رواية في شباك العنكبوت الفصل الثالث عشر 13 بقلم رحاب حلمي
الفصل الثالث عشر
" خلق الله للانسان عقل وميزه به عن سائر المخلوقات كي يتأمل ويفكر ويملك حرية الاختيار, ولكن ماذا إن تم حرمانك من هذا الحق؟ ماذا إن أصبحت مصيَرا في كل شئون حياتك؟ فهل ستستسلم لهذا المصير الذي ربما سيكون أسوأ من الموت أم ستثور لتحصل على حريتك التي منحك الله إياها منذ وهبك الحياة؟"
ملك بدأت تشعر بالاختناق في هذا القصر الكبير, فمنذ أن قدمت إليه وقد أصبحت كالقاصر, مصيرها يتحكم فيه الأخرون, هي ليست غاضبة من نجوان فيما يتعلق برفضها طلب زياد بل إنها كانت تفكر بالفعل في الرفض, ولكن ما ضايقها حقا أن لا أحد اهتم بأخذ رأيها في هذا الموضوع الذي لا يخص أحدا غيرها, بالإضافة إلى تلك الأكذوبة التي اخترعتها نجوان بشأن خطبتها لعمر بغرض التخلص من إلحاح زياد, فما بالها تخرج من كذبة لتقع في أخرى! إلام ستسمح لنفسها بالاستمرار هكذا؟ فقد حان الوقت لوضع حدا لهذا الأمر.
جاءتها الفرصة حين أرسلت من يستدعيها إليها في حجرتها صباح اليوم التالي, وقد عزمت على أن تخبرها بالحقيقة كاملة, ستطلب منها السماح على ذلك الخطأ الذي لم ترتكبه, وينتهي الأمر لتعود إلى حياتها الهادئة من جديد التي قد اشتاقت إليها كثيرا.
طرقت ملك باب الحجرة فأذنت لها نجوان التي استقبلتها بابتسامة واسعة: تعالي يا ملك.
فتقدمت منها ملك بخطوات متردد مما قد ينتج عنه هذا اللقاء: صباح الخير يا طنط, قالولي انك عاوزاني.
فأومأت نجوان برأسها وهي تشير إليها بالجلوس على الكرسي المقابل للأريكة التي تجلس عليها: أنا كنت عاوزة أتكلم معاكي في موضوع مهم.
فاستراحت ملك حيث أشارت لها نجوان وهي تقول: وأنا كمان يا طنط كنت عاوزاكي في موضوع مهم, بس اتفضلي حضرتك الأول.
هي تعلم أن وقوع البلاء أفضل من انتظاره, ولكنها ما زالت لا تقوى على المصارحة لذا فهي تحاول تأجيل الأمر حتى تستجمع شجاعتها.
فقالت نجوان: طبعا أنا عارفة انه فات الأوان على كلامي دة, بس كنت حابة أعرف رأيك في اللي حصل امبارح؟
علمت ملك أنها كانت تقصد بذلك موضوع زياد و تقدمه لحطبتها ثم رفض نجوان الصريح لها, لذا قد بدا الضيق يغزو وجهها وهي تجيب: زي ما حضرتك قولتي, خلاص فات الأوان ع الكلام دة.
لاحظت نجوان تعابير وجهها, لذا سألتها: انتي زعلانة اني رفضت زياد؟
فقالت ملك بصدق: أنا اللي مزعلني فعلا انكم اعتبرتوا موافقتي من عدمها تحصيل حاصل, ومش فارق معاكم رأيي مع ان الموضوع دة ما يخصش حد غيري.
امتازت نجوان بسعة الصدر وهي تتقبل احتجاج ملك بابتسامة وترد عليها بلطف: انتي غلطانة يا ملك, لان الموضوع دة يخصنا زي ما يخصك بالظبط, ولا نسيتي انك أم ابننا؟
ها هي الفرصة سانحة أمامها فلتعترف لها بالحقيقة إذن, ولكن مجددا تخونها الشجاعة وانتظرت حتى أكملت نجوان بلهجة أرق: بس فلنفرض ان دة ماكنش حصل, ساعتها كنتي هتوافقي على زياد؟
هذا سؤال من ضمن الأسئلة التي كانت تشغل تفكيرها طول الوقت, ولكن يبدو أنه كان أسهلهم حيث وجدت الإجابة عليه بعكس الآخرين: جايز يكون انسان كويس من كل النواحي, وأنا شخصيا ما اقدرش أنكر اني بحترمه ومعجبة بشخصيته, لكني مش شايفة انه الانسان المناسب ليا, أو يمكن أنا اللي أكون مش مناسبة ليه.
وكان سؤال نجوان الغير متوقع: طب وعمر! إيه رأيك فيه؟
بدت ملك متفاجئة من تحول مجرى الحديث: عمر! مش فاهمة قصد حضرتك إيه؟
فتظاهرت نجوان بالدهشة وهي تسألها: انتي مش سمعتيني امبارح وانا بقول لزياد ان عمر خطبك؟
فقالت ملك وهي مازالت لا تفهم المقصد من كلام نجوان: آه, بتهيئلي ان حضرتك قولتي كدة عشان تخلصي من إلحاح زياد.
وكان رد نجوان مراوغا بعض الشيء وهي تقول: ودة يمنع ان يكون عمر اتقدملك فعلا؟
ياللكوارث التي تنزل على رأسها تباعا! فهذا حقا هو ما لم تضعه في الحسبان؟ ولكن متى أظهر لها عمر القليل من الاهتمام حتى يأتي اليوم ويتقدم لخطبتها؟!
طال صمتها, فقالت نجوان تستحثها على الكلام: ما سمعتش ردك يعني.
رد! أي رد من المفترض أن تقدمه لها؟ فهي لم تجد كلاما مناسبا قد تعبر به عن رأيها, ولكنها أخيرا حين رأت في عيني نجوان نفاذ الصبر وجدت لديها بعض القوة لتقول: بس أنا ما بفكرش في الجواز دلوقت.
وكأنها توقعت ردا مماثلا فعاجلتها بقولها: بس أكيد هييجي الوقت وتفكري, وساعتها احنا عمرنا ما هنسمح لابننا ان يكون ليه جوز أم من برة العيلة.
يالها من قوانين بالية, مخالفة لأي شرع! هكذا سخرت ملك في داخلها من كلام نجوان التي يبدو أنها لا تنتظر سوى ردا واحدا على طلب ابنها, وهنا كان لابد وأن تتخلى ملك عن صمتها وتخبرها بحقيقة الأمر, لذا قالت مبتدئة كلامها وهي تبتهل لربها كي لا تخونها الشجاعة هذه المرة أيضا: بس أنا......
لم تدعها نجوان تكمل, حيث قاطعتها لتقول بنبرة صارمة: شوفي يا ملك, أنا أكتر حاجتين بكرههم في حياتي هما الكدب وان حد يخالف أوامري, وانتي مهما كانت معزتك في قلبي اللي أساسها انك أم حفيدي, فمش هتيجي أغلى عندي من ابني اللي حرمت نفسي منه سنين طويلة عشان بس فكر انه يمشي اللي في دماغه ويعارض أمري.
تهديد صريح لم يحتج إلى المزيد من التوضيح جعل كل الكلام التي قد أعدته ملك يتلاشى من ذاكرتها دفعة واحدة, وإن كانت تلك المعزة التي تتكلم عليها نجوان نابعة من أمومتها المزعومة ليوسف, فماذا إن أخبرتها الآن أن لا علاقة تربطها بهذا الطفل؟!
ثم أضافت نجوان فيما يبدو أنها قد أجلته لحسم هذا الأمر: شوفي يا ملك, انا مش هضحك عليكي وأقولك ان عمر دايب في هواكي ونفسه ومنى عينه ان عدتك تخلص النهاردة قبل بكرة عشان ينول الوصال, لا, عمر لحد دلوقت يمكن كش قادر يستوعب فكرة جوازه بيكي, لكنه في نفس الوقت مش هيقدر يكرر اللي حصل زمان ويخرج عن طوعي مرة تانية.
ثم أضافت بنظرة تحذيرية: زي مانا متأكدة انك مش هتقدري بردو تعملي دة.
كلمات قليلة ولكنها تحمل الكثير من المعاني جميعها مليئة بالتهديد والإنذار كل ما يمكنه أن يخرس لسانها عن أي كلمة من الممكن أن تقال.
*********************************
: البس يا معلم!
أول تعليق ساخر ألقاه حازم بعد أن أخبره عمر بملخص الحوار الذيدار بينه وبين نجوان, فحازم كما كان صديق عمرو المقرب فهو كذلك أيضا بالنسبة لأخيه.
نظر إليه عمر بعينين تنذران بالشر, فأشار له حازم بيديه متحاشيا بطشه الذي يعلمه جيدا وهو يقول معتذرا: خلاص, خلاص, أنا آسف.
ثم استدرك يقول من جديد معلقا على هذا الأمر: بس بصراحة مراة عمي دي لعبتها صح, في الجول فعلا.
فقال عمر بابتسامة من زاوية فمه يخفي بها غضبه الذي قد أوشك لأن يصل إلى منتهاه: مش عارف ليه حاسس إنك شمتان فيا.
وكان رد حازم الحذر: بصراحة شوية, بس دة ما يمنعش اني في نفس الوقت بحسدك.
عمر متهكما: بتحسدني! كإنك ما تعرفش اللي حصل زمان من عمرو, وفي الآخر إيه؟ المفروض اني أتجوز أرملته.
عض حازم على شفتيه مانعا لسانه من قول الحقيقة التي يعلمها جيدا, وقال محاولا استرضاء عمر: بس دة ما يمنعش ان ملك عروسة لقطة زي ما بيقولوا, يعني جمال وأخلاق ومال اللي هو طبعا ورث أخوك الله يرحمه وصعب يطلع برة العيلة, دة غير ابن أخوك اللي لازم يتربى في حضنكم وحضن أم في نفس الوقت.
فقال عمر بضيق: كإني سامع نجوان هانم هي اللي بتتكلم.
وبإعجاب قال حازم: ما تنكرش ان معاها حق بردو.
فهز عمر رأسه موافقا: ماهو دة اللي ملجمني.
وقبل أن يعلق حازم على كلامه سمع رنين هاتفه الخلوي, فأخرجه من جيب سترته, وما ان رأى اسم المتصل قال وهو يكتم ضحكته: لولا ان خايفك تزعل, كنت قولت المثل بتاع جيبنا في سيرة القط.
فقال عمر مستنتجا: نجوان هانم.
فأومأ حازم برأسه وهو يضع الهاتف بجانب أذنه وهو يرد عليها:ازيك يا نوجة, وحشتيني كتير.....انتي تعرفي عني بردو اني بكدب؟......دلوقت؟..... أوك مسافة السكة وهاجي...... سلام.
ثم أنهى المكالمة , ليبادره عمر بالسؤال بنبرة قلق: فيه ايه يا حازم؟
فمط حازم شفتيه وهو يقول بحيرة: مش عارف والله يابن عمي, كل اللي قالته انها عاوزاني دلوقت, عن اذنك بقا عشان شكل الموضوع خطير.
فهز عمر رأسه متفهما وهو يشعر في داخله بالقلق حيث لا أحد يمكنه أن يخمن ما تفكر به نجوان هانم.
**********************************
جلست ملك في حديقة القصر شاردة تفكر فيما عرضته عليها نجوان هانم, بل لنقل ما أمرتها به, وما حذرتها منه. زواج اضطراري هي لا تعلم العواقب المترتبة على رفضها له.
: مساء الخير!
انتشلها من بين أفكارها صوت حازم المرح, فردت عليه بابتسامة باهتة: مساء النور.
حازم وهو يجلس على الكرسي المواجه لها وتفصل بينهما تلك الطاولة الصغيرة: أنا كنت ماشي بس لمحتك قاعدة لوحدك قولت أجي أسلم عليكي.
ثم أضاف بلهجة أكثر جدية: عاملة ايه دلوقت ياملك, ولا أقولك يا آنسة ملك؟
آنسة! كيف يمكنه قول ذلك إلا إذا علم بالحقيقة؟ ولكن من أين له أن يعرف, فقالت ملك بارتباك واضح من صوتها المتردد: آنسة! انت بتقول ايه؟ انا مش فاهمة حاجة.
فابتسم لها حازم ابتسامة مطمئنة وهو يقول لها موضحا: ما تقلقيش مني, أنا عارف كل حاجة, عمرو الله يرحمه صارحني بالحقيقة قبل ما يموت وقالي على ظروف جوازكم, وإنك مش أم يوسف الحقيقية.
نظرة قلقة رآها في عينيها لذا أضاف ليخفف من ذلك القلق: وأنا وعدته إن دة يفضل سر بينا.
تحولت نظرتها القلقة إلى ارتياح مؤقت تلاشى من جديد فور أن قال: وعلى فكرة أنا لسة عارف بموضوع جوازك انتي وعمر ومقدر الحيرة اللي انتي فيها دلوقت.
التزمت ملك بالصمت ولكن نظراتها وتعابير وجهها قد أخبرته بكل شيء, فسألها أكثر الأسئلة حيرة بالنسبة لها: ناوية تعملي ايه؟
فأجابت وهي تشعر بقلة الحيلة: مش عارفة, حاسة انها مقفلة معايا من كل النواحي, أنا فكرت أقولهم الحقيقة بس مش ضامنة رد فعلهم.
فصاح حازم محذرا: أوعي, انتي كدة يبقا ارتكبتي أكبر غلطة في حياتك, انتي عارفة لو عملتي كدة مش بعيد يتهموكي بالنصب والاحتيال, وتروحي في سين وجيم.
فقالت ملك مدافعة عن نفسها: أنا ما عملتش حاجة لكل دة.
حازم متفهما: أنا عارف بس فيه شهادة ميلاد رسمية بتثبت انك أم يوسف ولو اكتشفوا العكس هيتهموكي بالتزوير والنصب.
ملك وقد انتابها الخوف: بس عمرو هو اللي عمل كل دة مش أنا وهو كمان اللي طلع شهادة الميلاد دي.
حازم: عمرو دلوقت ميت, وانتي مش هتقدري تثبتي ان هو كان ورا كل اللي حصل.
فقالت ملك متوسلة وهي تحاول أن تتمسك بأي خيط يمكنها به أن تتخلص من تلك الورطة: بس هو قالك قبل ما يموت اني مليش أي ذنب في دة, وانت ممكن تشهد معايا.
فابتسم حازم وهو يقول بسخرية: أشهد معاكي قصاد مين يا ملك؟ انتي ما تعرفيش حاجة, أنا لو عملت كدة مش بعيد يتهموني أنا كمان بالتواطىء معاكي, أو أنا اللي حرضتك عشان أستولي على فلوس العيلة.
فقالت ملك بغير تصديق: مش معقول! انت ابن عمهم, تعمل كدة ليه؟
حازم مفسرا: دي حكاية قديمة, أصل بابا الله يرحمه بعد ما أصر إنه يقسم الميراث بينه وبين عمي وكل واحد يروح لحاله مع انه ما كنش ليه في البيزنس أوي عشان كدة دخل كام مشروع فاشلين ضيعت معظم اللي حيلته وما بقاش معاه غير اللي يعيشنا مستورين بس بعد ما باع تقريبا كل أملاكه لعمي عشان يسدد بيها ديونه, عشان كدة بقولك انه ما ينفعش أشهد معاكي, لأنهم ساعتها ممكن يفتكروني اني زقيتك على عمرو عشان أسترد أموال بابا, فهمتي؟
أومأت رأسها بنعم فلقد استوعبت كلامه جيدا والذي أصابها باليأس حيث يعود بها مجددا إلى نقطة الصفر بعد أن ظنت أنها أخيرا قد وجدت الخلاص لمشكلتها, فقالت وهي تزفر بحنق: طب والعمل!
رد حازم بحذر: أنا آسف لو قولتلك ان مفيش أدامك غير حل واحد وهو انك توافقي على جوازك من عمر.
فهتفت ملك بحنق: انت بتقول ايه؟ أنا كدة بخلص نفسي من سجن عشان أرمي نفسي في سجن غيره.
قال حازم محاولا إقناعها بهدوء: دة ما يمنعش طالما السجن التاني اللي بتقولي دة عبارة عن قصر زي قصر عيلة نصار.
فتذكرت ملك أمرا ربما يفسد ذلك الاقتراح الذي قدمه حازم: ولو عملت اللي بتقول عليه ووافقت على جوازي من عمر, مش هييجي اليوم اللي بردو هيكتشف فيه إني مش أم يوسف.
فقال حازم موافقا: دة صحيح, بس مش هيحصل إلا لو قرب منك, وأنا أشك في دة.
فسألت ملك مشككة: ليه بقا؟
حازم بغموض: لأنك كنتي مراة عمرو, ودة لوحده يخلي عمر, أنا آسف يعني لو قولت, مش طايق يبص في وشك حتى لو كنتي ملكة جمال.
هي فعلا لاحظت في عينيه نظرات فسرتها على أنها نفور لم تجد له سببا وظنت أنها خاطئة ولكن ها هو حازم يؤكد تفسيرها, فسألته مطالبة بتوضيح أكثر: وإيه السبب.
فقال حازم متهربا: دة بقا اللي مقدرش أقوله ليكي ولا لأي حد تاني.
ثم أضاف منهيا هذا الأمر: المهم, خلينا في موضوعن, أنا زي ما قولتلك ان دة أنسب حل ليكي, وع العموم خدي وقتك وفكري كويس انتي لسة باقي على عدتك حوالي شهر وأيام.
ثم لاحت ابتسامة على شفتيه وهو يعلق بمرح: ولو انك ملكيش عدة أصلا, بس أديها فرصة قلبي فيها الموضوع في دماغك وكل الحلول اللي أدامك بالنتايج المترتبة عليها, وأي كان الحل اللي هتوصليله فتأكدي إني هدعمك فيه على أد ما اقدر وعلى أد ما تسمحلي ظروفي.
**********************************
بدأت ملك في تنفيذ نصيحة حازم, هي بالفعل لم تكف عن التفكير في هذا الأمر الذي لا يشغل تفكيرها سواه, ولكن الآن قد جدت بعض الأمور التي يجب أن تضعها في الحسبان, أما بالنسبة للحلول المقترحة أمامها فليست بالكثيرة, فإما أن توافق على زواجها من عمر كما اقترح عليها حازم وكما تريد نجوان أو أن ترفض ذلك الزواج فتتحمل غضبها الذي لم تراه حتى الآن ولكنها تشعر به, وإما أن تصارحهم بحقيقة أمرها فيتهمونها بالتزوير والاحتيال ليكون مصيرها زنزانة في أحد السجون, أو ذلك الحل الأخير الذي خطر في بالها مؤخرا ومالت إليه كثيرا وهو الهرب, نعم فهذا أنسب الحلول, يجب أن تهرب من تلك الدوامة التي لا تعلم لها نهاية, لقد فعلتها من قبل فلتفعلها مجددا الآن, ستهرب إلى مكان جديد لا تعرف فيه أحد ولا يمكن لأحد التعرف عليها لتبدأ حياتها من الصفر, نعم من الصفر, فلقد عاهدت نفسها ألا تمتد يدها إلى تلك النقود التي وضعها عمرو في حسابها بالبنك قبل موته, ولكن إلى أين الفرار هذه المرة؟ لم تهمها الإجابة عن هذا السؤال في المرة السابقة لأنها كانت تعلم أن لا أحد سيسعى خلفها, ولكن الآن فالأمر مختلف ومسألة هروبها لن تمر مرور الكرام لذا عليها أن تحسب لكل خطوة ستخطوها ألف حساب, نظرت إلى المنبه على المنضدة بجوارها فوجدت أنها قد عدت الواحدة صباحا, ومن المفترض أن الجميع يغرقون في سبات عميق, تلك هي فرصتها إذن. وعلى الفور شرعت في تنفيذ الخطة, فقد وضعت بعض الثياب القليلة في حقيبة السفر الصغيرة التي كانت تستعملها, ثم أبدلت ثيابها بأخرى مناسبة للخروج وغادرت حجرتها على أطراف أصابعها خوفا من أن تثير ازعاج أحد فينكشف أمرها, ولكن كما توقعت فقد مرت بحجرتي نجوان وابنتها فلم تسمع أي صوت يصدر عنهما, لذا حمدت ربها في داخلها, ثم وصلت إلى الدرج دون أن يقابلها آدمي, وبدأت تنزل درجات السلم بهدوء وحذر حتى وصلت إلى نهايته, وبعدها توجهت إلى باب القصر لتفتحه ببطء ورفق حتى لا يصدر عنه أي صوت, وقد تم لها ذلك فتنفست الصعداء, ولكن قبل أن تخطو خطوة واحدة إلى الخارج وجدته يقف أمامها يسد عليها الطريق.
