رواية نون حائرة الفصل الثاني عشر 12 بقلم سمر شكري
الفصل الثاني عشر
في عروض الزواج التقليدية؛ السكوت علامة الرضا، ولكن في موقف مشابه؛ السكوت علامة المفاجأة
لم يكن يتوقع أحد طلبه، كل ما تعلمه والدتها أنه أتى لاصطحاب طفله، وهذا ما أخبرت به والدها بعدما قصت عليه فحوى اللقاء بينها وبين (مالِك) وما دار بينها و بين جارتها من حديث بشأن (ندى)، و كانت المفاجأة الأكبر من نصيب (سليم) و (ندى)، فهما لم يعلما من الأساس عن قدوم (مالِك)
نظر (علي) إلى زوجته متعجبًا، و نظرة أخرى لوجه ابنته ليرى معالم الصدمة و المفاجأة متجسدة بملامحها، ربما في موقف مشابه لكان الشعور بالخجل هو متسيد الموقف
استلمت والدة (مالِك) ضفة الحديث، قائلة بابتسامة هادئة تعلو ثغرها : الحقيقة إحنا عارفين انكم كنتو مفكرين سبب الزيارة شئ تاني، بس مالِك بيفكر في الموضوع بقاله فترة، و طلبنا دا ملوش علاقة بمقابلة حضرتك معاه إمبارح يا مدام هدى
صدمة أخرى كانت من نصيب (ندى)، فمجيئه اليوم قد كان بعلم والدتها، و الأدهى بطلبها
وقفت (ندى) مستأذنة الدخول لغرفتها، نظر إليها والدها قائلا : اقعدي يا ندى، الكلام يخصك يبقى لازم تكوني موجودة
أمسك (سليم) بيدها برفق، وحثها على الجلوس مرة أخرى
التفت (علي) إلى (مالِك) و والدته قائلا بهدوء و بابتسامة طفيفة تعلو و جهه : الحقيقة إحنا اتفاجئنا بطلبك يا دكتور
شبك (مالِك) أصابع يديه قائلا بتوتر : أنا عارف إني ممهدتش للموضوع بس أنا بصراحة كنت خايف من رد فعلكم، بس بعد مقابلة مدام هدى صليت استخارة و نويت أفاتح حضراتكم في الموضوع
أومأ (علي) برأسه : طبعا يا بني، و أظن إحنا كمان حقنا نفكر في الموضوع
أجابه (مالِك) سريعا : طبعًا يا عمي أكيد
استأذن (مالِك) و والدته بالرحيل، حمل الطفل بحنو بين ذراعيه، نظرت إليه (ندى) بدموع متلألأة بعينيها، اقتربت منه طابعة قبلة رقيقة على وجنته ثم ذهبت سريعًا إلى غرفتها حتى لا تفقد السيطرة على دموعها أمامهم، فشعورها بابتعاد (أنس) عنها كأن أحدهم يسحب جزء من روحها
*****************************
جلست (سارة) بغرفتها تكفكف دموعها، لعنت قلبها الذي سمح بدخوله إليه، كان يكفيها ما يحاوطها من مشاكل لتُقحم نفسها بواحدة جديدة قبل أن تتخلص من سابقتها، شعرت بانجذابها نحوه منذ محاولته التقرب منها، حاولت التهرب منه مرارًا ولكنه حاصرها بالأخير، كان عليها أن تخبره بأمر زواجها حتى يبتعد، لم تخبره الحقيقة كاملة، فهي لم تعلم النهاية بعد
نهاية القصة التي بدأت منذ عام بتقدم أحد جيرانها لخطبتها، زواج تقليدي لا يوجد به مشاعر، شاب تقدم لخطبة فتاة، و بالسؤال عنه تبين أنه على خُلق، يبدو للجميع بصورة الشاب الخلوق المكافح الذي لا ترفضه أي عروس، قابلته و تجاذبا أطراف الحديث ليعجبها ثقافته و إلمامه بما يدور بالعالم من حوله، أعجبها طريقته بالحديث، و احترامه لوالديها، وافقت على الخطبة، و تطور الأمر إلى عقد قران، و الحجة " عشان يقدرو ياخدو على بعض براحتهم"، و الحقيقة لم يحاول استغلاله للتمادي بعلاقتهم، لتكتشف بعدها بأنه لا يوافق على أمر إلا بمشورة والدته، الأمر لم يضايقها في البداية؛ فقد اعتبرته بارًا بوالدته التي قامت بتربيته بعد وفاة والده منذ صغره، تهاونت في أمور كثيرة، تحملت معاملة حماتها الجافة لها، و كلما اقترب موعد الزواج، يظهر وجه آخر لشخصيته، أو بالأدق لشخصية والدته التي كانت تفاجئهم بقراراتها : بلاش فرح، مصاريف في الفاضي
و القرار المفاجئ كان قبل العُرس بشهر عندما اكتشفا بالصدفة أن شقة الزوجية لم تكن سوى شقة مؤجرة لمدة شهر، و عند المواجهة كان الرد من قبل حماتها : أنا بقول يوفر مصاريف الشقة، ياخدو شهر عسل براحتهم في شقة إيجار و بعدين ييجو يعيشو معايا في شقتي
و الصامت بالمعنى الدارج "إبن أمه" لم يعترض، بل كان على علم بالخطة من البداية، و لم يضع بالحسبان أن يتلاقى حماه بحارس العقار و يعلم منه مدة إيجار الشقة، القشة التي قصمت ظهر البعير ليطالب والديها بالانفصال، فالزيجة بدايتها مشاكل هم في غنى عنها، لكن المشاكل لم تنتهي، فالزوج يرفض إتمام الطلاق بأمر من والدته التي ظلت توهمه بخضوعهم له بالنهاية : اصبر بس بكره يجرو وراك و يقولو موافقين، خليها جنبهم كده زي البيت الوقف لا طايلة سما ولا أرض
حاول بعض الأقارب التدخل لحل الموضوع بشكل ودي ولكن دون فائدة، و أصبحت زوجة على ورق
أعادها من شرودها نداء والدها لها، ذهبت إليه لتجده يجلس برفقة والدتها و يعلو وجهه ابتسامة عريضة، ابتسامة لم ترها منذ ثلاثة أشهر، منذ بداية المشكلة
احتضنها والدها مربتًا على ظهرها : خلاص المشكلة هتتحل إن شاء الله، أنا حاولت معاه بكل الطرق عشان يطلق بهدوء، بس هو اللى حابب البهدلة، أنا رحت للمحامي عشان يرفع قضية طلاق أو خلع، يشوف إيه اجراءتها و حكمها أسرع و يتوكل على الله، اعملي حسابك ننزل بكره الشهر العقاري علشان تعملي توكيل للمحامي
احتضنتها والدتها شاعرة بالفرح لقرب تخلص ابنتها من هذه البلوة المسماة حماتها كما تطلق عليها
شعرت بالسعادة، قبلت والدها : الحمد لله، مش عارفة أشكرك إزاي يا بابا إنك وافقت ع القضية أخيرًا
نظر إليها بحنو أبوي : مكنتش حابب المشاكل تكبر بس هو و أمه مش عايزين يجيبوها البر و أنا مش هفضل سايبك تحت رحمتهم
دخلت إلى غرفتها و شعور السعادة يغمرها، حمدت ربها كثيرًا، ثم تذكرت (أمجد)، شعرت بالحزن، لو كان تأخر بتلميحاته أسبوع آخر، لكان ردها سيختلف
******************************
دلفت (فرح) إلى غرفة (أمجد)، جلست بجواره على الفراش، ظلت صامتة لبرهة، كانت تنظر إليه فقط، انتظرها طويلًا حتى تطلب ما تريد ولكن دون فائدة، تنهد قائلًا : انتي جاية تتفرجي عليا يا فرح، خلصي و قولي عايزة إيه
ابتسمت له (فرح) بهدوء : عايزة أوريو أيس كريم
لكزها بخفة في ذراعها : قومي يا فرح، قومي يا حبيبتي على أوضتك أنا مش فايقلك الله يبارك لك
أتى (يحيى) عندما استمع إلى صوت حديثهم من خارج الغرفة، وجد شقيقه عابس الوجه، يتخلل الحزن ملامحه، نظر لابنته ليجدها تتصنع العبوس، توجه إليها : إيه الجميل زعلان ليه ؟
تحدثت بصوت طفولي : عايزة أوريو أيس كريم و أمجد مش راضي
نظر (يحيى) إلى شقيقه ليجده شاردًا لا يتابع حديثهم، قبل ابنته قائلًا : طب روحي عند تيته وأنا شويه وهاجي أشتريلك اللى انتي عايزاه
بعد خروج فرح، تحدث (يحيي) : مالك يا بني، إنت حد خد منك قضية غصب في الشغل ولا إيه!
لم يحصل على رد من أخيه فأكمل حديثه قائلًا : لا دا الموضوع شكله كبير، مالك يا أمجد ؟
زفر (أمجد) بضيق : مفيش يا يحيى مخنوق شويه
حثه (يحيى) على الحديث : طب احكيلي مالك جايز أقدر اطلعك من حالتك دي
هز (أمجد) رأسه قائلًا : لا ما هي خلاص متعقدة و ملهاش حل
لكزه (يحيى) مشاكسًا : إنت بتحب ياض ولا إيه ؟
زفر (أمجد) ولم يجيبه، فأكمل (يحيى) : يبقى شكلها الصنارة غمزت
قام (أمجد) من جواره، و توجه إلى النافذة ليستنشق بعض الهواء لعلها تطفئ نيران قلبه، أخذ نفس عميق ثم زفره بهدوء : قصة خلصانة من قبل بدايتها، بتنيل على عيني وبحب بس مش طايل، حب في الهوا، يوم ما أحب واحدة تطلع متجوزة
صُدم (يحيى) من حديثه :إنت اتجننت يا أمجد، متجوزة ؟
حاول (أمجد) التحكم بغضبه : مكنتش أعرف، أنا لو أعرف إنها متجوزة مكنتش هلمح لها، مكنتش هحاول أقرب منها
سأله (يحيى) عن هويتها : مين دي ؟
فكر (أمجد) قليلًا، ثم رفض أن يخبره عنها، فلو علم أنها مدربة طفلته فربما سيمنعه من اصطحاب (فرح) إلي التدريب، فيكفيه الآن أن يراها من بعيد : مش هتعرفها يا يحيى، متقلقش خلاص أنا هشيل الموضوع من دماغي
التقط مفاتيح سيارته قائلًا : أنا حاسس إني مخنوق، هخرج أشم هوا شويه
ربت (يحيى) على كتفه متحدثًا بهدوء : أنا واثق إنك هتفكر كويس قبل أى خطوة، بس خليك متأكد إن الموضوع كده بدايته غلط
أومأ له (أمجد) برأسه دون حديث ثم تركه و رحل
********************************
"أنا موافقة"
هذا ما أخبرت به (ندى) والديها بعد رحيل (مالِك) ووالدته، تفاجئا من قرارها، وحده (سليم) كان يتوقعه، يعلم أن موافقتها لأجل (أنس)، فقد رأى تعلقها به، رأى صدمتها عندما أخبرتها والدتها أن والده أتى لاصطحابه، رأى دموعها المتحجرة بعينيها عند رحيله، عاطفتها تتحكم بقرارها
صرخت بها والدتها : هو إيه اللى موافقة! مش هيحصل، انا مش هوافق ع الجوازة دي
حاول (سليم) تهدئة الوضع : اهدي يا ماما، و انتي يا ندى لازم تاخدي وقتك في التفكير
نظر إليه والده مُعجبًا برأيه : سليم معاه حق، الموضوع محتاج هدوء وتفكير، وإنتي يا ندى صلي استخارة و خدي وقتك في التفكير، قرارك هيترتب عليه حياتك الجاية كلها
استأذن (سليم) والده : بعد اذنك يا بابا أنا هتكلم مع ندى شويه لوحدنا
أومأ له والده واصطحب (سليم) شقيقته إلى غرفتها
نظر (علي) إلى زوجته متعجبًا عصبيتها و رفضها القاطع لتلك الزيجة، حدثها بهدوء : إيه بقى سبب رفضك و عصبيتك ؟ رفضاه عشان عنده طفل و بنتك ما اتجوزتش قبل كده ؟
عارضته سريعًا : لا طبعا، إنت عارف إن عمر دا ما كان تفكيري، بس إحنا لو وافقنا يبقى هنأكد كلام الناس إن احتمال الولد يبقى إبن ندى
قاطعها قائلا : الناس مش بتبطل كلام، مش دا كلامك! انتى عارفة أنا أكتر حاجة فارقة معايا إيه دلوقتي؟ إن ندى تاخد قرار متسرع، أنا مش عايزها توافق لمجرد إنها تبقى مع أنس، دا جواز يعني شراكة طول العمر، لازم تكون مقتنعة بمالك الأول قبل ما توافق
لاحظ (علي) شرود زوجته، فهي تعلم أن ابنتها عاطفية، عاطفتها تتحكم بقراراتها، ربت على يديها قائلا بهدوء : انسي كلام الناس و فكري في مصلحة بنتك، أنا هسأل عن مالك كعريس متقدم لبنتي، و انتي خليكي جنبها، أقنعيها تحكم عقلها مش قلبها بس
جلس (سليم) معها بغرفتها، يرى دموعها المنسابة بهدوء على وجنتيها، اقترب منها محتضنًا إياها : أنا عارف إنك اتعلقتي به، دا عايش معاكى بقاله شهر تقريبا، بس دا جواز يا ندى، يعني زوج و بيت وحياة جديدة، انتي مش هتتجوزي و تعيشي لأنس و بس، لازم تفكري في مالِك كزوج، متقبلاه ولا لأ، لازم تقعدي معاه و تتعرفي على شخصيته و تشوفي هتقدري تعيشي معاه ولا لأ
رفعت (ندى) عينيها إليه، فقد لامس كلامه جانب التفكير لديها، سألها مبتسمًا : كلامي صح ولا غلط ؟
أومأت له برأسها ايجابًا، أمسك وجهها بين يديه يمسح دموعها العالقة برموشها : يبقى توعديني تصلي استخارة و تقعدي مع مالك تاني و بعدين تقرري
أومأت له برأسها مبتسمة و احتضنته قائلة : ربنا يخليك ليا يا سليم، و شكرًا بجد على وجودك معايا النهارده
********************************
جلس (مالِك) برفقة والدته و خالته الصغرى (سعاد) التي أتت في زيارة لشقيقتها لتُفاجأ بوجود الصغير معهم، حملته بين ذراعيها مبتسمة لحفيد شقيقتها : ما شاء الله تبارك الله، عسل يا مالِك و شبهك خالص، و حظك حلو إني جيت أقعد معاكم اليومين دول
تنهد (مالِك) قائلا : والله يا خالتي أنا كنت محتار هعمل إيه، انتى ربنا بعتك نجدة ليا، بس بردو لازم أفكر هعمل ايه بعد ما تمشي
ابتسمت له والدته (ثريا) : إن شاء الله مش هتحتاج تفكر كتير
سألتها (سعاد) : انتي متأكدة من موافقتهم ليه كده يا ثريا ؟
ضحكت (ثريا) قائلة : هو مش شغل حموات بس أنا إبني ميترفضش
ضحك (سليم) لكلام والدته، قبَّل يديها قائلًا : ربنا يخليكي يا ست الكل، بس بردو جايبة الثقة دي منين ؟
اعتدلت (ثريا) في جلستها : بص يا سيدي، ندى روحها في أنس، انت مشفتش شكلها كان عامل ازاي واحنا واخدينه، هي ممكن تكون هتوافق عشان أنس، بس أنا واثقة إنها لما تعرفك أكتر مش هتندم على اختيارها، عارف ليه؟ عشان إنت مش متقدم لها عشان أنس، إنت اتقدمت لها عشانها هي
التفتت (ثريا) إلى شقيقتها قائلة بغمزة : أصلها زي القمر يا سعاد، دا غير أدبها و هدوءها، الصراحة متتعيبش
شرد (مالِك) بكلام والدته، تجسدت أمامه ملامح (ندى)، فقد كان كلام والدته صحيحًا، فملامحها رقيقة تبعث الهدوء بالنفس، تجذب الانتباه لتترسخ بالعقل و تستوطن القلب
غمزت (ثريا) شقيقتها قائلة بضحك : أهو شفتي، البت تاخد العقل
ابتسم (مالِك) قائلًا : أنا داخل أنام عشان عندي شغل بكره ولو فضلت كده هتشقطوني لبعض في الكلام
اوقفته والدته قائلة : و عارف هتوافق ليه كمان ؟ عشان أنا بدعيلك إنها تكون من نصيبك
قبَّل (مالِك) يد والدته و طبع قبلة حانية على وجنة طفله، ثم توجه إلى غرفته، ظل جالسًا بالفراش لفترة يفكر بحياته القادمة، ارتفع رنين هاتفه و ابتسم لرؤية إسم المتصل، أجابه قائلا : مُهاب باشا الدميري، دا التليفون بيزغرط يا راجل
أجاب (مُهاب) من الطرف الآخر بضحك : لقيتك ندل مبتسألش قلت أسأل أنا، قولي أخبارك إيه و ياسمين عاملة إيه ؟ ولي العهد شرف ولا لسه ؟
تنهد (مالِك) بحزن : ياسمين تعيش انت، اتوفت وهي بتولد أنس
شعر (مُهاب) بالحزن : البقاء لله يا مالِك، المهم إنت أخبارك إيه ومين بياخد باله من ابنك
أجاب (مالِك) : الموضوع كبير وأنا بصراحة عايز أنام ساعتين قبل ما أروح المستشفى
أخبره (مُهاب) : أنا جاي مصر بكره، طيارتي هتوصل 12 الظهر، هريح شويه و أقابلك بالليل تحكيلي كل حاجة
شعر (مالِك) بالسعادة، فصديق الطفولة سيعود بعد غربة دامت تسع سنوات
أغلق الهاتف و ظل يفكر بمشاعره تجاه (ندى) ، إن كان قد أحبها، فماذا كان يشعر تجاه (ياسمين)؟ أم أنه أحب كلاهما ؟
************************************
قاد سيارته بترنح بعد أن ترك من كان برفقته، فقد أثقل بالشرب الليلة، حتى أنه لا يستطيع أن يقود سيارته بخط مستقيم، لم يعر انتباه للمارة، ربما كان يظن بأن عليهم هم الاحتياط بدلًا منه
ظلت السيارة تترنح على الطريق، تذهب تارة يمينًا و تارة يسارًا، تُحيد عن خط سيرها، و ما زاد الطين بلة أنه كان يزيد من سرعتها، فلم يستطع التحكم بها عندما كان على وشك أن يصدم أحدهم، كل ما لاحظه هو اصطدام جسد بشري بسيارته ليطير في الهواء ثم يسقط مرتطمًا بالأرض في وسط الطريق لتتناثر دماءه حوله
لم يتوقف، بل زاد من سرعة سيارته، لم يكترث إن كان قد رآه أحد أو لا، فهو سيشتري أعين من رأي و يُسكت ألسنتهم
*******************************
اجتمعت الفتيات في اليوم التالي بمنزل (نور)، فقد هاتفتهم (ندى) في الصباح واتفقت معهم على موعد اللقاء بعد أن انشغلت بالأمس بعرض (مالِك)
رحبت بهم (نور)، شعروا بالسعادة العارمة لتجمعهم مرة أخرى، تبادلوا أطراف الحديث، علمت كل منهم ما فاتها من شئون الأخريات
قالت (نسمة) متهكمة : تصدقو اننا شلة نحس
انفجرت (نيرة) بالضحك : وأنا كنت بداية النحس، و ندى مسك الختام
مازحتها (نور) : بس إحنا أخدنا هدنة كبيرة بعدك، انما أنا و ندى و نسمة كله جه ورا بعضه
استقامت (نيرة) بجلستها و حاولت تغيير مجرى الحديث حيث رأت ترقرق عيني (نسمة) بالدموع : بقولكم إيه، إحنا ما اتجمعناش من زمان وعايزينها قاعدة فرفشة، و بعدين مش كفاية همس نايمة ومش لاقيين حاجة نلعب بيها
ثم التفتت إلى (نور) قائلة بمزاح : وكمان طنط نزلت وسابتنا على حريتنا، يعني عايزين دلع و شهيصة
لاحظت (نور) شرود (ندى) و عدم مشاركتها بالحديث : مالك يا ندى، سرحانة ومش معانا ؟
تنهدت (ندى) ثم أخبرتهم بهدوء : أنا متقدملي عريس
صفقت (نيرة) بيديها : حلو اوي، أهي بدأت تندع و النحس هيتفك
قصت عليهم (ندى) ما حدث، كما أخبرتهم برأي والديها و شقيقها، تحدثت إليها (نسمة) : إسمعي كلام سليم يا ندى، هو صح في كل كلمة قالها
تعالى صوت رنين هاتف (نيرة)، التقطته لتجد أن المتصل لم يكن سوى أمجد، أجابته : هو أنا يا بني مش ورايا غيرك كل شويه تليفونات
ثم ظهرت على ملامحها علامات الصدمة، فما سمعته كان مفاجأة
في عروض الزواج التقليدية؛ السكوت علامة الرضا، ولكن في موقف مشابه؛ السكوت علامة المفاجأة
لم يكن يتوقع أحد طلبه، كل ما تعلمه والدتها أنه أتى لاصطحاب طفله، وهذا ما أخبرت به والدها بعدما قصت عليه فحوى اللقاء بينها وبين (مالِك) وما دار بينها و بين جارتها من حديث بشأن (ندى)، و كانت المفاجأة الأكبر من نصيب (سليم) و (ندى)، فهما لم يعلما من الأساس عن قدوم (مالِك)
نظر (علي) إلى زوجته متعجبًا، و نظرة أخرى لوجه ابنته ليرى معالم الصدمة و المفاجأة متجسدة بملامحها، ربما في موقف مشابه لكان الشعور بالخجل هو متسيد الموقف
استلمت والدة (مالِك) ضفة الحديث، قائلة بابتسامة هادئة تعلو ثغرها : الحقيقة إحنا عارفين انكم كنتو مفكرين سبب الزيارة شئ تاني، بس مالِك بيفكر في الموضوع بقاله فترة، و طلبنا دا ملوش علاقة بمقابلة حضرتك معاه إمبارح يا مدام هدى
صدمة أخرى كانت من نصيب (ندى)، فمجيئه اليوم قد كان بعلم والدتها، و الأدهى بطلبها
وقفت (ندى) مستأذنة الدخول لغرفتها، نظر إليها والدها قائلا : اقعدي يا ندى، الكلام يخصك يبقى لازم تكوني موجودة
أمسك (سليم) بيدها برفق، وحثها على الجلوس مرة أخرى
التفت (علي) إلى (مالِك) و والدته قائلا بهدوء و بابتسامة طفيفة تعلو و جهه : الحقيقة إحنا اتفاجئنا بطلبك يا دكتور
شبك (مالِك) أصابع يديه قائلا بتوتر : أنا عارف إني ممهدتش للموضوع بس أنا بصراحة كنت خايف من رد فعلكم، بس بعد مقابلة مدام هدى صليت استخارة و نويت أفاتح حضراتكم في الموضوع
أومأ (علي) برأسه : طبعا يا بني، و أظن إحنا كمان حقنا نفكر في الموضوع
أجابه (مالِك) سريعا : طبعًا يا عمي أكيد
استأذن (مالِك) و والدته بالرحيل، حمل الطفل بحنو بين ذراعيه، نظرت إليه (ندى) بدموع متلألأة بعينيها، اقتربت منه طابعة قبلة رقيقة على وجنته ثم ذهبت سريعًا إلى غرفتها حتى لا تفقد السيطرة على دموعها أمامهم، فشعورها بابتعاد (أنس) عنها كأن أحدهم يسحب جزء من روحها
*****************************
جلست (سارة) بغرفتها تكفكف دموعها، لعنت قلبها الذي سمح بدخوله إليه، كان يكفيها ما يحاوطها من مشاكل لتُقحم نفسها بواحدة جديدة قبل أن تتخلص من سابقتها، شعرت بانجذابها نحوه منذ محاولته التقرب منها، حاولت التهرب منه مرارًا ولكنه حاصرها بالأخير، كان عليها أن تخبره بأمر زواجها حتى يبتعد، لم تخبره الحقيقة كاملة، فهي لم تعلم النهاية بعد
نهاية القصة التي بدأت منذ عام بتقدم أحد جيرانها لخطبتها، زواج تقليدي لا يوجد به مشاعر، شاب تقدم لخطبة فتاة، و بالسؤال عنه تبين أنه على خُلق، يبدو للجميع بصورة الشاب الخلوق المكافح الذي لا ترفضه أي عروس، قابلته و تجاذبا أطراف الحديث ليعجبها ثقافته و إلمامه بما يدور بالعالم من حوله، أعجبها طريقته بالحديث، و احترامه لوالديها، وافقت على الخطبة، و تطور الأمر إلى عقد قران، و الحجة " عشان يقدرو ياخدو على بعض براحتهم"، و الحقيقة لم يحاول استغلاله للتمادي بعلاقتهم، لتكتشف بعدها بأنه لا يوافق على أمر إلا بمشورة والدته، الأمر لم يضايقها في البداية؛ فقد اعتبرته بارًا بوالدته التي قامت بتربيته بعد وفاة والده منذ صغره، تهاونت في أمور كثيرة، تحملت معاملة حماتها الجافة لها، و كلما اقترب موعد الزواج، يظهر وجه آخر لشخصيته، أو بالأدق لشخصية والدته التي كانت تفاجئهم بقراراتها : بلاش فرح، مصاريف في الفاضي
و القرار المفاجئ كان قبل العُرس بشهر عندما اكتشفا بالصدفة أن شقة الزوجية لم تكن سوى شقة مؤجرة لمدة شهر، و عند المواجهة كان الرد من قبل حماتها : أنا بقول يوفر مصاريف الشقة، ياخدو شهر عسل براحتهم في شقة إيجار و بعدين ييجو يعيشو معايا في شقتي
و الصامت بالمعنى الدارج "إبن أمه" لم يعترض، بل كان على علم بالخطة من البداية، و لم يضع بالحسبان أن يتلاقى حماه بحارس العقار و يعلم منه مدة إيجار الشقة، القشة التي قصمت ظهر البعير ليطالب والديها بالانفصال، فالزيجة بدايتها مشاكل هم في غنى عنها، لكن المشاكل لم تنتهي، فالزوج يرفض إتمام الطلاق بأمر من والدته التي ظلت توهمه بخضوعهم له بالنهاية : اصبر بس بكره يجرو وراك و يقولو موافقين، خليها جنبهم كده زي البيت الوقف لا طايلة سما ولا أرض
حاول بعض الأقارب التدخل لحل الموضوع بشكل ودي ولكن دون فائدة، و أصبحت زوجة على ورق
أعادها من شرودها نداء والدها لها، ذهبت إليه لتجده يجلس برفقة والدتها و يعلو وجهه ابتسامة عريضة، ابتسامة لم ترها منذ ثلاثة أشهر، منذ بداية المشكلة
احتضنها والدها مربتًا على ظهرها : خلاص المشكلة هتتحل إن شاء الله، أنا حاولت معاه بكل الطرق عشان يطلق بهدوء، بس هو اللى حابب البهدلة، أنا رحت للمحامي عشان يرفع قضية طلاق أو خلع، يشوف إيه اجراءتها و حكمها أسرع و يتوكل على الله، اعملي حسابك ننزل بكره الشهر العقاري علشان تعملي توكيل للمحامي
احتضنتها والدتها شاعرة بالفرح لقرب تخلص ابنتها من هذه البلوة المسماة حماتها كما تطلق عليها
شعرت بالسعادة، قبلت والدها : الحمد لله، مش عارفة أشكرك إزاي يا بابا إنك وافقت ع القضية أخيرًا
نظر إليها بحنو أبوي : مكنتش حابب المشاكل تكبر بس هو و أمه مش عايزين يجيبوها البر و أنا مش هفضل سايبك تحت رحمتهم
دخلت إلى غرفتها و شعور السعادة يغمرها، حمدت ربها كثيرًا، ثم تذكرت (أمجد)، شعرت بالحزن، لو كان تأخر بتلميحاته أسبوع آخر، لكان ردها سيختلف
******************************
دلفت (فرح) إلى غرفة (أمجد)، جلست بجواره على الفراش، ظلت صامتة لبرهة، كانت تنظر إليه فقط، انتظرها طويلًا حتى تطلب ما تريد ولكن دون فائدة، تنهد قائلًا : انتي جاية تتفرجي عليا يا فرح، خلصي و قولي عايزة إيه
ابتسمت له (فرح) بهدوء : عايزة أوريو أيس كريم
لكزها بخفة في ذراعها : قومي يا فرح، قومي يا حبيبتي على أوضتك أنا مش فايقلك الله يبارك لك
أتى (يحيى) عندما استمع إلى صوت حديثهم من خارج الغرفة، وجد شقيقه عابس الوجه، يتخلل الحزن ملامحه، نظر لابنته ليجدها تتصنع العبوس، توجه إليها : إيه الجميل زعلان ليه ؟
تحدثت بصوت طفولي : عايزة أوريو أيس كريم و أمجد مش راضي
نظر (يحيى) إلى شقيقه ليجده شاردًا لا يتابع حديثهم، قبل ابنته قائلًا : طب روحي عند تيته وأنا شويه وهاجي أشتريلك اللى انتي عايزاه
بعد خروج فرح، تحدث (يحيي) : مالك يا بني، إنت حد خد منك قضية غصب في الشغل ولا إيه!
لم يحصل على رد من أخيه فأكمل حديثه قائلًا : لا دا الموضوع شكله كبير، مالك يا أمجد ؟
زفر (أمجد) بضيق : مفيش يا يحيى مخنوق شويه
حثه (يحيى) على الحديث : طب احكيلي مالك جايز أقدر اطلعك من حالتك دي
هز (أمجد) رأسه قائلًا : لا ما هي خلاص متعقدة و ملهاش حل
لكزه (يحيى) مشاكسًا : إنت بتحب ياض ولا إيه ؟
زفر (أمجد) ولم يجيبه، فأكمل (يحيى) : يبقى شكلها الصنارة غمزت
قام (أمجد) من جواره، و توجه إلى النافذة ليستنشق بعض الهواء لعلها تطفئ نيران قلبه، أخذ نفس عميق ثم زفره بهدوء : قصة خلصانة من قبل بدايتها، بتنيل على عيني وبحب بس مش طايل، حب في الهوا، يوم ما أحب واحدة تطلع متجوزة
صُدم (يحيى) من حديثه :إنت اتجننت يا أمجد، متجوزة ؟
حاول (أمجد) التحكم بغضبه : مكنتش أعرف، أنا لو أعرف إنها متجوزة مكنتش هلمح لها، مكنتش هحاول أقرب منها
سأله (يحيى) عن هويتها : مين دي ؟
فكر (أمجد) قليلًا، ثم رفض أن يخبره عنها، فلو علم أنها مدربة طفلته فربما سيمنعه من اصطحاب (فرح) إلي التدريب، فيكفيه الآن أن يراها من بعيد : مش هتعرفها يا يحيى، متقلقش خلاص أنا هشيل الموضوع من دماغي
التقط مفاتيح سيارته قائلًا : أنا حاسس إني مخنوق، هخرج أشم هوا شويه
ربت (يحيى) على كتفه متحدثًا بهدوء : أنا واثق إنك هتفكر كويس قبل أى خطوة، بس خليك متأكد إن الموضوع كده بدايته غلط
أومأ له (أمجد) برأسه دون حديث ثم تركه و رحل
********************************
"أنا موافقة"
هذا ما أخبرت به (ندى) والديها بعد رحيل (مالِك) ووالدته، تفاجئا من قرارها، وحده (سليم) كان يتوقعه، يعلم أن موافقتها لأجل (أنس)، فقد رأى تعلقها به، رأى صدمتها عندما أخبرتها والدتها أن والده أتى لاصطحابه، رأى دموعها المتحجرة بعينيها عند رحيله، عاطفتها تتحكم بقرارها
صرخت بها والدتها : هو إيه اللى موافقة! مش هيحصل، انا مش هوافق ع الجوازة دي
حاول (سليم) تهدئة الوضع : اهدي يا ماما، و انتي يا ندى لازم تاخدي وقتك في التفكير
نظر إليه والده مُعجبًا برأيه : سليم معاه حق، الموضوع محتاج هدوء وتفكير، وإنتي يا ندى صلي استخارة و خدي وقتك في التفكير، قرارك هيترتب عليه حياتك الجاية كلها
استأذن (سليم) والده : بعد اذنك يا بابا أنا هتكلم مع ندى شويه لوحدنا
أومأ له والده واصطحب (سليم) شقيقته إلى غرفتها
نظر (علي) إلى زوجته متعجبًا عصبيتها و رفضها القاطع لتلك الزيجة، حدثها بهدوء : إيه بقى سبب رفضك و عصبيتك ؟ رفضاه عشان عنده طفل و بنتك ما اتجوزتش قبل كده ؟
عارضته سريعًا : لا طبعا، إنت عارف إن عمر دا ما كان تفكيري، بس إحنا لو وافقنا يبقى هنأكد كلام الناس إن احتمال الولد يبقى إبن ندى
قاطعها قائلا : الناس مش بتبطل كلام، مش دا كلامك! انتى عارفة أنا أكتر حاجة فارقة معايا إيه دلوقتي؟ إن ندى تاخد قرار متسرع، أنا مش عايزها توافق لمجرد إنها تبقى مع أنس، دا جواز يعني شراكة طول العمر، لازم تكون مقتنعة بمالك الأول قبل ما توافق
لاحظ (علي) شرود زوجته، فهي تعلم أن ابنتها عاطفية، عاطفتها تتحكم بقراراتها، ربت على يديها قائلا بهدوء : انسي كلام الناس و فكري في مصلحة بنتك، أنا هسأل عن مالك كعريس متقدم لبنتي، و انتي خليكي جنبها، أقنعيها تحكم عقلها مش قلبها بس
جلس (سليم) معها بغرفتها، يرى دموعها المنسابة بهدوء على وجنتيها، اقترب منها محتضنًا إياها : أنا عارف إنك اتعلقتي به، دا عايش معاكى بقاله شهر تقريبا، بس دا جواز يا ندى، يعني زوج و بيت وحياة جديدة، انتي مش هتتجوزي و تعيشي لأنس و بس، لازم تفكري في مالِك كزوج، متقبلاه ولا لأ، لازم تقعدي معاه و تتعرفي على شخصيته و تشوفي هتقدري تعيشي معاه ولا لأ
رفعت (ندى) عينيها إليه، فقد لامس كلامه جانب التفكير لديها، سألها مبتسمًا : كلامي صح ولا غلط ؟
أومأت له برأسها ايجابًا، أمسك وجهها بين يديه يمسح دموعها العالقة برموشها : يبقى توعديني تصلي استخارة و تقعدي مع مالك تاني و بعدين تقرري
أومأت له برأسها مبتسمة و احتضنته قائلة : ربنا يخليك ليا يا سليم، و شكرًا بجد على وجودك معايا النهارده
********************************
جلس (مالِك) برفقة والدته و خالته الصغرى (سعاد) التي أتت في زيارة لشقيقتها لتُفاجأ بوجود الصغير معهم، حملته بين ذراعيها مبتسمة لحفيد شقيقتها : ما شاء الله تبارك الله، عسل يا مالِك و شبهك خالص، و حظك حلو إني جيت أقعد معاكم اليومين دول
تنهد (مالِك) قائلا : والله يا خالتي أنا كنت محتار هعمل إيه، انتى ربنا بعتك نجدة ليا، بس بردو لازم أفكر هعمل ايه بعد ما تمشي
ابتسمت له والدته (ثريا) : إن شاء الله مش هتحتاج تفكر كتير
سألتها (سعاد) : انتي متأكدة من موافقتهم ليه كده يا ثريا ؟
ضحكت (ثريا) قائلة : هو مش شغل حموات بس أنا إبني ميترفضش
ضحك (سليم) لكلام والدته، قبَّل يديها قائلًا : ربنا يخليكي يا ست الكل، بس بردو جايبة الثقة دي منين ؟
اعتدلت (ثريا) في جلستها : بص يا سيدي، ندى روحها في أنس، انت مشفتش شكلها كان عامل ازاي واحنا واخدينه، هي ممكن تكون هتوافق عشان أنس، بس أنا واثقة إنها لما تعرفك أكتر مش هتندم على اختيارها، عارف ليه؟ عشان إنت مش متقدم لها عشان أنس، إنت اتقدمت لها عشانها هي
التفتت (ثريا) إلى شقيقتها قائلة بغمزة : أصلها زي القمر يا سعاد، دا غير أدبها و هدوءها، الصراحة متتعيبش
شرد (مالِك) بكلام والدته، تجسدت أمامه ملامح (ندى)، فقد كان كلام والدته صحيحًا، فملامحها رقيقة تبعث الهدوء بالنفس، تجذب الانتباه لتترسخ بالعقل و تستوطن القلب
غمزت (ثريا) شقيقتها قائلة بضحك : أهو شفتي، البت تاخد العقل
ابتسم (مالِك) قائلًا : أنا داخل أنام عشان عندي شغل بكره ولو فضلت كده هتشقطوني لبعض في الكلام
اوقفته والدته قائلة : و عارف هتوافق ليه كمان ؟ عشان أنا بدعيلك إنها تكون من نصيبك
قبَّل (مالِك) يد والدته و طبع قبلة حانية على وجنة طفله، ثم توجه إلى غرفته، ظل جالسًا بالفراش لفترة يفكر بحياته القادمة، ارتفع رنين هاتفه و ابتسم لرؤية إسم المتصل، أجابه قائلا : مُهاب باشا الدميري، دا التليفون بيزغرط يا راجل
أجاب (مُهاب) من الطرف الآخر بضحك : لقيتك ندل مبتسألش قلت أسأل أنا، قولي أخبارك إيه و ياسمين عاملة إيه ؟ ولي العهد شرف ولا لسه ؟
تنهد (مالِك) بحزن : ياسمين تعيش انت، اتوفت وهي بتولد أنس
شعر (مُهاب) بالحزن : البقاء لله يا مالِك، المهم إنت أخبارك إيه ومين بياخد باله من ابنك
أجاب (مالِك) : الموضوع كبير وأنا بصراحة عايز أنام ساعتين قبل ما أروح المستشفى
أخبره (مُهاب) : أنا جاي مصر بكره، طيارتي هتوصل 12 الظهر، هريح شويه و أقابلك بالليل تحكيلي كل حاجة
شعر (مالِك) بالسعادة، فصديق الطفولة سيعود بعد غربة دامت تسع سنوات
أغلق الهاتف و ظل يفكر بمشاعره تجاه (ندى) ، إن كان قد أحبها، فماذا كان يشعر تجاه (ياسمين)؟ أم أنه أحب كلاهما ؟
************************************
قاد سيارته بترنح بعد أن ترك من كان برفقته، فقد أثقل بالشرب الليلة، حتى أنه لا يستطيع أن يقود سيارته بخط مستقيم، لم يعر انتباه للمارة، ربما كان يظن بأن عليهم هم الاحتياط بدلًا منه
ظلت السيارة تترنح على الطريق، تذهب تارة يمينًا و تارة يسارًا، تُحيد عن خط سيرها، و ما زاد الطين بلة أنه كان يزيد من سرعتها، فلم يستطع التحكم بها عندما كان على وشك أن يصدم أحدهم، كل ما لاحظه هو اصطدام جسد بشري بسيارته ليطير في الهواء ثم يسقط مرتطمًا بالأرض في وسط الطريق لتتناثر دماءه حوله
لم يتوقف، بل زاد من سرعة سيارته، لم يكترث إن كان قد رآه أحد أو لا، فهو سيشتري أعين من رأي و يُسكت ألسنتهم
*******************************
اجتمعت الفتيات في اليوم التالي بمنزل (نور)، فقد هاتفتهم (ندى) في الصباح واتفقت معهم على موعد اللقاء بعد أن انشغلت بالأمس بعرض (مالِك)
رحبت بهم (نور)، شعروا بالسعادة العارمة لتجمعهم مرة أخرى، تبادلوا أطراف الحديث، علمت كل منهم ما فاتها من شئون الأخريات
قالت (نسمة) متهكمة : تصدقو اننا شلة نحس
انفجرت (نيرة) بالضحك : وأنا كنت بداية النحس، و ندى مسك الختام
مازحتها (نور) : بس إحنا أخدنا هدنة كبيرة بعدك، انما أنا و ندى و نسمة كله جه ورا بعضه
استقامت (نيرة) بجلستها و حاولت تغيير مجرى الحديث حيث رأت ترقرق عيني (نسمة) بالدموع : بقولكم إيه، إحنا ما اتجمعناش من زمان وعايزينها قاعدة فرفشة، و بعدين مش كفاية همس نايمة ومش لاقيين حاجة نلعب بيها
ثم التفتت إلى (نور) قائلة بمزاح : وكمان طنط نزلت وسابتنا على حريتنا، يعني عايزين دلع و شهيصة
لاحظت (نور) شرود (ندى) و عدم مشاركتها بالحديث : مالك يا ندى، سرحانة ومش معانا ؟
تنهدت (ندى) ثم أخبرتهم بهدوء : أنا متقدملي عريس
صفقت (نيرة) بيديها : حلو اوي، أهي بدأت تندع و النحس هيتفك
قصت عليهم (ندى) ما حدث، كما أخبرتهم برأي والديها و شقيقها، تحدثت إليها (نسمة) : إسمعي كلام سليم يا ندى، هو صح في كل كلمة قالها
تعالى صوت رنين هاتف (نيرة)، التقطته لتجد أن المتصل لم يكن سوى أمجد، أجابته : هو أنا يا بني مش ورايا غيرك كل شويه تليفونات
ثم ظهرت على ملامحها علامات الصدمة، فما سمعته كان مفاجأة
