📁 آخر الروايات

رواية احببت عبراني الفصل الثالث عشر 13 بقلم مريم غريب

رواية احببت عبراني الفصل الثالث عشر 13 بقلم مريم غريب

( 13 )

_ مشاعر ! _

رأسها فوق ذراعه الضخم ، ذراعه الأخر حول خصرها النحيل ، أنفاسه منتظمة و عميقة ، أنفاسها مضطربة تختلط بنحيب صامت بيد أنه لم و لن ينقطع

كانت تحصي دقات قلبها للألف العاشرة منذ فروغه منها عند مطلع الفجر و حتي الآن ، كانت تقبض بيديها علي الشرشف السميك و تشده أكثر حول جسمها الأسير بين أحضانه الصلبة

و كأنها تأمل في قليل من الستر ، لقد كشف سترها علي يده و إنتهي الأمر ، لو كان الإنتحار حلالاً لقتلت نفسها منذ اليوم الأول ، الآن هي جاريته بكل ما للكلمة من معني ، و ليست زوجته كما يزعم ، إنتزع طهارتها و كانت له ما أراد

كانت له هو ، اليهودي ، الإسرائيلي ، عدوها ، لم تكن لتصدق أن يحدث لها هذا حتي في أبشع كوابيسها

إلا أنها لم تجرؤ علي عصيانه أو رفض ما يقوم به معها ، فهي تعلم جيداً أنها مهما قاومت ستكون مقاومتها كلها من غير طائل

فهو المسيطر هنا ، هيمنته سائدة و لا قبل لها بالتصدي له أبداً ، الله يعلم كم حاولت .. و فشلت !

إنتفضت "آية" بعنف ، عندما سمعت باب الغرفة ينفتح و أحدهم يلج بخطوات منتظمة و هو يجر شيئاً فوق الأرض الرخامية ...

حاولت النهوض بسرعة متمسكة بالأغطية حولها ، لكنها شعرت بذراعه تشد عليها بقوة لتبقي كما هي ، كأنه يقول لها أنه قد إستيقظ الآن !

-من هناك ؟!

أجفلت "آية" لسماع صوته الأجش ذي النبرة الناعسة فجأة ، و فوراً إنهالت فوق رأسها ذكريات الليلة الماضية و جميع عبارات الغزل و الكلمات التي همس بها بحرارة شديدة عند عنقها .. لم تفهم معظم ما قاله ، و لم تهتم أصلاً ...

-ليونيلا يا سيدي !

و إرتجفت عندما سمعت صوت مدبرة القصر ، وقعت عيناها علي ألواح المرايا المثبة علي الجدار المقابل ، لتراها تقف خلف "إبراهام" ببضعة خطوات ، إكتشفت أنها كانت تنظر لإنعاكسها أيضاً و هي تبتسم بشماتة خفية

أحست "آية" بصدمة عنيفة ، مذِلـّة ، الآن فقط أدركت حقيقة تلك السيدة ، بكل تصرفاتها و نظراتها المريبة منذ قدومها إلي هنا ، أن الأمر واضح كالشمس ، إنتمائها قوي ، كما كان يجب أن يكون سيدها ، مثلها أيضاً !

-ما الأمر ليونيلا ؟ ألم أحذر ليلة أمس بألا أريد أن يقاطعني أحد مهما حصل !!

ترد "ليونيلا" بصوت هادئ النبرات :

-لقد أحضرت لك الفطور يا سيدي . إنها آوامرك . إذا لم تهبط لتتناول فطورك فنحن نحضره إلي هنا لأجلك

إبراهام بلهجة أكثر لطفاً :

-أوه ! حقاً . كدت أنسي ذلك .. و لكن كم الساعة الآن ؟

-إنها الثانية عشر ظهراً أيها السيد

-ربـاه ! .. صاح "إبراهام" مشدوهاً

-هل نمت كل هذه المدة ؟ لا أصدق !!

ليونيلا و هي تنظر إلي "آية" عبر المرايا :

-يبدو أنك أرهقت نفسك في عمل شاق طوال الليل ! .. كان صوتها البارد مفعم بمشاعر العداء

-لا عليك . حالاً سأعطي آوامري ليجهزوا لك حماماً ساخناً

إبراهام بحزم :

-لا . لا حاجة لذلك . إذهبي أنت الآن و نفذي ما قولته لك البارحة

ليونيلا و هي تنحني له إجلالاً :

-سمعاً و طاعة يا سيدي ! .. و إنصرفت بكل هدوء

ما زالت "آية" علي وضعها ، بينما يتمطي "إبراهام" دون أن يفلتها .. غمغم و هو يقحم وجهه في لفائف شعرها الفاحم :

-هل أيقظتك ليونيلا يا حبيبتي ؟ لقد ذهبت علي أي حال . هلا قمت لنتشاطر الفطور الذي جلبته معاً . فأنا جائع جداً

لكنه لم يحصل علي رداً منها ، بل شعر بتشنج متضاعف يصيب جسمها و سمع آنة متآلمة تفلت من بين شفاهها ، أو هكذا خيل إليه ، فأرتد عنها قليلاً و أدارها نحوه ممسكاً بكتفيها العاريين ليستطلع أمرها بنفسه

جمد وجهه المطل عليها بصدمة ، حين شاهد وجهها المحمر كحبة طماطم ، و عيناها المتورمتين من شدة البكاء ، و إنفراجة شفتيها التي يتسرب عبرها لهاث صدرها الحار

كانت حالتها مزرية إلي حد لم يألفه من قبل أبداً ...

-إلهي ! ما بك ؟ .. تمتم "إبراهام" مذهولاً و قد شحب وجهه من القلق عليها

حدقت فيه بنظرات منكسرة .. لون عيناه الرماديتين مائلاً إلي الزقة الآن ، فكه العريض يرتعش بين الفينة و الأخري ، هكذا يصبح عندما يصيبه إنفعالاً ما

بينما أحست بمشاعر الحزن و الحسرة تقبض علي عنقها بيدين خانقتين ، تملكها يأس راح يأكل من روحها بلا هوادة ، بلا رحمة ، و إذا بها تنفجر مجهشة ببكاء هستيري ، مرير

ذعر "إبراهام" لمرأي تطور حالتها السيئ هذا ، لم يرد إلي ذهنه سوي تفسير واحد ، ليرفع كفه إلي وجهها مجففاً ما أستطاع من دموعها الجارية و هو يقول بإرتباك :

-آية . ما خطبك ؟ لماذا تبكين هكذا ؟ أخبريني . هل تتآلمين ؟ ألم تنامي أبداً منذ الأمس ؟!!

تقطعت أنفاسها في موجة جديدة من النحيب ، تقطعت بفعل هذا اللطف الذي يظهره لها و كأن أمرها يعنيه بالفعل ، و كأنه لا يري معايير العدواة الأبدية بينهما و التي لا يمكن أن يمحوها شيء في الوجود

لعلها تمثل إليه حيواناً أليف ، لعله يراها ضعيفة و غير مؤذية و إلا لما أدخلها بيته من البداية .. و يا ليته فعل !

-آيـة ! .. كرر "إبراهام" بتوتر شديد

-تكلمي ما بك ؟ بما تشعرين ؟ هل أحضر طبيب ؟ أرجوك كفي عن هذا النحيب !!

-أريد ملابسي إذا سمحت ! .. هكذا قالت نائحة في غمرة إنهيارها

أجفله ردها للحظات ، لكنه أومأ لها بلا تردد :

-بالتأكيد . حالاً سأحضر لك كل شيء

و دفع الغطاء عنه ليقوم من الفراش ، بينما أشاحت بوجهها بعيداً و هي تغمض عيناها بشدة ، سمعته يتحرك بالغرفة لنصف دقيقة ، ثم سمعت و كأن الباب قد فتح ثانيةً

إضطرت للنظر إلي هناك ، وجدته مفتوحاً بالفعل ، لكنها لم تجد "إبراهام" .. لتراه يعود بعد مدة وجيزة و قد إرتدي روباً حريرياً باللون الأسود ، و كان يحمل فوق يديه بعض الملابس ، عندما دققت النظر أكثر إكتشفت إنها تعود لها ...

-هاك ملابسك يا طفلتي ! .. قالها "إبراهام" واضعاً الأغراض بجوارها علي السرير

-سيتم نقل جميع أغراضك إلي هنا في أقرب وقت . لنقُل ريثما تأخذين حماماً سيكون كل شيء جاهز

إنعقد حاجباها و هي تسأله بصوت متحشرج يشوبه بعض البكاء :

-ماذا تقصد ؟ أي أغراض هذه ؟!

جلس "إبراهام" مقابلها علي حافة الفراش ، إنحني صوبها محاصراً إياها بين ذراعيه ، ثم قال بإبتسامته الجذابة :

-كل متعلقاتك أيتها الغالية . في طريقها إلي هنا . فقد قررت أن تقيمي معي في هذه الغرفة بدءاً من اليوم

تقنعت بتعبير جامد و هي تقول بتجهم :

-و إن قلت لا . سترغمني كالعادة ؟

تلاشت إبتسامته و حل الضيق محلها و هو يتأمل وجهها النضر الذي إستحال ذابلاً خلال ليلة واحدة ، تنهد و هو يقول مداعباً خصلات شعرها :

-ما علتك يا عروسي الجميلة ؟ هل كنت سيئاً معك إلي هذا الحد ؟ أذكر أنني كنت أكثر لطفاً من المعتاد و كنت شديد الحرص عليك . هل فعلت أي شيء خاطئ ؟ هل جرحت مشاعرك بطريقة ما ؟ ردي عليّ من فضلك !

كتمت "آية" أنفاسها عندما أحست بالنشيج يتصاعد إلي حلقها ، إزدردت ريقها بصعوبة و قالت بصوت أبح :

-لماذا أنا ؟ لقد تعهدت لي بألا تؤذني . لماذا لا تستطيع الوفاء بكلمتك . لماذا أنت مثلهم بينما تدعي الدماثة و لين القلب ؟ لماذا ؟؟!!

-ما الذي فعلته حتي تشعرين بكل هذا الآسي ؟ .. تمتم "إبراهام" عاقداً حاجبيه بإستغراب شديد

-أنا لم أعمد إلي إيذائك أبداً . لقد تزوجت بك لأنني أردتك . كان هذا السبيل الوحيد أمامي . فأنا أعلم بأنك ما كنت لتسمحي لي بإقامة علاقة معك إلا إذا حدث إرتباط وثيق بيننا . لقد أوفيت بعهدي لك يا آية . لا أتذكر أنني أسأت إليك يوماً و لا حتي البارحة عندما كنت بين ذراعي و تحت سيطرتي الكاملة . كان بإمكاني إجبارك و إخضاعك لرغباتي دون اللجؤ للزواج أصلاً . لكني لم أفعل

آية بإزدراء جليدي :

-و هل تعتقد بأنني أقر بصحة هذا الزواج . أنت لست زوجي و أنا بريئة أمام الله من أي شيء تفعله بي . لا تظن أبداً أنك تروقني بأي شكل . أنا أقرف منك كلياً

ردها القاطع المختصر ، صفعه بقوة و فعالية أكبر من لو أنها صفعته بيدها ، إختلجت قسماته وجهه بغضب ملحوظ ، ليقبض علي خصرها فجأة و يعتصره بكفاه و أصابعه و هو يقول بصوت كالفحيح :

-أري أنك غدوت أكثر تهوراً . ما بالك . ألا تخافين مني الآن ؟

إبتسمت بسخرية قائلة :

-بلي أخاف . إطمئن . هذه الغريزة الحمقاء لا أستطيع التخلص منها بسهولة .. لكن أظن أنك قد أخذت كفايتك علي الأقل لكي تتركني و شأني لبقية النهار . أنعم ببعض السلام

رد بصوت ناعم محلقاً علي وجهها بنظرات مفعمة بالرغبة الخالصة :

-في الحقيقة أنا لا أظن ذلك . لا أظن أنني قد أخذت كفايتي منك !

و تهدجت أنفاسها علي نحو مفاجئ ، حين إلتحمت نظراتها بنظراته ، شاهدت هذا مجدداً ، رأت نيته في عينيه ، لم يكن وجهه بعيداً عن وجهها أبداً

فأنفاسه الساخنة تطرق بشرتها الرطبة في هذه اللحظة تماماً ، و قبل أن يهم بفعل ذلك ، كانت قد أغمضت عينيها ، فأطبقت شفتاه علي شفتيها بقبلة رقيقة بادئ الأمر ، لكنه لم يكن بحاجة لأكثر من الإحساس بها من جديد ، بقربها و إحتوائها مرة أخري بين أحضانه الدافئة ، ليتغير كل شيء فجأة ، فتصير قبلته أكثر حرارة و تلهفاً

سالت من عينيها دموع ، أضعف من تلك الدموع الأخري ، لقد كذبت في تصريحها السابق ، كذباً يعذبها في الصميم ، فهو لا يقرفها إطلاقاً ، إنما ينتزع منها مشاعر غريبة تحس بها لأول مرة ، بلطفه المزعوم ، و رقته الزائفة ، و ها هي تخشي من إستسلام قهري وشيك ، إستسلام المشاعر أعظم هزيمة يمكن أن تلحق بها ، سيضعها تحت قدمه لو لمس هذا فقط و لن تجسر علي النطق بكلمة ... كيف تتخلص منه ؟ كيف ؟؟؟

-أحبك ! .. همس "إبراهام" عند شفتيها

إنقبض جفناها بآلم أكبر ، ليستطرد ممرراً أنامله فوق ذراعها بلطف جم :

-مهما قلت أحبك . مهما فعلت أحبك . حتي لو لم تصدقي هذا . لقد ملكت قلبي و قضي الأمر !

و سمعا قرعاً علي باب الغرفة في هذه اللحظة ...

أذن بالدخول و لم يبتعد عنها فوراً ، لتلج "ليونيلا" ثانيةً و لكن هذه المرة و هي تصطحب خلفها مجموعة من المستخدمات اليافعات

حملت كلا منهن حقيبة ملابس متوسطة ، بإشارة من رئيستهم بدأن بأداء عملهن في الحال ، بينما إقتربت "ليونيلا" من سيدها قائلة :

-دقائق و سينتهي كل شيء أيها السيد

مسد "إبراهام" علي شعر زوجته و طبع قبلة مطولة علي كتفها ، ثم قام واقفاً و هو يوجه آوامره إلي"ليونيلا" :

-سأغيب قليلاً في الأسفل . إبقي أنت مع السيدة و أحرصي علي توفير كل ما تحتاج له . نفذي كل ما تآمرك به مفهوم ؟

-بالطبع يا سيدي . لا تقلق أبداً !

و ذهب "إبراهام" بعد أن ألقي نحوها نظرة وداع مؤقتة ، لتصوب "آية" نظرة بغض إلي تلك المرأة اللعينة .. وجدتها تدس يديها بإحدي الحقائب ، لتخرج بروب إستحمامها

و تقريباً أدركت ما تعتزم علي فعله ، فأنهضت جسمها المغطي بالشراشف و هي تهتف بعدائية ظاهرة :

-ماذا تودين بهذا ؟ .. و أشارت بذقنها نحو روب الإستحمام

ليونيلا بهدوء تام :

-إنه لك يا سيدتي . من المؤكد أنك ستحتاجينه بعد أن أحممك

-بعد أن ماذا ؟!! .. صاحت "آية" بإستنكار فظ

-أوتحسبين أنني سأسمح لك بذلك ؟

هزت "ليونيلا" كتفيها :

-أنا هنا من أجلك . و قد أمرني السيد إبراهام بإطاعة كل آوامرك

آية بحدة :

-إذن فأنا آمرك بالإنصراف فوراً . لست بحاجة لك أبداً

ليونيلا بإبتسامة باردة :

-أمرك مطاع . سأشرف علي ترتيب خزانة الملابس و من ثم سأنصرف كما أمرتني .. و إنحنت لها كما تفعل أمام "إبراهام"

إستغرق ترتيب الخزانة ثلث ساعة تقريباً ، و أخيراً أصبحت "آية" بمفردها ...

زفرت بقوة سامحة لدفعة دموعة جديدة بإغراق عينيها ، و بغتة شعرت بجفاف حلقها و أدركت كم هي عطشي

تلفتت حولها بحثاً عن الماء ، أي مصدر للماء ، وجدت فوق الطاولة المجاورة للسرير كأساً فارغة مرفقاً بإبريق ، مدت يدها صوبه بتلهف ، فأصابت دفعتها شيئاً وقع فوق الأرض محدثاً قرقعة خفيفة

نظرت تحت قدميها ، لتري هاتف ، هاتفه ، بالطبع هو هاتفه .. تسمرت لدقائق علي هذه الحالة ، أوحت لها الفرصة فكرة مجنونة ،فكرة خطيرة ربما تودي بحياتها ، لكنها لم تبال ، أسرعت تلتقطه بكلتا يداها

أدارت رأسها نحو الباب الموصد ، تأكدت أن لا أحد هنا و لا حركة في الجوار ، ثم إلتفتت إلي الهاتف ثانيةً و كلها أمل ألا يكون مقفلاً برمز أو ما شابه ...

و لحسن حظها كان فتحه يسيراً تماماً ، إزداد خفقان قلبها و هي تستعرض قائمة الإتصال ، ضربت الرقم الذي تحفظه عن ظهر قلب بأصابع مرتجفة ، ثم وضعت الهاتف علي أذنها

جاءها رنين الإنتظار الرتيب ، فتوسعت عيناها من هول المفاجأة ، لم تود إستعجال الأمور ، حتي تتأكد !

رد الطرف الأخر ، رد الصوت المألوف .. مرة ، إثنان ، ثلاث ، منتظراً إجابتها !!

ليخرج صوتها المذهول أخيراً :

-قُصـي . أخـي .. هل هذا أنـت ......... !!!!!!!!!!!!

يتبـــع ..


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات