رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل الثاني عشر 12 بقلم اسراء الوزير
رواية (عاشقة بين الأوغاد)
الفصل الثاني عشر:
جلست سارة أرضا بجانب جثمان أخيها المُدثّر بالغطاء الأبيض الذي خضّبته دماؤه الغائرة، ترمقه بعينين جاحظتَين والصدمة جليّة على وجهها، لم تذرف دمعة واحدة بل كانت تراه ولسانها منعقد عن الكلام، فماذا تقول بهذا المأزق؟ إن الذي تفنّن في تدمير حياتها وتهديدها لئلا تخرج عن طوْعه يكون أخاها قبل أي شئ، وإن كانت الدماء تحولت إلى ماء بالنسبة له، فلم تقوَ طبيعتها النقيّة على فعل ذلك، في حين لَفَتَ انتباه أحمد السلاح الذي يمسكه العسكريّ والذي وُجِدَ في مسرح الجريمة فأسرع يقول للضابط المشرف بغضب مكتوم:
_ عايزكوا تعرفو مين اللي عمل كدة وبأسرع وقت
أجابه الثاني مُطمئنا:
_ اطمن يا حضرة المقدّم، هنعرف مين القاتل قريّب
أتى خالد وسما الي فيلا ادهم ليقدما تعازيهما الحارة ثم صعدا الي غرفة سارة والتي لم تخرج منها منذ ذلك الوقت ليراها وهي في حالة يرثي لها ودموع جافة تعتصر مُقلتَيها، بينما تقوم أمال وأختها على تهدئتها، ذهبت إليها سما ثم أمسكت بيدها قائلة بمواساة:
_ البقاء لله يا سارة.... الله يكون فـ عونكـ
أتبعها خالد بذات الأسف:
_ البقاء لله يا سارة ربنا يجعلها آخر الأحزان
ما لبث أن لَفِظَ بها حتى دخلت فاطمة ثم اقتربت من سارة قائلة :
_ الظابط جه يا هانم وعاوز يكلمك فـ حاجة مهمة
نزلت سارة وخلفها خالد وسما لتجد أحمد والضابط يقفان معا، قال الثاني فور رؤيتها:
_ اتعرّفنا خلاص علي القاتل من خلال سلاحه اللى سابه، عشان السلاح ده مترخص باسمه وكمان عليه بصماته
ثم التفت إلى الواقفين خلفها فأردف بشئ من الانتصار:
_ والحمد لله هو موجود دلوقتي
رمقته سارة بتساؤل بينما أكمل موضّحا:
_ أستاذ خالد الصاوي
صعقة شديدة أصابت سارة وخالد وسما فور سماعهم للإسم بينما أكمل الضابط موجها حديثه إلى خالد:
_ لو سمحت تتفضل معانا يا أستاذ خالد من غير شوشرة
شهقت سما بفزع بينما بقيت سارة على حالها من الصدمة والذهول حيث ترى خالد يهتف نافيا عنه التهمة:
_ والله مـ انا .. انا معملتش كده، والله ما حصل
هتفت أمال باحتجاج:
_ يا جماعة ده أكيد سوء تفاهم أستاذ خالد مايعملش حاجة زي كدة أبدا
صرخ خالد بأعلى صوته:
_ والله يا سارة ما قتلته صدقيني
ظلّت سارة على حالها متسمّرة والبهوت يُغلّف معالمها بينما ترى مجموعة الرجال يجرّون خالد نحو الخارج ويصيح الأخير ببراءته، وضعت أناملها على رأسها محاولة تخفيف الصدع الذي أصابه توّا ولكن لم يُفلح الأمر وسقطت أرضا مغشيّا عليها دون أن تنبس ببنت شفة
وعلى الجانب الآخر، أخذت سما تركض خلف زوجها الذي يسحبه العساكر بالقوّة نحو سيارة الشرطة، وكل من بالعزاء ينظرون إليه والهمهمات تنطلق هنا وهناك، قبل أن ينفذ الأمر بالولوج فيها التفت إلى سما التي كانت تقف على مقربة منه والعبرات تنحدر من جفنيها، فقال بنبرة أقرب إلى الاستغاثة:
_ كلميلي نادر خليه ييجي بسرعة
أجابته سما والدمع يشقّ صفحة وجهها بصوت متحشرج:
_ حاضر
في قسم الشرطة صاح خالد بكل ما أوتي من قوّة مُدافعا:
_ يا حضرة الظابط ركز معايا، أنا كنت فين يومها دي واضح جدا متلفقة!
نهره الضابط بصوت غاضب قائلا:
_ طب اتلمّ فــ طريقة دفاعك أو استنى المحامي يا سيادة المحامي
أسرع يقول خالد بعناد:
_ لا مش هستنى أنا هنا المحامي لحد ما ييجي
أراح ظهره على الكرسيّ الجلدي ثم تحدّث بسماجة مُتعمّدا استفزازه:
_ سؤال وجاوب عليه يا حضرة المتّهم
قبض على فكّيه بغضب شديد بينما يحاول جاهدا تملّك أعصابه لئلا يفتك بهذا المُتعجرف بينما أكمل الأول بذات السماجة:
_ كنت فين امبارح الساعة 9 بليل!؟
أجابه خالد دون أن ينظر إليه مُزيدا من التقليل من شأنه:
_ كنت في المكتب براجع القضايا زي كل يوم
عاد يسأل بنبرة ثاقبة:
_ وفي شاهد على الكلام دة؟
أجابه على الفور:
_ عم توفيق عيسى، السّاعي فــ مكتبي فضل معايا لوقت متأخر
أماء برأسه بخفّة قبل أن يعتدل بجسده مُمليا بعض الكلمات إلى الكاتب الذي يدوّن كل ما يقال في المحضر:
_ يتم استدعاء توفيق عيسى للإدلاء بشهادته
أجل هذا هو طوق النجاة الذي سيستند عليه خالد للخلاص من هذه المصيبة التي حطّت على رأسه من حيث لا يدري؛ فمن جهة لا يعلم كيف تمّت سرقة سلاحه، أو من قد يكون المستفيد من هذا، ولمَ قد يوقع خالد بالذات في هذه الورطة؟!
ملأ الطبيب الإبرة الطبيّة بسائل علاجي قبل أن يغرسه بوريد سارة الفاقدة الوعي، ما أن انتهى حتى قال موجّها حديثه إلى أحمد:
_ صدمة عصبيّة، إديتها مُهدّئ وان اء الله هتبقى تمام
تحدث أحمد شاكرا:
_ شكرا يا دكتور
_ العفو
وخرج كلاهما تاركَيْن أمال التي كانت تجلس على طرف السرير وهي تمسّد على شعر صديقتها وأختها والشفقة مُعتلية معالمها بعد ما رأت وسمعت من أخبار غير معقولة، فلا تستطيع التصديق بكون خالد القاتل حتى وإن كان يثأر لحبيبته، ذاك المسالم الذي يكره خرق القانون وسفْك الدماء يزهق روحا! إن الأمر لا يصدّق بالتأكيد، تعلم جيدا أن خالد لن يقوم بذلك كما تعلم أيضا أن سبب إغماء صديقتها هو عدم تحمّلها لرؤية الرجال يسحبون خالد إلى سيارة القسم فخارت قواها كردّ فعل بسيط على الجنون الذي يحدث هنا
_ إنت توفيق عيسى؟
أردف بها الضابط متسائلا بينما يحدج هذا الرجل الخمسيني الذي يقف منحني الظهر وعلامات الخوف بادية على وجهه، يصيبه الرعب بالتأكيد من الوجود في حضرة الشرطة، وعلى الجانب الآخر يقف خالد الذي ينظر إليه واللهفة تكسو معالمه، ينتظر إجابه هذا الفقير الصالح بفارغ الصبر، أجاب توفيق بينما يخفض بصره أرضا:
_ أيوة يا بيه، خير؟
أجابه الضابط مطمئنا:
_ خير يا عمّ توفيق ماتقلقش هو سؤال بس تجاوب عليه، ورينى الأول بطاقتك
ناوله هويّته ليتفحّصها للحظات ثم يضعها على سطح المكتبة، والتفت إلى توفيق قائلا:
_ انت فضلت مع الأستاذ خالد في المكتب امبارح لحد الساعة 9 بليل!؟
اختطف نظرة أخيرة إلى خالد لم يفهم الثاني فحواها، تحمل الكثير من المعاني المتداخلة التي ترفض لأيٍ كان تفسيرها، وعلى الجانب الآخر يحدجه خالد بنظرات تشجيعيّة لأن يتحدّث دون خوف من طائلة الشرطة، أجفل توفيق مع صوت الضابط حين تحدّث بخشونة:
_ بص لي انا ومالكش دعوة بحد
عاد ببصره إلى الضابط ثم نطق على مضض والحزن يسكن صوته:
_ لا يا بيه أني روّحت فــ معادي، هو اللي مشاني وفضل
اتسعت عينا خالد بطريقة فجائية حتى كادتا تخرجان من محجريهما فاقترب من توفيق هاتفا بدهشة واستهجان:
_ إي اللي انت بتقوله ده يا توفيق؟ ركّز دانت بتفضل معايا كل يوم حتى بتعمل لي قهوة كل تلات ساعات عشان اعرف اركّز
التفت إليه توفيق ونظرات منكسرة تغلّف عينيه بينما يردف نافيا:
_ ما حصلش يا بيه سلامة عقلك انا روَّحت علطول
هدر خالد بانفعال وقد فقد السيطرة على أعصابه حين رأى أن أصابع الاتّهام ستوجّه إليه بالفعل والأدلة تسير بالاتجاه المعاكس:
_ كداب يا فندم، والله ما خرج من المكتب ده بيخرج معايا وربنا عالم
تجاهله الضابط بإمساكه للبطاقة الخاصّة بتوفيق ثم ناوله إياها قائلا:
_ خلاص إمشي انت دلوقتي يا توفيق وآسفين على الإزعاج
أماء برأسه ثم أخذ يؤدّي التحيّة باحترام قبل أن يخرج من الغرفة تحت نظرات خالد المشتعلة حيث صرخ باحتجاج:
_ ده تزوير وكلام ما حصلش
التفت إليه الضابط ناطقا باستنكار:
_ مش ده برضه الشاهد بتاعك ولا انا بيتهيأ لي؟
هتف خالد بهستيرية:
_ ده تلفيق تهمة هيوديني فــ ستين داهية
_ أعمالك
نطق بها الضابط ببرود لتحتقن الدماء بوجه خالد الثائر اللاهث خلف حقه، بينما التفت الضابط إلى الكاتب قائلا:
_ يتم ترحيل المتهم خالد عبدالعزيز الصاوي إلى النيابة في صباح الغد
كانت سما تجلس أمام مكتب نادر الذي تولّى التحقيق في هذه القضيّة لجمع الأدلّة التي تستطيع إخراجه من هذه الورطة المُلفَّقة، كان يغلق الملف استعدادا للحديث معها بينما ترمقه بقلق وتهزّ قدميها بسرعة في توتر شديد أصابها منذ مصيبة الأمس، نطقت تقول بتوجّس:
_ برضه ماعرفتش تلاقي دليل يبرأه يا نادر؟
أسند نادر مرفقيه على المكتب بينما يقول بخيبة أمل:
_ للأسف كل الأدلة ضده والراجل اللي المفروض يشهد لصفّه رفض ده، وإن السلاح بتاعه يكون هناك دي مصيبة لوحدها!
هتفت والهلع بدا بين ثنايا صوتها:
_ يعني إيه خالد كدة هيموت؟!
هزّ رأسه نافيا بينما يقول بهدوء:
_ لا لا إن شاء الله هقدّم فــ المرافعة حاجات تبرأ خالد من التهمة، ماتقلقيش يا مدام سما.
رفعت عينيها إلى الأعلى ناطقة بتضرع:
_ ياااارب
لتلقّي الصدمات واحتمالها أشكال، فمنهم من يترك أمره على الله ويرجوه الخروج من البلاء، ومنهم من يستقبل الأمر مكفهرّ الوجه بالأيام وفي عقله يدبّر كيف يخرج من هذه المصيبة، ومنهم من لم يستطع إبداء ردّ الفعل وانهار سريعا قبل النطق بحرف، كانت هذه سارة الألفي التي استيقظت في ظهيرة اليوم التالي بعدما زال أثر المهدئ لتجد نفسها متسطحة في غرفتها القديمة بفيلا أخيها، إبرة المحلول منغرسة بذراعها الأيمن وإلى جانبها فاطمة الخادمة التي كانت تراقبها طيلة الوقت للتأكد من إفاقتها، وعن طريق فاطمة عرفت سارة بما حدث بالأمس بعدما فقدت وعيها وأحضر احمد الطبيب ليفحصها ويعطيها إبرة مهدئة مع محلول جلوكوز لمنحها الطاقة اللازمة حين النهوض، أخذت تستمع إلى فاطمة وفي عقلها يتردّد صدى سؤال مؤلم "إذا ما صار بالأمس كان حقيقة وليس كابوس كما ظننت؟" وشردت بعالم أحزانها الذي صار ملازما لها ومن حياتها له نصيب كبير، فقد أوقعت نفسها بشباك هؤلاء الأوغاد لأجل سلامته، ومن حيث لا تدري الآن تراه متّهما بقضيّة مقتل أخيها! أجل تودّ نَيْلَ القاتل لعقابه ولكن القاتل الحقيقي، لا خالد حبيبها الذي لن تصدق بأمره ارتكاب جريمة بشعة كهذه، إنه ذاك الذي نأى عن فضح أمرها حين قابلها بعد مرور أعوام أمام زوجها، بل فضّل جديَّا الابتعاد لئلا تتّسع دائرة السر، ولن تصدق أنه قد يُزهق روحا لتصفية حساب فراقها طيلة هذه السنوات
أخذت تحاول جاهدة النهوض وتبحث في هذا السر ولكن أوقفتها فاطمة التي دفعتها بخفّة لتعود إلى السرير دون أدنى مقاومة، في حين شعرت بالألم يحاوطها من كل جانب بجسدها، نطقت فاطمة بترجّي:
_ خليكي مرتاحة يا هانم بلاش تتعبي نفسك
انسابت دمعة حبيسة من جفن سارة التي تجاهلتها بينما تقول في نفسها بضعف:
_ لازم انقذ خالد، لازم انقذه
_ أهي الفلوس يا دكتور، أبوس إيدك ابدأ العملية بسرعة، بنتي مش هينفع تستنى عن كدة!
تلفّظ بها توفيق بينما يمدّ للطبيب رزمة مالية والجزع يكسو وجهه بينما يجيبه الثاني دون أن يمس المال:
_ روح ادفع في الحسابات وماتقلقش يا عمّ توفيق، العملية بعد 10 أيام من دلوقتي
صاح بعدم تصديق:
_ 10؟ كتير والله يا دكتور!
أجابه الطبيب بجديّة:
_ على ما ييجي الجراح المختص، هو برة مصر حاليا
نطق توفيق بخوف يسكنه الألم:
_ بس البت حالتها تخوّف والقلب مش هيستحمل
ربت الطبيب على ساعده قائلا بوجوم:
_ ماتقلقش إنت صلي وادعي وان شاء الله العملية تتم على خير
قالها ثم ابتعد عنه منصرفا تاركا هذا الذي احتضن الرزمة امالية بينما يجلس أرضا وقد نال منه التعب مبلغه، فهذا الذي كان يعيش قبلا كأيّ عامل بسيط يأتيه ما يكفيه من الزاد له ولابنته المراهقة، انقلبت أموره مع صاعقة مرضها المفاجئ وإصابتها بالقلب والتي تستدعي إجراء عمليّة قلب مفتوح، يعدّ الدقائق والهلع يغرس أنيابه بفؤاده فلا يأمن ما يخبئه المستقبل من مفاجآت وكل ما يشغله أن تستطيع ابنته الفلات من براثن الموت على خير.
في صباح يوم المحاكمة، كانت أمال تجلس على سجادة صلاتها بينما تمسك بالمصحف بين يديها وتقرأ فيه بخشوع راجية أن ينفكّ الكرب ويعود خالد منها سالما، ترجو الله من قلبها لئلا يذهب دمه ظلما، تتلو بصوت خفيض حتى شعرت بألم شديد ناهز بطنها لتترك المصحف ثم تمسّد بيدها عليها بينما تتأوه بصوت عال وصل صداه إلى والدتها وإيمان التي ركضت نحوها لتجد أختها تتلوّى على السرير بألم فأسرعت إليها وكذلك والدتها التي أمسكت بساعدها هاتفة بقلق:
_ مالك يا أمال؟ في إيه يا بنتي؟
_ مش عارفة يا ماما، مغص شديييد شكلي هولد، الحقيني
نطقت إيمان بينما تبتعد عنها بخوف:
_ حاضر هكلم عم سلامة عشان ياخدنا بالتاكسي، خدي نفسك بس
وبالفعل اتّجهت إيمان إلى جارهم صاحب سيارة الأجرة لإسعافهم، وقامت والدة أمال بتجهيزها للذهاب إلى المشفى وقد حانت لحظة المخاض التي غيّرت مجرى خطّة أمال حين أودعت في قرارة نفسها أن تزور سارة بقصر أخيها وتذهبان معا لحضور المُحاكمة، ولكن يبدو أن سارة وحدها ستقوم بذلك
بقاعة المحكمة الدستورية، كان يقف خالد خلف سور القفص الحديدي ومقابله على الجهة الأخرى من السور زوجته التي تحدثه بإتيان الخير بالتأكيد على خلاف ما تحمل بصدرها حيث ينهش هاجس اتّهامه بتفكيرها، كان يتكلم وعيناه تجولان بأنحاء القاعة حيث يبحث بكل شبر فيها عن سارة التي من المفترض أن تكون موجودة اليوم لأجل حضور المرافعة، ولكن لم يجدها! والعجيب أنه بعد مرور عشر دقائق أتى كل من سهى وأحمد بدونها! تنهّد بألم والحزن يخيّم على صدره حيث لم يتوقّع أبدا أن تكون ردة فعل سارة عنيفة إلى الحدّ الذي يمنعها من الحضور، لديها كل الحق بالحزن لأجل أخيها ولكن أتصدّق ما نال خالد من اتهامات! هذا ما لا يستطيع تحمّله، هتف حاجب المحكمة بأعلى صوته منبّها:
_ محكمة
جذب صوته انتباه الحضور ليقف جميعهم احتراما لولوج المستشارين ثم يجلسوا مع إذن القاضي الرئيسي، ارتدى نظارته ثم التفت إلى خالد المكبّل بالقفص فيقول موجّها حديثه إليه:
_ إنت متهم بجريمة قتل لرجل الأعمال أدهم الألفي يا خالد، تثبت ولا تنفي؟
أجاب خالد بإصرار:
_ أنفي
التفت القاضي إلى محامي الدفاع قائلا:
_ الدفاع يتفضّل
وقف نادر تاركا أوراقه على سطح المكتب الصغير أمامه، ثم سار بخطوات واثقة وفي عقله يُحضّر للمناقشة حيث يبتدئ كلامه قائلا:
_ سيدي الرئيس، حضرات السادة المستشارين، إحنا دلوقتي بنتناقش في قضيّة مهمة جدا، قضية مقتل رجل أعمال مشهور ومن أكبر الصناعيين في البلد، قضيّة اتحوّلت في غضون أيام لقضيّة رأي عام والقاتل الحقيقي لازم ياخد الجزاء
ثم استطرد يقول بخشونة:
_ بس للأسف القضيّة بقيت بالاسم وبس، لإن اللي فيه موكّلي خالد الصاوي مش جريمة قتل لأ ده اتهام ظالم دون أي دليل
هبَّ وكيل النيابة عن مجلس واقفا بينما يهدر بغضب:
_ قصدك تقول ان احنا اتهمنا موكّلك ظلم يا سيادة المحامي؟
أسرع نادر يجيب بنبرة أقل حدّة مبررا:
_ ماقلتش كدة خالص، أنا بس حابب أوضح كام نقطة مهمة
ثم عاد ببصره إلى القاضي موضّحا:
_ أولا مش مجرد وجود السلاح يبقى معناه ان خالد الصاوي هو القاتل، لإن صعب جدا غباء القاتل يوصل لإنه ينسى سلاحه المترخّص باسمه في مسرح الجريمة، وإن فرضنا ده حصل، وللأسف حتى الكاميرات اللي في الفيلا اتعطّلت في اليوم ده، يعني مافيش دليل قاطع ان أستاذ خالد كان في الفيلا يومها، وكمان يوم الجريمة كان كل الخدم فــ بيت أدهم بيه واخدين أجازة، وماعرفش إيه السبب اللي يستدعي أجازة، لا هو عيد فطر ولا أضحى ولا عيد تحرير سينا أو طابا أو العمال!
ثم نطق بنبرة قاتمة:
_ والمفروض اللي يجاوب عن حاجة زي كدة مدام سهى محروس مرات الراحل أدهم الألفي
نطق القاضي بلهجة آمرة:
_ المدام سهى تتفضل على المنصة
أذعنت لطلبه فوقفت عن مجلسها ثم اتّجهت إلى المنصّة للمثول أمام العدالة والإدلاء بشهادتها، تحدث القاضي متسائلا:
_ إسمك وسنّك
أجابته بنبرة وقار:
_ سهى صابر محروس، 33 سنة
وهنا حمل نادر لواء الاستجواب حيث سألها بنبرة ثاقبة:
_ ممكن تعرّفي المحكمة يا مدام، كنتي فين وقت الحادثة؟
أجابته بهدوء يعكس بعض القلق:
_ كنت عند نهال صاحبتي في اسكندرية، زورتها ورجعت الصبح عشان الوقت كان اتأخر، وبعدها لقيت أدهم غرقان فــ دمه واتصلت على الشرطة!
عاد نادر يسألها:
_ وما تعرفيش إي سبب الأجازة المفاجئة دي للعمال؟
_ ماعرفش أدهم هو اللي اداهم الأجازة أنا مكنتش موجودة
قالتها بنبرة مزلزلة وقد شعرت أنه قد يزيد من عمق الحفرة للوصول إلى إجابته الوافية، ولكن كانت المفاجأة من جانب نادر الذي نطق مكتفيا:
_ شكرا جدا
تحت أنظار خالد المتعجّبة من اكتفاء نادر بهذه الأسئلة عاد يكمل الثاني ما بدأه قائلا:
_ دلوقتي أكّدت إن مافيش حد من الخدم خالص وقتها لسبب ما يعرفهوش غير أستاذ أدهم نفسه يعني مافيش شاهد على لقاء خالد وأدهم امبارح
ثم استرسل بنبرة ذات مغزى:
_ في الحقيقة مافيش شاهد على انهم اتقابلوا أصلا من ساعة ما أستاذ خالد رجع من لندن، وحتى في ذكرى زواج حضرة المقدم أحمد مالتقوش خالص بناء على شهادة حضرة المقدم في المحضر
ثم أردف بقتامة:
_ وفي نقطة كمان حابب أوضحها يا سيادة القاضي، إن النيابة سابت التّحقيق مع عدد من أعداء أدهم الألفي
ثم عاد أدراجه إلى حقيبته فأخرج منها ورقة صغيرة ثم عاد بها إلى المستشارين قائلا:
_ ودي لايحة بأساميهم، واحد خسّره مناقصة، واحد فاز عليه في السوق وكلهم من رجال الأعمال المنافسين، يعني ممكن جدا حد منهم يكون عملها والشرطة ما سألتش حد فيهم لمجرد وجود السلاح!
وقف وكيل النيابة ثم نطق باقتضاب:
_ ولما هو كدة، إي سبب انه يحصل التلفيق لخالد الصاوي بالذات؟
أجابه نادر بثقة:
_ لإن خالد الصاوي المحامي المعروف، كان متقدم لطلب إيد أخت المرحوم من خمس سنين وهو رفضه عشان ما كان شمعاه فلوس وقتها، وأكيد حاجة زي كدة حد شمّ خبر بيها واستخدمها ضده!
اختطف كل من أحمد وسهى النظرات القلقة للحظات قبل أن يعودا إلى المرافعة من جديد حيث نطق القاضي بحكمه قائلا:
_ بعد الاطّلاع على الأدلة المنقوصة تؤجل القضيّة إلى تاريخ........
بتر جملته صوت سارة التي اقتحمت القاعة رغما عن ردع العساكر صارخة:
_ استنى يا حضرة القاضي خالد بريء
انتبه الجميع إلى الخلف بما فيهم سهى واحمد اللذان انتابهما البهوت لمجرد دخول سارة ونطقها بهذه الكلمة، وسما التي قرع قلبها كالطبول من هذه المفاجأة الغير متوقّعة، وكذلك نادر الذي أصابته الدهشة من هذا الحضور وهذه الكلمة المفيدة ببراءة أستاذه، فضلا عن خالد الذي تعجز الكلمات عن وصف حالة الذهول التي جعلته يرمقها جاحظ العينين فاغر الفم، قالت بينما تلتقط أنفاسها اللاهثة وكأنها أتت توّا من ماراثون سباق:
_ انا اللى قتلت أدهم اخويا
ازدادت الصدمة المعتلية وجوه الحضور أضعافا من هذا الاعتراف الذي لا يصدر سوى من مجنون، فمن ذاك الذي يصدق أن المرء قد يأتي بقتل أخاه؟! أزاحت غيمة الدهشة عن وجوههم بينما تقول وبصرها مخفض أرضا:
_ هو كان بيسحب كل فلوسي بموجب التوكيل اللي بيننا فروحتله ولما اكتشفت كدة جيت عشان اخد حقى، ولما رفض مسكت المسدس وقتلته
ضيّق خالد حدقتيه باستنكار وعلامات الاستفهام أخذت مجالا كبيرا أمام عينيه حيث لا يستطيع أبدا تصديق كونها قد تقوم بذلك لأجل حفنة أموال وهي تلك التي استطاعت التضحية بسعادتها في سبيل حياته، وذلك على خلاف القاضي والموجودين اللذين سيأخذون بالاعتراف كسيّدٍ للأدلة، نطق القاضي بنبرة جديّة:
_ ولفّقتي التهمة لخالد ليه؟
هربت بعينيها عن نظرات خالد قائلة بنبرة مترددة:
_ ماكنتش اعرف إنه ليه، مسكت السلاح وضربت من غير تفكير وبسبب الجوانتي اللي كنت لابساه ما ظهرتش بصماتي، وخفت الأول اعترف بس دلوقتي ضميري أنبني عشان ممكن واحد يروح ظلم بسببي
ثم أردفت بحزن متوسّلة:
_ خالد برىء يا حضرة القاضي، إفرجوا عنه
حالة من الصمت عمّت المكان أثناء تشاور القاضي مع زميلَيْه بشأن القضيّة، قبل أن يقول حاسما الأمر:
_ يتم الإفراج عن خالد الصاوي وحبس المتهمة سارة الألفي على ذمة التحقيق
ثم طرق بمطرقة العدالة بعد قوله:
_ رُفِعَتِ الجلسة
وقف الجميع بعد القاضي وقد ارتفعت الهمهمات حولهم عن كيفيّة حدوث مثل هذه الحادثة الغريبة التي ستحتل غدا زاوية كبيرة بصفحة دموع الندم عن قاتلة أخيها لأجل المال، أسرعت سما إلى القفص لتحتضن زوجها الذي بات حرا، والذى كان فى حالة جمود تام أصاب معالمه كما جسده المتخشّب، ابتعدت عنه بعد مرور ثوان لتطالع سارة التي أمسك العسكري بساعدها كي يجرّها إلى عربة القسم، فمطّت شفتيها بازدراء بينما تقول بثورة:
_ الله يخربيت الفلوس اللى تخليكى تعملى حاجة زى كدة و تلفّقيها لجوزى
التفت خالد إلى سارة كي يقرأ ملامحها وما تريد البوح به خلف ستار الكذب، ولكن أتاه الرد بصمتها المطبق حيث نكست رأسها خزيا وندما دون أن تعقّب، وكأنها القاتلة دون شك!
خرج خالد من المرحاض بعدما اغتسل ونقّى جسده من عذاب ليالي الحجز وأصابع الاتّهام، جلس على طرف السرير وهو يجفّف شعره بينما يفكّر بما آلت إلى رأسه اليوم من مفاجأة صادمة، فقد كان لاعتراف سارة عظيم الأثر لدفعه إلى مرحلة الجنون، فكيف قد تقتله وهو الذي يعرفها جيدا ولم تكن أبدا لتفعل ذلك؛ حيث من العجيب أن تقوم بذلك لأجل بعض الأموال وكان الأحرى أن تقوم بذلك قبل خمس سنوات حين هدّد بقتل حبيبها، إنها تلك البريئة بأرض الأوغاد، الأفعال الدنيئة من نصيبهم والرضا بالمكتوب من نصيبها، أجفل حين شعر بسما تميل عليه بينما تنطق بسعادة:
_ أنا مبسوطة أوى أوى عشان رجعت يا حياتي
أجابها بأن شدّ من ضمّها وابتسامة طفيفة لاحت على ثغره لتكمل بحماس:
_ إرجع لشغلك وراسك مرفوعة بقى
ظلّ على صمته دون إبداء رد وكأن لسانه لم يتأهل بعد لمرحلة الكلام، فابتعدت ثم طالعته بتفحّص وقد شعرت بأن هناك خطب ما خلف هذا الصمت الرخيم، ومن علامات وجهه المتجهّم عرفت بأن هناك الكثير يود قوله ولا يقدر! تحدثت من بين ثنايا حيرتها متسائلة:
_ في إيه يا خالد؟ مش باين عليك انك مبسوط ولا إيه؟
نطق أخيرا بعد طول صمت بصوت مُجهد خفيض:
_ سارة مستحيل تعمل كدة
احتدّت عيناها بينما ترمقه بغير تصديق، فأردفت بدهشة يتخلّلها الاستنكار:
_ انت بتقول إيه؟ إذا كان هي اللي اعترفت على نفسها من غير ضغط!
ثبّت بصره عليها بينما يعيد جملته بصوت أعلى وأكثر إصرارا وحزما:
_ سارة مستحيل تعمل كدة أنا متأكد
ثم وقف عن السرير تاركا يدها مسترسلا:
_ لازم أنقذها
هتفت سما بانفعال:
_ استنى يا خالد، هو اي ده؟! هي مش خلاص اعترفت، هتموت نفسها يعني؟ّ!
امتقعت ملامحه وقد احتل الحزن صوته حيث يردف بألم:
_ علشانى ممكن تعمل أي حاجة، وانا مش هتأخر برضه
تسارعت دقات قلبها حتى سابقت دقات الساعة وقد وقعت هذه الجملة وقع الصاعقة ومفادها واضح للعميان، وقفت عن السرير ثم اقتربت منه بخطوات بسيطة قبل أن تنطق من بين حزنها برجاء:
_ أوكي، اخرج يا خالد وانقذها، بس أرجوك جاوبني على السؤال ده وريحني، إنت كنت تعرف سارة من قبل ما نتجوز؟
اعتصر عينيه بتعب وقد شعر بأنه يتألم دون خدش أصابه، ألم صار بقلبه ساكنا عند تعرضه لإجابة سؤال لم يشأ أبدا لمناسبته بالإتيان، وبين وجع الضمير وقلبه العليل يراها تقف أمامها تتوسل الإجابة حتى وإن كانت مُوجعة، أجابها بأن ابتعد عنها خطوتين نحو الكومود ففتح أحد أدراجه ثم أخرج منه مفتاحا، وأخرج دفتره ثم كتب بعض الكلمات على إحدى صفحاته تحت نظراتها المترقّبة وقد دقّت نواقيس الخطر بفؤادها حيث رجحت كفّة الإيجاب لهذا السؤال، قطع الورقة المُدوّنة بها الكلمات ثم عاد إليها وأعطاها الورقة والمفتاح متمتما بوجوم:
_ ده مفتاح شقة ابويا وامي اللي في المعادي ودي فيها العنوان، روحي هناك وانتي تعرفي كل حاجة
ما أن أمسكت بهم حتى انصرف هاربا من نظراتها التي تحوّلت إلى الحزن والألم وكذلك ملامحها المحتقنة وقد شعرت أن هناك لغزا كبيرا أقوى من الكلام، ولابد لها من الذهاب للاستكشاف
