رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل الثالث عشر 13 بقلم نورهان ابراهيم
_ بس أوعى..........
و يا لحظه العثر ! لم يستطع أن يكمل تلك الجملة ، و قد تم سحب الهاتف من على أذنه ثم من بين أنامله ، ليلقى بعدها صوتًا متأرجًا ما بين خوفٍ و غضب و لا سيما السخرية السمجة :
_ بتكلم مين يا بابا؟!
قابل "طلال" النظرات الشيطانية المنبعثة من عيون هذا الذى أمسك به كالمتلبس و تاهت الكلمات من على لسانه و تبعثرت حروفه و هو يحدق به مشدوهًا ، و ليت له من نجدةٍ تنتشله من غياهب شرهم! .....
لمح "طلال" نظرة كسيرة و حزينة فى عيون الشاب الذى اختطف منه الهاتف جبراً و لم يعلم السبب !
كيف يكون فى نظراته كل هذه الاشياء فى وقتٍ واحد؟!
كيف لعيونه ذات النظرات الشريرة أن تحمل تلك النظرات الكسيرة؟!
و بكثير من الترقب تابعه "طلال" ناظراً إليه مليًا ، غائصًا فى أمواج الغضب الهادرة فى عيني هذا الشاب سئ الأخلاق ، و قد رفع حاجبيه المعقودين بسخط من الأمر كله ، و من بعدها علق بتماسكه الجسور :
_ ده واحد صاحبي ، عادي يعنى!
رمقه "الشاب" السكران بعينين تسيلان شكًا و وجلاً ، ثم أخذ إلى شاشة الهاتف الذى احتزه منه نظرة عابرة أكدت له صدق شكوكه ، حيث إن المكالمة لازالت معلقة ، و من هنا تحولت نظراته إلى ما وراءه حيث الشباب و قد أتموا تفتيشهم السافر للسيارة ، صائحًا بخمولٍ ثمل :
_ الحقو ده معاه فون و بيكلم حد !
عقب أحدهم مخمنًا و مؤيداً كلامه أثناء تقدمه نحوهم :
_ شكله بيبلغ عننا!
أدرك "طلال" تمام الإدراك أنه وقع فى أخدود عميق يشتعل بنار ذات وقود ، وقودها ثملهم و غياب وعيهم و غياب وعيه الذهنى ، لينطق نافيًا :
_ انتو فاهمين غلط ، أنا م....
باغته "الشاب" الذى اقترب منهما طاعنًا إياه فى بطنه بالمطواةٍ بطعنةٍ غادرة و بكل حقد اخرجها بقوةٍ لتتطاير فى الهواء قطرات الدماء العالقة بها.
شهق "طلال" مصدومًا و متألمًا ، و راح يضغط بيده على الجرح يسده محجمًا النزيف و قاضمًا شفاهه يكافح صرخاته التى تود الصدوح من حجم إصابته فالسلاح الأبيض قد مزق الأنسجة اللحمية ، تلاحقت أنفاثه و تعرق جبينه من شدة ما يعانيه.
فى هذه الأثناء دوت صافرات سيارات الشرطة و أضوائها اغشت عيونهم ، حفتهم السيارات من كل الإتجاهات فلم يجدوا منفذاً للهروب! و هم من الأساس ليسوا فى وعيه.
نظر الشاب ليديه المتناثر عليهما دماء ضحيته و هو غير مصدق أنه فعلها !
هل طعن شخصًا لتوه؟!
تهاوى "طلال" جاثيًا على ركبتيه يكبت بداخله كل أوجاعه المضنية و يجز على أسنانه جزاً ليحتوى الألم الفظيع.
.......................................
هبط "فراس" من سيارة الشرطة التى يستقلها مع سفيان ذاك الشرطي الشاب فى عمره الثانى و الثلاثون و الذى له مع "طلال" تعاملات سابقة فهو الذى يحل له كل عقدة تقف فى طريقه ، ليركضا كلاهما لنجدته و اسعافه قبل تدهور حالته ، ريثما يقوم أفراد الشرطة بالقبض على شباب المجموعة و احتراز كل الأسلحة التى بحوزتهم و من ثم وضع الأغلال الحديدية فى أياديهم و أقتيادهم إلى "البوكس" .
سانده "فراس" هاتفًا و القلق ينهكه :
_ عملولك ايه؟
ثم صمت يتفقده من رأسه حتى قدميه فاتسعت عيونه برعبٍ حينما رآه يضغط على معدته بيده الملطخة بالدماء ، و صرخ مزعوراً :
_ سفيان ، ساعدني أوصله للعربية ، المجرمين طعنوه!
رفع "سفيان" ذراع "طلال" مريحًا إياه على كتفه ، بينما مرر "فراس" ذرعه كاملاً بعرض خصره ، و سارا به حتى السيارة الشرطية التى جاءا بها.
تأوه "طلال" بصوتٍ مكتومٍ و هو يحارب آلامه المفتتة لأعضائه ، و تشوشت رؤيته لتصير كالضباب الجاثم على حدقتيه ، يرى أشباح بشر تتحرك هنا و هناك ، و كلمات تبدو له كالهمس ، فأغمض عيونه تاركًا جسده لهما ، فهو أصبح فى أيدي أمينة فقد تبين نبرة صوتهما التى يميزها من بين الملايين ، راحت رأسه تتأرجح فى كل الإتجاهات ليستسلم أخيراً لتلك الأغماءة التى لفت رأسه.
...........................................
فى صباح اليوم الذى يليه.
أصيب "باسل" بالأرق ، و قلبه مقبوض و لا يعلم السبب ، ما سر قلقه المفرط على "طلال" ؟
خرج سائراً حتى شاطئ البحر الممتد عن يمين الفيلا و عن شمالها ، و خلال سيره كان ينادى :
_ راغب ، يا راغب!
إلتفت إليه "راغب" الجالس مباشرة على الرمال يتابع حركات الأمواج ، و حياه بتحية الصباح و عيونه مهمومة :
_ أيوة يا باسل ، صباح الخير.
استهجن "باسل" الكلمة معلقًا بحيرة يختلط بها التوجس :
_ خير؟! مش عارف ليه حاسس بقلق غريب و إن فى حاجة مش كويسة هتحصل أو يمكن تكون حصلت!
ماذا يرد عليه الآن ؟!
أيقول له أن شعوره تمامًا كشعوره؟!
أيقول له أنه لم يغمض له جفن منذ غادر طلال ؟
إن قال سيزيده قلقًا على قلقه!
لذلك استنشق نسيم البحر و حدثه بنبرة محايدة :
_ لو حصلت حاجة هتوصلني ، لإن فراس أخويا معاه فى فيلته ، اتصل عليا امبارح و قالى انه راحله.
لم يقتنع "باسل" و لو بحرفٍ واحد ، ليأمره ساخطًا عليه و هو يمد يده له :
_ هات الفون ، معرفش وديته فين و مش راضى تقولي على مكانه ، هتصل أنا على طلال و اطمن بنفسي !
ابتلع "راغب" ريقه متوتراً ، ماذا عليه أن يفعل الآن ؟
لو أعطاه الهاتف سيعلم ما أصاب طلال و هذا ما يخشاه .
اقترب "باسل" نحوه ماداً يده يسترسل بنبرة يفوح منها الشك :
_ بقولك هات الفون ! أنا مستغرب ازاى طلال متصلش عليك امبارح لما وصل .
رفرف "راغب" رموشه يحاول أن يخترع أى حوار فلم يجد إلا هذا العزر الواهى و الذى لم يمر أبداً على باسل :
_ متعقدش الأمور يا باسل ، يمكن شحن تلفونه خلص !
كشر "طلال" قائلاً بعبوسٍ و تجهم :
_ من عقلك بتقول كدة؟!
ريقه يأبى أن يُبتلع بسهولةٍ من شدة اضطرابه و مع ذلك خرجت نبرته ثابتة إلى حد ما :
_ استنى يا باسل هتصلك عليه و هو يطمنك بنفسه .
و فى نفسه يرجو أن يكون "طلال" قد أفاق و إلا وقع فى ورطة ليس من السهل التعامل معها ، ف "باسل" سيصر على السفر إليه حالما يعلم بما جرى له.
....................................
ما هذا الألم الذى يدك جسده دكًا؟!
رأسه أثقل من الجبال ، و يشعر أن جسده محطم و مطحون ، و هناك جزء محدد من جسده ينخره ألم أشد وطأة من الآلام الأخرى ، لسانه ثقيل لا يستطيع تحريكه و عيناه مطبقتان يشق عليه فتحهما !
جاهد طويلاً حتى فتح جفنيه بصعوبةٍ و الألم يفتك بأنحاء جسده ، رأى على مرمى بصره "فراس" النائم على الكرسي بجانبه و رأسه مسنودة للخلف ، مؤكد أنه عندما يستيقظ سيحس بعظامٍ فقراته تئن.
حرك "طلال" رأسه للجهة الأخرى فقالبه الهاتف الخاص به على "الكومود" حتمًا سيكون "باسل" قلقًا عليه للغاية ، و "راغب" لن يكون أقل قلقًا.
رن هاتف "فراس" فى جيبه فانتفض مرعوبًا ثم اعتدل فى جلسته الغير مريحة يفرك رقبته ليزيل تشنجها.
ثم أول شئ فعله أن سلط أنظاره على "طلال" يتفقده بعينيه ، و هتف بابتهاجٍ :
_ الحمد لله إنك صحيت ، فى حاجة واجعاك أنادى للدكتور؟!
انكمشت قسمات "طلال" و أجاب متأوهًا :
_ قول إيه إللى مش واجعنى ، جسمي كله متكسر ، و الجرح تاعبني.
و بكلٍ هدوء استقام "فراس" يأخذ أنفاسه و صدره جاثم عليه شئ يخنقه ، و فسر له :
_ اللى حاسه فى جسمك ده تأثير المخدر ، أما الجرح أكيد تأثير المخدر راح عشان كدة بيوجعك.
اسمع كلاهما إلى رنين الهاتف من جديد ، فأخرجه "فراس" من جيب سترته يزفر أنفاسه مجهداً من نومه غير المريح ، مجيبًا على أخيه بهدوء :
_ أيوة يا راغب .
استرسل "فراس" ناظراً إلى طلال بنظراتٍ فاحصة :
_ أه الحمد لله بقى أحسن من الأول بكتير ، طيب هشوفه هيقدر يكلمه أو لأ !
سأله "فراس" بنبرة خافتة واضعًا يده على سماعة الهاتف للإحتياط :
_ راغب بيقولك باسل عاوز يكلمك و مصمم يسمع صوتك!
هز "طلال" رأسه إيجابًا و هو يتنفس بصعوبةٍ ، يبدوا أن آلام الدنيا اجتمعت فيها أول ما أصيب ، أو ربما كل الأوجاع النفسية و الجسدية التى كان يتجاهلها تحالفت عليه!
أزال "فراس" يده التى تحجب الصوت عن سماعة هاتفه ، ليوصل لأخيه رد شريكه :
_ تمام ، هو يقدر يكلمه دلوقتي، بس حاول متخليهش يطول معاه عشان لسة تعبان.
بعدها ناوله الهاتف ، ليتراجع جالسًا على المقعد الذى قضى عليه ليلة البارحة بنومه المتقطع آنذاك.
تحكم "طلال" بالهاتف بين بنانه رغم ارتعاشه و استمع لتحية "راغب" السريعة ثم جاءته نبرة "باسل" متزعزة من شدة خوفه و قلقه عليه :
_ طلال ، إنت كويس ؟! متصلتش على راغب لما وصلت ليه؟
حاول "طلال" أن يعتدل فى نومه فيكفيه كل هذا الاستلقاء فتسبب جسده فى الضغط بدون قصد على الجرح فآلمه ، و كتم آلامه إلى أقصى حد مشيرة ل "فراس" الذى هرع بالفعل نحوه يحسن له وضعيته حتى يستطيع الجلوس واضعًا خلف ظهره بعض الوسائد لتدعمه .
بعدما طاب له الجلوس بشكلٍ لا يجعله يتألم كثيراً ، زفر جملته مع زفراتٍ متعبة :
_ الحمد لله بألف خير ، متخافش ، مرضيتش اتصل عليكم عشان وصلت نص الليل فمحبيتش اقلقكم.
.......................................
فى الاسكندرية
على الشاطئ المطلة عليه الفيلا
يكفيه من الدنيا سماع صوته المريح و الحبيب ، فهو ليس ابن عمته فحسب و إنما أخوه الذى لا يمكنه بأى حال من الأحوال أن يعيش بدونه.
أثلجَ صدره ، و بردت نيرانه أخيراً و ظل يحدثه لما يقارب الربع ساعة و يسأله مراراً و تكراراً عن أحواله ، ثم أرجع الهاتف ل "راغب" و قعد بقربه ممدداً ساقيه .
عادت الحيوية إلى وجه "راغب" فقد كان يهاب هذه المكالمة و أوشك قلبه على التوقف لأكثر من مرة طوال مراقبته له و هو يتحدث خيفة أن يعلم شئ ، إلتفت إليه سائله بنبرة عاد إليها شيئًا من الثبات :
_ اتطمنت دلوقت؟!
شرد "باسل" بعيونه يرنو السماء بنظراتٍ متيمة ، قائلاً براحةٍ خالصة :
_ أكتر مما تتخيل !
أتت "إيفا" من بعيد بفستانها الأزرق الطويل ذو الحمالات السميكة بحيث يظهر ذراعها كاملاً من عند كتفها ذو البشرة السمراء الناعمة ، و شعرها الأسود الطويل يهفو مع نسماتٍ البحر التى داعبت وجنتيه كطفلٍ رقيق.
طالعها "راغب" بعيونٍ منبهرة مأخوذاً بمظهرها الجذاب ، و بغتة أبعد عيونها عن زاجراً نفسه و مؤنبها ، كيف له أن يستحل التمعن فى شكلها حتى و إن كانت تلبس هذه الثياب بمحض إرادتها.
انتبه "باسل" على صوتها الناعمٍ طبيعيًا و هى تخيرهما :
_ تحبوا تفطروا هنا أو فى البلاكونة ؟!
إلتمعت السلسلة المعلقة فى جيدها و آخرها صليب يدل على اعتناقها للمسيحية ، ريثما تبدى رأيها ضاحكة بعفوية :
_بس أنا بفضل تفطروا هنا ، الجو يرد الروح.
ابتسم "باسل" ببشاشة غاضًا بصره عنها ، فهى لها تأثيراً عظيمًا على كل من يلقى إليها مجرد نظرة و هو أبداً لا يريد أن يغضب ربه أو يخالف مبادئه أو حتى يأذيها و لو بنظرة سواءاً هى أو غيرها من الفتايات ، معلقًا على رأيها بأييد :
_ فعلاً الجو هنا حلو قوى ، ما شا الله!
ابتهجت ملامحها و زادت بريقًا على استحسانه لرأيها ، ثم وجهت كلماتها التالية ل "راغب" فهو لم يجب عليها :
_ مقولتش يا راغب! إيه رأيك؟
أغمض "راغب" عيونه يعصرهما و لازال يؤنب ذاته و يوبخها ، ليومأ لها موافقًا بقوله الموجز :
_ عندك حق ، هنا أحسن.
قفزت فى سعادةٍ قائلة بانطلاق :
_ تمام.
................................................
و لثانى مرة ستطأ أقدامنا هذا المكان الموحش ، مكان يهجُ بالمخططات الشريرة و الأصوات الخبيثة و المؤمرات الدنيئة.
ظل "هيثم" يدور حول نفسه كضبعٍ وضيع ، و هو يكاد يجن لعدم علمه لهوية المتجهمين على عدوه "طلال" ، فكيف يتجرأو عليه و يطعنوه هكذا ؟!
ماذا لو مات دون أن يأخذ حقه و يخلص منه القديم و الجديد؟!
احتوى رأسه بين راحتيه يضغطها بقوةٍ و يفكر مليًا و يعصر مخه عصراً ليتوصل لطرف الخيط الذى يدله على الجاني ، و لما فشل فشلاً ذريعًا رمق الظل بنظراته المشتعلة كبراكين متفجرة ، هادراً فيه :
_ إنت إللى عملتها مش كدة؟! عاوز أعرف إزاى تتصرف من غير متاخد رأيى أو حتى تعرفني؟! بما إننا شركة فى الانتقام فأنت ملزوم تعرفنى كل حاجة.
قهقه "الظل" مستمتعًا ، و تشدق بكلٍ برودٍ :
_ إنت بتتكلم عن إيه و عمال تهرى و تنكت فى نفسك؟!
ركل "هيثم" المقعد المكسور القريب منه صائحًا بصبر نافذ :
_ مش عليا أنا الحوارات دي ، دا أنا طابخينه سوا !
أرجأ "الظل" رأسه إلى القعد الهزاز واضعًا سبابته على ذقنه يمثل التفكير بهمهمته :
_ مممم ، يكونش قصدك على إللى حصل ل طلال؟!
جاراه "هيثم" رغبة منه للإطلاع على جوانب الأمور الخفية بنبرته الساخرة و المتجهمة :
_ هو فيه غيره؟! ده بقى ترند !
بدت لهجة "الظل" مليئة بخبث الذئاب و هو يردف بوداعةٍ مفتعلة :
_ منكرش إنى أول العارفين باللى حصله ، ما انتا عارفة حبيبي اللدود ، لكن مش أنا إللى عملتها ، سبق و قولتلك مش هنتحرك دلوقتي.
هأهأ (يعنى ضحك طويلاً ) متشفيًا فى غريمه و مضيفًا بنبرةٍ حاقدة ساخرة :
_ شوية عيال لا راحو و لا جو بهدوله و ضربوه بحتة مطوة !
ارتفع طرف شفاه "هيثم" و التمعت عيونه لمعاتٍ شريرة و هو الآخر اعجبته اللعبة ، حسنًا فالينظر قليلاً ثم يأخذ ثأره كامل الاستواء.
......................................
طُرِق باب غرفته فى المشفى الخاص و الشهير فى المدينة بأسرها ، ليفتحه "فراس" منتحيًا جانبًا ظنًا منه أن الطبيب أو الممرضين جاءوا لإعطائه الدواء فقد تفقده الطبيب منذ لحظات ، إلا أنه وقف مبهوتًا و هو يرى "سندس" تحتضن باقة من الورود الراقية و شعرها مفرود على ظهرها و كتفيها و على وجهها ابتسامة نضرة لم يشاهد مثيلتها فى حياته ، جذب عيونه جذبًا من التطلع لقسماتها الفاتنة ، بينما هى لم تلاحظ شيئًا و هو تعبر للداخل مسلطة كامل أنظارها و تركيزها على مديرها المستلقى على سريره مغمض عيونه بتعبٍ شديد ، نادته بصوتها الرقيق :
_ طلال باشا !
فتح "طلال" عيونه يرنوها بنظراتٍ مشوشة قليلاً و رسم بصعوبة بسمة ضيقة على محياه مرحبًا بحضورها بسرور :
_ ازيك يا سندس؟
بان القلق فى عينيها العسليتان و فى نبرتها المهذبة :
_ الحمد لله ، حضرتك إللى عامل ايه؟! ألف سلامة عليك !
أشار نحو المقعد الذى كان فراس جالسًا عليه و هو يرد عليها :
_ الحمد لله على كل حال ، فى فضل او نعمة من ربنا ، إتفضلى استريحي.
هزت رأسها نافية و ردت عليه بحرجٍ :
_ آسفة مش هقدر ، سايبة اختى فى الشقة لوحدها .
ناولته الباقة ، فأخذها بانشراحٍ يشم عبير الزهور الفواحِ ، حين كلمته منه بخفوتٍ :
_ أرجو حضرتك تعذرني!
رمى إليها نظرة عابرة و هو يحدثها بلطفٍ يغلفه الاحترام :
_ و لا يهمك ، كتر خيرك إنك جيتي و كلفتى نفسك !
قالت عبارتها الودودة تزامنًا مع استداراتها للرحيل :
_ ده واجبي !
مشت حتى باب الغرفة فلاحظت أخيراً "فراس" الواقف بجانبه و قد تابع حديثهما بإنصاتٍ فعرفته لأنه شريك "طلال" رئيسها فى العمل فألقت عليه السلام بنبرتها الهادئة :
_ السلام عليكم فراس باشا !
لم ينظر نحوها قائلاً يرد تحية الاسلام :
_ و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أردفت بنبرة محرجة قبل أن تخرج :
_ آسفة جداً مخدتش بالي إن حضرتك موجود.
و بتفهم تشدق "فراس" :
_ مافيش داعى للأسف ، محصلش حاجة.
جاء يغلق الباب خلفها فأبصر "سفيان" آتيًا و معه بعض من عناصر الشرطة ليأخذوا أقوال طلال فى المحضر الذى قدموه فى الجناة ، و وراءهم رجل آخر يبدو كالتائه و ثيابه تبدى مدى ثرائه ببذلته الرسمية الأنيقة و ساعتها ذات الماركة العالمية.
دخلوا جميعهم يترأسهم سفيان ببذلة الشرطة التى يرتديها و التى زادته وسامة و صرامة.
بدأ الحوار بكلماته الجادة الموجهة ل "طلال" و هو يشير نحو الرجل :
_ ده يبقى " آسر الشامى" والد أحد المتجهمين عليك!
_ ده يبقى " آسر الشامى" دكتور مشهور و والد أحد المتجهمين عليك!
بدا الإنزعاج على محيا "طلال" و قد اشتم رائحة التواطؤ فى كلمات "سفيان" فضيق عيونه على "آسر" يكاد يأكله بنظراته الحارقة .
بينما لم يلاحظ "سفيان" كل هذا مردفًا بحسن نية :
_ و هو جاي يخلص الموضوع بشكل ودي و هيعمل إللى يرضيك!
زأر "طلال" منفعلاً و رافضًا :
_ اللى حصل فيا اسمه شروع فى قتل و إنت تقولي نحلها بشكل ودي؟! هو ابنه داس على رجلي بالغلط و بعدين قالي آسف فبسهولة كدة أسامحه!
تأفف "سفيان" مرهقًا للغاية فمنذ الأمس و والد الشاب يرجوه و يضغط عليه بنفوذه حتى استجاب له ليس خوفًا منه و إنما محاولة لحل الأمر بلا مشاكل ، فسمعة "آسر" على المحك و مستقبل الشاب الطائش أيضًا مرهون بقرار طلال .
همس "سفيان" متنهداً :
_ فكر يا طلال ، الولد مستقبله هيضيع و آسر قالي انه أول مرة يخرج مع صحابه و كان بسبب موت أمه ، و إللى عمله عمله و هو سكران !
نخزت العبارة المتعقلة بوالدة الشاب "طلال" ، فتكلم مفكراً :
_ لو تعرف تجيب لي الولد هاته!
أشار "سفيان" لأحد العساكر أن يأتي به ، فاستجاب العسكرى منفذاً أمر قائده .
ظل "طلال" يرمق "آسر" بعيونه المتأججة بوهج الغضب ، فروحه كانت على شفير الموت و كل هذا بتهور ابنه المدلل!
أمال "آسر" رأسه بخذيي و هو قلق ، لا بل مرتعب على ابنه الوحيد.
غاب العسكري بضع دقائق ثم حضر و معه "الشاب" المقيد بال "كلبشات" الحديدية و رأى "طلال" فى عينيه النادمتين نفس الحزن ممتزج بالألم فأشفق عليه و قرر أن يعتقه لوجه الله لربما أصلح حاله و ارتدع عن طريق الباطل ، فهو نفس الشاب الذى أخذ منه هاتفه عنوة.
سأله "طلال" بصوتٍ متعاطفٍ :
_ إسمك إيه ؟! و سنك كام؟!
طالعه "الشاب" مشدوهًا فلم يتوقع هذا منه و لم يلبث أن قال بخذلان من فعلته :
_ اسمي سامى ، و عندى ٢٠ سنة.
تمزق قلب "طلال" عليه ، فحاله حقًا مزرية ، ثم التفت إلى "سفيان" قائلاً :
_ خلاص ، هحل الموضوع ودي بشرط ميكررش إللى عمله ده مع أى حد تانى .
أنير وجه "سامي" و دمعت عيناه بتأنيب ضمير ، و كلمه باكيًا :
_ أوعدك ، مش هرجع للطريق ده تانى ، و اصاحبي هقطع علاقتي بيهم!
أحسن "طلال" بالراحة النفسية راضيًا عن الذى فعله فلربما يكون سببًا فى صلاح هذا ال"سامى" مدركًا أنه أساء الظن ب"سفيان" الذى كان غرضه خيراً.
