اخر الروايات

رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل الثالث عشر 13 بقلم اسراء الوزير

رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل الثالث عشر 13 بقلم اسراء الوزير


رواية (عاشقة بأرض الأوغاد)
الفصل الثالث عشر:

أخذت سيارة الشرطة تقطع الطريق بسرعة متّجهة إلى السّجن حيث سيتمّ احتجاز سارة واستجوابها بما أقدمت عليه من عمل إجرامي، وكانت سارة ومعها سجينتين مثلها بين عدد من العساكر بالكبينة، وبينما تهمهم الزميلتان جانبيّا عنها وعمّا قامت به، وكذلك نظرة العساكر الجانبيّة والتي تنمّ عن الغضب والاستحقار من هذه القاتلة، كانت هي بمكاان آخر حيث عادت بها الذكرى لما حدث قبل ست ساعات من قدومها إلى المحكمة، تذكّرت جيّدا حين كانت تمشي بالغرفة ذهابا وإيابا وقلبها يكاد يختلج من مكانه حيث اليوم فيه ساعة النطق بالحكم والتي ستودي بحياة خالد لا محالة، تفكر مليّا كيف تستطيع إخراجه من هذه الورطة دون خسائر، وبعد مرور ربع ساعة فكرت أن تنزل وتُحادث سهى عن سبب الكاميرا المُعطَّلة بذاك اليوم بالذات، خرجت من الغرفة ثم سارت نحو غرفة سهى، همّت لتطرق الباب ولكن أتاها صوت فاطمة المارّة بجانبها قائلة:
_ مدام سهى مش هنا يا مدام
التفتت إليها سارة قائلة بتساؤل:
_ أمّال هي فين؟
_ في الجنينة مع أحمد باشا
ضيّقت حدقتيها باستنكار بينما تحاول جيّدا تفسير سبب قدوم احمد ولم يخبرها بذلك قبلا! بل لمَ لم تُرسل إليها سهى بخبر قدومه؟! تحرّكت بخطوات متسارعة بعض الشئ في محاولة لقطع المسافة الفاصلة حتى الحديقة بأسرع ما يمكن لتعرف ما يجري هنا، تخطّت الدرج والباب الداخلي للفيلّا ثم سارت حتى الحديقة ولكن تسمّرت مكانها خلف إحدى الأشجار مع صوت عالٍ نسبيّا يعود لأحمد حيث يهتف بحنق:
_ إنت بتهدّدني يالا؟!
سمحت لعينها اليسرى بالتقاط الرؤية لما يحدث في زاوية الحديقة، حيث يوجد كل من سهى وأحمد مع عدد من الرجال ذوي الملابس السوداء، يقف مقابلهم شاب في مقتبل الثلاثينات مألوف الملامح بالنسبة لها، يُعيد جهاز الحاسوب المحمول خاصته بينما يقول بتشفّي:
_ والله لو ماكنتش بخيل يا سيادة المقدم ماكنّاش هنوصل لكدة
ثم استطرد بتهكّم:
_ خليتني أعطّل الكاميرات في القصر كله عشان 10000 جنيه، لكن انا بقى كنت أذكى، عطّلت اللي طلبته وعرفت ازرع حاجتي أنا لإن يستحيل طلب زي اللي طلبته انت والمدام مايكونش ورا مصيبة
ثم عاد ينظر إلى حقيبة حاسوبه مكملا ببرود يتخلّله:
_ وفعلا اللي حسيته حصل، أدهم بيه يدخل أوضة المكتب عشان يلاقيك انت والهانم في وضع مُخلّ جدا ولما اتصرف زي أيّ راجل بيدافع عن شرفه قتلته المدام بطلقة غدر من مسدس خالد بيه اللي جابهولك توفيق الساعي!
ثم استرسل بنبرة استفزازية:
_ تصور كدة الإعلام هيعمل إيه لو نسخة من الفيديو ده اتنشرت؟! وتصور كمان ان كل الفلوس اللي مستنيينها هتروح منكم، غير العشماوي هيكون في انتظاركم
أسرعت سهى تقول بنزق:
_ عايز كام؟
نطق مع ابتسامة جانبيّة كلّلت ثغره:
_ مليون جنيه بس
أماء أحمد برأسه في استسلام بينما يقول موافقا:
_ تمام، هكتب لك المبلغ
انفغر فاه سارة بقوّة بعدما رأت وسمعت من صاعقة مُميتة لا يمكن احتمالها، فلا تكفي صدمة كونهما خائنين بل قَتَلة أيضا! وعلى الجانب الآخر اتّسعت ابتسامة هذا المهندس بينما يرقب أحمد الذي جذب طرف سترة بدلته ليخرج دفتر الشيكات، ولكن سرعان ما بهتت معالمه وتعرّق جبينه بعدما وجده أخرج مسدسا عوضا عن ذلك، همّ لينطق وقد أصابه الرّوع ممّا سيفعل أحمد بينما ارتسمت ابتسامة خبيثة بثغر سهى حيث باتت ترمقه بانتصار الآن، بينما نطق هو بهلع:
_ إنت هتعمل ايه؟
أجابه بينما يوجّه فوّهة المسدس نحوه ببرود:
_ ده تمن الفيديو اللي صورته يا واطي
ثم أتبع كلماته بإطلاق رصاصة واحدة مكتومة الصوت اخترقت جبهة هذا المسكين ليقع صريعا لتنبعث شهقة عالية الصوت من حنجرة سارة بعد ما رأت بأم عينها عيّنة من جرائمهم صوتا وصورة، التفتت العيون إلى مصدر الصوت لتظهر سارة من خلف الشجرة هاتفة بهلع:
_ إنتو اللي قتلتوا اخويا يا سفّاحيــن، والله ما هسكت وهوديكم فــ ستّين داهية
ثم أخذت تركض باتجاه الباب بينما يهمّ الرجال على تصويب السلاح نحوها ولكن أوقفهم أحمد بصوته آمرا:
_ ماحدش يقتلها، هاتوهالي هنا
وما كانت سوى خمس دقائق حتى استطاعوا إحضارها جبرا إلى حيث يقفون، أخذت تحاول التملّص من قبضاتهم في حين اتّجه إليها أحمد حتى صفعها بيمينه هاتفا بغيظ:
_ عايزة تشهدي علينا عشان تخرجي حبيب القلب يا خاينة؟
صرخت سارة بثورة:
_ دانت اللي خاين ومرتشي وحقير، والله ما هسيبكم تعملوا اللي فــ دماغكم وكل حاجة تبقى تحت اديكوا
عاد يصفعها من جديد ولكن بقوة أكبر هذه المرة حتى وقعت أرضا وانسابت الدماء من شفاهها، عادت تنظر إليه بينما تضع يدها على وجنتها التي تركت أصابعه آثارها عليها، بينما بدأ أبناء إبليس أتباعه بربطها بالقوّة على الكرسيّ، بينما هشّم أحمد جهاز الحاسوب المحمول الذي كان يخص المهندس ثم التفت إلى سهى قائلا:
_ يالا يا سهى سيبيها زي الكلبة هنا
أماءت بخفّة قبل أن تعود بعينيها نحو سارة التي تنظر إليهما والدمع ينساب من عينيها فتكمل بنبرة تشفٍّ:
_ والله سهّلتي علينا المهمّة كدة كدة كان لازم تعرفي قبل ما تموتي، بس هنأجل قتلك شوية لحد ما حبيب القلب يتعدم
عقّب أحمد على كلامها بانتصار:
_ هيموت وتموتي وراه وكل الأدلة هتموت كمان
ثم التفت إلى الرجال حوله قائلا:
_ إتنين منكم هيعدوا على مكتبه وشقته ويتكسر كل جهاز فيهم، وجثة الواد تدفنوها فــ مكان الدبّان الازرق مايعرفش طريقه
عاد ببصره إليها قائلا ببرود:
_ يالا كل دليل ممكن يبرّأ خالد هيروح هدر، معلش!

ازداد امتعاض معالم سارة بعدما تذكَّرت كيف كانت تبكي في الغرفة حبيسة بها والخوف ينخر بعظامها من إمكانيّة تحقّق هذا الوعيد الذي أطلقته سهى عن تطبيق العقوبة على حبيبها عوضا عنهما، تذكَّرت كيف استطاعت بعد مرور خمس ساعات أن تحلّ الوثاق المتين ثم تقوم وتهرب من الحراس _اللذين عيّنهم أحمد لحبسها_ عن طريق التقاطها لسلاح أحدهم ثم صوّبت فوّهته على رأسه، واتخذت من ذلك سبيلا حتى استطاعت احتلال سيارة والهروب لأجل إنقاذ حبيبها، وما كان ذلك هيّنا إذ احترقت الأدلّة وصارت رمادا لن يفيدها بما تودّ القيام به، وما كان معها سوى أن تُبادر باقتحام القاعة قبل النطق بالحكم والهتاف بكونها هي الجانية الحقيقيّة! وهذا ما حدث ويحدث نتيجة عشقها له، فللمرة التي لا تُحصيها تنقذ حياته على حساب حياتها، ولكن أيّ حياة هذه التي لا يوجد بها خالد؟! إنها بالفعل كانت كالجثّة الحيّة فما الضّير من الإعدام؟! بل إن حبل المشنقة سيكون رحيما بها عن هذه الحياة وما تحتويها من أوغاد!

في أحد شوارع منطقة المعادي، فتحت باب الشقة ثم أعادت المفتاح إلى حقيبتها ودفعت الباب للداخل استعدادا لكشف اللغز الذي حيّرها وأودع الخوف بقلبها، فلطالما تردّدت كثيرا قبل القدوم إلى هنا؛ فمن جهة كان يوجد العقل الذي يأمرها أن تذهب على الفور لمعرفة المُخبَّأ خلف ستار كذب زوجها، ومن جهة ثانية يوجد القلب الذي ينشدها بالله أن تتوقف ولا تترك للظنون مجالا؛ فلا يطيق كون معشوقه يكنّ الحب لأخرى، بل كل ما يريد هو التمسّك بقشّة امتلاكه حتى وإن كان ذلك غير صحيحا!
ما أن فتحت الباب حتى تطاير غبار السنين المتراكمة في الهواء أمام وجهها فكمّمت فمها وأنفها كما أغمضت عينيها بينما تسعل بخفة، وبعد مرور أقل من دقيقة فتحت عينيها ببطء لتبدأ بتفحّص الشقة المتوسطة الحجم ذات الصالة الواسعة مع ثلاث غرف، أخرجت هاتفها من حقيبتها ثم ضغطت زر الكشاف لإضاءة المكان، لتتمكّن من الرؤية الجزئية لهذا المكان الذي يُغَلِّف التراب أركانه، تحرّكت نحو الغرفة الأولى ثم فتحت بابها وخَطَت بها بعض الخطوات لتجد إطارا مُعَلَّقا بحائط الغرفة فوق السرير الكبير، أخرجت منديلا من حقيبتها ثم وقفت على السرير وبدأت بإزاحة الغبار عن زجاج الإطار لتجده يحمل صورة داكنة اللون بها زوجَين بثوب الزفاف، خمّنت سريعا أن هذه الغرفة تخصّ والدَيْ خالد، فخرجت من الغرفة ثم اتّجهت إلى التي تليها، أدارت مقبض الباب ثم دلفت ليحتجّ المزيد من التراب على دخولها واقتحام خصوصية المكان بعد هذه الأعوام، عادت تغلق عينيها بينما تدفع الباب لتدخل وقد أصرّ فضولها على فهم ما يحدث، أخذت تقترب بينما تفتح عينيها شيئا فشيئا لتجد حالة من الفوضى ليس لها مثيل، مُقتنيات مُلقاة هنا وهناك بإهمال وأغلبها منكسر، وبينما تتلمّس طريقها إلى الداخل بواسطة الكشاف ضغطت قدمها على شيء زجاجي أدى إلى انكساره فتراجعت خطوتين إلى الخلف بينما ترمق بعينيها ما تحطّم، ليتبيَّن كونه إطار آخر أصغر حجما، انحنت لتلتقطه ثم أخذت تظفه بكفها لتتّضح الرؤية وينكشف المستور ويصرخ قلبها من شدة الألم؛ فقد كانت الصورة تضم خالد وهو يميل مُسندا ساعده أسفل ظهر سارة في طريقة راقصة، وكان ذلك يوم الحفل السنوى الأخير لعيد الحب بالكلية، تقلّصت معالم سما بينما ترمق هذَين في هذه الصورة القديمة وقد عرفت بمقابلة خالد لسارة قبل زواجهما وكونه بالفعل يعرفها، شعرت باختناق أصاب أنفاسها لتعود ببصرها إلى الأشياء المُلقاة أرضا وتبدأ بتفحّص كل منها إذ كانت عبارة عن قطع ثمينة من الهدايا، إما ساعة فضيّة أو لوحة زيتيّة ذات رسمة بديعة أو وسادة صغيرة منقوش عليها اسميهما، وإلى جانب ذلك يوجد عدد من بطاقات الإهداءات منقوش عليهم أحلى ما للحب من كلمات بين عاشقَين، كلمات لم يتفوّه بها خالد نفسه أمامها!
ألقت آخر بطاقة من بين أناملها بينما شعرت بالدمع يعتصر عينيها بعدما تبيَّن لها مدى العلاقة التي كانت تجمع خالد بسارة، فقد صار واضحا للأعمى كونهما ارتبطا قبلا بعلاقة حب فرقتها الأيام، الآن فقط عرفت سبب انطواء سارة بعيدا ونفورها من اللقاء معهم قدر الإمكان، الآن فقط عرفت سبب نظرات خالد المختلسة إليها، الآن فقط عرفت سبب الضيق الذي كان يعتريه فور لقائها، والألم الذي يعتريها فور لقائه، الآن فقط انفكّت شيفرة اللغز ولكن لا زال للتساؤل بقيّة..

أخذ أحمد يُعنِّف طاقم الحراسة المُكوَّن من الأربعة رجال، ناكسي رؤوسهم في خزيٍ بعد فشلهم الذريع في المهمَّة التي كان لابد من إنهائها، أمسك أحمد بياقة أحدهم هاتفا بشراسة:
_ بقى اقولكم احرسوا واحدة ستّ مربوطة، تهرب منكم يا شوية كلاب؟!
أخذت سهى تَرقُبُ المنظر من بعيد والبرود مكتسح معالمها بينما نطق أحدهم بحزن مبررا:
_ يا باشا دي هددتنا بمسدس وكانت هتقتل الواد سيّد، ولما هربت بالعربية ماعرفناش نلحقها قبل ما توصل المحكمة
نفض براثنه عن هذا الرجل بينما يصرخ بعنف:
_ طب غوروا من وشّي
ما أن لفظها حتى أسرع أربعتهم إلى الخارج بينما جلس أحمد على الكرسي المجاور لسهى وأخذ يمسح على وجهه في حين يزفر بحنق، رمقته سهى بهدوء قبل أن تنطق بهدوء مُبالَغ فيه:
_ هدّي نفسك شويّة ياحمد، العصبيّة مش حلوة علشانك
أزاح يده عن عينيه كي يحدّق بهذه التي تجلس بأريحيّة بينما تنفخ في أظافرها بهدوء تام وكأنها ليست معه بنفس المأزق، ضيّق عينيه بعدم فهم بينما يقول من بين أسنانه مستهجنا:
_ أنا مش عارف إي برود الدم اللي انتي فيه ده؟! دي مصيبة وهتحط على دماغنا كلنا!
طالعته بعنينين يشعّ الخبث منهما بينما تردف بنبرة ذات مغزى:
_ ولا مصيبة ولا حاجة يا قلبي، داحنا كدة اتأكدنا اننا في السليم
رمقها من رأسها إلى أخمص قدميها بشك قبل أن يردف متسائلا:
_ إزاي بقى؟!
اقتربت منه قليلا ثم أجابته موضّحة بخبث:
_ إحنا كنا خايفين من سارة وعارفين انها هتعمل لنا مشاكل بعد كدة وكان لازم نخلص منها، وقتلها كان هيسبّب لنا مشكلة كبيرة، لكن جات من عندها واعترفت على نفسها، يعني كدة كل الشكوك بعدت عننا عشان مافيش حد هيعترف على نفسه زور!
ثم استرسلت مكملة بانتصار:
_ ودلوقتي هي في السجن وقريب أوي إعدام، وطبعا اتحرمت من كل مليم من ورث أخوها
ثم وضعت يدها على بطنها متشدّقة:
_ وبقت كل فلوسه ليا وللي فــ بطني
ابتسم أحمد من جانب ثغره بسماجة قبل أن يقول بإعجاب:
_ عجبني تفكيرك يا روح قلبي
نطقت سهى بنبرة ثاقبة:
_ دلوقتي انت عارف هتعمل ايه؟
حكّ ذقنه النابت الشعر الخفيف به بينما يجيبها مع نظرة لئيمة:
_ عارف، كويس جدا.

_ البقية فــ حياتك
لفظ بها الجرّاح المختصّ وأسى شديد اعتلى نبرة صوته لتجحظ عينا هذا المستمع وينفغر فاهه من فرط الصدمة، ولم يصل إلى استيعاب عقله بعد إذا ما سمع حقيقة؛ فهدر بوجه الطبيب ثائرا:
_ لا يا دكتور إنت كداب، هناء بنتي ما ماتتش، لااا
قطب الطبيب حاجبيه ضائقا من هذا الرجل الذي رفع صوته حتى التفت إليهم كل من في الدور، ولكنه يتفهّم جيدا ما وصلت وستصل إليه حالته بعد فقدان ابنته الوحيدة؛ فتغاضى عن ذلك مربتا على كتفه قائلا بشفقة:
_ أنا فاهم الصدمة اللي انت فيها، بس دي الحقيقة، ادعيلها بالرحمة، وان شاء الله تكون البنت دي هي السبب في دخولك الجنة
لم يجد المزيد لقوله في هذه اللحظة الحساسة وقد تقطّعت نياط قلبه حزنا على هذا المكلوم لفقد ابنته؛ فما كان منه سوى أن يغادر المكان تاركا إياه غارقا بأوجاعه لموت صغيرته التي فعل المستحيل لأجلها، لم تتحمّل قدماه وقْع الصاعقة المُهلِكَةِ؛ فجلس أرضا ثم دفن رأسه بين ركبتيه باكيا بينما يرثى بألم:
_ آااااه يا هناء، موتي وسيبتيني لوحدي، أنا ليا مين بعدك يا حبيبتي؟! آاااه روحتك وجعاني من دلوقتي يا بنتي، سيبتيني ليه؟ ليـــه؟!
ثم عاد إلى نوبة بكائه المتواصلة والدمع الغير منتهي لبرهة من الزمن إلى حين التقتطت أذناه صوتا رجوليا يقول صاحبه باقتضاب دون أن تهتزّ نبرته من رؤية هذا المتألم:
_ إسأل نفسك عملت إيه فــ حياتك عشان ربنا يعاقبك فــ بنتك!

كان يقود السيارة بسرعة جنونيّة متجها إلى المشفى المُلحَقِ بالسجن النسائي بعدما عرف بإصابة سارة بانهيار عصبي بعد مكوثها بالسجن ليومين فقط، يكاد يختلج قلبه من مكانه هلعا عليها، يعرف جيدا أن عزيزته هشّة رغم ما تُظهر من صلابة تخدع الجميع عداه، كان على علم بكونها لن تتحمّل معاناة الحبس وما فيه من أوباش، ولسبب لا نعلمه كان لابد من التريّث عدّة أيام قبل لقائها والحديث معها بشأن هذا اليوم الذي قَلَبَ موازين الشرطة والنيابة والإعلام والرأي العام
مرّت نصف ساعة حتى وصوله والتفاوض مع العلاقات العامة؛ لأجل مقابلة سارة في غير ميعاد الزيارة، دلف إلى الغرفة الواسعة التي تضمّ عددا الأسرّة للمريضات من السجينات، ثم أخذ يبحث بعينيه عنها حتى استطاع تمييزها متسطّحة على السرير الأخير، يدها اليمنى مُكبّلة بكلبش متّصل طرفه الآخر بسور السرير، بينما تجلس سيدة ذات زيٍ رسميٍ على الكرسي بيمينها ويبدو أنها الحارسة، اقترب منها خالد بخطوات هادئة تضمر لهفة شديدة نحوها؛ فلطالما تاق لرؤيتها منذ آخر مقابلة بينهما حين أوضحت له سبب كذبها في ذلك اليوم المشؤوم الذي تسبب بنيران تكوي قلبيهما إلى الآن، ولكن حالت الظروف دون حصول ذلك، ولم تُسعفه كي يراها من جديد إلا على هذه الحالة من الضعف والهوان، فكانت تنظر إلى الفراغ بشرود وكأن ذهنها مسافر بعالم آخر لا يوجد فيه غيرها، عالم آخر يخلو من غدر البشر، عالم آخر تنتظر فيه إلى حين إتيان اللحظة المحسومة لفراق روحها عن جسدها، تصاعدت أنفاسها حين لاح لها طيف خالد يسير أمامها وابتسامة منكسرة تزيّن ثغره، سعيد لرؤيتها حزين لما وصلت إليه بسببه، أجل فإن كان هناك من يُلقَى عليه لَوْم سعادتها المُدمَّرة فإنه بالتأكيد خالد الذي حاكت لأجله العديد من التضحيّات‘ أولاها الموافقة على الزواج من مرتشي، والصمت المطبق لأجل موت جنينها، والآن الاعتراف لتحريره من قبضة العدالة، رفّت رموشها مرتين ثم فتحت عينيها جيدا للتأكد من كون ذلك الشخص هو بالفعل يقف أمامها وليس وهْما ترجو تحقيقه، وما هي إلا ثوانٍ معدودةٍ حتى اتَّضحت الرؤية وتأكدت من وجوده بالعالم الواقعيّ يجلس إلى يسارها بينما يردف بنبرة فرحة يسكنها الألم:
_ عاملة إيه يا سارة؟
أجابته بنبرة واهنة خفيضة الصوت:
_ إي اللي جابك هنا يا خالد؟
تحدث بنبرة جديّة:
_ عشان انقذك
ظلت على حالها من السكينة والجمود فاسترسل مكملا:
_ أنا مش هسمح تقعدي هنا دقيقة واحدة ولازم اعرف سبب التخريف اللي حصل يوم المحكمة، ليه اعترفتي مكاني وانتي أصلا ماعملتيش حاجة؟!
نطقت من بين أسنانها بامتعاض:
_ بس انا قتلت اخويا فعلا يا....
قاطعها هادرا باحتجاج:
_ بطلي كدب، تقدري تكدبي على كل الناس إلا انا
رفّت عينيها مرتين وقد أصابها الخوف للحظات من نبرته الناهرة وكذلك التفتت إليه الحارسة التي أسرعت تقول بحدّة:
_ وطي صوتك يا باشا انت فــ مستشفى
تجاهل صوتها وحدّق بعيني سارة بتركيز مكملا بجدية:
_ بصي لو الدنيا كلها قالت انك قتلتي انا مش هصدق، ولو انتي نفسك قلتي مش هصدق، عارفة ليه؟
أمعنت النظر إليه باهتمام بينما أكمل بثقة:
_ لإن انا غلطت وصدقتك مرة، مش هكررها تاني لإني متأكد ان قلب زي قلبك يستحيل يأذي حد، قلبك بيتجرح لكن ما يجرحش، وإن كان اخوكي أذاكي وفرض مصلحته عليكي، فـ إنتي مستحيل تردّيها، أنا عارف كويس انك عملتي كدة عشان تنقذيني، عارف انك عملتي كدة عشان بتعشقيني
ثم استرسل بنبرة حانية:
_ بس اللي ماتعرفيهوش، أو نسيتيه إن انا كمان بحبك ويستحيل اسمح لحد تاني يأذيكي، ومش هرتاح غير امّا اخرجك من المصيبة اللي رميتي نفسك فيها بسببي، أرجوكي قوليلي اللي حصل يا سارة عشان اعرف اتصرف، أرجوكي
أردف بالأخيرة بشئ من التوسّل ممّا جعل سارة تطلق تنهيدة طويلة قبل أن تسرد بنبرة حزينة كل ما حدث في يوم المحاكمة من قتل مهندس البرمجيّات وتقييدهم لها وتحطيم كل الأدلة المُمكِنة ووصولا إلى هروبها والإقرار باعتراف غير حقيقي لأجل إنقاذ حبيبها!
كان خالد يستمع لها بإنصات وقلبه يكاد يخرج من مكانه لأجل ما يسمع من أحداث مريرة مرّت بها معشوقته؛ نطق بحزن متسائلا:
_ بس انا عايز اعرف، إي سبب تعبك ونقلك للمستشفى؟
تهدّلت جفونها بعدما تذكَّرت ما صار بالقسم قبل قدومها إلى المشفى، حيث تمتمت بنبرة متألمة:
_ وجودي مع المساجين والدوشة وأسلوبهم الهمجي ودخان السجاير المقرف
ثم عادت تنظر إليه مكملة بفتور:
_ بس كل ده ما يجيش حاجة جنب تاني يوم في الحجز

كانت سارة تمشي برفقة الحارسة نحو غرفة النقيب، حيث طلب لقائها لسبب لم تعلمه بعد، دخلتا معا بالغرفة فأدّت الحارسة التحيّة العسكرية ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها لتتركها منفردة معه، حيث أمرها قائلا:
_ تعالي يا سارة
اقتربت بضع خطوات ثم تساءلت بهدوء:
_ خير يا فندم؟
أشار إلى عدد من الأوراق المرتبطين بدبوس معدني على سطح المكتب ثم أردف آمرا:
_ إمضي على الورق ده
أمسكت بأحد الأقلام ثم قالت بشك:
_ ورق إي ده؟!
أجابها بجدية:
_ دي أوراق الطلاق بعتها المقدم أحمد عبدالسلام
_ إيـــه؟!
صرخت بها باستنكار وعدم تصديق بأن ما سمعته توا صحيحا، ليجيبها الضابط ببرود مستهجنا:
_ أمال هو انتي كنت فاكرة ان ظابط محترم زي سيادة المقدم هيقبل مجرمة تفضل على ذمّته؟!
شعرت بغصة مؤلمة علقت في حلقها بعدما سمعت من كلام لاذع أطلقه هذا الغبي الذي لا يدري عن أيّ محترم يتحدث، ولا من هذه التي يصفها بالمجرمة، حدجته بازدراء قبل أن تُدلي بتوقيعها على الأوراق بأصابع مرتجفة يكبّل ألم الحسرة حركتها، استدعى الضابط الحارسة من الخارج لتعود بسارة إلى الزنزانة، وأثناء طريقها أخذت تهذي في نفسها بامتقاع:
_ حقير حقير حقيــر
قالت الأخيرة قبل أن تشعر بألم قوي أصاب بطنها لتترك يد الحارسة ثم تحتضن بطنها بقوة حتى أخذت تصرخ من شدّة الوجع الذي اعتراها فجأة لتهرع نحوها الحارسات ويطلبن النجدة لإسعافها

صمتت للحظات كي تلتقط أنفاسها اللاهثة بعدما اعتلى الضيق عليها لذكرها هذا المشهد الأليم، فأكملت من بين عبراتها بحسرة:
_ كنت حامل وبسبب اللي عمله الكلب ده ابني ماستحملش وراح يا خالد!
احتدّت عيناه مع هذه المفاجأة الجديدة التي أطلقتها سارة بينما يُردف بنبرة وعيد قاتمة:
_ والله لادفّعهم تمنها غالي أوي، وهيشوفوا مني وش تاني خالص
أخذت سارة تحدق فيه بحزن وحيرة على ما يريد أن يُقدِمَ عليه هذا المتهوّر، بينما عاد ببصره إليها ثم مسّد على شعرها قائلا بنبرة ودودة:
_ عايزك تهدي نفسك يا سارة، وما تسمحيش لأي حاجة تاني تزعلك، وان شاء الله هتخرجي من هنا قريّب
_ بس....
بتر كلمتها قائلا بحسم:
_ من غير بس، اسمعي الكلام
تكلمت الحارسة بجدية:
_ الزيارة خلصت يا أستاذ
أماء لها بهدوء قبل أن يحتضن كف سارة بين يديه لتستشعر ورقة بباطن كفها أراد خالد إعطائها لها دون أن تلحظ الحارسة فكان السبيل لذلك احتواء كفّها، ولكن ما لم يكن له داعي هو اقترابه منها حتى لثّم رأسها بقبلة حانية تفيض ما لا يمكن حصره من الأشواق، ابتعد عنها لتقبض بيدها جيدا على الورقة بينما يقوم خالد عن الكرسي قائلا:
_ سلام يا سارة
ثم مضى في طريقه خارجا من الغرفة وسارة ترتقب طيفه والابتسامة الخافتة تزيّن وجهها، فهي ابتسامة لأجل رؤياه وخافتة لعلمها بجدار فاصل بينهما لن ينهدم، وما تريده أن ينهدم بل تتمنّى له السعادة الأبدية على حساب سعادتها، وإن كان يخطّط لإخراجها من هذا المأزق فإنها ستبتعد كثيرا بمجرد أن تنال حريتها، بعد مرور ما يقارب النصف الساعة التفتت سارة إلى الحارسة ثم قالت:
_ ممكن ادخل التواليت؟!
أماءت لها برأسها إيجابا قبل أن تُخْرِج المفتاح من جيبها وتحلّ انعقاد الكلبش لتتحرّر يمناها فتقوم سارة، ثم تسيران معا إلى حيث يوجد المرحاض، بعدما دلفت سارة بإحدى الكبائن أخرجت الورقة التي خبأتها مُسبقا في ملابسها دون أن تلحظ الحارسة، ثم فكّت انطوائها لتجد فيها:
_ سارة أنا عمري ما قدرت اكرهك، وعمري ما هنسى أي حاجة عملتيها ولسة بتعمليها عشاني، برغم كل اللي كنت اقوله ليكي إلا إنك فضلتي تدافعي عني وخايفة عليا منهم لحد ما استغلوا الوضع مظبوط، لكن أقسم بالله ما هسيبهم وهدفعهم التمن غالي، وإن كان هما أقويا وفاكرين يقدروا يقتلوا وينهبوا ويسجنوا فأنا بعون الله والقانون هعرف اوقفهم، وماتخافيش عليا أو تفكري تمنعيني، لإن لو اتهام الشرطة ثبت واتنفذ الحكم عليكي اعتبريني هسبقك عالموت، كل اللي عليكي تنفذي خطة الهروب اللي هتتنفذ أول ما ترجعي السجن، لازم اخرجك من المكان ده واقلب الترابيزة عليهم عشان يترعبوا شوية قبل الموت اللي في انتظارهم، ركزي....
ما ان انتهت من قراءة الكلمات المُلخِّصة لخطة الهروب حتى مزّقت الورقة إلى أشلاء صغيرة قبل أن ترميهم بفتحة الحمام وتضغط الصنبور ليدفع الماء الوريقات إلى أعماق الصرف الصحي



الرابع عشر من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close