا ما أتى من أجله في صمت، و عندما أصبح على أهبة المغادرة، سأله هارولان بنبرة معذبة لأول مرة:
+
"سيد لي... كيف يمكنكَ إسعاف روح آذيتها بنفسك؟".
10
تنهد الخادم مطرقا، ثم أجاب:
+
"إسعاف الروح أصعب بكثير من إسعاف الجسد، من الصعب أن نغلق الجراح التي فتحناها بأنفسنا، لكنه ليس بالمستحيل! ربما لا نستطيع إستعادة الكلمات الجارحة التي تفوهنا بها، إلا أننا نستطيع تضميد الروح الجريحة بكلمات ٱخرى طيبة... أو بأفعال جميلة تحول الدمعة إلى إبتسامة، إننا نستطيع دائما أن نحاول".
19
قضت ماريغولد ليلة عصيبة، تقطع نومها كثيرا، و راودتها كوابيس مفزعة، و وسط الكوابيس أتاها شخص ما مسح على شعرها بحنان، و تمتم في أذنها بشيء مبهم، لقد شعرت به، هل يعقل أن والدها زارها في الحلم؟ وقفت عند بكرة الصباح أمام المرآة تتفحص وجهها الشاحب، اكتشفت تورم جفنيها بسبب البكاء و الأرق، إلا أنها ضربت بذلك عرض الحائط، و حزمت حقيبتها لتغادر فور انتهاء حفل ذكرى زواج السيد لي، فهي رغم ما عانته ليلة أمس لم تنسَ وعدها للطفل. لاحظت وجود صندوق الإسعافات فوق المنضدة الجانبية للسرير، و أيضا اختفاء صورة أمها! غضبت بشدة إذ خمنت أن هارولان هو من أخذها! غيرت ثيابها، و حرصت على ارتداء قميص طويل الأكمام ليخفي جراح ذراعيها، ثم اندفعت خارج الغرفة باحثة عنه لتضعه عند حده، لكنها فوجئت بلِيو يركض نحوها و يسحبها باتجاه المطبخ ليريها ما تحضره الخادمات!
1
دفعت سيدني هانا خارج المطبخ بكلتا يديها مرددة:
+
"هذا يكفي! لا عمل لكِ اليوم، استمتعي بهذه المناسبة السعيدة، و سنتولى نحن كل الترتيبات".
1
"و لكن...".
+
احتجت الطاهية بقلق، فساندت تِيا زميلتها قائلة:
+
"هيا هانا لا تقاومينا، آديا تنتظرك في الغرفة لتعتني ببشرتكِ و تصفف لك شعرك".
+
دنت منها، و أضافت هامسة:
+
"اخترنا لك ثوبا سيحيي شعلة الحب في قلب السيد لي من جديد!".
19
دلفت ماريغولد المطبخ رفقة لِيو في تلك اللحظة، و سألت عما يمكن أن تساعد به، و رغم أن ساري و سيدني رفضتا أن تشغلا الضيفة بأي مهمة، لكن عناد ماريغولد الشهير كانت له الغلبة، و انتهى بها الأمر تقترحُ أن تعدَّ بنفسها قالب الحلوى الخاص بالحفل!
+
"هل أنتِ جادة؟".
+
تساءلت سيدني، و استتبع ذلك تساؤل ساري:
+
"هل تستطيعين حقا إعداد قوالب الحلوى الكبيرة؟".
+
أومأت ماريغولد مبتسمة، فضحكت الخادمتان بعيون دامعة، و قالتا على التوالي:
+
"جيد! لأننا سبقناكِ بالمحاولة... و أحرقناه في الفرن بسبب إهمالنا".
13
"و لهذا كنا نطردُ هانا من المطبخ حتى لا يُروِّعها هذا المنظر البشع، و يخيب أملها بنا!".
4
طمأنتهما ماريغولد بثقة بالغة:
+
"اعتمدا علي!".
3
أعارت سيدني مرولتها للطاهية الجديدة، و سرها أن تريح ساقيها من الوقوف قليلا، و تتصفح واحدة من مجلات آديا أو إحدى روايات تِيا التي تستعيرها دون إذن و تنسى إعادتها! رفعت ماريغولد لِيو و أجلسته على طرف من المقصف ليشاهد مراحل العملية عن كثب، لفت أعلى رأسها بمحرمة، ثم كسرت البيض داخل وعاء كبير و بدأت تخفقه بسرعة، و هي تتذكر ما كانت تعده من حلوى لوالدها، حسنا! كان كل ما أعدته له خاليا تماما من السكر... لكنه كان حلوًا بطريقة ما، يبهجه و يثلج صدره! ابتسمت لذكرياتها و أضافت للبيض المخفوق بقية المكونات مواصلة تحريك الآلة الخفاقة بشكل دائري، فيما راحت ساري تدندن لحنا محليا يروي أسطورة الحلم الأسترالي العظيم (أسطورة يؤمن بها الأستراليون الأصليون).
+
وقف هارولان على باب المطبخ مراقبا المشهد بذهول عميق، كان يبحث عن صغيره لِيو، و ها هو ذا هنا رفقة هذه المرأة كما توقع، تقصى وجهها بدقة، مستكشفا آثار دموع الأمس، و التي ناقضت ضحكة ثغرها الجذابة، يا لهذه المرأة المميزة! إنها شيء مختلف! امࢪأة لا يهدأ الشتاء في عينيها، و كل ابتساماتها ربيع، تتدفق كالضوء، ترسم خصلات شعرها أعاجيبا على أدراج النسيم، كالوردة يزرعها الحب، و يسقيها الزمن، لا تكبر مهما سافر بها العمر، و كلما نظر إليها... تبخر غضبه و رأى طفلة خُلقت من الغيم!
8
"هل اخترتنَّ باقة الورود التي سيقدمها السيد لي لزوجته؟".
+
سألت ماريغولد و هي تزيح خصلة من شعرها جانبا فلطخت جبينها بمخفوق الشوكولاتة مما أضحك لِيو و سحر خاله، أجابت ساري بحزن دون أن تنتبه لوجود السيد:
+
"ليت ذلك كان ممكنا، السيد كينغ سيغضب إن رأى شيئا كهذا، الورود محرمة هنا!".
17
"محرمة؟!".
+
عبست ماريغولد مفكرة، لهذا السبب إذن لا أثر للورود في الحدائق، و لكن لماذا؟ أي كآبة يعيش فيها هذا الرجل؟ إنه و بكل أنانية و عجرفة يفرضها على خدمه أيضا! سألها لِيو و هو يلهو بالفواكه كالبهلوان:
+
"هل تحبين الورود يا ماريغولد؟".
+
"كثيرا!".
+
كان هارولان على وشك المغادرة متضايقا من سيرة يمقتها، لكن صوت ماريغولد سمره مكانه، فأطرق مصغيا لكل كلمة:
+
"كنتُ أزرعها و أعتني بها على الدوام مع والدي في بيتنا، عتبات البيت و نوافذه و الفيرانده لم تكن تخلو من شجيرات الورود الزاهية، التي تضجُّ حياةً و بهجة".
8
سافر خيالها إلى ذكرى طريفة، فضحكت مستأنفة قولها:
+
"و كنتُ أخاطبُ كل وردة بما ترمز له".
3
طرف الطفل بجفونه مستفسرا:
+
"و هل للورود رموز؟".
+
"هذا مؤكد، كل وردة تختلف عن غيرها بلونها و عطرها و شكلها و برمزيتها أيضا، الليلك مثلا يرمز للحب الصادق، و النرجس يرمز لحب الذات و تقديرها، و القرنفل الأبيض يرمز للعفة و النقاء، بينما يدلُّ الأوركيد الأبيض على الندم و الإعتذار! و لا يزال هناك الكثير و الكثير".
56
"هذا جميل!".
+
تمتم لِيو منبهرًا، و علقت سيدني ذاهلة:
+
"يبدو أنكِ مزارعة ممتازة آنسة ماريغولد!".
+
توردت وجنتاها مردفة على الإطراء:
+
"لستُ بمستوى أبي، لكنني تعلمتُ بفضله و بفضل دراستي الكثير عن النباتات و خاصة الورود و الأزهار".
3
عند أذيال تلك العبارة، أعلن هارولان عن وجوده متقدما بخطوتين داخل المطبخ، فران صمت ثقيلٌ في المكان لم يقطعه سوى لسان لِيو العفوي:
+
"خالي، من الرائع أنك هنا، تعال و ألقِ نظرة، ماريغولد تُعدُّ قالب الحلوى بنفسها!".
+
تفاجأت الخادمتان باقترابه منها فعلا، و فكرت سيدني في سرها مصعوقة: «لعمري! ما رأيتُ السيد كينغ يفعل هذا و يلقي نظرة على ما تعده هانا من قبل! هل تغيرت مواقع الكواكب أم ماذا؟»، توقف على بعد سنتيمترات منها مراقبا حركات يديها، ارتعدت فرائص ماريغولد من قربه المفاجئ، و وثبت بعينيها إلى عينيه، حين التقط منديلا ورقيا و أزال بقعة الشوكولاتة عن جبينها، تشابكت نظراتهما، و لاحظ كل منهما عذابا كامنا داخل الآخر، خفض بصره إلى ذراعيها، لكن... سُحقا! لا يمكنه معرفة وضع جراحها بسبب هذه الأكمام اللعينة، كزَّ هارولان على أسنانه، و أشاح عنها مخاطبا الطفل:
7
"هل أنت جاهز؟ سيرافقكَ هوجو بعد ساعة إلى بريدجتاون لتبتاع هدية من أجل الزوجين لي".
+
تذكر لِيو ما وعده به خاله من قبل، فابتسم لأنه أخيرا سيختار هدية لأحدهم بنفسه دون أن يتولى خاله ذلك عنه، و قال فجأة:
+
"أريدُ أن ترافقني أنت و ماريغولد!".
19
تبادلت ماريغولد نظرة شائكة مع هارولان، فسارع هذا الأخير للقول بوجوم:
+
"هذا غير ممكن اليوم، لدي عمل أقوم به".
4
عبس لِيو، فتابع خاله ناظرا إلى ماريغولد التي بدأت تسكب المزيج في القالب المختار:
+
"أما بخصوص صديقتك فبإمكانها مرافقتك بعد فراغها مما بين يديها".
3
قاوم هارولان حدسًا قويا يحثه على الذهاب برفقتهما أيضا، منح ماريغولد بطاقة إئتمانه و قلادتها التي ظلت معه منذ قرابة الأسبوع، و ترك المطبخ مستطردا:
4
"سينتظركما هوجو بعد ساعة في الخارج!".
3
تأكدت ماريغولد أنها زينت القالب بشكل ممتاز، و تراقصت الخادمات فرحا من روعة منظره و هن يضعنه في الثلاجة حتى موعد الحفل، بينما استمر حظر التجول في المطبخ يردع محاولات تسلل هانا و السيد لي، و كانت سيدني الأكثر ديكتاتورية بين زميلاتها، إذ حرست المنطقة المحظورة ببراعة قائلة لهما في كل مرة:
+
"القالب مفاجأة الآنسة ماريغولد لكما، لذا فاستراق النظر قبل التاسعة ليلا ممنوع!".
+
استغربت ماريغولد التغير الذي طرأ على السيد كينغ، و رغم الأذى النفسي الذي سببه لها أمس، غير أنها ابتسمت للقلادة التي ظنت أنها ضاعت، و وضعتها حول عنقها متحسسة تفاصيلها مرة أخرى، كم هو جميل أن تسترجع طوق الأمان الذي يذكرها بأمها، ربما شُوهت الصورة و كُسِر إطارها، لكن لا تزال معها أشياء أخرى تحمل عطر أمها، كالفستان و الحلقين... و هذه القلادة!
+
على بعد أمتار من البوابة الرئيسية لأرض كينغ، كانت تربض هناك سيارة أجرة مموهة، يشغل مقعد السائق فيها رجلٌ يرتدي ثيابا عادية، و يلعن عدم ظهور فريسته بعد، بلغه اتصال هام، فأجاب على الفور:
+
"نعم!".
+
"ماذا استجدَّ عندك رايس؟".
8
"لا شيء أيتها الزعيمة! كأن الأشباح تعيش هنا بدل البشر!".
8
زمجرت المتحدثة بحدة:
+
"لقد أنقذتك من بين يدي غولدمان، لذا... لا تخذلني! لأن لا أحد سينقذك مني! إما أن تنجح هذه المرة يا رايس، و إما...".
6
"سأنجح أيتها الزعيمة! أنا فقط بانتظار غنيمة تستحق العناء".
+
فرك حاجبه بإبهامه مستطردا:
+
"سيزحف إليكِ هارولان كينغ متوسلاً إن تمكننا من تنفيذ الخطة كما رسمناها!".
+
ردت عليه المرأة على الجانب الآخر بسخط:
+
"لا أحب تعداد غنائمي و أنا لم أفز بالحرب بعد! نفذ أولا... ثم حدثني عن زحف كينغ نحوي!".
4
تفقد رايس ساعة يده ضجرا، و تساءل للمرة الألف متى ستخرج الفريسة من هذه البوابة؟ إنه ينتظر منذ أمس ظهور ذلك الصغير، فهو على علم بأن لدى هارولان طفل، و لا تهمه القرابة بينهما، كل ما يهمه هو المال الذي سيُدفع له مقابل النيل من غرور كينغ، و الانتقام لنفسه على العلقة المهينة التي مُنِّيَ بها تحت قبضتي ذلك الراعي المتوحش و حذائه! قهقه رايس عاليا، و تمتم بخبث:
1
"سيكون الأمر مسليًّا، مجرد طفل... مقابل إنتقام مُرضٍ... و عشرين مليون دولار أسترالي!".
12
نهاية الفصل الرابع عشر.
+
