رواية احببت عبراني الفصل الثاني عشر 12 بقلم مريم غريب
( 12 )
_ حبيبتي العربية ! _
أنهي رجل الدين اليهودي مراسم الزواج علي "إبراهام" الخاضع تماماً بين يديه ، كان يضع القبعة السوداء الصغيرة علي مؤخرة رأسه ، متبعاً كافة التقاليد و الخطوات الواجبة
أصرف مستخدمينه بعد أن قدموا شهادتهم علي وثيقة الزواج ، ثم قام واقفاً من ركوعه و رفع القبعة عن رأسه و هو يشكر رجل الدين بالعبرية :
-شكراً لك جناب الحاخام . أنا ممتن لخدمتك حقاً !
رد "الحاخام" ذو الرداء الأسود و اللحية الطويلة مبتسماً بتحفظ :
-لا داع للشكر يا إبراهام . هذا عملي و واجبي . و أنت الآن أصبحت رجلاً كاملاً بزوجتك كما هو مذكوراً بشريعتنا . مبارك يا عزيزي .. و أضاف بفم مزموم معبراً عن عدم رضاه الكامل :
-بالرغم من صعوبة ما تقوم به . فنحن جميعاً ما كنا لنتمني لك زوجة أفضل من ريتشل . إبنة وطنك و معبوديتك !
كسا الضيق وجه "إبراهام" و هو يقول :
-هذا الأمر منتهي بالنسبة لي جناب الحاخام . ريتشل لا تناسبني بالمرة و حتي لو لم تظهر أخري بحياتي كنت سأجد طريقة لأنفصل عنها
-و بالرغم من عدم موافقتي أنا أيضاً ! .. كان هذا صوت "چورچ"
قام عن الكرسي و إتجه نحو "إبراهام" قائلاً ببشاشته المعهودة :
-إلا أنه لا يسعني سوي تمني حياة سعيدة لك يا سيدي .. و أخذه في عناق قصير
ربت "إبراهام" علي كتفه قائلاً بإبتسامة :
-أشكرك يا چورچ . يا صديقي العجوز . و بالأخص أشكرك علي مجيئك لحضور مراسم الزواج
هز "چورچ" كتفيه :
-و كيف لا آتي ؟ أشكر الله علي منحي فرصة رؤيتك تتزوج قبل أن أرحل . حتي و إن كانت الطريقة شديدة الغرابة كما أري .. أين زوجتك يا رجل ؟ لماذا ليست هنا ؟ ألا ينبغي أن تشاركك في هذا ؟!
تنهد "إبراهام" و قال :
-ليس بعد يا چورچ .. سوف يتطلب الأمر بعض الوقت . حتي تلين و تصبح طيعة تماماً لآوامري !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كانت "آية" تطوي سجادة الصلاة بعد فروغها من فريضة العشاء ، عندما إقتحمت "ليونيلا" الغرفة دون سابق إنذار
عبست "آية" مرددة إحدي عبارات الإنزعاج التي تعلمتها من "إبراهام" :
-أنت . من أذن لك بالدخول ؟ ألم تتعلمي آداب التعامل مع الآخرين ؟!
-عذراً سيدتي .. قالتها "ليونيلا" بنبرة فاترة
-لقد طلبت الأذن بالفعل . لكنك لم تعطني رداً فأضطررت للدخول من تلقاء نفسي
رفعت "آية" حاجبيها إندهاشاً ، إستوقفتها كلمة "سيدتي" بشدة ، فهي ليست معتادة علي كل هذا الإحترام و خاصة من قبل هذه المرأة ذات النظرات المريبة
لكنها تجاوزت دهشتها و قالت بضيق واضح :
-و ماذا تريدين الآن ؟
ليونيلا بجمود :
-لا أريد شيئاً . السيد هو الذي يريدك الآن في أمر عاجل .. إتبعيني من فضلك
و لم تعرف "آية" كيف مشت ورائها إلي الخارج مسلوبة الإرادة ، ربما أرادت الإستمتاع إلي ما سيقوله السيد المبجل ، لكنها توقفت فجأة ، عندما لاحظت إنحرافهما إلي إتجاه لم تسلكه أبداً منذ مجيئها إلي هنا !
-إلي أين تأخذينني ؟! .. هكذا إستوقفت "آية" المدبرة البدينة
إلتفتت لها الأخيرة و قالت ببرود :
-إلي جناح السيد
آية بإستنكار :
-جناح من ؟ و لماذا عليّ أن أقابله بجناحه ؟ ما الأمر بالضبط ؟!!
-أنا لا أعرف يا سيدتي . إجابة أسئلتك لن تجديها عندي . بل عند سيدي إبراهام . أرجوك أسرعي قليلاً فهو سريع الضجر ! .. و تابعت سيرها للأمام
ولجت وحدها إلي غرفة "إبراهام" بعد أن رأت تردد "آية" الواضح ، عادت لها بعد ثوان و بلغتها برغبة "إبراهام" في رؤيتها الآن ، إلا أنها رفضت و إنخرطت معها في جدال غير مجدي
ليظهر "إبراهام" في اللحظة التالية ، و هو في كامل أناقته بتلك الحلة السوداء الرسمية .. أصرف "ليونيلا" بإشارة من يده و قبض علي ذراع "آية" و شدها للداخل بحزم مغلقاً الباب خلفها ...
-أنت ماذا تفعل ؟ .. صاحت "آية" بإحتجاج
-أتركني . قلت لك أتركتي !!
و أجلسها بقوة فوق كرسي وثير بالصالون الفخم ، حدجته "آية" بنظرات مغلولة و هي تدلك ذراعها مكان أصابعه القاسية ، و لوهلة كادت تنسي وجودها معه داخل غرفة مغلقة ما هي إلا غرفته
و لا تعرف لماذا سري الإرتجاف بأوصالها عندما شاهدت بنظرة فاحصة سريعة أضواء الشموع المتمايلة موزعة في كل مكان ، و السرير العريض الذي فرش بوريقات الورد الحمراء ، و تهوية المكيفات العطرة التي ميزتها بحاسة شمها المرهفة
بدا لها الجو رومانسي محض ، مما ضاعف شعورها بالخوف ... تطلعت إليه ثانيةً و قالت بصوت مهزوز :
-هل لي أن أعرف لماذا طلبت لقائي هنا ؟
لم يرد "إبراهام" فوراً ، بل رأته يدس يده في جيب سترته الداخلي ، ليخرج ورقة مطوية بعناية ، فتحها ثم وضعها أمامها فوق الطاولة الصغيرة و هو يقول بلهجة آمرة :
-وقعي هنا ! .. و أشار لها بسبابته علي موضع الإمضاء
إزدردت "آية" ريقها و نظرت إلي تلك الورقة ، عقدت حاجبيها و هي تمعن النظر بالحروف التي شكلت كلمات لم تستطع فهمها مهما حاولت
نظرت له من جديد و قالت بشيء من التوتر :
-لا أفهم . ما هذا ؟ لا أستطيع قراءته !
-أنه عقد زواجنا يا آية .. قالها "إبراهام" بثبات و وضوح شديدين
و هنا حملقت فيه مصدومة ، لم تتوقع أبداً ، أن تأت ردة فعله بهذه السرعة ، لا يمكن .. أمام كل هذا الإصرار الذي يملأه ، كيف تهرب من هذا المأزق ؟
-ألم نتكلم في هذا من قبل ؟! .. هتفت "آية" بحدة متكلفة
-لقد أخبرتك بأنني لا أوافق علي الإرتباط بك . إذن كيف تأتي الآن و تكرر الأمر مجدداً ؟ فلتعلم أن جوابي لن يتبدل
إبراهام بصلابة :
-أنا لم أجلبك إلي هنا لكي نتناقش في الأمر كالمرة السابقة . لقد حسمت هذا الجدال . الليلة سينتهي كل شيء
هزت رأسها بعصبية و قالت :
-لن أقبل بذلك . هل تسمع ؟ لن أكون ضحية أحدي نزواتك عليك أن تبحث عن غيري
-نزواتي ! .. صاح "إبراهام" مستنكراً و قد أذهلته الكلمة فعلاً
-هل تعتقدين أنك مجرد نزوة عابرة بحياتي ؟
آية بثقة :
-بالطبع . و هل تراتي حمقاء لأصدق شيء غير هذا ؟ أنا لا أثق بك مهما فعلت و لا أريدك أبداً . نحن أعداء يجب أن تفهم ذلك
تآفف "إبراهام" بضيق شديد و قال :
-أرجوك . دعينا نتخلي عن الدراما للحظات ، لا تهمني إطلاقاً و لن يؤثر في كلامك . أنا إتخذت قراري و إنتهي الأمر . و الآن . ما الذي يقلقك في مسألة زواجنا ؟ معضلة الكفر . لا بأس . سأتخلص من كفري أمامك و حالاً .. و ضم يداه أمامه مردداً بآلية تامة :
-أشهد أن لا إله إلا الله . و أشهد أن محمداً رسول الله .. هل أصبحت مؤمن بنظرك الآن ؟
نظرت له مفغرة فاها ، و سرعان ما إنقعد حاجباها غضباً و إستوحشت نظراتها و هي تقول بخشونة :
-أنت تصر علي الكذب ؟ هل تظنني غبية إلي هذا الحد ؟ لن تنال مني ما تريد . خيراً لك أن تـ آ ا ...
--إصمتــي ! .. صرخ بها ضارباً الطاولة بقبضة غاضبة
و لا إرادياً طفرت الدموع من عيناها ، دموع العجز و الخوف ، و الإدراك .. إدراك وضعها الضعيف هنا ، في بيته ، و معه تحديداً
لم يساورها الشك الآن في أنها أمست ملكه ، جاريته كما أكد لها مرة في زلة لسان ، حتي لو تأخر الأمر قليلاً ، للآسف لن تقوي علي صده ، لن تقوي عليه ...
إنفلت نشيجاً حاراً من بين شفاهها في هذه اللحظة ، إنهار جدار قوتها الواهي ، بينما لم يعير "إبراهام" ذلك أدني إهتمام ، دفع لها بالقلم قائلاً بصرامة :
-هيا . الآن . وقعي علي وثيقة الزواج !
ترقرقت الدموع بعينيها و هي تفول بصوت يغص ببكائها :
-أرجوك .. لا أريد
و كتمت شهقة قوية حين مال صوبها فجأة ، و إذا به يسحب وثيقة الزواج من أمامها و هو يقول بتهديد جمد الدماء بعروقها :
-كما تشائين .. لكنك لي علي أي حال . بزواج . أو من دون زواج !
شحبت من تحذيره الضمني ، ليحثها مرة أخري بصوت أجش :
-وقعي . لطفاً .. أطيعيني !
وضع القلم في يدها بنفسه ، ثم قرب منها الورقة ... لم تحسن التفكير أكثر من شدة ضغطه عليها ، و بدوره لم يعطها فرصة للتردد ، كان ملاصقاً لها ، كالمرصاد
فلم تستطع إلا الإذعان لرغبته حتي تتخلص من وطأة كل تلك الضغوطات ...
و في خلال لحظات كانت قد إنتهت ، مسحت دموعها بظاهر يدها و قامت من مكانها ، مشت ناحية الباب ببطء بينما يعيد "إبراهام" طي الوثيقة ثم يضعها داخل صندوق صغير فوق الطاولة
إنتبه لها في هذه اللحظة ، لحق بها علي الفور قبل أن تخرج و أطبق علي يدها الممسكة بمقبض الباب ...
-إلي أين تذهبين ؟
ردت و هي تتحاشي النظر إليه :
-إلي غرفتي . ينتابني الشعور بالسقم . سأخلد إلي النوم فوراً
سحب "إبراهام" ربطة عنقه و فك زر ياقته و هو يتمتم لها بصوت حميمي :
-لدي سرير هنا أيضاً . فلتبقي معي الليلة !
إرتعدت "آية" من كلماته ، حاولت تخليص يدها من يده و هي تقول بتوتر شديد :
-ماذا تقول ؟ ما الذي تعنيه ؟!! .. و إزداد رعبها و هي تراه يخلع سترته الثمينة و يلقيها بعيداً
-و الآن ماذا تظنينني قد عنيت ! .. قالها "إبرهام" لاففاً ذراعه حول خصرها
أطلقت صرخة ذعر قصيرة ، بينما سحبها إلي أحضانه و أطبق عليها جيداً بذراعاه ثم قال :
-إنها ليلتنا الأولي يا حبيبتي . لا أخالك تريدين أن يقضيها كلانا بمفرده
أخذت تتدفعه في صدره و كتفيه و هي تهتف برفض شديد :
-لا . لن أقضي الليل معك . نحن لم نتفق علي هذا
هدأها بلطف :
-هدئي من روعك يا صغيرتي . كوني واثقة من أنني لن أعمد إلي إيذائك مهما حصل . أنا أحبك يا آية . أحبك كثيراً و لست في وارد التخلي عنك
صاحت بصوت مرتجف :
-إبتعد عني . أتركني
-أبداً ! .. و كانت لهجته شديدة الهدوء
مما أشعرها برعب جعل نبضها يتسارع و يلهب عنقها و وجهها بدمائها المحتدمة ...
-لقد نفذت شرطك و أشهرت إسلامي أمامك حتي تطمئني و لا يخالجك الشعور بالذنب . و أنا مستعد لتنفيذ أي شيء تطلبينه مني . بل و أنا أتعهد لك من الآن . لو رزقنا بأطفال سأدع الأمر برمته لك . لن أتدخل أبداً في خطتك التربوية لهم .. فقط مكنيني من نفسك . دعيني أحبك !
أحست طنيناً في أذنيها و هي تهز رأسها بقوة مزمجرة بعصبية :
-لن تفعلها بإرادتي . سيكون عليك أن ترغمني و بعنف !
و أخذت تضاعف مقاومتها علي تحرير نفسها منه ، ليرفعها كما هي بين ذراعيه و يحملها إلي فراشه كطفلة صغيرة و هو يقول برقة :
-لن أرغمك . و سترين بنفسك أنني لست رجلاً عنيفاً كما أبدو .. كل ما أريده هو أن أحبك يا حبيبتي
و تسارعت أنفاسها التي إستحالت لهاثاً حين أزاح الأغطية و وضعها بمنتصف الفراش ، ظلت تتلوي في قبضته الحديدية علها تفلت منه ، و لكن بلا جدوي ، و بقيت ذراعاه حولها إلي أن خارت قواها و لم تعد قادرة علي المقاومة
عندها رفع يده و نزع الحجاب عن رأسها مغلغلاً أصابعه الخمس في عمق كثافة شعرها الحريري ، سالت دموعها و هي تسمعه يتمتم مبهوراً شيء بالعبرية ، بلغته الأم
بينما تحل أنامل يده الأخري أزرار قميصها ، كانت عاجزة تماماً في هذه اللحظات ، ثقتها أنها مجردة من جميع الأسلحة و الدفاعات أمامه جعلتها كالمشلولة بين يديه
عندما همس بأنفاس ملتهبة و هو يغرق وجهها بالقبلات :
-لا تخافي يا حبيبتي .. سأهتم بك جيداً . ستكونين بخير معي !
لكنها لم تكن واثقة من هذا ، أبداً ............ !!!!!!!!
يتبـــع ...
_ حبيبتي العربية ! _
أنهي رجل الدين اليهودي مراسم الزواج علي "إبراهام" الخاضع تماماً بين يديه ، كان يضع القبعة السوداء الصغيرة علي مؤخرة رأسه ، متبعاً كافة التقاليد و الخطوات الواجبة
أصرف مستخدمينه بعد أن قدموا شهادتهم علي وثيقة الزواج ، ثم قام واقفاً من ركوعه و رفع القبعة عن رأسه و هو يشكر رجل الدين بالعبرية :
-شكراً لك جناب الحاخام . أنا ممتن لخدمتك حقاً !
رد "الحاخام" ذو الرداء الأسود و اللحية الطويلة مبتسماً بتحفظ :
-لا داع للشكر يا إبراهام . هذا عملي و واجبي . و أنت الآن أصبحت رجلاً كاملاً بزوجتك كما هو مذكوراً بشريعتنا . مبارك يا عزيزي .. و أضاف بفم مزموم معبراً عن عدم رضاه الكامل :
-بالرغم من صعوبة ما تقوم به . فنحن جميعاً ما كنا لنتمني لك زوجة أفضل من ريتشل . إبنة وطنك و معبوديتك !
كسا الضيق وجه "إبراهام" و هو يقول :
-هذا الأمر منتهي بالنسبة لي جناب الحاخام . ريتشل لا تناسبني بالمرة و حتي لو لم تظهر أخري بحياتي كنت سأجد طريقة لأنفصل عنها
-و بالرغم من عدم موافقتي أنا أيضاً ! .. كان هذا صوت "چورچ"
قام عن الكرسي و إتجه نحو "إبراهام" قائلاً ببشاشته المعهودة :
-إلا أنه لا يسعني سوي تمني حياة سعيدة لك يا سيدي .. و أخذه في عناق قصير
ربت "إبراهام" علي كتفه قائلاً بإبتسامة :
-أشكرك يا چورچ . يا صديقي العجوز . و بالأخص أشكرك علي مجيئك لحضور مراسم الزواج
هز "چورچ" كتفيه :
-و كيف لا آتي ؟ أشكر الله علي منحي فرصة رؤيتك تتزوج قبل أن أرحل . حتي و إن كانت الطريقة شديدة الغرابة كما أري .. أين زوجتك يا رجل ؟ لماذا ليست هنا ؟ ألا ينبغي أن تشاركك في هذا ؟!
تنهد "إبراهام" و قال :
-ليس بعد يا چورچ .. سوف يتطلب الأمر بعض الوقت . حتي تلين و تصبح طيعة تماماً لآوامري !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كانت "آية" تطوي سجادة الصلاة بعد فروغها من فريضة العشاء ، عندما إقتحمت "ليونيلا" الغرفة دون سابق إنذار
عبست "آية" مرددة إحدي عبارات الإنزعاج التي تعلمتها من "إبراهام" :
-أنت . من أذن لك بالدخول ؟ ألم تتعلمي آداب التعامل مع الآخرين ؟!
-عذراً سيدتي .. قالتها "ليونيلا" بنبرة فاترة
-لقد طلبت الأذن بالفعل . لكنك لم تعطني رداً فأضطررت للدخول من تلقاء نفسي
رفعت "آية" حاجبيها إندهاشاً ، إستوقفتها كلمة "سيدتي" بشدة ، فهي ليست معتادة علي كل هذا الإحترام و خاصة من قبل هذه المرأة ذات النظرات المريبة
لكنها تجاوزت دهشتها و قالت بضيق واضح :
-و ماذا تريدين الآن ؟
ليونيلا بجمود :
-لا أريد شيئاً . السيد هو الذي يريدك الآن في أمر عاجل .. إتبعيني من فضلك
و لم تعرف "آية" كيف مشت ورائها إلي الخارج مسلوبة الإرادة ، ربما أرادت الإستمتاع إلي ما سيقوله السيد المبجل ، لكنها توقفت فجأة ، عندما لاحظت إنحرافهما إلي إتجاه لم تسلكه أبداً منذ مجيئها إلي هنا !
-إلي أين تأخذينني ؟! .. هكذا إستوقفت "آية" المدبرة البدينة
إلتفتت لها الأخيرة و قالت ببرود :
-إلي جناح السيد
آية بإستنكار :
-جناح من ؟ و لماذا عليّ أن أقابله بجناحه ؟ ما الأمر بالضبط ؟!!
-أنا لا أعرف يا سيدتي . إجابة أسئلتك لن تجديها عندي . بل عند سيدي إبراهام . أرجوك أسرعي قليلاً فهو سريع الضجر ! .. و تابعت سيرها للأمام
ولجت وحدها إلي غرفة "إبراهام" بعد أن رأت تردد "آية" الواضح ، عادت لها بعد ثوان و بلغتها برغبة "إبراهام" في رؤيتها الآن ، إلا أنها رفضت و إنخرطت معها في جدال غير مجدي
ليظهر "إبراهام" في اللحظة التالية ، و هو في كامل أناقته بتلك الحلة السوداء الرسمية .. أصرف "ليونيلا" بإشارة من يده و قبض علي ذراع "آية" و شدها للداخل بحزم مغلقاً الباب خلفها ...
-أنت ماذا تفعل ؟ .. صاحت "آية" بإحتجاج
-أتركني . قلت لك أتركتي !!
و أجلسها بقوة فوق كرسي وثير بالصالون الفخم ، حدجته "آية" بنظرات مغلولة و هي تدلك ذراعها مكان أصابعه القاسية ، و لوهلة كادت تنسي وجودها معه داخل غرفة مغلقة ما هي إلا غرفته
و لا تعرف لماذا سري الإرتجاف بأوصالها عندما شاهدت بنظرة فاحصة سريعة أضواء الشموع المتمايلة موزعة في كل مكان ، و السرير العريض الذي فرش بوريقات الورد الحمراء ، و تهوية المكيفات العطرة التي ميزتها بحاسة شمها المرهفة
بدا لها الجو رومانسي محض ، مما ضاعف شعورها بالخوف ... تطلعت إليه ثانيةً و قالت بصوت مهزوز :
-هل لي أن أعرف لماذا طلبت لقائي هنا ؟
لم يرد "إبراهام" فوراً ، بل رأته يدس يده في جيب سترته الداخلي ، ليخرج ورقة مطوية بعناية ، فتحها ثم وضعها أمامها فوق الطاولة الصغيرة و هو يقول بلهجة آمرة :
-وقعي هنا ! .. و أشار لها بسبابته علي موضع الإمضاء
إزدردت "آية" ريقها و نظرت إلي تلك الورقة ، عقدت حاجبيها و هي تمعن النظر بالحروف التي شكلت كلمات لم تستطع فهمها مهما حاولت
نظرت له من جديد و قالت بشيء من التوتر :
-لا أفهم . ما هذا ؟ لا أستطيع قراءته !
-أنه عقد زواجنا يا آية .. قالها "إبراهام" بثبات و وضوح شديدين
و هنا حملقت فيه مصدومة ، لم تتوقع أبداً ، أن تأت ردة فعله بهذه السرعة ، لا يمكن .. أمام كل هذا الإصرار الذي يملأه ، كيف تهرب من هذا المأزق ؟
-ألم نتكلم في هذا من قبل ؟! .. هتفت "آية" بحدة متكلفة
-لقد أخبرتك بأنني لا أوافق علي الإرتباط بك . إذن كيف تأتي الآن و تكرر الأمر مجدداً ؟ فلتعلم أن جوابي لن يتبدل
إبراهام بصلابة :
-أنا لم أجلبك إلي هنا لكي نتناقش في الأمر كالمرة السابقة . لقد حسمت هذا الجدال . الليلة سينتهي كل شيء
هزت رأسها بعصبية و قالت :
-لن أقبل بذلك . هل تسمع ؟ لن أكون ضحية أحدي نزواتك عليك أن تبحث عن غيري
-نزواتي ! .. صاح "إبراهام" مستنكراً و قد أذهلته الكلمة فعلاً
-هل تعتقدين أنك مجرد نزوة عابرة بحياتي ؟
آية بثقة :
-بالطبع . و هل تراتي حمقاء لأصدق شيء غير هذا ؟ أنا لا أثق بك مهما فعلت و لا أريدك أبداً . نحن أعداء يجب أن تفهم ذلك
تآفف "إبراهام" بضيق شديد و قال :
-أرجوك . دعينا نتخلي عن الدراما للحظات ، لا تهمني إطلاقاً و لن يؤثر في كلامك . أنا إتخذت قراري و إنتهي الأمر . و الآن . ما الذي يقلقك في مسألة زواجنا ؟ معضلة الكفر . لا بأس . سأتخلص من كفري أمامك و حالاً .. و ضم يداه أمامه مردداً بآلية تامة :
-أشهد أن لا إله إلا الله . و أشهد أن محمداً رسول الله .. هل أصبحت مؤمن بنظرك الآن ؟
نظرت له مفغرة فاها ، و سرعان ما إنقعد حاجباها غضباً و إستوحشت نظراتها و هي تقول بخشونة :
-أنت تصر علي الكذب ؟ هل تظنني غبية إلي هذا الحد ؟ لن تنال مني ما تريد . خيراً لك أن تـ آ ا ...
--إصمتــي ! .. صرخ بها ضارباً الطاولة بقبضة غاضبة
و لا إرادياً طفرت الدموع من عيناها ، دموع العجز و الخوف ، و الإدراك .. إدراك وضعها الضعيف هنا ، في بيته ، و معه تحديداً
لم يساورها الشك الآن في أنها أمست ملكه ، جاريته كما أكد لها مرة في زلة لسان ، حتي لو تأخر الأمر قليلاً ، للآسف لن تقوي علي صده ، لن تقوي عليه ...
إنفلت نشيجاً حاراً من بين شفاهها في هذه اللحظة ، إنهار جدار قوتها الواهي ، بينما لم يعير "إبراهام" ذلك أدني إهتمام ، دفع لها بالقلم قائلاً بصرامة :
-هيا . الآن . وقعي علي وثيقة الزواج !
ترقرقت الدموع بعينيها و هي تفول بصوت يغص ببكائها :
-أرجوك .. لا أريد
و كتمت شهقة قوية حين مال صوبها فجأة ، و إذا به يسحب وثيقة الزواج من أمامها و هو يقول بتهديد جمد الدماء بعروقها :
-كما تشائين .. لكنك لي علي أي حال . بزواج . أو من دون زواج !
شحبت من تحذيره الضمني ، ليحثها مرة أخري بصوت أجش :
-وقعي . لطفاً .. أطيعيني !
وضع القلم في يدها بنفسه ، ثم قرب منها الورقة ... لم تحسن التفكير أكثر من شدة ضغطه عليها ، و بدوره لم يعطها فرصة للتردد ، كان ملاصقاً لها ، كالمرصاد
فلم تستطع إلا الإذعان لرغبته حتي تتخلص من وطأة كل تلك الضغوطات ...
و في خلال لحظات كانت قد إنتهت ، مسحت دموعها بظاهر يدها و قامت من مكانها ، مشت ناحية الباب ببطء بينما يعيد "إبراهام" طي الوثيقة ثم يضعها داخل صندوق صغير فوق الطاولة
إنتبه لها في هذه اللحظة ، لحق بها علي الفور قبل أن تخرج و أطبق علي يدها الممسكة بمقبض الباب ...
-إلي أين تذهبين ؟
ردت و هي تتحاشي النظر إليه :
-إلي غرفتي . ينتابني الشعور بالسقم . سأخلد إلي النوم فوراً
سحب "إبراهام" ربطة عنقه و فك زر ياقته و هو يتمتم لها بصوت حميمي :
-لدي سرير هنا أيضاً . فلتبقي معي الليلة !
إرتعدت "آية" من كلماته ، حاولت تخليص يدها من يده و هي تقول بتوتر شديد :
-ماذا تقول ؟ ما الذي تعنيه ؟!! .. و إزداد رعبها و هي تراه يخلع سترته الثمينة و يلقيها بعيداً
-و الآن ماذا تظنينني قد عنيت ! .. قالها "إبرهام" لاففاً ذراعه حول خصرها
أطلقت صرخة ذعر قصيرة ، بينما سحبها إلي أحضانه و أطبق عليها جيداً بذراعاه ثم قال :
-إنها ليلتنا الأولي يا حبيبتي . لا أخالك تريدين أن يقضيها كلانا بمفرده
أخذت تتدفعه في صدره و كتفيه و هي تهتف برفض شديد :
-لا . لن أقضي الليل معك . نحن لم نتفق علي هذا
هدأها بلطف :
-هدئي من روعك يا صغيرتي . كوني واثقة من أنني لن أعمد إلي إيذائك مهما حصل . أنا أحبك يا آية . أحبك كثيراً و لست في وارد التخلي عنك
صاحت بصوت مرتجف :
-إبتعد عني . أتركني
-أبداً ! .. و كانت لهجته شديدة الهدوء
مما أشعرها برعب جعل نبضها يتسارع و يلهب عنقها و وجهها بدمائها المحتدمة ...
-لقد نفذت شرطك و أشهرت إسلامي أمامك حتي تطمئني و لا يخالجك الشعور بالذنب . و أنا مستعد لتنفيذ أي شيء تطلبينه مني . بل و أنا أتعهد لك من الآن . لو رزقنا بأطفال سأدع الأمر برمته لك . لن أتدخل أبداً في خطتك التربوية لهم .. فقط مكنيني من نفسك . دعيني أحبك !
أحست طنيناً في أذنيها و هي تهز رأسها بقوة مزمجرة بعصبية :
-لن تفعلها بإرادتي . سيكون عليك أن ترغمني و بعنف !
و أخذت تضاعف مقاومتها علي تحرير نفسها منه ، ليرفعها كما هي بين ذراعيه و يحملها إلي فراشه كطفلة صغيرة و هو يقول برقة :
-لن أرغمك . و سترين بنفسك أنني لست رجلاً عنيفاً كما أبدو .. كل ما أريده هو أن أحبك يا حبيبتي
و تسارعت أنفاسها التي إستحالت لهاثاً حين أزاح الأغطية و وضعها بمنتصف الفراش ، ظلت تتلوي في قبضته الحديدية علها تفلت منه ، و لكن بلا جدوي ، و بقيت ذراعاه حولها إلي أن خارت قواها و لم تعد قادرة علي المقاومة
عندها رفع يده و نزع الحجاب عن رأسها مغلغلاً أصابعه الخمس في عمق كثافة شعرها الحريري ، سالت دموعها و هي تسمعه يتمتم مبهوراً شيء بالعبرية ، بلغته الأم
بينما تحل أنامل يده الأخري أزرار قميصها ، كانت عاجزة تماماً في هذه اللحظات ، ثقتها أنها مجردة من جميع الأسلحة و الدفاعات أمامه جعلتها كالمشلولة بين يديه
عندما همس بأنفاس ملتهبة و هو يغرق وجهها بالقبلات :
-لا تخافي يا حبيبتي .. سأهتم بك جيداً . ستكونين بخير معي !
لكنها لم تكن واثقة من هذا ، أبداً ............ !!!!!!!!
يتبـــع ...
