رواية الغضب الاسود الفصل الثاني عشر 12 بقلم الكاتبة كوين اسمهان
الفصل 12|وحش... و لكن!
أشهر آرثر غولدمان يده مطولا مانعا أي حركة حوله، و تردد صوته الخشن في الأرجاء بقوة:
3
"سحقا لكم! ستجلبون العار لإسمي! أخفضوا أسلحتكم فورا، لا أحد يتعرض لرجل أعزل في مزرعتي!".
3
شمخ هارولان برأسه لاويا فمه بقسوة، بينما لا تزال قدمه تسحق وجه ضحيته، دون أن يهتز للحظة واحدة من تكشيرات رجال عدوه الغاضبة، بل ثبت في مكانه كجبل، و زأر من بين شفتين حادتين:
3
"ها أنت ذا كعادتك غولدمان! تدعي البطولات، و تردد شعارات فارغة، أين شهامتك التي تتنكر بها... و كلابك تنهش ظهري في غفلة مني؟!".
3
أمسك كلامه قليلا محدقا بالوجوه التي تحيطه ساخرا، ثم تابع بغيظ:
+
"حتى الآن لا دليل قاطع يثبت أنك وراء حريق مروج كينغلاند، لكني واثق أن حثالتك... تسلل إلى أرضي تحت جنح الليل، و بلغت به الجرأة أن يسمم كلأ الحيوانات!".
4
تقدم نحوه آرثر غولدمان بعدما كبح جماح رجاله، قابضا بأسنانه على طرف سيجارته المتآكلة، و وقف أمامه ندا للند، تقاذف الرجلان نظرات العداء السافرة، و فكرت ماريغولد في شيء يجنب خال لِيو الأذى، هذا الهدوء لا يبشر بالخير، ربما لم يقرب أحد من هارولان بعد، لكن الحقد يلتهمهم بجلاء، و لن تبقى مكانها مكتوفة اليدين لتشاهد إجهازهم عليه! لكن ماذا ستفعل يا تُرى بيديها العاريتين؟ صلت في أعماقها أن يأتي جنونها بنفع، و همت بالكشف عن نفسها، و الإرتماء وسط معمعة الرجال المستشيطين غضبا، لكن قبل أن تتحرك من مكانها فاجأ العدو الجميع، خاصة رجاله، و جانب توقعات ماريغولد بشكل يُعجب له، بصق آرثر السيجارة بإهمال، ثم سحق بدوره عنق الرجل الملقى بلا حراك على الأرض، و ردَّ بحدَّة:
12
"أنت تعرفُ أن آل غولدمان لا يتسللون، انتقامنا يأتي بالمواجهة في وضح النهار، و أنا غولدمان حتى النخاع، إن أردتُ توجيه ضربة لك، فسأحرص على أن أفعل ذلك و أنا أنظر مباشرة في عينيك يا كينغ!".
6
أسقط بصره عند الرجل الصريع، و تابع بصوت قوي:
+
"و إن كان هذا الحثالة قد تحرَّك للنيل منك دون علمي، فهو إذن يستحق أن تقتص منه!".
3
استلَّ آرثر من حزامه الجلدي مسدسا و ألصقه عرضيا بصدر هارولان، و هو يضيف عاقد الجبين:
+
"خذ! نل ثأرك ! ضع حدًّا لحياته الآن!".
5
حافظ هارولان على النظر إليه دون دهشة، و حبست ماريغولد أنفاسها قلقة، هل سيفعلها؟ هل يمكن أن يقتل هارولان كينغ إنسانا و يلطخ يديه بالدم؟ هل يمكن أن يقتص لنفسه بنفسه دون الرجوع إلى القانون؟ و لماذا... لماذا بحق السماء بين آل غولدمان و آل كينغ كل هذه العداوة؟ و عن أي انتقام تحدث آرثر غولدمان منذ قليل؟ أسئلة عدة افترست عقلها، و دقات مسعورة خفقت في شرايينها، و هي تنتظر ما الذي سيحدث؟
5
توقع رجال غولدمان أن ينتهز غريمهم الفرصة السانحة التي جاءته حتى قدميه، فيرسل رفيقهم إلى المثوى الأخير، و ربما سيتعاظم قصاصه ليشمل سيدهم أيضا، و هناك في خلفية صراع الزعيمين، تبادل بعضهم همسات حانقة مخنوقة:
+
"تبا! ماذا يفعل الزعيم؟ هل يسترخص حياة رايس إلى هذا الحد؟".
+
زمجر أحدهم مشددا قبضته حول بندقيته:
+
"لو لم يتدخل الزعيم، لمزقت هذا الكينغ إربًا!".
2
تدخل جاره مردفا بأسى و هو ينتزع قبعته:
+
"فلتكن الجنة من نصيب رايس!".
5
فعلق آخر بانفعال:
+
"اللعنة على رايس! لقد انضم حديثا إلينا، و عاملنا بكبر طوال أشهر مضت، كان صلفا و غامضا بكل الأحوال، و لعله يستحق هذه النهاية السوداء!".
3
قبل أن يقتحم الحوار شخص آخر مذهولا مما يراه:
+
"مهلا! ٱنظروا! لا أصدق هذا!".
+
دفع هارولان المسدس نحو صدر آرثر و تمتم باشمئزاز كنسر شامخ يرفض أكل جيفة لم يصطدها بنفسه:
4
"أنت أيضا تعرفُ أنني لا آخذُ الأرواح؛ و إنما أستمتع بإثارة فزعها فحسب!".
15
استدار هارولان على عقبيه، فاستوقفه صوت غولدمان الجهوري:
+
"لن يقرب رجالي أرضك بعد الآن، لكنني لن أتخلى عن صراعي معك في السوق حتى أستعيد مكانة إسم غولدمان!".
6
رد هارولان دون أن ينظر خلفه:
+
"أنا أيضا لن أقرب أرضك ما دمتَ تنافسني بشرف، لكن... إن تكرر مثل هذا التطاول، فسأعود مجددا... و في المرة القادمة سأجلب معي نارًا تحرقكم عن بكرة أبيكم!".
2
امتطى هارولان سيارته و أقفل راجعا من حيث أتى، تاركا خلفه ثورة ضباب مشتعلة جراء حمرة تراب الأرض، تنفست ماريغولد الصعداء لمضي المشادة الكلامية بسلام، و لاحظت بذهول أنها كانت طيلة ذلك الحوار المفخخ ترتعش كطفل صغير، لكن الغريب أن هارولان توقف فجأة وسط طريق فرعي يشق الغابة، و ترجل من السيارة، ثم سار بضع خطوات ليتوغل بين الأشجار و يختفي فجأة، انتظرته ماريغولد لوقت طويل، حتى عيل صبرها و ضجرت من الجلوس هناك، فحذت حذوه، و قفزت بحذر لتتقفى آثار زوجي حذائه الراسخة على التراب، متسائلة في الوقت ذاته عن غرابة أطواره، ما الذي ينوي فعله في الغابة الآن؟ لمحت طيفه فجأة هناك، فانطلقت تسير في أعقابه مستخدمة الأشجار كوسائل ممتازة للتستر عن وجودها، لكنها فقدت أثره على نحو مريب، و هالها أن تكتشف صمتا مخيفا يغمر كل شيء بالقرب منها، ازدردت ريقها، و دارت حول نفسها محاولة تجاهل احتمال أنه قد عاد إلى السيارة و غادر دونها!
33
على حين غرة سحبتها ذراع قوية، و ثبتتها إلى شجرة عملاقة، فأغمضت ماريغولد عينيها و رفعت يديها كرد دفاع غريزي، و لم تشعر إلا بحزام نار يلتف حول رسغيها ليمنعها من الحركة، و بشخص ما يتنفس في وجهها محاولا كظم غيظه! رفعت جفنيها، فأبصرت وجه هارولان المنحني عليها من عليائه لشدة طوله، و لم تكن النظرة الملتصقة بعينيه سارَّة أبدا! كلا! لم يكن ينظر! بل كان يتفرس فيها بنهم! و يلتهم تفاصيلها المميزة بهوس! أدركت أن حزام النار ليس سوى يديه، و أيقن هو أن المتسلل الغامض الذي شعر به يختبئ بمقطورة السيارة ليس سوى تلك الفتاة المجنونة! تبا لها! إنه يكرهها! يكره الجرأة التي تقفز من نظراتها! يكره الشامات الصغيرة التي تحيط بشفتيها! و يكره وقوفها هكذا أمامه كأن آخر ما قد يفزعها هو غضبه! ما الذي يمكن أن يكسر هذه المرأة و يضعها على الهامش لوقت قصير على الأقل؟ لقد لحقت به على الرغم من مرضها! ماذا كانت ستفعل إذن... و هي في كامل عافيتها؟
14
صرف هارولان على أسنانه متمتما:
+
"هلا شرحتِ لي... ماذا تفعلين هنا؟".
+
أخرجت الصدمة لسانها عن الخدمة مؤقتا، فأضاف بسخرية:
+
"من تظنين نفسكِ لتقفزي إلى مقطورة سيارتي دون إذني؟ المرأة الخارقة!".
31
وجدت القدرة على النطق أخيرا، فهمست برقة بالغة دفعت غضبه بعيدا:
1
"أنا فقط... ماريغولد! و لحقت بك لأذكرك بقيمة حياتك التي جازفت بها منذ قليل!".
7
دُهش لكلامها، و حثها على شرح مفصل دون أن يأخذ أنفاسه بعيدا عنها أو يخلي سبيل يديها، فاستطردت بلهجة لوم تتنازعها النعومة و القوة:
+
"أردتُ أن أطمئن فقط أنك لن تتعرض للأذى! لكنك كنت على وشك الموت هناك، أ هذه هي الحياة التي توفرها لليونارد؟ أن تعيش أنت و هو مهددين طوال الوقت؟!".
6
استعاد نفسه من لعنة جمالها، و ساءه تدخلها ثانية في حياته الخاصة، فأسلم ثغره للغضب مرة أخرى:
+
"أكثر مكان آمن للطفل هو بيته، مع خاله، معي أنا!".
2
لم تبالي بوجهه الذي بدأ يقسو منذرا بعنف مخيف، و علقت هازئة:
+
"عظيم! هذا ما اعتقدته صباح اليوم، لكني وقفت الآن على شيء آخر سوداوي لا يلائم طفلا بريئا في عمر البراعم، للأسف تصرفت بأنانية ناسيا أن هناك ملاك صغير خلفته في البيت، قلب نابض بالأمل يعتبرك بطله و أميره الشجاع، و ينتظر عودتك كل يوم بفارغ الصبر!".
3
تأرجح بنظره بين وميض التحدي في عينيها و حركات شفتيها المغرية و هي تتابع:
3
"إن الاحتكاك بأشخاص خطرين لا يجعلك أهلا لرعاية طفل صغير! لا يحق لك الجمع بين عالمك المظلم و عالم لِيو البريء!".
6
افترت شفتاه عن تكشيرة حانقة، و انفجر في وجهها معقبا:
+
"من أنتِ لتحدثيني عن الحق؟ ماذا تعرفين عن الحق أساسا؟!".
+
همست بثقة:
+
"أعرف أن سعادة الطفل تأتي أولا! ما رأيك بهذا الحق؟"
7
هدأ حينها بشكل عجيب، أمعنت ماريغولد النظر في خطوط قاسية كانت قد ارتسمت حول زوايا فمه ثم بدأت تخوض رحلتها إلى الزوال، أضافت معرّجة إلى سواد عينيه الملفت:
2
"ألا ترى أن حياتك غالية؟ ألا ترى أن سلامتك تعني الكثير له؟ اشترِ خاطر من تحب و يهمك أمره بدلا من شراء عداوة مع الجيران!".
8
سحرته كلماتها الأخيرة، فطال صمته و هو يمرر بصره فوق تفاصيلها دون إغفال لأي شيء، ثم سأل فجأة بنبرة خافتة فأتى صوته مشوبا ببحة جذابة:
+
"كان يجدرُ بك أن تكوني على سرير الراحة، لكن... ٱنظري أين أنتِ الآن؟ ماذا أصنع معكِ لتكفي عنادكِ المجنون؟!".
17
شعرت أنه يداعبها بكلماته تلك، و أنه يغمد يدًا خفية بين ثناياها مستكشفا من أي شيء غامض صنعت، كأنه لا يتكلم... كأنه يهمس داخل روحها ليس إلا، كأنه يخاطب قلبها العنيد... الذي لا يمكن أن يقف مجرد شاهد على الأذى!
3
سحبها معه إلى السيارة بكل هدوء، فتح لها الباب لتجلس على المقعد الثاني، ثم اتخذ مكانه خلف عجلة القيادة، و انطلق مسرعا بوجه يكسوه الغموض. أطبق الصمت على شفتيه طوال الطريق إلى المزرعة، و لم تحاول ماريغولد من جانبها مد أي جسر نحوه، و لم تكن تعرف هل هي التي انتصرت أم هو؟ هل تسرعت بقرار تراجعها عن الشكوى؟ هل يجب أن يبقى لِيو في عالم كينغ الأسود؟ كان صعبا جدا عليها الوصول إلى ضفة محددة! ربما عليها أن تغادر أرضه لكي تفكر بشكل سليم! حتى لا يؤثر وجوده في الجوار على قرارها، صحيح أنها تستطيع تحديه بشجاعة! لكنها لا تستطيع أن تفهم سبب تأثيره فيها! لماذا يصعب عليها تركه لظلامه؟ هل السبب لِيو وحده... أم أنها تريد أن تساعده لنفسه بغض النظر عمن يكون... و كيف هي حياته؟ فكما كان يقول والدها: «المساعدة المشروطة تنفي ثواب الإحسان!»، لعله محق، إن كانت ستساعده في تجاوز سواد حياته و غضبه الأعمى من أجل لِيو... فستكف بحثها عن أسباب لذلك، إنه وحش... و لكنه جميل رغم ذلك! و لعل هذا الجمال المتوحش هو السبب في تمزقها بين البقاء و الرحيل!
6
تجاوزت السيارة البوابة الرئيسية، و برز بعد لحظات بيت آل كينغ معتزا بجماله و أبهته، و هناك كان يقف لِيو ممسكا يد السيد لي، و على قسمات وجهه حزن عميق، لكنه تحول إلى غبطة عارمة حين رأى صديقته المفقودة تنزل من السيارة و تبتسم له كما تفعل دوما، فأفلت يد السيد لي راكضا نحوها!
5
"على مهلك ليونارد!".
+
انحنت ماريغولد و فتحت له ذراعيها، فارتمى بين أحضانها، و قهقه ضاحكا حين راحت تدور به على مرأى من هارولان المندهش، تساءل الخال ذاهلا: متى تسنى لها أن تجعله يتعلق بها هكذا؟ و قبل أن يبدأ بالبحث عن جواب، ناداه الطفل ببراءته المعهودة:
+
"خالي، لا تقف هناك، شاركنا العناق أيضا! ماريغولد لها عطر جميل لا يشبه أي عطر آخر".
81
فوجئ كل منهما بما سمعاه، خاصة هارولان، هل هو بحاجة لمن يحدثه عن عطرها المخدر للحواس؟ اتسعت عينا ماريغولد و اضطربت حين استسلم للتيار، و اقترب محاولا عناق الطفل الذي تحمله دون أن يلامسها، لكن ذلك كان مستحيلا، ربت على شعر لِيو بينما كان شعرها هي يدغدغ عنقه محمولا على كفوف النسائم، و تعثر بعطرها فجأة، فابتعد بحدة حتى لا يثمله، و ارتد إلى الوراء بعدما راوده شعور غريب بالحرية، إنه شعور لا يتملكه إلا حين يلمس تراب أرضه، و حين يداعب المارد و يمتطيه نحو المروج!
11
أنزلت ماريغولد الطفل، فقال بلهفة:
+
"ظننتُ أنك رحلتِ دون أن تودعيني! حزنتُ كثيرا!".
+
تأثرت بكلامه، و تطلعت نحو هارولان بحيرة، ثم تمتمت حذرة:
+
"لا بد أن أغادر عاجلا أم آجلا يا عزيزي، كما ترى... ها قدت استعدتُ نفسي!".
4
"ألا يمكنكِ أن تبقي حتى الغد على الأقل؟ سيكون العيد التاسع عشر لزواج السيد و السيدة لي، و نحن نخطط مثل كل سنة لإقامة حفل على شرفهما".
5
"حقا؟ هذا رائع! تهاني سيد لي! أنتما محظوظان بهذه العلاقة القوية".
+
انحنى الخادم راسما ابتسامة سعيدة على وجهه، فتابع لِيو محاولته بإلحاح و هو يتوجه بالخطاب إلى خاله:
+
"هل يمكنك إقناعها بالبقاء؟".
+
"هل يسعدك أن تبقى؟".
+
سأله هارولان، فهز رأسه إيجابا، مما جعل الأول يردف موجها نحوها نظرة تحدي ساخرة:
+
"إذن لا تقلق أيها البطل، صديقتك تهتم لسعادتك أكثر مما تتصور، و لن تخيب أملك، أليس كذلك؟ أليس هذا ما كنتِ ترددينه منذ قليل؟ «سعادة لِيو تأتي أولا!»".
30
شعرت أنه قبض عليها بحذق داخل قفص ضيق يصعب الفرار منه، و لم تستطع إلا أن ترضخ للموافقة، ليس طيبا أن تكسر قلب الملاك لِيو، و لا أن ترفض مشاركة السيد لي و زوجه فرحتهما المتجددة بزواج متماسك قوي الجذور! أشاحت عن هارولان الهازئ، و تمتمت بغير حيلة:
+
"حسنا صغيري... سأبقى غدا أيضا!".
3
تناول لِيو يدها ليحثها على دخول البيت، على أمل أن تشاركهما وجبة الغداء للمرة الأولى في غرفة الطعام الرئيسية، فيما لحقهما هارولان يخطو برشاقة متكاسلة كجواد بري رُوِّضَ حديثا، و اكتشف الآن أنه يستطيع النظر إليها لوقت طويل دون أن يغضب، بينما اتجه السيد لي إلى المطبخ و هو يخمن بدهاء أن بقاء ماريغولد هنا... لن يسعد لِيونارد فحسب!
34
نهاية الفصل الثاني عشر.
+
