رواية الغضب الاسود الفصل الثالث عشر 13 بقلم الكاتبة كوين اسمهان
الفصل 13|رائحة الأمهات
كانت اللحظات التي أمضتها ماريغولد على طاولة الغداء بقاعة الطعام مهلكة لأعصابها، تارة تبتسم للطافة لِيو، و أخرى تتسمَّرُ حائرة تحت نظر خاله الذي يتفحصها بتركيز غريب، شعرت أنها تحت المجهر، و لم تستمتع بأي شيء تناولته رغم لذته، كان هارولان يجلس بعيدا جدا عنها، يترأس الطاولة، و يبدو عليه ظاهريا الهدوء، لكن عينيه لم تكونا كذلك، افترسها بتحديقه، و لم يكلّ أو يملّ من مراقبة كل حركاتها، استغربت ذلك، و راحت تحرك يدها و فمها آليا، كأنها تمضغ التبن بدل الطعام، أما هو فلمس صحنه مرتين أو ثلاث فقط، ثم أنفق ما معه من وقت في تأملها.
8
قضت فترة ما بعد الظهر رفقة ليو و السيد لي في الحديقة، و لم تعرف عن هارولان سوى أن لديه عملا مهما في حضائر البقر، حاولت أن تطرده من أفكارها للشعور الغريب الذي راودها بشأنه، فسألت السيد لي و هي تتجول أمامه بين الأشجار:
+
"يا لها من حديقة مذهلة! لكن... إفتقارها للألوان المبهجة يجعلها مجرد مساحات خضراء كئيبة".
1
توقفت عن سيرها، و أضافت ملتفتة إليه:
+
"لماذا لا توجد أية ورود أو أزهار هنا!".
1
ترك الخادم فاصلا من الصمت يمر، رفع رأسه و نظر نحو رؤوس الأشجار مفكرا، و كانت عيناه مزجَّجتان حين أجاب أخيرا:
+
"بعض الأشياء يصعبُ تفسيرها آنستي، ربما سنتعايشُ مع حديقة بلا ألوان لعمر كامل، و ربما سيتغير شيء ما، لا أحد يدري! لكنني... أستبشر بوجودك".
22
مرة أخرى عجزت ماريغولد عن استيعاب أقوال هذا الرجل، لكنها أحبته، أعجبتها الطريقة الهادئة التي يتحدث بها، و الهوينى الوقورة التي تنتهجها خطواته، و كم راقتها ابتسامته المتسامحة إزاء أسئلة لِيو المحرجة حول أول قبلة و عناق تبادلهما مع زوجته هانا؟ و متى وقعا في الحب؟ و استغربت في الآن نفسه لِمَ تدور تساؤلات الطفل و أفكاره حول الزواج و الأسرة دائما؟ تُرى هل حُرِمَ من مشاهدة الحب بين والديه؟ أم أنهما لم يكونا متحابين؟ ألهذا السبب كان يسأل ما إذا قبلها خاله من قبل؟ أحست نبضا عنيفا يهز يسار صدرها، و حرارة طاغية تشعل وجنتيها، فحركت رأسها ساخرة من تلك الفكرة، و اهتمت بتجاذب حوار آخر مع السيد لي حول المُزارع الهندي غوفيندا الذي كان يهتم بالحدائق قبل وعكته الصحية مؤخرا.
4
أسقطت هانا قطعا كبيرة من جبن كينغ الممتاز في الصلصة التي تعدها من أجل العشاء، و تساءلت بتأفف:
+
"هل رأت إحداكن ساري؟".
7
تفقدت الساعة الجدارية أعلى رأسها و تابعت بحيرة:
+
"قالت منذ ساعة أنها ستأخذُ القهوة للعمال و لم تعد بعد!".
+
حركت تِيا رأسها مستسلمة لموجة عياء غريبة، فيما أجابت آديا مغلقة المجلة التي كانت تتصفحها بملل:
1
"ليست لدي فكرة عزيزتي هانا".
+
تدخلت خادمة ثالثة كانت تجلس كملكة على كرسي و تريح ساقيها على آخر، و قالت هامسة بشقاوة:
+
"لعلَّ العزيزة ساري أوقعت مروض الجياد الوسيم في حبالها أخيرا!".
4
سألتها آديا متعجبة و قد سئمت التحديق في المجلة أكثر:
+
"من تقصدين؟ ريك جونسون؟!".
2
"و من غيره؟ إنه الوسيم الوحيد هنا!".
9
اقتحمت تِيا الحوار الهامس مقاومة خمولها و انبرت تقول بوجه مستنكر:
+
"ما أعمى بصيرتكِ سيدني! أنسيتِ السيد كينغ؟ إن كنا بمعرض الحديث عن الوسامة، فلا أحد هنا يُضاهيه فيها، و لن تكون مبالغة مني إن قلتُ أنه أوسم رجل أسترالي على الإطلاق!".
4
اعترفت سيدني منزلة ساقيها عن الكرسي:
+
"حسنا إنه كذلك بالفعل! لكنه كما تعلمين محصن ضد النساء و الحب عزيزتي تِيا، لذا سنستبعده حين نتحدث بهذه الأمور!".
17
أطرقت تِيا نحو الأرض و تمتمت:
+
"معكِ حق، لا أستطيع تخيل السيد كينغ خارج عالمه الحالك! كما لا أتخيل امرأة تنجح في اختطاف قلبه أو حتى أدنى اهتمامه!".
27
وافقتها آديا بهزة من رأسها، في حين أطلقت سيدني تنهيدة حارة مفكرة أن السيد كينغ تركيبة صعبة عجيبة بين القوة و القسوة و الوسامة، و جماله الخشن يمكن أن يشد المرأة إليه... مثلما يمكن أن يرعبها أيضا! ربما ريك و أمثاله يناسبونها أكثر، هكذا رجل... وسيم و مداعب قد يسرق قلب المرأة بنظرة مغازلة، لكن هل يستطيع المحافظة عليه؟ تُرى هل ستكون خادمة جميلة و بسيطة مثل ساري بأمان مع رجل مثل ريك جونسون؟ رفعت سيدني فجأة رأسها لتجد هانا واقفة فوقهن بملامح مرعبة، صرخت بهن دون سابق إنذار:
+
"إني أتساءلُ متى تكفُّ ألسنتكنَّ الطويلة عن الثرثرة بشأن حياة السيد الخاصة؟ أ ليس لديكنَّ ما تقمن به سوى الجلوس و اجترار الكلام الفارغ؟ تحركن فورا إلى أعمالكن أو سأشكوكن إلى السيد لي!".
7
فرَّت آديا و تِيا من أمام الطاهية بخجل، بينما تمايلت في أثرهما سيدني بكل تكاسل و لامبالاة مقهقهة، ألقت هانا المجلة جانبا، و أعادت تنظيف الطاولة الصغيرة متذمرة:
1
"سترين يا ساري البلهاء! سأرميكِ لتماسيح النهر هذه المرة إن ثبت أنكِ تواعدين ذلك الماجن!".
3
لمس ريك وجنة الفتاة بلطف، فابتعدت عنه خجلة، و تمتمت:
+
"عليَّ العودة، تأخرتُ كثيرا!".
+
سحبها ريك خلف الإصطبل بعيدا عن الأعين، و دفعها إلى الجدار الخشبي بعدما كست وجهه علائم غريبة أرعبت ساري!
8
"ماذا تفعل؟".
1
حاولت دفعه بيديها الضعيفتين، لكنه سحرها بنظرته الزرقاء الجميلة، و بكلماته المعسولة:
+
"لا أستطيع مقاومة جمالكِ أكثر! أنتِ ساحرة!".
7
لم يترك لها مجالا للرد، سريعا اغتنم فرصة شرودها في ما قاله، و راح يقبلها بنعومة، لتتحول نعومته شيئا فشيئا إلى عنف حميمي اخترق دفاعات الفتاة كلها، فغاب الصواب عن عقلها، و غاصت في بحر مشاعر قوية لم تستطع تخطيها!
14
كانت ساري أشد الخادمات جمالا، قد يقع في سحرها أي رجل، فتقلب حياته رأسا على عقب بشعرها الأحمر القصير، و عينيها الخضراوين، و النمش الذي يغطى بشرتها القشدية، و انحناءات جسدها الملفتة، و شفاهها الممتلئة القرمزية! و كان ريك كثيرا ما يرمقها بطرف عينه حين تحضر القهوة كل مساء، و يكاد يهيم على وجهه من شدة ما يجذبه منظرها، لكنه مؤخرا بدأ يمل خجلها المبالغ، و يتوق كي يسخرها لرغباته، و هل يمكن أن ترفضه امرأة؟
15
أزال هارولان عرق جبينه بظهر يده، و سأل البيطري باهتمام:
1
"هل يعاني هذا العجل من خطب؟".
+
ربَّت الدكتور أوكلي على عنق العجل الذي وُلدَ حديثًا، و بات اليوم عمره شهر، و أردف مطمئنا السيد:
+
"كلا! وضعه الصحي ممتاز، لكنه هزيل نوعا ما، و هذا يعني أن فردا آخر يجب فحصه!".
+
بحث بعينيه في الأرجاء ليضيف:
+
"أين هي الأم؟".
1
"هناك".
+
أشار إلى الزاوية التي تقبع بها والدة العجل بخمول، و فورا انكبَّ عليها البيطري يفحصها، ليدرك أن شكوكه في محلها. سأله هارولان قلقا:
+
"هل تعاني التهابا في الضرع؟".
6
"كلا! كل ما تعاني منه هو نقص في حمض اللايسين الأميني، و هو أمر بسيط يمكن علاجه بواسطة المكملات الغذائية الخاصة بالبقر".
4
تنفس هارولان بارتياح، و تأكد من جاهزية العجول الصغيرة للدمغ بالنار، و وقف بعيدا يشاهدُ رام و دان يتوليان حصر العجول المذعورة في مكان واحد، بينما يقوم رود بتسخين الحديد الذي يحمل رمز (K) و طبعه بسرعة على خاصرة كل عجل، ثم يصفع أحد ردفيه منتظرا تقدم العجل التالي. تأمل السيد كينغ المشهد بصعوبة، إنه يكره أن يؤذي أبقاره الغالية، لكنه مضطر لذلك، فهو في النهاية يحميها من اللصوص، و يجعلها رسميا جزءً جديدًا من كينغلاند العظيمة، لن ترتبط هذه العجول به من خلال ألم الكي فقط، فبعد أيام و شهور ستحب أرضه، و تعاشرها بشغف، و تؤمن بها، و تحترق بترابها الأحمر، و ترتبط بعطره! انتفضت أعماقه فجأة و استيقظت أشياء غامضة داخله، لماذا يتذكر تلك الفتاة الآن؟ كان باستطاعته أن يترك مهمة دمغ العجول الجديدة بالنار لرجاله الأكفاء، لكنه نبذ راحة البيت، و دفن نفسه هنا... فقط ليتفادى النظر إليها!
10
"أيها المعلم! أيها المعلم!".
+
ركض ستانلي بلهفة نحو سيده، و هتف ملوحا بقبعته كأنه انتصر في حرب مستحيلة:
1
"قبضتُ على حصان بري مذهل، لكنني أجد صعوبة في ترويضه!".
3
نال الخبر اهتمام هارولان الكامل، فترك مشاهد عذاب العجول الصغيرة، و انطلق بمعية ستانلي متسائلا:
+
"أين هو؟".
+
"تركته بمعية تيد في الغابة، بعد إعادة القطيع العاشر إلى الحضائر... خرجنا كما أمرتنا لصيد السمك، و فوجئنا به يرتوي من مياه النهر، نجحت أفراد قطيعه في الهرب، لكننا حاصرناه و ألقينا عليه شباك الصيد، ثم قيدناه إلى شجرة، و الحق أنه قاومنا بجنون و أصابنا بعدة ضربات مهلكة!".
3
حرك هارولان رأسه مستحسنا شجاعة تيد و ستانلي، فيما فكر هذا الأخير أنه سيستعيد أخيرا احترامه بين رجال كينغلاند!
2
"أخبر ريك أن يجهز كشكًا للوافد الجديد! أخبره أيضا أنه قد يروضه بنفسه، لأن أعمالي متراكمة هذا المساء، لا يزال هناك الكثير من العجول التي يجب فحصها و دمغها و تطعيمها، لكن لا ضير من إلقاء نظرة عليه!".
1
تلعثم ستانلي و تباطأ في سيره قائلا:
+
"لا أظن أن ريك سيهتمُّ بأمر الحصان اليوم!".
6
لم يعجب هارولان ما سمعه، فرفع حاجبيه و لوى شفتيه متسائلا:
+
"إنه يعمل لدي مروضًّا و راعي بقر! بماذا عساه يهتمُّ إذن؟".
4
لمح ستانلي الجحيم تعرض نفسها في عيني السيد فقرر أن يصارحه على الفور:
1
"أعتقدُ أن ريك يواعدُ إحدى الفتيات عند الإصطبلات، مررتُ عليه أولا كي أزفَّ له الخبر فطردني كحشرة و عاد لأحضان جميلته!".
7
"مواعدة؟ في إصطبلاتي؟ على أرضي؟".
147
شعر هارولان بغضب عظيم، و أكثر ما أغضبه كلمة «جميلة»، إنه لا يرى جميلة على أرضه غيرها، هل يعقل أن تكون هي الفتاة التي يلهو معها ريك جونسون الآن؟ نسي أمر الحصان البري، استدار نحو أرض الجياد و الزبد يسيل من شدقيه، و سوطه في قبضته، سيجلده! سيسلخ جلده عن لحمه إن ثبت ما يتخيله الآن! غطس ريك شفتيه في عنق ساري المستسلمة لقبلاته، راحت يدها تعبث بشعره فأسقطت قبعته أرضا، و كاد ريك يفتح أزرار قميصها، لولا سماعهما صوت خطوات قادمة، ظن ريك أنه ستانلي ثانية، فتأهب لركله هذه المرة، لكنه تفاجأ برئيسه، و ذُهل للغضب الذي كان يمضغ تقاطيع وجهه بشكل لم يره من قبل، استغلت ساري الموقف و هربت خجلة باتجاه البيت، فتفحصها هارولان عن بعد بعينين حادتين، و سرَّه أنه لم يلمح شعرًا طويلا بلون البُن! و لمح بدلاً منه شعلة حمراء تتراقص مع الرياح مبتعدة، أيقن فورًا أنها خادمته الصغرى ساري! فهدأت ثورته، و أعاد السوط إلى حزامه محذرا ريك بهجة عنيفة:
29
"لا أريد أن يتكرر هذا، كينغلاند ليست مسرحا لغزواتك العاطفية، و في المرة القادمة فكر مرتين قبل أن تنظر إلى نساء البيت!".
29
كان هارولان يدرك يقينا أن أي امرأة تصدق رجلا مثل ريكارد جونسون ليست إلا حمقاء، و يبدو أن ساري كذلك! التقط ريك قبعته نافضا عنها الغبار، كاتما استياءه من تعنيفه كمجرد فتى طائش ضُبط أول مرة مع امرأة! و سمع المعلم يستطرد مبتعدا:
6
"لديك وظيفة ممتازة، لا تجازف بها!".
5
فلحقه متذمرًا لأنه كان سيتمكن أخيرًا من امتلاك تلك الغبية الصغيرة، لكن... أين ستهرب منه؟ بعد ما جعلها تعيشه من نشوة لن تنتظر كثيرا، فتاة عقلها بحجم رأس الدبوس، ستزحف نحوه قريبا و ستكون رهن إشارته! هذا ما يحدث دائما مع النساء اللاتي عاشرهن من قبل! لكنه سيلتزم جانب الحذر، فهو ليس مستعدا لخسارة وظيفته المذهلة في أكبر و أهم مزرعة على الإطلاق!
38
جلست ماريغولد رفقة لِيو على طاولة العشاء، و امتنعت عن لمس الطعام حتى وصول هارولان، لكن السيد لي قال بهدوء قبل أن يتركهما على راحتهما:
1
"السيد كينغ سيتأخر اليوم في العمل! لذا أوصى بعدم انتظاره على العشاء".
+
أشفقت عليه متنهدة، و راحت تداعب الصلصة الشهية بملعقتها تارة، و تقلب قطع السمك بشوكتها تارة أخرى دون أن تأكل شيئا، سألها لِيو عن سبب شرودها، فابتسمت بصمت، ثم نفت أن يكون هناك خطبا بها، و راحت تفكر في هارولان، لا بد أن العمل المضني سيسبب له جوعا لا يحتمل، لكن ربما هو الآخر اعتاد ذلك... و الجوع ليس بمأساة كبرى لديه! أودعت لِيو غرفته بعد لحظات، تأكدت أنه نظف أسنانه جيدا، و وضعته في سريره بحنان، ثم طبعت قبلة دافئة على جبينه و همت بالمغادرة متمنية له أحلاما سعيدة، غير أنه تشبث بها قائلا:
5
"ابقي معي قليلا يا صديقتي!".
3
"لماذا؟ هل تخاف النوم لوحدك؟".
+
حرك رأسه يمينا و يسارا، و أجاب:
+
"اعتدتُ سماع قصة قبل النوم".
2
ضحكت مردفة:
+
"حسنا لك هذا يا عزيزي".
+
استلقت قربه كما طلب، و تابعت متسائلة:
+
"أي قصة تريد؟".
+
فكر قليلا و قال ناظرا إلى السقف:
+
"لا أعرف! أريد سماع قصة جميلة و حسب".
2
ابتسمت هامسة:
+
"أوه، أعتقدُ أنني أعرف ماذا سأروي لك!".
+
قبل منتصف الليل بساعة... اقتحم هارولان البيت منهكا، و لاحظ أن الأضواء كلها انطفأت ما عدا ضوء رواق المطبخ، عظيم! لن يراها مستيقظة إذن، ففي مثل هذه الساعة لا يسهر سواه هو و خادمه المفضل السيد لي. تسلق الدرج ببطء، أراد أن يلقي نظرة على لِيو، لكنه كان متعرقًا و متربًا، فآثر أولا أن يستمتع بحمام مريح، اتجه رأسا إلى غرفته، و تخلص من ثيابه المتسخة مسترجعا أحداث اليوم الذي بدأ بجنون تلك الفتاة، و انتهى بصراع خطير مع حصان جامح يشبهها في العناد، وضع رأسه المثقل بالأفكار تحت المياه الفاترة لوقت طويل، تذكر كيف كاد ذلك الحصان البري أن يقتل ريك و رام معا لولا تدخله لتهدئته، و وجد نفسه يتساءل ماذا لو قابلته تلك المجنونة؟ هل كانت ستنجح في التأثير عليه كما فعلت مع المارد؟ أدرك أنه تأخر داخل الحمام على غير المعتاد، فجفف نفسه، و ترك تلك الأفكار تنزلق من رأسه، مرتديا ثيابا نظيفة.
10
"سيد لي! فنجان قهوتي المعتاد".
+
"في غرفتك؟".
+
"كلا! سأرى لِيو أولا، ثم سأتجه إلى بيت المكتب!".
1
وضع سماعة الهاتف، و خرج صوب غرفة الطفل القريبة، أدار المقبض بحذر، و دفع الباب ببطء شديد، و لم يصدق ما وقع عليه بصره، تقدم بخطوة مندهشا، كانت الفتاة التي فكر فيها طوال اليوم نائمة بجانب الطفل، و الغريب أن لِيو كان مستيقظا، يلمس وجهها برقة، و يقبل وجنتها و أنفها بين حين و آخر، ما الذي يحدث في بيته بحق السموات؟
101
"ما هذا؟".
+
"كانت تروي لي قصة، لكنها نامت قبل أن تكملها".
4
ابتلع هارولان ريقه، و سمع سؤال الطفل بقلق:
+
"هل يعقل أنها مرضت مرة أخرى لهذا نامت بسرعة؟".
2
بدأت الأصوات تدغدغ أذني ماريغولد، رفعت جفنيها قليلا، فلمحت هارولان يمضي لإغلاق الباب دون أن يترك الغرفة، فأسرعت بإغماض عينيها ثانية مدعية النوم، و أصغت لصوت خطواته المقتربة بقلب مرتعش. جلس الخال على طرف السرير و تحسس جبينها، ثم سحب يده معلنا:
9
"لا تقلق أيها البطل! صديقتك نائمة فقط".
+
حاول إيقاظها، إلا أن لِيو منعه هامسا:
+
"لا أريدها أن تتركني!".
8
عبس خاله و جلس على طرف السرير الآخر، ثم ربت على كتفه معقبا:
+
"أنت طفل شجاع، و لست بحاجة لينام معك أحد، أليس هذا اتفاقنا؟".
1
"بلى! لكن صديقتي رائعة، وجودها يجعل المكان جميلا، إنها تروي قصصا مدهشة لم أسمعها من قبل، و هي أيضا...".
1
نظر لِيو إلى وجه ماريغولد الغافي، و استنشق شعرها متابعا:
+
"...تمتلك في شعرها رائحة الأمهات!".
49
تقلص فكُّ هارولان حين كزَّ على أسنانه، راقبهما متعانقين، و في ذلك الوقت كان قلب ماريغولد يرقص على قرع طبول منفلتة، و لم تعرف سبب الصمت المريب الذي غمر الغرفة فجأة، تدارك هارولان الأمر بتحامل، و عقب محاولا قدر المستطاع أن يجنب الصغير رؤية لمحة من غضبه:
3
"عن أي شيء كانت القصة التي لم تكملها لك؟ سيتولى خالك بقيتها!".
+
برقت عينا الصبي و قال:
+
"في مقدورك ذلك حقا؟".
+
"طبعا!".
+
ألقى نظرة متأملة إلى الفتاة، ثم أضاف بثقة:
+
"أنت تعرف أن خالك هارولان لا يعجزه شيء! هيا أخبرني! عمَّ كانت تتحدث القصة؟".
1
"عن الأم... عن أم ماريغولد! قالت أنها كانت امرأة جميلة جدا، و لها رائحة الورود، مثل كل الأمهات! أرجوك حدثني عنها أيضا!".
10
ٱصيبَ بصدمة عنيفة، كان ذلك آخر شيء يتوقع سماعه، و الشيء الوحيد الذي يرفض رفضا قاطعا أن يتحدث عنه، حتى مع لِيو، بل و خصوصا معه! هذا الموضوع تحديدا مثل السم بالنسبة له، جاهد لينطق بتلك الكلمة التي لم يتخيل يوما أنه سيفكر فيها:
3
"لا... ليس بمقدوري الحديث عنها!".
+
"و لكنك قلتَ...".
+
خرج هارولان عن سيطرته، و قاطعه بانفعال غير مسبوق:
+
"تبا لما قلته! أنا لا أعرفُ أمها لأتحدث عنها!".
3
فقد الطفل ابتسامته لبعض الوقت، ثم قال على حين غرة:
+
"إذن حدثني عن أمك أنت، ألا تعرفها أيضا؟".
24
شعر هارولان أنه سينفجر غضبا، اسودَّ العالم في وجهه، و عادت إليه ذكريات لا يحبها، ذكريات سبق و ملأته بالسواد، و أرسلته إلى جحيم لن يعود منها أبدا، أغمض عينيه و اشتدت قبضتا يديه بقسوة، ممنيا نفسه بكسر شيء ما، و أيقن وسط ظلام عينيه أنه لا يجب أن يفعل ذلك أمام الطفل، فتنفس بعمق، و قال مغيرا دفة الحديث:
3
"لدي قصة أفضل!".
+
لم يتجاوب معه لِيو في البداية، غير أن قصة العجل الصغير الذي فرَّ رافضا خوض تجربة الدمغ بالنار بدأت تخطف اهتمامه رويدا رويدا، حتى سأله:
5
"خالي، هل تحب قطعان الغضب الأسود كثيرا؟".
+
ردَّ هارولان دون الحاجة لتفكير:
+
"أنا متعلق بها، و لا أرى حياتي دونها، عنفوانها، كبرياؤها، و تمردها... كل ما فيها يشبهني و يذكرني بنفسي و بمعنى وجودي في الحياة".
5
شيء ما تحرك في قلب ماريغولد، كانت تصغي لصوته الهادئ كأنها تسمعه للمرة الأولى، أيقن هارولان بعد وقت قصير أن حديثه عن أرضه و قطعانه المتمردة جلب النعاس للصغير، فانحنى عليه و رفع اللحاف إلى غاية عنقه، مما جعله يقترب من ماريغولد، و يلتقطُ موجة من عطرها، شعر باسترخاء عجيب، ثم تذكر عبارة مستفزة «رائحة الأمهات!»، ليستقيم مضطربا، و يبتعد عنها راغبًا بترك الغرفة، لكنه سرعان ما بلغ الباب حتى عاد لاعنًا كل شيء ليغطيها أيضا، كما لو أنها مجرد طفلة في عهدته هي الأخرى!
17
انتظرت ثوانٍ، و غادرت الغرفة كذلك، لم تكن تشعر بالنعاس، بل شعرت بصداع رهيب يضرب رأسها، فقررت أن تقوم بجولة، تبعت الأنوار نحو المطبخ، و وجدت هناك السيد لي يحضر قهوة من نوع خاص، كان يصب المزيج البني الرائع في فنجان من الخزف الصيني الفاخر حين خاطبته مبتسمة:
2
"يبدو أنك تحب السهر سيد لي!".
+
بادلها الابتسام مجيبا:
+
"حين يتعلق الأمر بالسيد كينغ... يحلو السهر! إنه يحبُّ ارتشاف القهوة في مثل هذا الوقت".
3
كان هناك لمعان جميل في مقلتيه كلما تحدث عن هارولان، تمتمت ماريغولد معجبة برائحة القهوة:
+
"أنت تحبه كثيرا!".
+
أجابها بإيماءة فقط، كأن الأمر جلي و لا حاجة لتخمينه أو توضيحه، هذا صحيح، ألم يخبرها والدها أن الحب الصادق لا يُشرح، بل إنه لا يعرف الكلام أحياناً، و لا يترجمه سوى العناية و الاهتمام و الوفاء!
3
"هل تجدين صعوبة في النوم؟".
+
"أظن أنني أعاني صداعا سيئا!".
+
رأته يصب ما تبقى من القهوة في فنجان آخر أضافه توا على الصينية، ظنت أنه سيشارك سيده طقس القهوة الليلي، فاستطردت متسائلة:
+
"هل يعاني السيد كينغ أيضا من صداع؟".
1
أجاب السيد لي بغموضه المعهود:
+
"يعاني صداعا أبديا، و يعتقد أن الشفاء في فنجان القهوة، لكن فناجين سائر الليالي تعود إلى هنا خائبة، و يبقى الصداع كما هو!".
14
منحها الصينية، فالتقطتها متفاجئة، و أصغت إليه بحيرة:
+
"ربما فنجانان هذه الليلة يضعان حداًّ نهائيا للصداع!".
12
حدقت فيه ذاهلة، و تمتمت بشك:
+
"هل تقصدُ أن أشاركه أنا القهوة؟".
+
تفهم السيد ترددها، و شجعها مبتسما:
+
"لستُ واثقا من هدوء أعصابه الآن، لكنني أثق في قدرتكِ على مواجهته، ربما لا يجب أن يبقى وحيدًا الليلة، ربما حان الوقتُ كي يسمع من أحدهم ما يخشى الاعتراف به حتى لنفسه!".
5
للمرة الألف يبدو كلام السيد لي من عالم آخر، لكن ماريغولد سارت مع التيار الذي رسمه لها، و ألفت نفسها على باب مكتبه تطرقه بنفس متقطع، و نبض مسعور، غريب أمرها! كأن الصراع مع ظلام ذلك الرجل أصبح هوايتها المفضلة! تعرف أنه سيتميَّزُ غضبا لرؤيتها تقتحم خلوته، لكنها لا تبالي! ربما هناك ما تود قوله له بالفعل، ثم إنها ابنة جاك موران الرجل الصادق و الشريف، الذي علمها المواجهة... لا أن تولي الأدبار.
3
نهاية الفصل الثالث عشر.
+
