رواية الحب بيجمع ناسه الفصل الرابع عشر 14 بقلم هند سعد الدين
— يلا البسوا هنخرج.
قالتها طنط إلفان وهي واقفة عند باب الصالون، لابسة بالطو صوف لبني، وحاطة شال حرير حوالين رقبتها، شكلها كأنها رايحة موعد غرامي.
— دلوقتي يا ماما؟
قلتُ وأنا لسه خارجة من المطبخ، ماسكة كوباية الشاي.
— آه دلوقتي، إسطنبول ما بتتحبش من الشباك يا هندا، بتتحب من الشارع، ثم إنك ما شوفتيهاش، وبقالك كام يوم قاعد جمب الأستاذ ده.
بصيت لعابد..
كان قاعد قدام الدفاية، ملفوف بالبطانية، زوره اتحسّن شوية بس عينه لسه فيها كسل البرد.
— وأنا؟
قالها بنبرة تمثيل ضعيفة.
طنط إلفان ضربته بخفة على كتفه.
— إنت هتيجي يا ولد بطل أفلام، المفروض العشاق ما يقعدوش في البيت.
بصيت لي بطرف عينيها!
ابتسمت.
الهواء برّا كان بارد، ومن كتر السقعة الوشوش كلهم حمرا.. البرودة هنا ما بتهزرش، من النوع اللي يخلي النفس يتحول لبخار!
ركبنا العربية، وطنط إلفان كانت بتسوق بنفسها، بتغني بصوت واطي مع راديو تركي قديم.
ـــ طب إيه هتترجم لي ولا هفضل زي العبيطة؟
ـــ بيقولها لا تحسبي أن الموت هو الصعب..
بل الصعب هو الفراق؛
فمرارة الرحيل لا تُدرك حقيقتها إلا حين تُعاش
بالروح لا بالعين.
طبطبت على كتفها..
— ماما إحنا رايحين فين؟
ابتسمت من غير ما تبص لي.
— مكان العشاق.. أورتاكوي.
أورتاكوي كانت شبه لوحة..
جامع أورتاكوي واقف جنب المايه، أبيض ومتزخرف، ورا ظهره كوبري البوسفور ممدود زي حضن طويل بين قارتين.
الناس هناك ما بتجريش.. بتمشي كإن عندها وقت تسمع قلبها.
إيدهم في إيد بعض..
الضحكة طالعة من قلبهم..
والبياعين واقفين يندهوا بأصوات فيها دفا.
طنط إلفان شدتني من دراعي وهي ماشية.
— شايفة المكان ده؟ هنا أي اتنين بيحبوا لازم يجوا مرة.
— ليه؟
— عشان الحب هنا بيبان حجمه الحقيقي.. يا يكبر.. يا يخاف.
بصيت لعابد..
كان ماشي جنبنا، ساكت، بس إيده محاوطة إيدي، الغريب إني الطرف الأكثر حماسة هنا مع طنط إلفان.
وقفنا قدام عربية خشب صغيرة، في دخان طالع منها، وريحتها ضربت بطني قبل دماغي.
— Balık Ekmek.
قالتها طنط إلفان بفخر.
— إيه ده؟
— سندوتش السمك، أشهر أكل شارع هنا، لازم تدوقيه.
الراجل كان بيشوي السمك على صاج كبير، وبعدين يشيل الجلد، ويحطه في عيش طري، مع بصل وبقدونس ولمون وشوية بهارات.
ناولتني السندوتش بنفسها.
— خدي أول قضمة.. دي طقوس.
أخدت لقمة، الطعم كان بسيط بس مدهش، حنيت لبلدي، على رأيها إسطنبول شبه إسكندرية.
ـــ ها رأيك إيه؟
— حلو أوي.
عابد رد عليا..
— ده مش مجرد أكل ده حكاية صيادين، هبقى احكيها لك بالليل، لو البرد راح مني.
غمز لي، اتحرجت
طنط إلفان ضحكت بصوت عالي.
عدت كلامه ووجهت لي كلامها..
— عشان كده الناس هنا بتقع في الحب بسهولة، البطون الشبعانة بتعرف تحب كويس.
مشينا على الكورنيش، وبياعيم الكستناء المشوية واقفين على كل ناصية.
طنط إلفان اشترت كيس… وحطته في إيدي.
— دي نقنقة، تتاكل وإنتي ماشية، لازم تتعلمي يوميات إسطنبول.
— إيه يومياتها؟
سكتت لحظة، بصت حوالينها..
— الناس هنا بتحب بصخب ومن غير حدود، وتشتغل بصبر، وتغيير من غير فضايح.
فهمت إنها بتتكلم عن سيلين.. من غير ما تنطق اسمها.
قعدنا على دكة خشب قدام الميه.
الطيور بتعدي، والمراكب بتنور واحدة واحدة.
طنط إلفان فجأة قالت:
— أنا لما حبيت أبو عابد، عيلتي كانت رافضة.
بصيت لها بسرعة.
— ليه؟
— عشان غريب ومن بلد تانية وقلبه كان أطيب من اللازم، والناس بتخاف من الطيبة.
سكتت…
وبعدين كملت:
— بس أنا كنت عارفة، الحب اللي يخوّف الناس، بيبقى غالبًا حقيقي.
عابد ابتسم، وبص في الأرض، كأنه طفل اتكشف سره.
عدّت بنتين جنبنا، بيضحكوا وبيتصوروا.
طنط إلفان بصتلهم وقالت:
— شايفة؟ إسطنبول بتعلّم الست تبقى قوية وناعمة في نفس الوقت زي الميه تكسر الحجر وتفضل رقيقة زي ما هي.
مسكت إيدي وضغطت عليها بحنان.
— وأنا مش هسيبك لوحدك لا هنا ولا هناك، ولا في أي مكان، إنتي بقيتي بنتي بجد.
حسّيت بقلبي زي ما يكون بيغرق من الحنية وسالت سؤال واحد.. لما دي حنية الأمهات، أنا كان فين نايبي منها؟
عابد قرّب مني شوية، صوته واطي:
— بردتي؟
— لأ، يمكن لأول مرة أحس بالدفى.
طنط إلفان قامت فجأة.
— يلا.. عندي لكم مفاجأة.
— تاني؟
قالها عابد.
— أه.. هنشرب شاي تركي في مكان اسمه "تشِنار آلتي" هناك في شجرة عمرها مئات السنين.. الناس كانت بتروح تحكي أسرارها تحتها.
بصيت لها وأنا بضحك.
— يعني هتعرفي أسرارنا؟
غمزت لي.
— أنا بعرفها من غير ما تتقال.
وصلنا مكان الشاي..
كراسي خشب، شجرة ضخمة، أضوية صفراء، وصوت فناجين بتخبط في بعض زي موسيقى قديمة.
قعدنا..
الاستكانة الصغيرة اتحطت قدامي، لون الشاي أحمر غامق، شبه الغروب.
طنط إلفان رفعت الاستكانة وقالت:
— نخب البدايات اللي لسه ما اتكتبتش.
بصيت لعابد..
وبصيت لإسطنبول..
وحسّيت.. إن الحكاية دي لسه بتفتح بابها الأول.
ـــ أنا هتمشى شوية يا ولاد واحتمال ادخل المكتبة، خدوا راحتكم..
ميلت على عابد وكلمته بالتركي..
مشيت وهو فضل يبص عليها ويلعب في شعره..
ـــ قالت لك إيه؟ قر واعترف..
ضحك..
ـــ قالت لي عاوزة بيبي في أسرع وقت!
برقت وأخدت بق من كوباية الشاي..
— سخن؟
— لأ مناسب.
بص لي.. النظرة اللي ما فيهاش استعجال، ولا سؤال، بس حضور.
— هند؟
— نعم؟
— إنتي حاسة بالراحة هنا؟
— إنتوا علمتني أشوف وأحس السعادة بأسلوب مختلف، أنا بحبكم أوي..
مدّ إيده، مسك كفي، وباس باطن كفي.
المسافة بيننا أقل من كلمة.
من كافيه قريب اشتغلت أغنية، صوتها جاي من بعيد، بس واضح.
“Sen Ağlama” – Şebnem Ferah
(لا تبكي – شَبنَم فِراح)
قلت وأنا سامعة:
— الأغنية دي لمين؟
— لمطربة اسمها شبنم فراح، هترجم لك.. الأغنية بتقول:
«لا تبكي..
لو الدنيا كسرتك
أنا جنبك
وهكمل الطريق معاك»
سكتنا.
قرّب شوية، صوته كان هادي:
— أنا بحبك من غير ضجيج، ينفع؟
ابتسمت.
— ده أكتر حب بفهمه.
حط الجاكيت على كتافي، وعدّل اللياقة بإيديه.
لمسة قصيرة، محسوبة بس قلبي حسّها أطول من كده.
— بردانة؟
— لأ.. بس محتاجة أقرب منك أكتر.
قربت، راسـي جات عند كتفه.
مش حضن كامل.. حضن آمن.
إيده اتحطت على ضهري، ثابتة..
مجرد وجود بيقول: أنا هنا.
— عابد؟
— روحي؟
— لو الزمن وقف هنا.. مش هزعل.
ضحك بهدوء.
— وأنا هقوله يستنى شوية.
عدّى شاب وبنت، ماسكين إيد بعض، ضحكهم سابق خطواتهم.
حد كبير في السن كان بيشرب شاي لوحده، باصص للمايه.
المكان كله كان شاهد علينا ومش متدخل.
قرب جبينه من جبيني.
— الليلة دي.. مش محتاجة أكتر من كده.
غمضت عيني.
تمتم بهزيان..
— ولا أنا.
فضلنا كده.
لا كلام..
ولا وعود..
قلبين واخدين نفسهم على مهلهم
وتحت الشجرة القديمة، وسط مدينة بتعرف تحب من غير ما تشرح، عرفت إن الحميمية، مش دايمًا في اللمس.
أحيانًا في الطمأنينة.
