اخر الروايات

رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل الرابع عشر 14 بقلم نورهان ابراهيم

رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل الرابع عشر 14 بقلم نورهان ابراهيم


الفصل الرابع عشر "عاد ماضيه الأسود"!


                                              

فى شقةٍ فاخرةٍ تابعةٍ لـ "سفيان" . 


+



واقف أمام مرآته بكل هذه الجديـة الباديـة تلقائيًـا على ملامحـه المرتخيـة فى أقل الأحيان بحكم طيبعة عمله كـشرطـي ينبغي أن يكون على قدر كبير من الصرامة و الحزم، و الذان يليقان بـه و يعطيانــه جاذبية لا تقاوم. 

تأمل هيئتـــــه المتأنقــة فى زيــــــه الرسمــي، بنجومــــه الصفراء المعلقــة علـى كتفيه العريضين تدل على رتبته و تعطيـه مكانــة اجتماعيـة ترتجف لها القلوب و السيقان، و يحسـب لـهـا الكبير و الصغيـر ألف حساب. 

مرر أصابعـه الطويلـة فى شعره يمشطـه سريعًـــا، يحرك رأسه للجانبين ليرى إن كانت خصلاتـه جميعها مهذبـــــة أم لا. 

دومًــا ما يتركهـا مبعثرة قليلًا، يتعجب لنفســــــه كيف يتمكن من ضبط المجرمـين بينما يقف عاجزًا أمام هذه الخصلات المتمردة لنعومتها الذائدة! 

ضحكَ لتذكره لموقفــــه الدائـم مع "طلال" و الذى على الدوام يعلق علـى تسريحته ممازحًـا: 

_ بجد مش مصدق إنك قادر تمسك المجرمين و تحاسبهم و تخليهم يعترفوا و لحد دلوقتي مبتعرفش تسرح شعرك كويس. 

و كما أعتاد يكون رده بسيطـًا: 

_ واحد زيي كل وقته و اهتماماته لشغلـه، مش هيفرق معاه تسريحة شعره. 

و بالحديث عن" طلال" فإن حالته الجسدية فى تحسن مستمر، و قد كان "سفيان" يتردد علـى المشفـى فـى زيارات متقاربة ليخفف عنه جوها الكئيب و يتسامران أحاديثًا شيقة و كان ينضـم إليهما "فراس" الذي ظل ملازمًـا لـ"طلال" طيلة فترة خضوعـه للعلاج. 


+



مع انتباهـه من شروده القصيـر كان قد وصل للباب ففتحـه و خرج مغلقــا إياه بالمفتاح و مع استدارتـه تفاجـئ بمن ينتظره و يلوح لـه، مستندًا على سيارةٍ أتـى بها، و علـى وجهه ابتسامةً غبيـة، أو هكذا رآها "سفيان". 

........................................ 

تغلب على تفاجؤه، و تخطاه وكأنـه لم يره، لا، وكأنـه شفاف، وكاد أن يركب سيارتـــه لولا اليد التـى حالت دون فتح الباب حيث أغلقـه اثناء فتحه. 

رفع عينـاه الغائمتان بسحب الغضب فرآه لازال مبتسمًـا، هتف فيـه ضائقًـا: 

_ أوعـى من وشـي يا سامـي مش ناقصاك ع الصبح، و بعديـن مال فشتك عايمـة عليـك و بؤقك من الودن للودن. 

تحولت ابتسامة" سامـي" إلى قهقهات و اعتبر نبرته التهديدية مُزحـة. 

بينما قال مشيدًا بمظهره الآخاذ كأنـه لم يسمع تهديده: 

_ إيـه الشياكة دي يا عم البشوات كلهم. 

ارتفع حاجب "سفيان" بحدةٍ عفوية لم يتعمدها، بينما أكمل "سامـي" مُقيمًـا مظهره بعيناه و ناقدًا: 

_ بس لو تسرح شعرك لورا و تحط كريم مثبت أو جِل هتجنن عقل اللى يشوفك. 

و لمـا رأى نتيجـة عكسية لكلماتـه، أصر عليه بقولـه: 

_ صدقني بس و خد منـي. 

أزاحـه "سفيان" إلـى الجانب، ثـم أبعد كفـه عن باب سيارته ليفتحها و يدخلها غير مكترث بـه. 

و فى ثوانٍ و قبل أن يستوعب كيف و لماذا وجده يحتل المقعد المجاور لـه و يغلق على نفسه حزام الأمان بكل هدوء مُغيظ. 

_ إنزل يا سامـي و بلاش لعب عيال، ورايا بلاوي مايعلم بيها إلا ربنا. 

رن صوت "سفيان" يأمره بضيقٍ شديد، بينما أخذ يفتح الباب من جانب "سامـي" الذى أعاد إغلاقـه مستفزًا إياه عن غير قصد، قائلًا: 

_ لا، أنا جاي معاك، رجلي على رجلك. 

امتدت يد "سفيان" إلـى باب السيارة الثاني يغلقه بقوةٍ و عنف، و جذب سامـي من مقدمة "تيشرته" بحيث ينظر له بشكل مباشر و يخيفـه ، ليصير محصورًا ما بين حزام الأمان المشدود على جسده بفعل سحبه له و ما بين يده الغاشمة ، مستأنفًـا حديثه بــ همسٍ غاضبٍ: 

_ ولا شايفني رايح حضانة عشان تشبط فيا؟! انا لحد دلوقتي موريتاكش الوش التاني، سيبني أغور القسم عشان يومي مش ناقصك، كفاية الأشكال اللى بشوفهم كل يوم ، بلطجية و حرامية و قتالين قتلة، واخد بالك؟ رايح القسم، ها الـ إيه؟ 

رمش "سامـي" بعيناه كـ طفلٍ امسكته أمـه لتعاقبـه على مشاغبتـه، و ابتلع ريقـه، محاولًا إبعاد يد "سفيان" برفقٍ، لينطق بنبرة شبه راجية و ابتسامة مهزوزة حذرة: 

_ إنت مكبر الموضوع ليه؟! 

استمر فى محاولاته لجعله يتركـه و شأنـه، لأنه قد أخافـه بردات فعلـه و نظراتـه المرعبة، كشبحٍ ينوي التباسه، مكملًا كلامـه: 

_ كنت عاوز عربيتي اللى كنت سايقها وقت الحادثة، و إنت قولتلي هتعمل شوية إجراءات و تجيبها، بس استنيت كتير و موصلنيش منك حتى رنة فون. 

فك "سفيان" يده عن ياقة هذا المذعور، ليدفعـه قليلًا ناحيـة ظهر المقعد يعيد ضبط جلستـه، مربتًـا على كتفـه تربيتات عنيفـة، ليتمتم بتهديد: 

_ اتظبط و انت قاعد، و ياريت لسانك الحلو يفضل جوة بؤك احسنلك. 

شغل محرك السيارة، يزفر أنفاسـه باشتعالٍ، فها هو يوم جديد اُفسِدَ عليـه، تذكر أمر سيارة "سامـي" الذى أتى بها و كان يرتكز عليها حين رآه، ليسألـه فى صوتٍ به قليل من هدوء: 

_ هتسيب عربيتك هنا؟ 

ارتاح "سامـي" فى جلستـه باستمتاع بعدما هذب ياقته المنكمشة من ضغط هذا الضابط و سحبه لها منذ قليل، و رد عليـه بسماجة: 

_ و إيه ياعني؟ أكيد هسيبها هنا، عشان عارف إن محدش هيجرؤ يسرق حاجة من قدام بيتك يا باشا. 

ارتفعت زاويـة فم "سفيان" بنصف ابتسامـة تملؤها السخرية، و مع سير السيارة علق عليـه ساخرًا : 

_ وجهة نظر بردو. 

و العجيب فى الأمر أن "سامي" من كان يستميت ليستقل السيارة منذ لحظات قليلة، الآن يهتف فيه و يستوقفه بعيونٍ متسعة بادراكٍ لشيء ما، و بلهفةٍ طاغية: 

_ وقف، وقف بسرعة. 

أُثِيرت أحساسيس "سفيان" الأمنية، و تنبهت أجهزة الخطر فى شرايينه و فصوص عقله، ليدوس بقدمة على المكابح، فارتد جسدهما معًا للأمام بعنف و عادا مجددًا. 

كان "سفيان" الأقل تأثر من التوقف المفاجئ، حيث امتدت يده إلى جانبـه ليحوز سلاحـه الـشرطِي من الجراب الخاص به، رافعًا إياه يحركـه فى كل الاتجاهات بحذرٍ و ترقب. 

همسٍ فى صوتٍ خفيضٍ حاد: 

_ في إيه؟ شوفت حاجة غريبة أو خطيرة؟ 

_لا، بس .... بس افتكرت .... إني ... إني. 

تلبك "سامـي" و تلعثم فخرجت كلماته على هذا النحو، مما قلب كل تعبيراتٍ "سفيان" السابقة إلى شكٍ حديث، و راح يطالعه بنظراتـه التحقيقية، مستجوبًـا إياه بنبرته الرسمية التى يعتادها مع المتهمين، و بالطبع لم تخلو من سخريته المُبَررة : 

_ كنت ناسي إيه و افتكرته؟ مالك اتلجلجت كدة؟ اللى يشوفك دلوقتي ميشوفكش من شوية و إنت بترغي زي البراباند! 

انحدرت حبيبات العرق من جبينه على وجهه، و زاد ربكة و توترًا و بخاصة هذه العيون النافذة بنظراتها المتركزة عليه لا تنزاح عن وجهه لحظة! 

_ متنطق! 

لم يجبـه، بل و اندفع خارجًـا من السيارة فى ثوانٍ كما دخلها، و هرول إلى سيارته البعيدة قليلًا ملوحًـا بيده للخلف، يصيح بصوتـه العالي: 

_ اسبقني انت ع القسم، افتكرت مشوار مهم هعمله و احصلك، تكون انت خلصت كل الاجراءات و مضطرش استنى. 

رغم أن نبراتـه اتسمت كثيرًا من الثبات على عكس الأخرى منذ قليل، و إضافة إلى عقلانيـة مبرراتـه، إلا أن "سفيان" لم يقتنع بهـا، و ظل يحلل أفعال هذا الفتـى المتقلبة و المتسرعة، بينما عيناه أبقاها بشرودٍ على حزام الأمان الملقـى على المقعد الذي أصبح فارغًا بجواره، و تحرك لسانـه بهذه الكلمات: 

_ الواد ده وراه حاجة مش طبيعية، تصرفاته مش مظبوطة. 

............................................................. 

تنفس "سامـي" براحةٍ كبرى لإلفلاتـه من بين يدي سفيان، و ظل واقفًـا بقرب السيارة حتى لاحظ ابتعاده بالتدريج، حتى اختفى نهائيًا بسيارته.

و سريعًا فتح "سامـي" سيارتـه و أخذ من التابلوه علبـة صغيرة للسجائر، و تعلقت نظراتـه بها بطريقـة مريبة، كــ شخصٍ تعثر بـ كنزٍ بعد أن قضى عمره كلـه فى فقر مدقع. 

و عينيه المتوهجتين أظهرتا تلهفًـا غير طبيعي البتة، خاصة و هو يشتـم العلبة كالمدمن حين يتناول جرعتـه.

أخرج منها سيجارة ملفوفةٍ بإتقانٍ لدرجة أن الناظر لها لن يجد فرقًـا بينها و بين سائر السجائر، مررها أمام أنفـه مغمضًـا عيناه بإشتهاء يحادثها معتذرًا: 

_ آسف، سامحيني عشان كنت هنساكي. 

يتمنى لو يشعلها، و لكنـه استبعد الفكرة حاليًا بقولـه الهامسٍ همسًا شديدًا: 

_ ملعش بقى، هستنى شوية، لازم ابقى فى وعيي لحد ما أروحله، كمان مينفعش اخلى سفيان باشا يشك فيا، خصوصا و انا رايحله القسم. 

أعادها بقرب مثيلاتها من السجائر، و أضاف بنبرةٍ تقطر خوفًـا و رعبًـا: 

_ ساعاتها هكون روحت فى داهية ممنهاش رجعة، و أقول على زهرة شبابي يلا السلام. 

..................................................... 

"شركة المنسـي "


+




لجسده قدرة كبيرة على الشفاء ساهمت فى التآم جرح الطعنة فى بطنه رغم بقاء بعض الوخذات الخفيفة إذا تحرك بشكل خاطيء، إضافة إلى جهازه المناعي القوي لأنه يُحسن انتقاء طعامه المغذى، لاسيما قوته الجسمانية لكونه شاب رياضي. 

و ها قد "عادت ريمة إلى عادتها القديمة" كما يقول المثل المعروف و الأكثر شهرة فى كل البلاد العربية، فهو بمجرد تعافيه بشكل كبير عاد ينهك نفسه و يسحق راحته فى العمل و الذى صار رتيبًـا أكثر من السابق و روتينه أصبح مملًا بشكل غير معقول أو محتمل! 

يبدو أن فترة نقاهته عوَّدته التراخي و الخمول و الكسل الذين لم يكونوا ليجرؤا على الإقتراب منه، إذًا لماذا أصبحوا أصدقائـه الملازمين لأوقاته؟! 

ألقى بكل حموله النفسية خارجًا مع زفراته المتعبة، أثناء انشغاله بمطالعة الملفات المتناثرة على سطح مكتبه كأوراق الشجر المتساقطة أسفله فى الخريف، فلا مكان فى مكتبه حتى لموضع إصبع أو قلم! 

وزع نظراته ما بين أوراق الملفات أمامه، و على الجانب بجوارهم ملفات أخرى فى كومة، لا للصدق كانت مرتبة فى طبقات بعضها فوق بعض، كلما انتهى من ملف رصه هناك. 

بما أن حبيب القلب و المدلل "باسل" فى الاسكندرية يحظى بلحظاتٍ ناعمة يتواعد مع البحر و نسيمه الهادئ و سمائه الواسعة نهاراً، و ليلًا لديه القمر و النجوم، فكل الأعمال هنا فى العاصمة تكدست فوق رأسه هو، و هذا ليس عادلًا البتة. 

و بالتطرق لـشأن ابن خاله، رن هاتفه بنغمةِ أعملته من المتصل، فلكل رقمٍ يضع أغنية دينية أو دعاءًا مـا، ليعلم فورًا من يتصل به بدون إلقاء نظرة. 

المشكلة الآن أنه يسمع الرنين واضحًـا و لكنه يجهل أين وضع الهاتف وسط كل هذه الفوضى العارمة بالفعل! 

_ياربييي. 

قالها بصوته المتثاقل و المنهك، مُفشتًـا عن هاتفه بين كومة الملفات و فى درجي المكتب و أيضًـا بين الأوراق المتناثرة، زفر مستاءًا، و قد تحول الرنين إلى اهتزازٍ متواصل، ليشعر به تحديدًا فى فخذه، إذًا الهاتف منذ البداية كان فى جيبه! 

ياللسخرية! 

فضغط العمل بدأ يؤثر على تركيزه. 

مد يده فى جيبه مع توقف الاهتزاز، و قبل أن يعاود الطرف الآخر الرنين، طلب هو الرقـم و فتح مكبر الصوت ريثما يرتب بعض الأوراق المعينة مع بعضها فى غلاف ملفٍ آخر و قد قرأها كلها و وقع على ما يجب أن يوقع عليه. 

تناهى إلى مسامعهٍ صوته الحبيب يحييه: 

_ حبيب قلبي، إيه أخبارك؟ طمني. 

رص "طلال" الملف على الكومةٍ، ليجيب بنبرته القوية المتواري فيها تعبه الجسدي و المعنويٍ معًـا : 

_ كله تمام يا باسل، إنت اللى عامل إيه؟ 

................................................. 

الأسكندريـة، تحديدًا فيلا عائلة "الكيلانـي" التابعة للمرحوم "مهند الكيلانـي" والد "باسل". 

ركل حصواتٍ الرمل بقدمه الحافية، مستمتعًـا بملمسها الدافئ على بشرتـه، ضابطًا وضعية الهاتف المحمول على أذنه، يستمع بانصاتٍ شديد لما يقوله له ابن عمتـه" طلال"، عندئذ أجابـه بصوت حماسي: 

_ أنا الحمد لله ميت فل و اربعتاشر، إنت اللى عامل إيه؟ 

_ الحمد لله بخير. 

لم تعجبه نبرة "طلال" فالتعب فيها ظاهرًا، ليبدي شكوك نفسـه التى كانت تتلاطم فى عقله طيلة الأيام الماضيـة، منذ تلك الليلة المشؤمة ،و التى لم يصل حتى الآن إلى حلٍ لكل ألغازها المتشابكة ، فـ أردفَ بينما عيناه تنظران إلى السماء المشمسة : 

_ صوتك مش عاجبني، بقالك فترة بحسـه تعبان، مش النبرة اللى متعود عليها منك، تقريبًا من يوم مارجعت القاهرة، لو فى حاجة يا طلال ياريت متخبيهاش عليا، لإني بجد ساعتها هزعل منك و مش هسامحك. 

وصلته تلك التنهيدات الحارة، تبعها صوته النافي: 

_ أكيد مش مخبي حاجة عليك، أنا بس تعبان من ضغط الشغل، كمان وجودك بعيد عني بيسبب لي قلق و خوف عليك. 

استحسن "باسل" ما قيل له من عذب الكلام، فـ تراجعت شكوكه و انحصرت فى قلة قليلة من نفسه، و كـ نوعٍ من الرغبة فى إطالة الحديث معه للاستئناس بصوتـه فى ظل غيابـه و قلة الحوارات الدائرة بينهما مؤخرًا، أخذ منحى آخر من الحديث بقولـه المتحمس: 

_ قريب جدًا هكون عندك، أخلص بس شوية شكليات عشان اتمم على العمارة الجديدة، و ساعتها أقدر أقول إن المشروع انتهى بنجاح، بعدها هقرفك فى عيشتك يا طلال و مش هحلك غير لما تزهق منى و تقول حقي برقبتي، و هتتمنى أرجع أسافر تاني. 

ضحك "طلال" بعفويـة، ليرد عليه بودٍ: 

_ تعالى إنت بس و مليكش دعوة، اللى متعروفهش إن رخامتك وحشتني، و حسيت قد إيه وجودك جنبي فارق. 

همهم "باسل" بخفوتٍ راضٍ عن كل هذا الثناء الموجه لشخصه فى هيئة كلمات ممازحة، فقال بنبرته المرحة تلك: 

_ كسفتني، مش عارف أقولك إيه بجد على إحساسك الجميل. 

تجهم وجهـه و تبدل حالـه و بدى مغتاظًـا لما سأله "طلال" بهدوء مهتم لأمره :

_ باسل لسة محافظ على صلاتك و لا بتهمل فيها؟

_ طلال، إنت عارف كويس إنى عمري ما اقصر فى صلاتي مهما حصل، أنا أه ممكن أهمل فى شغلى لكن إني اقطع علاقتي بربنا ده اللى مش ممكن يحصل أبدًا. 

اتخذ لسانـه وضعية الهجوم و كذلك نبرتـه اكتسبت الحدة ، فما قاله كان رداً على سؤاله الـ "منكور" له. 

أتته تنهيدة ارتياح عبر الهاتف، فـ قد كان السؤال فقط ليزيد من حرصـه و محافظتـه على الصلاة لا للتشكيك فى تأديتها. 

تحدث "طلال" راضيًـا عن حال ابن خاله و موضحًـا موقفه له، و شاكرًا ربه: 

_ طيب الحمد لله، سؤالي بس عشان اتطمن عليك، مش عايز الدنيا تنسيك آخرتك. 

بعد ذلك طلب منه مردفًـا بشوقٍ بيّـن: 

_ إديني "راغب" عاوز أكلمـه، صوتـه وحشني. 

مرر "باسل" هاتفه من أذنه للأخرى، قائلًا بسخط متعجبٍ أثناء سيره متجهًـا صوب صديقهما راغب: 

_ معتقدش إنه هيقبل يسمع صوتك مش يكلمك! 

بقى القليل من الخطوات ليكون ماثلًا أمامه مباشرة، لذلك توقف عن السير هامسًـا و عيناه تضيقان عليه بشكٍ: 

_ و العجيب إنـه طول الفترة اللى فاتت كان بيرفض يكلمك و أول ما يسمع إسمك سحنته تتقلب لا و كمان يسيبلنا المكان و يمشي، زي ما يكون بينكم طار (ثأر). 

إنزعج "طلال" من شكوكه، فـ ليس من الجيد أن يعلـم بالأمر الآن بعد أن قام بكل الجهود الممكنة لإخفاء الحادث الذى وقع معه عنه، لذا مثل الضيق بقولـه: 

_ هتفضل ترغي كتير؟ إديله الفون عاوز أتناقش معاه فى شوية مواضيع، بعدين ياريت تركز فى شغلك و تسيبك من التحقيقات لإن مافيش حاجة من اللى فى دماغك صحيحة. 

قارب "باسل" ما بين حاجبيه و قد تزايدت شكوكه حول الأمر، و لكن رده كان مليئًا بمشاعر الانتشاء و التشفي فيهما، فدومًا ما يهتم كلاهما بأمر الآخر بينما يقف هو مشتعلًا من غيظه و حنقه يشاهد صداقتهما المتينة و أحاديثهما المطولة و الاحترام المتبادل بينهما: 

_ على فكرة يا طلال الوضع عاجبني، بحب أشوفكم و انتو مش طايقين بعض، بحس إنه مش من العدل تتعامل معاه بلطافة و تتعامل معايا بجفاف. 

علق "طلال" على مصطلحاته بكلمة واحدة أبدت كم استغرابه: 

_ جفاف! 

_ اه، على العموم، مافيش حاجة بتستغبى فى الدنيا دي، و مسيري أعرف حاله اتشقلب كدة إزاي. 

فور انتهاءه من عبارته السابقة، أصبح واقفًـا أمامه حاجبًـا عنه أشعة الشمس، و مد يده لـه قائلًا بعجرفة دخيلة على تصرفاته الصبيانية: 

_ إمسك، حبيب القلب عاوز يتكلم معاك. 

نفخ "راغب" ما بفمه من هواء بضجر لإنقطاع حمام الشمس الذى قليلًا ما يحالفه الحظ للتنعم به، لكثرة أشغالـه، و رفع نظارته الشمسية بذراعه الذى سحبه من أسفل رأسه ليثبتها على خصلاته، و تسائل أخيرًا بسخريةٍ ما هى إلا نتاج لـ إنزاعجه الفائق: 

_ تقصد مين؟ أظن إنى مليش حبيبة عشان تكلمني! 

_ الظاهر إنك عندك مشكلة فى السمع. 

_نعم!!! إنتبه لكلامك يا باسل. 

_ لما تنتبه له إنت الأول هبقى انتبهله أنا، عشان قولت لك حبيبك مش حبيبتك و لو ركزت فى باقى الجملة هتعرف إنى بتكلم عن واحد مش واحدة. 

تفاقم عراكهما الكلامي، و الذى إن استمر فـ يؤدي إلى عراك حقيقي كعادتهما مع بعضهما، فـ هتف "راغب" و قد ألم برأسه صداع منهيًـا الشجار قبل أن يسوء الوضع بينهما أكثر: 

_ يختااااااي، خلاص أبوس إيدك كفاية فلسفة، هات الفون و روح لحالك و انا هعرف بنفسي.

دمدم "باسل" بمزيج من برود و عصبية: 

_ خد يا أخويا.

تحرك مبتعدًا بينما يهدر بتهكمٍ و ابتسامة مستفزة تلوح على ثغره: 

_ و أساسًا كلامي ملهوش علاقة بالفلسفة يا جاهل. 

تعلقت عيون "راغب" _المحتدة بامتعاض_ بظهره المنصرف ، و لحسن الحظ لم يرى بسمته الاستفزازية، فلو رآها لكان الآن ينتف له شعره الجميل هذا. 

ضغط أسنانـه بغيظ، و و خرجت كلماته من بين ثغراتها غير واضحة بعض الشيء: 

_ و الله مافي جاهل هنا غيرك. 

استقر الهاتف على أذنه، و رأسه مازالت مستراحة على ذراعه المثني بارتخاء. 

_ راغب! 

كانت كلمة واحدة تحمل ألف سؤال و معنـى، فانتصب "راغب" بجلسته فى جزء من الثانية و شعر بالخيانـة من صديقيه، فـ الأول أعطاه الهاتف رغـم معرفته المسبقة بعدم رغبته فى خوض أحاديث عقيمة مع صاحبه، و الثاني المستهتر بصحتـه و سلامتـه و بعد أن يقع فى شرك أعدائـه يأتي ليطيب بخاطره و يصالحـه هكذا بسهولة! 

ضغط الهاتف بين أناملـه ينفس فيه قدرًا طفيفًـا من غضبه الذى يكتسح صدره.

تردد "طلال" فى إخراج كلماتـه الآتية: 

_ بقـى موحشتكش؟ طول الشهرين اللى عدو ممتنع عن الكلام معايا، مع إنك عارف قد إيه كنت تعبان؟ 

برزت حدقتيـه من شدة غضبـه و غليلـه، و انطلق هادرًا بحميةٍ و تعصب، يسترسل بعبارات التأنيب و التقريع لاستهانتـه بسلامتـه و حياتـه التى كانت على المحك: 

_ طلال، مش كل مرة هصالحك بسهولة و انسـى، يا اخـي ده إنت رميت رأيي في كوم زبالة، لما قولتلك أجل سفرك، و خوفي عليك مكانش له قيمة عندك، ده إنت حتى متعرفش إني جالي أرق فى اليوم ده و معرفتش أنام من الفكر، و دماغي تودي و تجيب ياترى جراله إيه يا ترى حد أذاه يا ترى وصل بالسلامة و لما جيت اتصل عليك لاقيتك مشغول بعدها حاولت تاني لاقيتك فونك مغلق، و لما اخويا فراس بلغنـي بالخبر و إنك اتطعنت حسيت كأنـي أضربت على دماغـي، حسيت روحـي بتتسحب مني ، حرام عليك يا أخي، مفكرتش لو جرالك حاجة كان باسل هيعمل إيه؟ و أكيد طبعا مشوفتنيش و انا مرعوب ليحس بحاجة و بقيت بخبي عليه و أكذب كمان عشان خاطر عيونك. 

جرب "طلال" أن يستميلـه بنبرتـه اللينة التى تصل حد الهمس: 

_ راغب إفهمني..... 

قاطعـه "راغب" على الفور، و من إنفعالـه أصبح جسده كله يهتز و احتقنت دماء وجهه فـ بات أحمرًا كالجمر المتقد: 

_ لا مش هفهمك، مش كل مرة أبقى مضطر افهمك و أعدى بالساهل، عاوزني أفهمك و إنت مفهمتش خوفي و قلقي؟ مفهمتش إن اللى بحس بيه بيحصل؟

حك "طلال" جبينـه ثم رقبتـه من الخلف بـوهنٍ لازمـه مؤخرًا، و بهدوء أوشك على الانهيار قال ينوي غلق الحديث فى هذا الشأن المرهق: 

_ خلاص اللى حصل حصل. 

و بنفـي قاطع كـحد السيف، تأسف "راغب" مقاطعًـا: 

_ لا مش خلاص، معلش أنا مضطر أقفل معاك عشان مزيدش الطينة بلة. 

هنا ثارت خلايا الغضب و اشتعل فتيلها فى "طلال" ليصيح فيه بنبرةٍ جهورية أعطت صدى فى زوايا مكتبـه و قد ظهرت عروق وجهه و رقبتـه بازة بشكل مخيف: 

_ أقسم بالله إن قفلت الخط لهركب طيارة و أجيلك حالا، و إنت عارفني مبهددش ع الفاضي. 

هب "راغب" واقفًـا على قدميـه و تقدم بخطوات قوية كالرياح مما أدى إلى ارتطام الهواء البحري بجسده كالأشواك، و راح يركل الأمواج الصغيرة المتكونـة على طول الشاطئ، قائلًا و معالم وجهه ساخطة: 

_ عاوز تقول إيه؟ مبقاش كلام يتقال خلاص. 

هدأت فورة غضب "طلال" و احتل محلها هدوءه المعتاد فى اغلب الأحيان، و أعتذر معترفًـا بخطئه: 

_ عاوز أقول إني آسف، آسف ليك و لباسل و لنفسي. 

وصل أحساسه الصادق لـ "راغب" كاملًا دون نقصان، و الذى استشعر بحدسـه الأخوى طيب نواياه فـ لانت نظرات عينيه و ارتخت ملامحـه و تفشى الهدوء فى أعصابـه، و أخذ ينصتُ لـه و في داخلـه يعلم أنـه قد سامحـه منذ زمن، و رغم أنفـه لن يصرح بذلك فى الوقت الحالـي، يجب أن يذيقـه من نفس الكأس حتى لا يتهاون فى حق نفسـه مجددًا. 

...........................................................

قضت أغلب أوقاتها الفترة الماضية فى الاعتكاف بـ منزلها و تلقـى علاجها فى أوقاته، و الالتزام بجدول الأطعمـة المقررة لها من قبل الطبيب، و حتى بعد شفائها التام استلذت بالاهتمام المبالغ من والديها، و لا سيما والدتها "فريال" التى أفرطت فى الاعتناء بها خير اعتناء و لم تجعل فى وقتها فراغًـا أو ذرة ملل، فقد حرصت على قضاء وقتٍ ممتع معها و نسج الأحاديث الأمومية اللينة و الجميلة معها، و لم تحرمها من عطفها و حنانها الفطريين. 

و لا ننسـى ابنة عمها "إيناس" التى لم تقطع زياراتها لها بين الحين و الآخر مقتنصة من الوقت أحلاه، و من الكلام أرقه و أمتعه فـ نمـى فى نفسها شعور الامتان لـفعلتها الحمقاء و التى أدرت عليها إهتمامًـا و رعاية لم تكن تحلم بهما، و بينت لها فترة مرضها حبًـا عظيمًـا مكنون لها فى قلوب من حولها. 

هكذا استرجعت "تغريد" مـا جرى فى حياتها منذ مكوثها فى منزلها لتلقى العلاج و حتى الآن. 

غمست الفرشاة فى لونٍ ثم مزجته مع آخر بحرفيةٍ و موهبة امتلكتها أناملها الذهبية، لترسـم بها أفكارها على اللوحة البيضاء، تمعنت فيما نسجت يداها من إبداعٍ فتراقص قلبها بسعادةٍ و رضـى فإن أكملت على هذا النحو سيمكنها الإشتراك فى مسابقة الرسم المقامة، و الذى أنجزتـه حتى الآن هو نصفٍ وجه لإمراة ترتدي حجابًـا. 

فردت قدميها براحةٍ على سرير ابنة عمها فى منزل عمها، و كان الغرفة غرفتها! 

زمت "إيناس" شفاهها من تصرف ابنة عمها بحريةٍ، و انزوى ما بين حاجبيها بحنقٍ بدى طفولي للغاية، و لكنها رمت إنزعاجها بعيدًا بقولها الفضولي: 

_ و اللوحة دي معناها إيه؟ 

و بررت جهلها بهذه العبارة المنطقية: 

_عشان مش واضح منها غير نص وش لواحدة محجبة. 

هزت "تغريد" رأسها للجانبين بدلال، و قررت الأبقاء على غموض لوحتها لتزيد من تشويق الأخرى، و جاوبتها بنبرةٍ مغرورة: 

_ده سر. 

_ أوف منك. 

_ هتعرفي لما تكتمل الرسمة. 

عقب جملتها الأخيرة، جذبت قدميها مربعة أياهما و ناظرة لـ "إيناس" بحذر سائلة بترقبٍ و عيناها تحومان على ملابسها: 

_ مامتك وافقت نخرج سوا و ألون إجابة سؤالى واضحة من لبس الخرج و الحجاب اللى على راسك؟ 

_ اه وافقت. 

أتاها الرد موجزًا من "إيناس" المحتسية لكوب الشاي الساخن، فـ بإندافع انتشلته منها واضعة إياه على الكومود بشكل أشبـه بالرمي، و من ثم وقفت على ركبتيها جاذبة إياها من ذراعها برعونةٍ مرددة بحماس وهاج: 

_ طيب قاعدة ساكتة ليه؟ يلا بينا. 

استعادت "إيناس" ذراعها بصعوبةٍ من أسر أنامل الأخرى، لتسألها بشكٍ لطيف: 

_ أنا مستغربة طنط فريال وافقت تيجي عندنا إزاي بعد ما شربتي الكلور و نشفتي دمنا و خوفتينا عليكي؟ 

ضحكت "تغريد" بخفوتٍ و نشوة طفولية اعترتها و هى تجيب بحيويةٍ مخلوطةٍ بمرح: 

_ ماما؟ يا بنتي أقنعتها بسهولة زي شرب الماية. 

ربعت ذراعيها مكملة بزهوٍ ممازح: 

_و بعدين بعد اللى حصل عرفت قيمتي و مبقتش ترفضلي طلب. 

شملتها "إيناس" بمزيد من إرتيابها البائن فى جملتها هذه: 

_ طيب، ياريت متكونيش بتسرحي بيا و جاية من وراها. 

أكدت لها "تغريد" صدق حديثها نافيـة و مطمئنـة فى ذات الوقت: 

_ لا، متخافيش. 

ما لبثت أن همهمت فـى توجسٍ تستحثها على النهوض للذهاب سريعًـا قبل ان يطرأ عائق يمنعهما: 

_ يلا بقى كفاية تضييع وقت، قبل طنط ماتغير رأيها أو ييجي الواد الملزق أخوكي. 

صادف مرور "عرفه" من أمام الغرفـة الموارب بابها، فـ استوقفـه قولها و الذى ترجمـه على أنه نميمة عليه، فـ تساىل ينوي استفزازها آخذًا حقـه المزعوم: 

_ شايفكم اتعودتوا عليا و بتجيبوا سيرتي، خير؟ 

انتقلت عيونهما من مطالعـة بعضهما لتستقر عليـه هو، تنهدت "إيناس" بسأمٍ منهما فـ فى العادة تنشب الشجارات بينهما. 

و للغرابـة بدى البرود مؤثرًا على "تغريد" المبتسمة ببرودة أعصاب، و همست لـ "أيناس" بسرية تحذرها من الافشاء بأمر نزهتهما: 

_أوعـى تقوليله أننا خارجين، أصلـه شبطة أنا عارفاه. 

و بخفوتٍ مماثل ردت "إيناس" باستعباد لتفكير الأخرى: 

_ حاليًـا معندوش وقت للخروجات، مأظنش إنه هييجي معانا و هو ملهي بدروسـه. 

استنكرت "تغريد" شذاجة ابنة عمها _كما تعتقد هـى_ و أوشكت على مجادلتها بمزيد من الحجج إلا أن "عرفه" حال دون ذلك سائلًا إياهما و يخصها هـى بالسؤال: 

_ بتقولوا عليا إيه؟ 

احاطتـه "تغريد" بنظراتـها المترقبـة لأى فعل يصدر عنـه فـ وجدتـه يرفع حاجبيـه و ينزلهما مرارًا و تكرارًا فى حركةٍ المقصود منها اغاظتها و اثارة حنقها. 

و ردة فعلهـا كانت أن زادت بسمتها الاستفزازيـة اتساعًـا مع إجابتها البليدة الجليديـة: 

_ كنت بقولها أول مرة أشوف حد بييجي ع السيرة، زي القطط بالظبط. 

احرجتـه بإساءتها المقصودة، فأومأ رأسـه بوعيد واضح للعيان. 

رمت "إيناس" بثقل رأسها على يدها مريحةً خدها على راحتها، تشاهد مسرحيتهما و هـى ضائقة منهما، فـ من البديهي أن الأمر لن ينتهى هنا، و لن ينتهـي على خير أبدًا. 


5




        

          


                

............................................................. 


+



ماضيـه الأسود ألقـى بشباكـه المسمومـةٍ عليـه فأسره بداخلـه ليبقى يتخبط فـى غيابات اليقظـة و اللاوعـى، رمـى برأسـه المتعب على ظهر المقعد و قد داهمه دوار غادر، فأصبح يرى من كل شيء نسختين. 


+



أغمض عيناه يعصرهما متألمًـا، و استنشق الهواء مختنقًـا بدخان حريق ذكرياتـه المأساوية، فــ تشكل المشهد أمام ناظريـه حيًـا و دبت فى الماضـى الحياة. 


+



*****

و أعيد كل شيء من البداية، صرختان، إحدوهما لـ أبيه و التى تليها لــ أمه، إنقياده لفضولـه و صعوده الدرج، ثـم تصنمـه أمام باب غرفتهما المفتوح الذى يكشف لعيناه الطفوليتان كل ما بالداخل من مناظر شنيعـة تخلع قلوب أعتـى الرجال. 


+



دماء و الكثير الكثير منها يلطخ الأرضيـة، ثم جثـة والده الذى يظهر عليـه أنـه لازال يلفظ أنفاسـه الأخيرة و مغروس بصدره خنجر قاتلـه، غائرًا فى صدره حتـى قلبـه، و أسفلـه بركة دماء تستمر بالاتساع و الاتساع و يتسع معها الهوة التى يسقط بها هو . 


+



و قريبًـا منه والدتـه بعيونـها الجاحظة المخيفة و قد فارقت الحياة من مدة قصيرة، و فـى جبهتا ثقب الرصاصـة التى انتزعت روحه قبلها.


+



_ جيت فى وقتك، عشان أخلص منك زيهم.

صوتُ قبيح كـ نفس صاحبـه الذى جنـى على والديه و قتلهما بدون أن يرف لـه جفن أو تهتز لـه يد أو يرق لـه قلب. 


+



رأى صاحب الصوت، و هيئـته هى: وجـه متوارٍ بقناع أسود كـ قلبـه المنذوع منه الرحمـة، و عيونٍ بنيـة بنظراتـها الشريرة السامـة و التـى ترنوه ببغضٍ ظاهر لم يكلف نفسـه عناء إخفائـه، و يدان تختفيان فى قفاز منقوش عليـه تلك الكلمة المتسببة فى دمار حياتـه "الظل". 


+



واصل" الظل" ضخ سمومـه فيـه بقولـه المستلذ بمنظر الدماء ينم عن مرض نفسـي لا غير: 

_ جيت عشان تشوف المنظر الجميل ده، تحفة فنية مش كدة؟ 

رماديتاه المترقرقتين بالدموع ثبتت على تلك الملامح المخفـة يحفز ما يظهر منها و إن كان قليلًا، يحتفظ بالصوت بالحركة بالتعبيرات البادية على هذا المجرم عديم الرحمـة، و جسده متخشب تمامًـا لسانـه يثقل رويدًا رويدًا، تعطلت كل حواسـه إلا من حاستان السمع و البصر، ليحفظ بهما التفاصيل بحذافيرها، حتـى إذا ما ملك القدرة على الأنتقام لا تخونـه ذاكرتـه فى معرفـة عدوه الذى يقف الآن أمامـه و يقطر من يديـه _الجافتين_ دماء عزيزيـه " أمـه و أبيه". 


+



رفع "الظل" سلاحـه فـى إتجاهـه بغيـة الخلاص منه و إلحاق روحـه الطاهرة بروحـي والديـه المقتوليـن. 


+



_ سيـ..... سيـبه ..... سيبـه يا... ظـ.. ظل. 

ترددت هذه العبارة الآمرة من بين شفتـي "مُنير" والده الملقـى أرضًـا لحقها سعالـه لدماءٍ تناثرت فى الهواء و عادت تحط على وجهه الدامـي. 


+




        

          


                

راق لـ "الظل" دفاع الأب عن أبنـه، و أخفض مسدسـة ليس خوفًـا منه فهو على مشارف اللقاء بربـه، و إنما اقتناع بأن تأخير الانتقام منـه سيكون ألذ، عندمـا يجعل حياتـه كلها قلق و ترقبُ من القادم، عندما يشتت راحتـه و يبعثر كيانـه، عندما يجعل عشيـه أمر من الحنظل، عندمـا يحيك لـه المكيدة تلو الأخرى. 


+



عندها فقط سيكون راضيًـا مستلذًا بكل هذا، بخوفـه على أحبتـه، بشعوره الدائم بالخطر المحدق بـه، و بانتزاع الأمان من عالمـه. 


+



تراجع "الظل" بخطاه المدمرة لكل أرضٍ يطؤها، ملوحًـا لـه بخبث العالم، نافثًـا سمـه الثعبانـي فى حروف كلماتـه القاتـلة هامسًـا : 

_ مش هسيبك فى حالك، هكون حواليك، هكون فى بيتك، فى عربيتك، هكون معاك سنـة بـسنة، هأذى كل حد ممكن يقرب منك، هأذيك إنت نفسك، هأذى قلبك اللى هخرجه من مكانه فى الآخر، هوجع قلبك على كل حبيب، و هخلي حياتك عذاب و أسوء بكتير من الموت، لإني لو قتلتك هترتاح و ده اللى مش هنوله لك دلوقتـي، لسة وقتك مجاش، و لما تكبر هنتقابل و لقاءنا هيعجبك قوى. 


+



سمعا كلاهما صوت سيارة تدخل حدود الڤيلا، فـ قفز "الظل" من النافذة المفتوحة خلفـه متعلقًـا بحبلٍ مربوط فى السقف، و نزل ببطئ مستمرًا فى التلويح لـه و التطلع إليـه بنظراتـه الماكرة. 


+



فى حين "طلال" لم ينفك يناظر المشهد بعيونٍ حادةٍ مُضرمة بلهيب الحقد و شعور بالظلم تملكه، و انحدرت على خده دمعة غاضبة. 

*******

شهق "طلال" عائدًا إلى أرض الواقع، ساحبًـا اكبر كمية اوكسجين يمكن أن تسع لها رئتاه، فالسباحة فى بحر الماضـي لم تكن هينـة البتة. 

عندما يجتمع ألـم الفراق مع مرارة الوحدة يتبخر الانسان، إنه يتبخر. 

على مدار سنوات عمره ظل يُعانـي من تبعاتٍ آثامٍ لـم يرتكبها و لـم تتلوث يداه الطاهرتان بها، و جنـي ثمارهـا الخبيثـة، و هو لـم يزرع سمومهـا و أشواكهـا التى تمزق قلبـه و تدمـر روحـه _الطيبة_ تدميرًا. 

.................

دُق باب مكتبـه، فأذن للطارق بالدخول، تلا ذلك دخول سكيرتيرتـه "سندس" قائلة تبلغـه بما حضرت لأجلـه: 

_ الظابط سفيان مستنـي حضرتك برا، و عاوز يقابلك. 

أعطاها موافقتـه بإشارة من يده: 

_خليـه يدخل. 

_ حاضر يا فندم، حالًا. 

انتظمت أنفاسـه نوعًـا ما ، و بقـي شيء من اختناقٍ فى صدره، لذلك شرب قليلًا من الماء فى كأسٍ على مكتبـه و أعاده مكانـه. 

فتحت "سندس" الباب مجددًا، متنحية جانبًـا، تردد بإحترامٍ و لطف: 

_ إتفضل يا فندم. 

عبر "سفيان" للداخل ببذلتـه الرسميـة و الذى لم يستطع تبديلها لضيق الوقت، فـ بعد إنهائـه لكافـة الاجراءات سلم لـ سامـي سيارتـه، و ما لم يكن فى الحسبان أنـه سيطلب إحضاره هنا للقاء من عفا عنـه رغم كونـه من الجانين عليه. 

و من ورائـه يمشي "سامـي" بخطى خجلةٍ. 


+



_ إزيك دلوقتـي يا طلال؟ إن شاء الله تكون أحسن. 

سألـه "سفيان" بودٍ، ريثما يستريح على المقعد المقابل لـه، ربما لم يشعر بدخولـه لبقاء آثار ماضيـه المسيطرة على جزء من عقلـه سالبـة تركيزة، فأجابـه فى هدوءٍ فائض: 

_الحمد لله، فى زحام النعم. 

_و نعم بالله. 

_ إنت اللى أخبارك إيه؟ 

_كله تمام و الحمد لله. 

همهم بها "سفيان"، ليأمر برفقٍ: 

_إقعد يا سامـي، هتفضل واقف كتير؟ 

للتو انتبـه "طلال" لوجود شخص ثالث معهما، فرفع عيناه يتابع "سامـي" برماديتاه المشفقتان علـى هذا الفتـى الذى لم يلقـى اهتمامًا كافيًـا، فأودى بـه الاهمال إلى أفعال و سلوكيات غير مشروعـة. 

سحب "سامـى" الكرسـي جالسًـا عليـه بأدبٍ قلمـا يبديـه لأحد مؤخرًا، حدثـه "طلال" و باهتمامٍ مضاعفٍ: 

_ عامل إيه يا سامي؟ طمني. 

أبقـى عيناه على الأرض و هو يرد بصوتٍ خافت: 

_ بـ .... بخير الحمد لله، شكرا لسؤالك. 

مهد "سفيان" لإنسحابـه من المكان، بقوله الموضح: 

_ سامـي طلب يشوفك، و مكانش يعرف عنوانك عشان كدة جالـي و خلاني أجيبه هنا. 

حول "طلال" انتباهه كله نحوه مومئ برأسه حالما يبدي تقبلـه للأمر بصدر رحب: 

_خير ما عملت. 

رأى "سفيان" أن لا داعٍ لوجوده، فـ اسند راحتيه على فخذيـه، ليردفٍ مستعدًا للأنصراف: 

_ اسأذن أنا، عشان تاخدو راحتكم، كمان ورايا مشاغل. 

و بذوقٍ رفيع أصر عليـه "طلال" بحديثـه المجامل: 

_ ملحقتش تقعد، خليك شوية و اطلب لك حاجة تشربها. 

قابل "سفيان" عرضـه بابتسامـة حقيقية، و بوجه صافٍ قال بنوعٍ من الأسف: 

_ مرة تانية، عن إذنك. 

فى حين ابتعاده عقب "طلال" بقولـه الودي: 

_مع السلامة.

_ الله يسلمك.

كانت آخر عبارة يسمعها من "سفيان" المحتفظ بإبتسامتـه الوسيمة كـ ملامحـه، مغلقًا الباب خلفـه ليترك لهما مساحة أكبر من الحرية.

باعد "طلال" بين رماديتاه و الباب، معيدًا تركيزه كلـه نحو "سامـي" ، تفاجئ بـه يزفر أنفاسـه براحةٍ كأنما لى وجود سفيان ولد عدم ارتياح أو شعور بالقلق فى نفسـه! 

و هذا بالضبط ما استعجبـه "طلال"، بل و امتعضت قسماتـه كلها برؤياه و هو يخرج علبـة سجائر و يسحب منها سيجارة و يشعلها بأريحية عجيبة، بدون وضع أعتبار لوجوده. 

مما قلب مزاج" طلال" جذريًـا، و أخذ يتسائل، من أين لها الفت، ى بكل هذه الجرأة ليشرب هذه السموم أمامـه بلا خجل؟

و الأحرى متـى و كيف و أين أصبح مُدخنًـا؟ 

...................................... 

لم يكره فى حياته شيئًا بقدر ما يكره التدخين و المدخنين، و الآن و لأول سابقة فى تاريخ حياته تدخل شركته "سيجارة" ، ضاقت عليه أنفاسه و كذلك ما بين حاجبيه، فالرائحة لا تحتمل أبداً. 

لجم غيظه و غضبه بأعجوبة، محدقًـا فى "سامي" بنظراتٍ قاتمة شريرة إن أمكن القول، فها هى ذى قوانيه الصارمة تخرق نصب عينيه و هو جالس يشاهد كالغريب! 

رغم أن المكتب مكتبه و المقعد الجالس عليه هذه الأرعن مقعده و الأرض التى تحط عليها قدميه أرضه، و لكنه لن يتجرد من مبادئه و أخلاقه لمجرد كسر قانون من أهم قوانينه، لذلك وجب أن يلزم الثبات و أن يستحضر الهدوء كي يستطيع إيصال مراده بشكلٍ آمن لكليهما، و بشكلٍ يحفظ له هو وقاره. 

و لأجل هذا سحب نفسًـا بدى له صعبًـا، و ابقاه فى صدره عل نيرانه المستعرة تخفت و لو قليلًا ثم و بكلٍ حنكةٍ و تعقلٍ و رزانةٍ إن لاقت ستليق بأمثاله ناداه يطلب تركيزه : 

_ سامي! 

رفع إليه "سامي" عينين كسولتين، و هيئته مبعثره، و ارتفعت شفتاه بابتسامة لا تنسب لأى نوعٍ، و هو يرفع جفونه بصعوبةٍ و كأنه كان نائمًا منذ فترة قصيرة للغاية و حين ناداه "طلال" قام بإيقاظه! 

عقد "طلال" حاجبيه عقدة شديدة أبدت كمية الاستغراب و الاسترابة من الهيئة العامة لهذا الفتى، و ما زاده ريبة هى نبرته الخاملة الخاصة بالسكارى لا اليقظى: 

_ نــ.... نـ....ـعــ...ـم؟! 

من يسمع صوته يشعر أنه بين كل حرف و حرف من حروف كلمته دهور! 


+



عادت عيناه حيث الملف لم يحرره من أنامله، و سأل فى هدوء مستحدث محاولًا آلا يتعصب : 

_ من إمتى و انت بتدخن؟ 

تدريجيًا ارتفع طرف شفاه "سامي" ببسمةٍ لا تستحق أن نسميها كذلك لما فيها من آلامِ و سخرية من الحياة و ما فيها: 

_ من ساعة ماما ما ماتت. 

و لعل تطرقه لشأن والدته نخر قلب "طلال" و ذكره بما لا يود أن يذكره، على الأقل الآن، فمسع على وجهه بكفه الممسكة بالقلم، و أخرج نفسًا متوترًا، ليسأله بلمحة من ثبات فر منه الآن : 

_ طيب ايه السبب؟ 

اتته الإجابـة من "سامي" بعضها متوقع و بعضهـا غير بنبرته الثقيلة تمامًا كجفونه المرتخية على عيناه الناعستان فى هذا الوقت من النهار:

_ عاوز انسى، و ابقى.... ابقى موجود و مش موجود، محسش بحاجة حواليا و لا احس بحد، و عشان ده يقف و يبطل تفكير، و عشان ده يتخدر و يبطل يتألم. 

أشار أثناء حديثه على رأسه يقصد عقله، ثم على صدره يقصد قلبه. 

شكوكه كلها أصبحت يقينًا، هذا الفتـى يتعاطى شيئًـا ما و بالطبع ليس مجرد سجائر عاديـة: 

_ بس... بس السجاير العادية مبتعملش كل ده، يعني........ 


+



الخامس عشر من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close