رواية احببت عبراني الفصل الثالث عشر 13 بقلم مريم غريب
( 13 )
_ مشاعر ! _
رأسها فوق ذراعه الضخم ، ذراعه الأخر حول خصرها النحيل ، أنفاسه منتظمة و عميقة ، أنفاسها مضطربة تختلط بنحيب صامت بيد أنه لم و لن ينقطع
كانت تحصي دقات قلبها للألف العاشرة منذ فروغه منها عند مطلع الفجر و حتي الآن ، كانت تقبض بيديها علي الشرشف السميك و تشده أكثر حول جسمها الأسير بين أحضانه الصلبة
و كأنها تأمل في قليل من الستر ، لقد كشف سترها علي يده و إنتهي الأمر ، لو كان الإنتحار حلالاً لقتلت نفسها منذ اليوم الأول ، الآن هي جاريته بكل ما للكلمة من معني ، و ليست زوجته كما يزعم ، إنتزع طهارتها و كانت له ما أراد
كانت له هو ، اليهودي ، الإسرائيلي ، عدوها ، لم تكن لتصدق أن يحدث لها هذا حتي في أبشع كوابيسها
إلا أنها لم تجرؤ علي عصيانه أو رفض ما يقوم به معها ، فهي تعلم جيداً أنها مهما قاومت ستكون مقاومتها كلها من غير طائل
فهو المسيطر هنا ، هيمنته سائدة و لا قبل لها بالتصدي له أبداً ، الله يعلم كم حاولت .. و فشلت !
إنتفضت "آية" بعنف ، عندما سمعت باب الغرفة ينفتح و أحدهم يلج بخطوات منتظمة و هو يجر شيئاً فوق الأرض الرخامية ...
حاولت النهوض بسرعة متمسكة بالأغطية حولها ، لكنها شعرت بذراعه تشد عليها بقوة لتبقي كما هي ، كأنه يقول لها أنه قد إستيقظ الآن !
-من هناك ؟!
أجفلت "آية" لسماع صوته الأجش ذي النبرة الناعسة فجأة ، و فوراً إنهالت فوق رأسها ذكريات الليلة الماضية و جميع عبارات الغزل و الكلمات التي همس بها بحرارة شديدة عند عنقها .. لم تفهم معظم ما قاله ، و لم تهتم أصلاً ...
-ليونيلا يا سيدي !
و إرتجفت عندما سمعت صوت مدبرة القصر ، وقعت عيناها علي ألواح المرايا المثبة علي الجدار المقابل ، لتراها تقف خلف "إبراهام" ببضعة خطوات ، إكتشفت أنها كانت تنظر لإنعاكسها أيضاً و هي تبتسم بشماتة خفية
أحست "آية" بصدمة عنيفة ، مذِلـّة ، الآن فقط أدركت حقيقة تلك السيدة ، بكل تصرفاتها و نظراتها المريبة منذ قدومها إلي هنا ، أن الأمر واضح كالشمس ، إنتمائها قوي ، كما كان يجب أن يكون سيدها ، مثلها أيضاً !
-ما الأمر ليونيلا ؟ ألم أحذر ليلة أمس بألا أريد أن يقاطعني أحد مهما حصل !!
ترد "ليونيلا" بصوت هادئ النبرات :
-لقد أحضرت لك الفطور يا سيدي . إنها آوامرك . إذا لم تهبط لتتناول فطورك فنحن نحضره إلي هنا لأجلك
إبراهام بلهجة أكثر لطفاً :
-أوه ! حقاً . كدت أنسي ذلك .. و لكن كم الساعة الآن ؟
-إنها الثانية عشر ظهراً أيها السيد
-ربـاه ! .. صاح "إبراهام" مشدوهاً
-هل نمت كل هذه المدة ؟ لا أصدق !!
ليونيلا و هي تنظر إلي "آية" عبر المرايا :
-يبدو أنك أرهقت نفسك في عمل شاق طوال الليل ! .. كان صوتها البارد مفعم بمشاعر العداء
-لا عليك . حالاً سأعطي آوامري ليجهزوا لك حماماً ساخناً
إبراهام بحزم :
-لا . لا حاجة لذلك . إذهبي أنت الآن و نفذي ما قولته لك البارحة
ليونيلا و هي تنحني له إجلالاً :
-سمعاً و طاعة يا سيدي ! .. و إنصرفت بكل هدوء
ما زالت "آية" علي وضعها ، بينما يتمطي "إبراهام" دون أن يفلتها .. غمغم و هو يقحم وجهه في لفائف شعرها الفاحم :
-هل أيقظتك ليونيلا يا حبيبتي ؟ لقد ذهبت علي أي حال . هلا قمت لنتشاطر الفطور الذي جلبته معاً . فأنا جائع جداً
لكنه لم يحصل علي رداً منها ، بل شعر بتشنج متضاعف يصيب جسمها و سمع آنة متآلمة تفلت من بين شفاهها ، أو هكذا خيل إليه ، فأرتد عنها قليلاً و أدارها نحوه ممسكاً بكتفيها العاريين ليستطلع أمرها بنفسه
جمد وجهه المطل عليها بصدمة ، حين شاهد وجهها المحمر كحبة طماطم ، و عيناها المتورمتين من شدة البكاء ، و إنفراجة شفتيها التي يتسرب عبرها لهاث صدرها الحار
كانت حالتها مزرية إلي حد لم يألفه من قبل أبداً ...
-إلهي ! ما بك ؟ .. تمتم "إبراهام" مذهولاً و قد شحب وجهه من القلق عليها
حدقت فيه بنظرات منكسرة .. لون عيناه الرماديتين مائلاً إلي الزقة الآن ، فكه العريض يرتعش بين الفينة و الأخري ، هكذا يصبح عندما يصيبه إنفعالاً ما
بينما أحست بمشاعر الحزن و الحسرة تقبض علي عنقها بيدين خانقتين ، تملكها يأس راح يأكل من روحها بلا هوادة ، بلا رحمة ، و إذا بها تنفجر مجهشة ببكاء هستيري ، مرير
ذعر "إبراهام" لمرأي تطور حالتها السيئ هذا ، لم يرد إلي ذهنه سوي تفسير واحد ، ليرفع كفه إلي وجهها مجففاً ما أستطاع من دموعها الجارية و هو يقول بإرتباك :
-آية . ما خطبك ؟ لماذا تبكين هكذا ؟ أخبريني . هل تتآلمين ؟ ألم تنامي أبداً منذ الأمس ؟!!
تقطعت أنفاسها في موجة جديدة من النحيب ، تقطعت بفعل هذا اللطف الذي يظهره لها و كأن أمرها يعنيه بالفعل ، و كأنه لا يري معايير العدواة الأبدية بينهما و التي لا يمكن أن يمحوها شيء في الوجود
لعلها تمثل إليه حيواناً أليف ، لعله يراها ضعيفة و غير مؤذية و إلا لما أدخلها بيته من البداية .. و يا ليته فعل !
-آيـة ! .. كرر "إبراهام" بتوتر شديد
-تكلمي ما بك ؟ بما تشعرين ؟ هل أحضر طبيب ؟ أرجوك كفي عن هذا النحيب !!
-أريد ملابسي إذا سمحت ! .. هكذا قالت نائحة في غمرة إنهيارها
أجفله ردها للحظات ، لكنه أومأ لها بلا تردد :
-بالتأكيد . حالاً سأحضر لك كل شيء
و دفع الغطاء عنه ليقوم من الفراش ، بينما أشاحت بوجهها بعيداً و هي تغمض عيناها بشدة ، سمعته يتحرك بالغرفة لنصف دقيقة ، ثم سمعت و كأن الباب قد فتح ثانيةً
إضطرت للنظر إلي هناك ، وجدته مفتوحاً بالفعل ، لكنها لم تجد "إبراهام" .. لتراه يعود بعد مدة وجيزة و قد إرتدي روباً حريرياً باللون الأسود ، و كان يحمل فوق يديه بعض الملابس ، عندما دققت النظر أكثر إكتشفت إنها تعود لها ...
-هاك ملابسك يا طفلتي ! .. قالها "إبراهام" واضعاً الأغراض بجوارها علي السرير
-سيتم نقل جميع أغراضك إلي هنا في أقرب وقت . لنقُل ريثما تأخذين حماماً سيكون كل شيء جاهز
إنعقد حاجباها و هي تسأله بصوت متحشرج يشوبه بعض البكاء :
-ماذا تقصد ؟ أي أغراض هذه ؟!
جلس "إبراهام" مقابلها علي حافة الفراش ، إنحني صوبها محاصراً إياها بين ذراعيه ، ثم قال بإبتسامته الجذابة :
-كل متعلقاتك أيتها الغالية . في طريقها إلي هنا . فقد قررت أن تقيمي معي في هذه الغرفة بدءاً من اليوم
تقنعت بتعبير جامد و هي تقول بتجهم :
-و إن قلت لا . سترغمني كالعادة ؟
تلاشت إبتسامته و حل الضيق محلها و هو يتأمل وجهها النضر الذي إستحال ذابلاً خلال ليلة واحدة ، تنهد و هو يقول مداعباً خصلات شعرها :
-ما علتك يا عروسي الجميلة ؟ هل كنت سيئاً معك إلي هذا الحد ؟ أذكر أنني كنت أكثر لطفاً من المعتاد و كنت شديد الحرص عليك . هل فعلت أي شيء خاطئ ؟ هل جرحت مشاعرك بطريقة ما ؟ ردي عليّ من فضلك !
كتمت "آية" أنفاسها عندما أحست بالنشيج يتصاعد إلي حلقها ، إزدردت ريقها بصعوبة و قالت بصوت أبح :
-لماذا أنا ؟ لقد تعهدت لي بألا تؤذني . لماذا لا تستطيع الوفاء بكلمتك . لماذا أنت مثلهم بينما تدعي الدماثة و لين القلب ؟ لماذا ؟؟!!
-ما الذي فعلته حتي تشعرين بكل هذا الآسي ؟ .. تمتم "إبراهام" عاقداً حاجبيه بإستغراب شديد
-أنا لم أعمد إلي إيذائك أبداً . لقد تزوجت بك لأنني أردتك . كان هذا السبيل الوحيد أمامي . فأنا أعلم بأنك ما كنت لتسمحي لي بإقامة علاقة معك إلا إذا حدث إرتباط وثيق بيننا . لقد أوفيت بعهدي لك يا آية . لا أتذكر أنني أسأت إليك يوماً و لا حتي البارحة عندما كنت بين ذراعي و تحت سيطرتي الكاملة . كان بإمكاني إجبارك و إخضاعك لرغباتي دون اللجؤ للزواج أصلاً . لكني لم أفعل
آية بإزدراء جليدي :
-و هل تعتقد بأنني أقر بصحة هذا الزواج . أنت لست زوجي و أنا بريئة أمام الله من أي شيء تفعله بي . لا تظن أبداً أنك تروقني بأي شكل . أنا أقرف منك كلياً
ردها القاطع المختصر ، صفعه بقوة و فعالية أكبر من لو أنها صفعته بيدها ، إختلجت قسماته وجهه بغضب ملحوظ ، ليقبض علي خصرها فجأة و يعتصره بكفاه و أصابعه و هو يقول بصوت كالفحيح :
-أري أنك غدوت أكثر تهوراً . ما بالك . ألا تخافين مني الآن ؟
إبتسمت بسخرية قائلة :
-بلي أخاف . إطمئن . هذه الغريزة الحمقاء لا أستطيع التخلص منها بسهولة .. لكن أظن أنك قد أخذت كفايتك علي الأقل لكي تتركني و شأني لبقية النهار . أنعم ببعض السلام
رد بصوت ناعم محلقاً علي وجهها بنظرات مفعمة بالرغبة الخالصة :
-في الحقيقة أنا لا أظن ذلك . لا أظن أنني قد أخذت كفايتي منك !
و تهدجت أنفاسها علي نحو مفاجئ ، حين إلتحمت نظراتها بنظراته ، شاهدت هذا مجدداً ، رأت نيته في عينيه ، لم يكن وجهه بعيداً عن وجهها أبداً
فأنفاسه الساخنة تطرق بشرتها الرطبة في هذه اللحظة تماماً ، و قبل أن يهم بفعل ذلك ، كانت قد أغمضت عينيها ، فأطبقت شفتاه علي شفتيها بقبلة رقيقة بادئ الأمر ، لكنه لم يكن بحاجة لأكثر من الإحساس بها من جديد ، بقربها و إحتوائها مرة أخري بين أحضانه الدافئة ، ليتغير كل شيء فجأة ، فتصير قبلته أكثر حرارة و تلهفاً
سالت من عينيها دموع ، أضعف من تلك الدموع الأخري ، لقد كذبت في تصريحها السابق ، كذباً يعذبها في الصميم ، فهو لا يقرفها إطلاقاً ، إنما ينتزع منها مشاعر غريبة تحس بها لأول مرة ، بلطفه المزعوم ، و رقته الزائفة ، و ها هي تخشي من إستسلام قهري وشيك ، إستسلام المشاعر أعظم هزيمة يمكن أن تلحق بها ، سيضعها تحت قدمه لو لمس هذا فقط و لن تجسر علي النطق بكلمة ... كيف تتخلص منه ؟ كيف ؟؟؟
-أحبك ! .. همس "إبراهام" عند شفتيها
إنقبض جفناها بآلم أكبر ، ليستطرد ممرراً أنامله فوق ذراعها بلطف جم :
-مهما قلت أحبك . مهما فعلت أحبك . حتي لو لم تصدقي هذا . لقد ملكت قلبي و قضي الأمر !
و سمعا قرعاً علي باب الغرفة في هذه اللحظة ...
أذن بالدخول و لم يبتعد عنها فوراً ، لتلج "ليونيلا" ثانيةً و لكن هذه المرة و هي تصطحب خلفها مجموعة من المستخدمات اليافعات
حملت كلا منهن حقيبة ملابس متوسطة ، بإشارة من رئيستهم بدأن بأداء عملهن في الحال ، بينما إقتربت "ليونيلا" من سيدها قائلة :
-دقائق و سينتهي كل شيء أيها السيد
مسد "إبراهام" علي شعر زوجته و طبع قبلة مطولة علي كتفها ، ثم قام واقفاً و هو يوجه آوامره إلي"ليونيلا" :
-سأغيب قليلاً في الأسفل . إبقي أنت مع السيدة و أحرصي علي توفير كل ما تحتاج له . نفذي كل ما تآمرك به مفهوم ؟
-بالطبع يا سيدي . لا تقلق أبداً !
و ذهب "إبراهام" بعد أن ألقي نحوها نظرة وداع مؤقتة ، لتصوب "آية" نظرة بغض إلي تلك المرأة اللعينة .. وجدتها تدس يديها بإحدي الحقائب ، لتخرج بروب إستحمامها
و تقريباً أدركت ما تعتزم علي فعله ، فأنهضت جسمها المغطي بالشراشف و هي تهتف بعدائية ظاهرة :
-ماذا تودين بهذا ؟ .. و أشارت بذقنها نحو روب الإستحمام
ليونيلا بهدوء تام :
-إنه لك يا سيدتي . من المؤكد أنك ستحتاجينه بعد أن أحممك
-بعد أن ماذا ؟!! .. صاحت "آية" بإستنكار فظ
-أوتحسبين أنني سأسمح لك بذلك ؟
هزت "ليونيلا" كتفيها :
-أنا هنا من أجلك . و قد أمرني السيد إبراهام بإطاعة كل آوامرك
آية بحدة :
-إذن فأنا آمرك بالإنصراف فوراً . لست بحاجة لك أبداً
ليونيلا بإبتسامة باردة :
-أمرك مطاع . سأشرف علي ترتيب خزانة الملابس و من ثم سأنصرف كما أمرتني .. و إنحنت لها كما تفعل أمام "إبراهام"
إستغرق ترتيب الخزانة ثلث ساعة تقريباً ، و أخيراً أصبحت "آية" بمفردها ...
زفرت بقوة سامحة لدفعة دموعة جديدة بإغراق عينيها ، و بغتة شعرت بجفاف حلقها و أدركت كم هي عطشي
تلفتت حولها بحثاً عن الماء ، أي مصدر للماء ، وجدت فوق الطاولة المجاورة للسرير كأساً فارغة مرفقاً بإبريق ، مدت يدها صوبه بتلهف ، فأصابت دفعتها شيئاً وقع فوق الأرض محدثاً قرقعة خفيفة
نظرت تحت قدميها ، لتري هاتف ، هاتفه ، بالطبع هو هاتفه .. تسمرت لدقائق علي هذه الحالة ، أوحت لها الفرصة فكرة مجنونة ،فكرة خطيرة ربما تودي بحياتها ، لكنها لم تبال ، أسرعت تلتقطه بكلتا يداها
أدارت رأسها نحو الباب الموصد ، تأكدت أن لا أحد هنا و لا حركة في الجوار ، ثم إلتفتت إلي الهاتف ثانيةً و كلها أمل ألا يكون مقفلاً برمز أو ما شابه ...
و لحسن حظها كان فتحه يسيراً تماماً ، إزداد خفقان قلبها و هي تستعرض قائمة الإتصال ، ضربت الرقم الذي تحفظه عن ظهر قلب بأصابع مرتجفة ، ثم وضعت الهاتف علي أذنها
جاءها رنين الإنتظار الرتيب ، فتوسعت عيناها من هول المفاجأة ، لم تود إستعجال الأمور ، حتي تتأكد !
رد الطرف الأخر ، رد الصوت المألوف .. مرة ، إثنان ، ثلاث ، منتظراً إجابتها !!
ليخرج صوتها المذهول أخيراً :
-قُصـي . أخـي .. هل هذا أنـت ......... !!!!!!!!!!!!
يتبـــع ..
_ مشاعر ! _
رأسها فوق ذراعه الضخم ، ذراعه الأخر حول خصرها النحيل ، أنفاسه منتظمة و عميقة ، أنفاسها مضطربة تختلط بنحيب صامت بيد أنه لم و لن ينقطع
كانت تحصي دقات قلبها للألف العاشرة منذ فروغه منها عند مطلع الفجر و حتي الآن ، كانت تقبض بيديها علي الشرشف السميك و تشده أكثر حول جسمها الأسير بين أحضانه الصلبة
و كأنها تأمل في قليل من الستر ، لقد كشف سترها علي يده و إنتهي الأمر ، لو كان الإنتحار حلالاً لقتلت نفسها منذ اليوم الأول ، الآن هي جاريته بكل ما للكلمة من معني ، و ليست زوجته كما يزعم ، إنتزع طهارتها و كانت له ما أراد
كانت له هو ، اليهودي ، الإسرائيلي ، عدوها ، لم تكن لتصدق أن يحدث لها هذا حتي في أبشع كوابيسها
إلا أنها لم تجرؤ علي عصيانه أو رفض ما يقوم به معها ، فهي تعلم جيداً أنها مهما قاومت ستكون مقاومتها كلها من غير طائل
فهو المسيطر هنا ، هيمنته سائدة و لا قبل لها بالتصدي له أبداً ، الله يعلم كم حاولت .. و فشلت !
إنتفضت "آية" بعنف ، عندما سمعت باب الغرفة ينفتح و أحدهم يلج بخطوات منتظمة و هو يجر شيئاً فوق الأرض الرخامية ...
حاولت النهوض بسرعة متمسكة بالأغطية حولها ، لكنها شعرت بذراعه تشد عليها بقوة لتبقي كما هي ، كأنه يقول لها أنه قد إستيقظ الآن !
-من هناك ؟!
أجفلت "آية" لسماع صوته الأجش ذي النبرة الناعسة فجأة ، و فوراً إنهالت فوق رأسها ذكريات الليلة الماضية و جميع عبارات الغزل و الكلمات التي همس بها بحرارة شديدة عند عنقها .. لم تفهم معظم ما قاله ، و لم تهتم أصلاً ...
-ليونيلا يا سيدي !
و إرتجفت عندما سمعت صوت مدبرة القصر ، وقعت عيناها علي ألواح المرايا المثبة علي الجدار المقابل ، لتراها تقف خلف "إبراهام" ببضعة خطوات ، إكتشفت أنها كانت تنظر لإنعاكسها أيضاً و هي تبتسم بشماتة خفية
أحست "آية" بصدمة عنيفة ، مذِلـّة ، الآن فقط أدركت حقيقة تلك السيدة ، بكل تصرفاتها و نظراتها المريبة منذ قدومها إلي هنا ، أن الأمر واضح كالشمس ، إنتمائها قوي ، كما كان يجب أن يكون سيدها ، مثلها أيضاً !
-ما الأمر ليونيلا ؟ ألم أحذر ليلة أمس بألا أريد أن يقاطعني أحد مهما حصل !!
ترد "ليونيلا" بصوت هادئ النبرات :
-لقد أحضرت لك الفطور يا سيدي . إنها آوامرك . إذا لم تهبط لتتناول فطورك فنحن نحضره إلي هنا لأجلك
إبراهام بلهجة أكثر لطفاً :
-أوه ! حقاً . كدت أنسي ذلك .. و لكن كم الساعة الآن ؟
-إنها الثانية عشر ظهراً أيها السيد
-ربـاه ! .. صاح "إبراهام" مشدوهاً
-هل نمت كل هذه المدة ؟ لا أصدق !!
ليونيلا و هي تنظر إلي "آية" عبر المرايا :
-يبدو أنك أرهقت نفسك في عمل شاق طوال الليل ! .. كان صوتها البارد مفعم بمشاعر العداء
-لا عليك . حالاً سأعطي آوامري ليجهزوا لك حماماً ساخناً
إبراهام بحزم :
-لا . لا حاجة لذلك . إذهبي أنت الآن و نفذي ما قولته لك البارحة
ليونيلا و هي تنحني له إجلالاً :
-سمعاً و طاعة يا سيدي ! .. و إنصرفت بكل هدوء
ما زالت "آية" علي وضعها ، بينما يتمطي "إبراهام" دون أن يفلتها .. غمغم و هو يقحم وجهه في لفائف شعرها الفاحم :
-هل أيقظتك ليونيلا يا حبيبتي ؟ لقد ذهبت علي أي حال . هلا قمت لنتشاطر الفطور الذي جلبته معاً . فأنا جائع جداً
لكنه لم يحصل علي رداً منها ، بل شعر بتشنج متضاعف يصيب جسمها و سمع آنة متآلمة تفلت من بين شفاهها ، أو هكذا خيل إليه ، فأرتد عنها قليلاً و أدارها نحوه ممسكاً بكتفيها العاريين ليستطلع أمرها بنفسه
جمد وجهه المطل عليها بصدمة ، حين شاهد وجهها المحمر كحبة طماطم ، و عيناها المتورمتين من شدة البكاء ، و إنفراجة شفتيها التي يتسرب عبرها لهاث صدرها الحار
كانت حالتها مزرية إلي حد لم يألفه من قبل أبداً ...
-إلهي ! ما بك ؟ .. تمتم "إبراهام" مذهولاً و قد شحب وجهه من القلق عليها
حدقت فيه بنظرات منكسرة .. لون عيناه الرماديتين مائلاً إلي الزقة الآن ، فكه العريض يرتعش بين الفينة و الأخري ، هكذا يصبح عندما يصيبه إنفعالاً ما
بينما أحست بمشاعر الحزن و الحسرة تقبض علي عنقها بيدين خانقتين ، تملكها يأس راح يأكل من روحها بلا هوادة ، بلا رحمة ، و إذا بها تنفجر مجهشة ببكاء هستيري ، مرير
ذعر "إبراهام" لمرأي تطور حالتها السيئ هذا ، لم يرد إلي ذهنه سوي تفسير واحد ، ليرفع كفه إلي وجهها مجففاً ما أستطاع من دموعها الجارية و هو يقول بإرتباك :
-آية . ما خطبك ؟ لماذا تبكين هكذا ؟ أخبريني . هل تتآلمين ؟ ألم تنامي أبداً منذ الأمس ؟!!
تقطعت أنفاسها في موجة جديدة من النحيب ، تقطعت بفعل هذا اللطف الذي يظهره لها و كأن أمرها يعنيه بالفعل ، و كأنه لا يري معايير العدواة الأبدية بينهما و التي لا يمكن أن يمحوها شيء في الوجود
لعلها تمثل إليه حيواناً أليف ، لعله يراها ضعيفة و غير مؤذية و إلا لما أدخلها بيته من البداية .. و يا ليته فعل !
-آيـة ! .. كرر "إبراهام" بتوتر شديد
-تكلمي ما بك ؟ بما تشعرين ؟ هل أحضر طبيب ؟ أرجوك كفي عن هذا النحيب !!
-أريد ملابسي إذا سمحت ! .. هكذا قالت نائحة في غمرة إنهيارها
أجفله ردها للحظات ، لكنه أومأ لها بلا تردد :
-بالتأكيد . حالاً سأحضر لك كل شيء
و دفع الغطاء عنه ليقوم من الفراش ، بينما أشاحت بوجهها بعيداً و هي تغمض عيناها بشدة ، سمعته يتحرك بالغرفة لنصف دقيقة ، ثم سمعت و كأن الباب قد فتح ثانيةً
إضطرت للنظر إلي هناك ، وجدته مفتوحاً بالفعل ، لكنها لم تجد "إبراهام" .. لتراه يعود بعد مدة وجيزة و قد إرتدي روباً حريرياً باللون الأسود ، و كان يحمل فوق يديه بعض الملابس ، عندما دققت النظر أكثر إكتشفت إنها تعود لها ...
-هاك ملابسك يا طفلتي ! .. قالها "إبراهام" واضعاً الأغراض بجوارها علي السرير
-سيتم نقل جميع أغراضك إلي هنا في أقرب وقت . لنقُل ريثما تأخذين حماماً سيكون كل شيء جاهز
إنعقد حاجباها و هي تسأله بصوت متحشرج يشوبه بعض البكاء :
-ماذا تقصد ؟ أي أغراض هذه ؟!
جلس "إبراهام" مقابلها علي حافة الفراش ، إنحني صوبها محاصراً إياها بين ذراعيه ، ثم قال بإبتسامته الجذابة :
-كل متعلقاتك أيتها الغالية . في طريقها إلي هنا . فقد قررت أن تقيمي معي في هذه الغرفة بدءاً من اليوم
تقنعت بتعبير جامد و هي تقول بتجهم :
-و إن قلت لا . سترغمني كالعادة ؟
تلاشت إبتسامته و حل الضيق محلها و هو يتأمل وجهها النضر الذي إستحال ذابلاً خلال ليلة واحدة ، تنهد و هو يقول مداعباً خصلات شعرها :
-ما علتك يا عروسي الجميلة ؟ هل كنت سيئاً معك إلي هذا الحد ؟ أذكر أنني كنت أكثر لطفاً من المعتاد و كنت شديد الحرص عليك . هل فعلت أي شيء خاطئ ؟ هل جرحت مشاعرك بطريقة ما ؟ ردي عليّ من فضلك !
كتمت "آية" أنفاسها عندما أحست بالنشيج يتصاعد إلي حلقها ، إزدردت ريقها بصعوبة و قالت بصوت أبح :
-لماذا أنا ؟ لقد تعهدت لي بألا تؤذني . لماذا لا تستطيع الوفاء بكلمتك . لماذا أنت مثلهم بينما تدعي الدماثة و لين القلب ؟ لماذا ؟؟!!
-ما الذي فعلته حتي تشعرين بكل هذا الآسي ؟ .. تمتم "إبراهام" عاقداً حاجبيه بإستغراب شديد
-أنا لم أعمد إلي إيذائك أبداً . لقد تزوجت بك لأنني أردتك . كان هذا السبيل الوحيد أمامي . فأنا أعلم بأنك ما كنت لتسمحي لي بإقامة علاقة معك إلا إذا حدث إرتباط وثيق بيننا . لقد أوفيت بعهدي لك يا آية . لا أتذكر أنني أسأت إليك يوماً و لا حتي البارحة عندما كنت بين ذراعي و تحت سيطرتي الكاملة . كان بإمكاني إجبارك و إخضاعك لرغباتي دون اللجؤ للزواج أصلاً . لكني لم أفعل
آية بإزدراء جليدي :
-و هل تعتقد بأنني أقر بصحة هذا الزواج . أنت لست زوجي و أنا بريئة أمام الله من أي شيء تفعله بي . لا تظن أبداً أنك تروقني بأي شكل . أنا أقرف منك كلياً
ردها القاطع المختصر ، صفعه بقوة و فعالية أكبر من لو أنها صفعته بيدها ، إختلجت قسماته وجهه بغضب ملحوظ ، ليقبض علي خصرها فجأة و يعتصره بكفاه و أصابعه و هو يقول بصوت كالفحيح :
-أري أنك غدوت أكثر تهوراً . ما بالك . ألا تخافين مني الآن ؟
إبتسمت بسخرية قائلة :
-بلي أخاف . إطمئن . هذه الغريزة الحمقاء لا أستطيع التخلص منها بسهولة .. لكن أظن أنك قد أخذت كفايتك علي الأقل لكي تتركني و شأني لبقية النهار . أنعم ببعض السلام
رد بصوت ناعم محلقاً علي وجهها بنظرات مفعمة بالرغبة الخالصة :
-في الحقيقة أنا لا أظن ذلك . لا أظن أنني قد أخذت كفايتي منك !
و تهدجت أنفاسها علي نحو مفاجئ ، حين إلتحمت نظراتها بنظراته ، شاهدت هذا مجدداً ، رأت نيته في عينيه ، لم يكن وجهه بعيداً عن وجهها أبداً
فأنفاسه الساخنة تطرق بشرتها الرطبة في هذه اللحظة تماماً ، و قبل أن يهم بفعل ذلك ، كانت قد أغمضت عينيها ، فأطبقت شفتاه علي شفتيها بقبلة رقيقة بادئ الأمر ، لكنه لم يكن بحاجة لأكثر من الإحساس بها من جديد ، بقربها و إحتوائها مرة أخري بين أحضانه الدافئة ، ليتغير كل شيء فجأة ، فتصير قبلته أكثر حرارة و تلهفاً
سالت من عينيها دموع ، أضعف من تلك الدموع الأخري ، لقد كذبت في تصريحها السابق ، كذباً يعذبها في الصميم ، فهو لا يقرفها إطلاقاً ، إنما ينتزع منها مشاعر غريبة تحس بها لأول مرة ، بلطفه المزعوم ، و رقته الزائفة ، و ها هي تخشي من إستسلام قهري وشيك ، إستسلام المشاعر أعظم هزيمة يمكن أن تلحق بها ، سيضعها تحت قدمه لو لمس هذا فقط و لن تجسر علي النطق بكلمة ... كيف تتخلص منه ؟ كيف ؟؟؟
-أحبك ! .. همس "إبراهام" عند شفتيها
إنقبض جفناها بآلم أكبر ، ليستطرد ممرراً أنامله فوق ذراعها بلطف جم :
-مهما قلت أحبك . مهما فعلت أحبك . حتي لو لم تصدقي هذا . لقد ملكت قلبي و قضي الأمر !
و سمعا قرعاً علي باب الغرفة في هذه اللحظة ...
أذن بالدخول و لم يبتعد عنها فوراً ، لتلج "ليونيلا" ثانيةً و لكن هذه المرة و هي تصطحب خلفها مجموعة من المستخدمات اليافعات
حملت كلا منهن حقيبة ملابس متوسطة ، بإشارة من رئيستهم بدأن بأداء عملهن في الحال ، بينما إقتربت "ليونيلا" من سيدها قائلة :
-دقائق و سينتهي كل شيء أيها السيد
مسد "إبراهام" علي شعر زوجته و طبع قبلة مطولة علي كتفها ، ثم قام واقفاً و هو يوجه آوامره إلي"ليونيلا" :
-سأغيب قليلاً في الأسفل . إبقي أنت مع السيدة و أحرصي علي توفير كل ما تحتاج له . نفذي كل ما تآمرك به مفهوم ؟
-بالطبع يا سيدي . لا تقلق أبداً !
و ذهب "إبراهام" بعد أن ألقي نحوها نظرة وداع مؤقتة ، لتصوب "آية" نظرة بغض إلي تلك المرأة اللعينة .. وجدتها تدس يديها بإحدي الحقائب ، لتخرج بروب إستحمامها
و تقريباً أدركت ما تعتزم علي فعله ، فأنهضت جسمها المغطي بالشراشف و هي تهتف بعدائية ظاهرة :
-ماذا تودين بهذا ؟ .. و أشارت بذقنها نحو روب الإستحمام
ليونيلا بهدوء تام :
-إنه لك يا سيدتي . من المؤكد أنك ستحتاجينه بعد أن أحممك
-بعد أن ماذا ؟!! .. صاحت "آية" بإستنكار فظ
-أوتحسبين أنني سأسمح لك بذلك ؟
هزت "ليونيلا" كتفيها :
-أنا هنا من أجلك . و قد أمرني السيد إبراهام بإطاعة كل آوامرك
آية بحدة :
-إذن فأنا آمرك بالإنصراف فوراً . لست بحاجة لك أبداً
ليونيلا بإبتسامة باردة :
-أمرك مطاع . سأشرف علي ترتيب خزانة الملابس و من ثم سأنصرف كما أمرتني .. و إنحنت لها كما تفعل أمام "إبراهام"
إستغرق ترتيب الخزانة ثلث ساعة تقريباً ، و أخيراً أصبحت "آية" بمفردها ...
زفرت بقوة سامحة لدفعة دموعة جديدة بإغراق عينيها ، و بغتة شعرت بجفاف حلقها و أدركت كم هي عطشي
تلفتت حولها بحثاً عن الماء ، أي مصدر للماء ، وجدت فوق الطاولة المجاورة للسرير كأساً فارغة مرفقاً بإبريق ، مدت يدها صوبه بتلهف ، فأصابت دفعتها شيئاً وقع فوق الأرض محدثاً قرقعة خفيفة
نظرت تحت قدميها ، لتري هاتف ، هاتفه ، بالطبع هو هاتفه .. تسمرت لدقائق علي هذه الحالة ، أوحت لها الفرصة فكرة مجنونة ،فكرة خطيرة ربما تودي بحياتها ، لكنها لم تبال ، أسرعت تلتقطه بكلتا يداها
أدارت رأسها نحو الباب الموصد ، تأكدت أن لا أحد هنا و لا حركة في الجوار ، ثم إلتفتت إلي الهاتف ثانيةً و كلها أمل ألا يكون مقفلاً برمز أو ما شابه ...
و لحسن حظها كان فتحه يسيراً تماماً ، إزداد خفقان قلبها و هي تستعرض قائمة الإتصال ، ضربت الرقم الذي تحفظه عن ظهر قلب بأصابع مرتجفة ، ثم وضعت الهاتف علي أذنها
جاءها رنين الإنتظار الرتيب ، فتوسعت عيناها من هول المفاجأة ، لم تود إستعجال الأمور ، حتي تتأكد !
رد الطرف الأخر ، رد الصوت المألوف .. مرة ، إثنان ، ثلاث ، منتظراً إجابتها !!
ليخرج صوتها المذهول أخيراً :
-قُصـي . أخـي .. هل هذا أنـت ......... !!!!!!!!!!!!
يتبـــع ..
