رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل الثاني عشر 12 بقلم نورهان ابراهيم
فى الإسكندرية
أمام فرع شركة المنسي
وقف "طلال" يودع "راغب" و قد ترك "باسل" يتناقش فى بعض الأمور مع "إيفا" بعدما وقع على الوثائق المهمة التى حدثته عنها و الذى راجعها ابن خاله.
و قريبًا منه كان "راغب" يتميز من الغيظ و هو معترض تماما على سفره فى هذا الوقت من الليل :
_ طلال! بالله عليك حد يسافر فى الوقت المتأخر ده؟! مش هتلحق توصل قبل نص الليل ، آجل سفرك النهاردة و روح بكرة بالطيارة.
تنهد "طلال" قائلاً يفسر له أسبابه الهامة :
_ مش هينفع يا راغب ، الفيلا و الشركة سايبهم هناك ، و مضمنش الظل ممكن يعمل ايه و انا مش موجود ، أنا عطيت أجازة للموظفين و حطيت حراسة على الفيلا و الشركة لكن ده مش كافي طول ما جاوسيسه محاوطين كل حاجة لازم آخد حذري.
تضايق "راغب" و حدثه مقترحًا بقلق :
_ طيب خد معاك حراسة ، متمشيش لوحدك و تسوق فى الليل ده ، ممكن الظل يأذيك بأسهل طريقة و خصوصًا و إنت لوحدك.
رفض "طلال" الفكرة نهائيًا و واصل تفسيره لقراره الغير مدروس :
_ لأ ، مش هاخد أى حراسة ، انتو محتاجينهم أكتر ، و الحراس إللى جوم معايا هسيبهم لباسل عشان أكون مطمن أكتر عليه.
طالعه "راغب" و تشدق بامتعاض يمتزج به إحساس صادق بالحب :
_و إيه إللى يطمنى أنا؟! إيه إللى يضمنلي سلامتك؟! إيه إللى يبرد نار القلق و الخوف إللى جوايا عليك؟!
جادله "طلال" متمسكًا برأيه و الذى يظنه الصواب :
_متأفورش يا راغب ، إيه إللى ممكن يحصل يعني؟!
غضب "راغب" أكثر و أكثر و ثار فى وجهه حانقًا :
_ أقسم بالله يا طلال إن دماغك ناشفة أكتر من باسل ، عشان إنت دلوقتي تفكيرك غلط و قرارك هيكون سبب فى تعرضك للخطر و انت و لا هامك نفسك و لا هامك إنك ممكن تودي نفسك فى داهية!
سايره "طلال" و قد ألم برأسه صداع فتاك ، لينسحب هاتفًا :
_ طيب ، هبقى هاخد حراس معايا ، سيبني أركب العربية و أمشى!
كز "راغب" على أسنانه بسخط و غضب بالغان فهو يدرك أنه يتهرب منه بطريقة لبقة ، فرمى فى وجهه تلك الجملة الهادرة :
_ إنت حر ، كلكم أحرار ، أعملوا إللى على هواكم و انا أخبط دماغي فى الحيط!
و ضرب كفيه ببعضهما و هو يغلي من الغضب و يسير إلى داخل الشركة فقد تملكه اليأس كلية من هذا الرأى المتحجر الذى يملكه "طلال" .
بينما "طلال" زفر ضائقًا من كل شئ ، و فتح باب سيارته ملقيًا نفسه بها و ضاربًا بقبضتيه على المقود ، هو حقًا لا يريد أى حراسة معه ، لأن فى تفكيره ابن خاله أولى بكل رجل أمن ، فكيف يرتاح باله و هو بعيد عنه و بلا حراسة كافية ، أما نفسه فهى آخر أولاوياته ، ليته يهتم بها أكثر من إهتمامه بالأخرين و جعلهم فى أول القائمة ، ثم سلامته يضعها فى النهاية ، حتى أنه لا يكاد يفكر فيها و يحسب لها حسابًا .....
...............................................................
فى منزل "فداء أبو النجا"
إلتفوا جميعهم حولها كبتلات الأزهار التى تحمي ما بداخلها ، مشفقين عليه من ما حدث لها نتيجة عدم انتباهها ، جلست والدتها "فريال" عن يمينها تمسح على شعرها برفقٍ و قالت بقلب مفطور :
_ سلامتك يا ضنايا ، قلبي كان واكلني عليكي من قبل ما تروحي و معرفتش اقولك عشان مقلقكيش ، و أتعصيت جامد على أبوكي عشان سابك تمشي!
و بصوتٍ متعبِ للغاية و خافتٍ رد "تغريد" بأنين :
_ الحمد لله يا ماما ، جات سليمة .
و عن يسارها "إيناس" المتمسكة بكفها تضمه بين كفيها بحنان و هى تقول بنبرة رفيقة :
_ ألف سلامة عليكي يا قلبي .
_ الله يسلمك يا حبيبتي.
لفظتها "تغريد" ملتفتة لها تطالعها بنظراتٍ امتنانٍ قابلتها "إيناس" بنهرين من حنان يجريان فى عشبية عينيها.
إرتاح "فداء" أخيراً شعر بالسكينة برؤياه لابنته فى خير حال ، بعد أن انهكه القلق و الزعر عليها ، ليقترب من حافة السرير ، و غمغم بلهجة صادقة محبة و فى نفس الوقت مؤنبة :
_ مش تخلي بالك يا تغريد ؟! ، قلقتينا عليكي و قلبي كان هيتخلع من الخوف ، بسبب الكلام إللى وصلني من الجيران لما قالولي إنك كنتى بتصرخي من الوجع.
رجعت "تغريد" برأسها إلى ظهر السرير ، كم كانت تتألم وقتها و تلك النخصات لازالت تضرب معدتها بين حين و آخر و لكن ألمها أخف عن سابقه ، و احتوت كل مشاعره الأبوية بنظرات عينيها الملئلئتان قائلة بأسف :
_ آسفة يا بابا ، أوعدك إنى هاخد بالي بعدين.
أقترب "عرفه" نحوها و عيونه تشع قلقًا و سألها :
_ عاملة إيه دلوقتي يا تغريد ، يا رب تكونى أحسن من الأول.
ابتسمت و هى تتنهد متعبة و تمتمت مجيبة إياه :
_ أنا أحسن الحمد لله ، متقلقش!
قرر "عرفه" مشاكستها قليلاً و هى يراقص حاجبيه :
_ و مين قالك إن قلقت عليكي ، دا أنا بس صعبان عليا الجيران و الدكتور و الممرضين إللى اتصرعوا من صراخك.
إنفلتت من "إيناس" ضحكات مستمتعة و شامتة ، بينما توهجت عيون "تغريد" بلهيب غضبها الذى أخذ يتصاعد مع كل كلمة ، حتى إذا ما انتهى عقبت عليه مغتاظة :
_ هو إنت كدة إنت و إيناس متعملوش خير و تكملوه لآخره خالص ، لازم و حتمًا تفقعوا مرارتي.
تدخلت "إيناس" و قد تجهمت قسماتها ، لتصوغ كل ضيقها فى هذه العبارة المستشاطة :
_ و ماله إيناس دلوقتي؟!ما أنا قاعدة ساكتة و فى حالى أهو ، و لا هو جر شكل و خلاص؟!
شُحِنَت "تغريد" ضدها مع تذكرها لكل المهام التى قضتها معها رغمًا عنها ، و قبل أن يتفاقم الشجار بينهما ردعهما "غيث" بهتافه :
_ إيه؟! هتتخانقوا قدامنا كدة عادي ؟! و مش عاملين أى إعتبار لا لوجودى و لا وجود فداء ؟! و لا حتى أمهاتكم القلقانين؟!
ابتلعت "إيناس" لسانها مزدردة ريقها بحرجٍ ، بينما "تغريد" نفخت أوداجها غير راضية عن ما يحدث .
قضم "عرفه" شفاهه لكى لا يضحك متشفيًا فيهما ، فهو الذى أشعل فتيل الشجار و راقب إشتعالهما به و تفجير طاقاتهما المخزونة فى وجه بعضهما.
و هو فى غمرة انتصاره غير المخطط له ، فهما اللتان تم توبيخهما بينما لم يوجه إليه حرف واحد ، لم يدم نشوته كثيرة حيث إن "صفية" فاجأته بقولها المتسائل العفوي :
_ كنت فين يا عرفه لما بنت عمك حصلها إللى حصل دا أنت حتى مروحتش معانا المستشفى!
يا لورطته الكبرى! كيف عليه أن يتصرف الأن ليخرج من هذا المأذق المحتوم؟!
بل كيف نسيت والدته أنه كان فى درسه الخاص؟!
و كما توقع حاصره والده "غيث" بين عينيه و بين كلماته الغامضة مخاطبًا زوجته :
_ هو مكانش معاكم فى المستشفى؟!
هزت "صفية" رأسها بالنفي و هى تجيبه بحسن نية :
_ لأ ، تقريبًا مكانش فى البيت أساسًا ، عشان لو فى البيت كان سمع الدربكة و الزيطة إللى عملتها تغريد .
انتزع "عرفه" نظراته المرتبكة من نظرات والده الفاحصة و المفتشة بين عينيه عن الحقيقة ، و تلافى النظر إليه قائلاً بنبرة متلجلجة :
_ أنا ه.... هروح أج.... أجيب العلاج اللى كتبه الدكتور من الصيدلية .
جذب قائمة الأدوية من بين أصابع والدته و نظر لها نظرة كلها تأنيب ممزوج بالخوف ، فرفعت حاجبيها متعجبة ، فما الذى أخطأت فيه هى؟! ألم تقل ما حدث بالفعل؟!
و بغتة اتسعت جفونها بإدراكِ و ضربت رأسها نادمة ، و همست بصوتٍ خافت :
_ هو إنت كنت فى الدرس؟
هز "عرفه" رأسه إيجابًا ، و عيونه تحدق فى وجه أبيه بتوجس و هو يحدثها :
_ كدة بابا مش هيسيبني فى حالي غير لما يعرف ، و شكله شاكك فيا.
ثم عاتبها بنظراته و عبارته القلقة :
_ إزاي يا ماما تنسي موعد الدرس بتاعي؟ و إزاي تلفتي انتباهه إنى مكنتش فى البيت؟
عقدت "صفية" حاجبيها تؤنب نفسها على سهوتها عوضًا عن كلمات ابنها التى تفيض لها مشاعرها الأمومية السخية ، و رببتت على كتفه متأسفة منه :
_ معلش يابني ، لساني فلت و مأخدتش بالي ، متخافش هو أكيد مش هيعرف إنك كنت فى الدرس.
بدا "عرفه" غير مقتنع بما قالت ، فحدسه الذى لا يخيب يخبره أن والده أوشك على كشف سره الصغير إن لم يكن قد كشفه بالفعل ...... و وقتها سيعاقب بلا تأخير على فعلته و مداراته للأمر بل و مخالفة أوامر أبيه.
كل هذا و "إيناس" تراقبهم متوجسة خيفة على أخيها ، هو لم يخطئ ذاك الخطأ الذى يستحق عقابًا قاسيًا و إنما خطئه الوحيد أنه وقف ضد آرادة والده بل و أخفى عنه أنه يتلقى دروسًا مدفوعة الأجر.
و أما نظرات "غيث" كانت تطوى فى ثناياها غموضًا يبدو لهم جليًا ، و لكنه يعرف تمامًا ما عليه فعله .......
....................................................
طريق القاهرة _ اسكندرية الصحراوي
بلغ "طلال" أكثر من ثلاثة أرباع المسافة فى طريقه الطويلة للعودة ، و بقى له بعض الكيلومترات القليلة على وصوله إلى العاصمة و عيناه ملازمتان على ثباتهما للأمام ماداً بصره فى الظلام محاولاً تبين الطريق التى يسلكها.
مصابيح سيارته عملت على إضاءة المسافات القريبة منه مع طغيان العتمة على باقى الطريق الممتدة أمامه بلا إنقطاع.
رن هاتفه بتراتيل خاصة بأغنية دينية ، تناوله بين بنانه قارئًا إسم المتصل ريثما يلف المقود بيد واحدة ، زفر هواءاً مستاءاً تعبيراً على عدم رغبته فى الرد ، و مع ذلك أجاب فى صوتٍ منهكٍ :
_ نعم يا فراس؟ عاش من سمع صوتك يا راجل!
تحرك "فراس" واقفًا من على المقعد المقابل لمقعد المكتب ، و تنحنح قائلاً فى ارتباكٍ سببه القلق عليه :
_ أنا فى الفيلا بتاعتك ، منتظرك من زمان ، أديلي حوالي ساعتين ، أتأخرت ليه؟! قصدي ، يعنى ... قلقت عليكي.
شغل "طلال" مكبر الصوت واضعًا الهاتف على التابلوه ليتثنى له القيادة بدقة و أكثر أمانًا ، و أغمض عيونه للحظة ثم فتحها فوراً ، ليسأله بتثاقل بادٍ فى نبرته فخرج صوته فظًا دون إرادته :
_ و إيه إللى يخليكي تقلق أصلاً ؟! أنا كنت واعدك بمقابلة مثلاً ؟
عاود "فراس" الجلوس من جديد ، و أراح كفه على فخذه مستفيضًا فى شرحه :
_ أصلى جيت الصبح و سألت عليك و الخدامة قالتلي إنك مسافر و هترجع قبل اليوم ما يخلص.
سكت متأملاً فى ساعة معصمه مضيفًا باهتمام صادق :
_ بس الساعة قربت على اتناشر ١٢ و انت مجيتش فأنا قلقت عليك.
ما يربط بينهما هى مصالح مشتركة و علاقات سطحية و تعاقدات عملية ، لا صلة دم و لا حتى صداقة ، إلا من معرفة سابقة العهد ، إلا أن أسلوب "طلال" المهنى و تفانيه فى أعماله و حسن سلوكه و معاملته الحسنة مع الآخرين و المراعية لظروفهم ، رسخ فى عقول و قلوب من يعرفونه الحب و المودة.
غاصت به خيالاته فى ذكرى طيبة منقوشة على جدران فؤاده المطلى بألوان من الذكريات المتفاوتة فى تأثيرها عليه ، فمنها ما يحلي به أيامه و منها ما يطمسها مرارة ، فمن وصايا أبيه التى عاهده يومًا على تنفيذها أن قال له بصوته الأبوي الحنون :
☆_ طلال يا بني ، إنت البذرة إللى أنا زرعتها و سقيتها من حبي و تعبي سنين ، يمكن متفهمش كلامي بس لما تكبر عايزك تعامل الناس بأحسن طريقة و إنت هتشوف حبهم و احترامهم ليك بيزيد مع الأيام ، و بعدها مش هتلاقي منهم غير كل خير☆
انتشر السرور على محياه و تغلغه مدغدغًا حواسه، و نجم عن كل هذا بسمة مرتاحة رغم صغرها ، و غمغم بين خبايا عقله بحنين متضاعف :
_ ألف رحمة و نور تنزل عليك يا بابا ، كنت ليا و نعم الأب.
استراب "فراس" من طول الصمت المقابل له من الطرف الآخر ، ليقول و قد تفشى فيه شئ من القلق :
_ ألو! طلال ، سكت ليه؟ أرجوك متقلقنيش أكتر.
لم تخبو عن شفتيه بسمته حين أخبره موضحًا له :
_ سرحت شوية ، و يا سيدي متقلقش ، أنا على الطريق أهو!
ضيق "طلال" أنظاره على جهاز نظام التموضع العالمي ال "GBS" أمامه ثم ألقى نظرة على عداد السرعة ، و أكمل قائلاً بقليلٍ من حس الفكاهة و عيونه تشع إرهاقًا :
_ مفضلة غير القليل و أوصل ، يمكن آجى على وش الفجر على السواقة دي ، فلو مش هتقدر تستنى روح.
_ لأ ، مش ماشي ، هستناك.
هز "طلال" رأسه موافقًا و قرر إنهاء المكالمة ، و بشكل مباغت عقد حاجبيه و ساورته الشكوك و تلاعبت بعقله الظنون إثر إقدام سيارة رباعية الدفع مكشوفة السقف و فيها مجموعة من الشباب السكارى و يتمايلون بأياديهم فى الهواء بحركات جنونية بحتة ، مهللين بأصواتهم التى غطت على ضجيج الأغنية التى يشغلونها ذات الترددات العالية و الإيقاع الشعبي الذى جعل من معدته تضطرب و من صدره يتحشرج .
سدو عليه الطريق بسايرتهم الفاخرة و التى تتنافي مع تصرفاتهم البربرية ، ليقفزو منها واحداً يتبعه البقية.
هيئاتهم المنفرة خير دليل على أنهم من قطاع الطرق أو المتسكعين فى مثل هذا المكان الخالي من البشر و الساكن من الحركة .
و حين تمعن فى مظاهرهم رجح أنهم مجرد شباب غنى تافه يشغل وقت فراغه الدائم بهذا الهراء الذى يفعلونه و الذى أبداً لا يرضى الله و لا حتى عباده.
باغته أحدهم بضربات متوالية على مقدمة السيارة ، و صاح بثمالةٍ يجر الحروف جراً :
_ إنزل من العربية.
ظل "طلال" محدقًا بهم بنظراتٍ ناقمة حادة كحد السيف متأففًا ، و حافظ على ثباته و هدوءه ببراعة يحسد عليها ، مائلاً للأمام قليلاً ليقترب من الهاتف المثبت على الحامل الخاص به ، مردفًا بخفوتٍ غير راضٍ :
_ فراس! خليك معايا على الخط ، شكلى للأسف هحتاج مساعدتك .
لو أحضر معه فردين من الأمن على الأقل لما تعرض لهذا الموقف السخيف ... عفولاً الخطير!
هو يكره أن يضع نفسه فى تلك المواقف المحرجة و أن يكون لأول مرة مخطئًا فى قراره المتهور .
أخرج "ثانيهم" مطواة حادة كبادرة لتهديده متأرجحًا فى وقفته فى كل الإتجاهات نتيجة غوصه فى غمرة سكره تزامنًا مع قوله الثقيل :
_ مسمعتش قالك إيه؟! إنت أطرش يلا! إنزل أحسن ما نعلم عليك!
ضغط "طلال" على أسنانه نافثًا كلماته كنيران التنين :
_ بقى أنا طلال باشا واحد مهزأ زي ده يقولى يلا و يكلمنى بالطريقة دي! بس أقول إيه ! للأسف أنا السبب كنت جبتلي حارسين على الأقل !
تجرع "ثالثهم" رشفاتٍ كبيرة من زجاجة الخمر بطريقة غير آدمية ، و مشى إليه ، لينقر بظهر أصابعه على زجاج النافذة الأمامي ، آمراً بفظاظة و خشونة :
_ إنزل بالحسنى ، و إلا هتخلينا نتصرف معاك بشكل مش لطيف .
تنهد "طلال" زافراً بقوة و غضب عظيم ، ممعنًا فى أشكالهم الغير مهندمة .
و يا عجباه! فثيابهم توحى بمدى غناهم الفاحش عوضًا على سيارتهم الفارهة ، كل هذا يتناقض مع طريقة كلامهم السوقية و تصرفاتهم الغير أخلاقية و حتى مخارج ألفاظهم متدنية للغاية ، فأدرك أن الحل الأسلم هو الإنصياع مؤقتًا لأوامرهم الكريهة و الغير مقبولة من قبله.
سينفذ رغباتهم حتى إشعار آخر ، اهتم "طلال" جيداً بإخفاء هاتفه اللوحى فى جيب سترته الداخلى و أيضًا بطاقة تحقيق الشخصية وضعها معه ، ليخرج إليهم أعزلاً يحترق على فحم غضبه بالطئ.
......................................................
أشار له "رابعهم" بسبابته ليقف بعيداً ، ثم قال بغلظة تنقط من عيناه المحتدتين و نبرته شديدة الخشونة :
_ خدلك ساتر ، خلينا نشوف شغلنا!
عملهم؟! و ما عملهم الذين سيفعلوه بسيارته ، ماذا يريدون منه تحديدا؟!
هكذا فكر "طلال" فى عقله ، و حاول جاهداً أن يحكم قيود غضبه الكمين ، و تنحى بعيداً كما أُمِرَ ،
سامحًا لهم بتفقد السيارة و العبث فيها كيفما يشاؤون.
و بما معهم من أسلحة بيضاء متعددة الأشكال و الأحجام مزقوا مقاعد السيارة مخرجين حشواتها ،
من الواضح أنهم بصدد البحث عن شئ ما ، شئ ليس جيداً أبداً ، و الأسوء أن هذا الشئ المطلوب ليس بحوزته .
...............................................
عودة مرة أخرى إلى منزل فداء
تركوها كلهم كى ترتاح بعدما تجرعت كل أدويتها اللازمة فى حالتها تلك ، و آخرهم "إيناس" التى أغلقت الباببرفقٍ و سارت وارءهم حتى غرفة الجلوس ، و شاركتهم أحاديثهم المتنوعة ، فمرة يضحكون و هم يسمعون منها ما فعلته ابنة عمها و طيشها ، و مرة يتحدثون برزانةٍ حتى تطور حدثهم و تشعب إلى جملة "غيث" المتخذة طابع الغموض مؤخراً :
_ تعرف يا عرفه إيه حصل النهاردة فى مدرستك؟! بيقولوا فى تور هايج دخلها و هجم على الأستاذ بتعك و كان هينطحو لولا الطلاب خبطو على حديد الطرابزون و خلوه يسيبوا!
تغلغل الإرتباك إلى كل خليه فيه و نفى بنبرة متلعثمة :
_ أ .. أبداً ، و أ و أنا هعرف إزاي ؟! إنتَ مانعنى أروح المدرسة قبل موعد الدراسة.
نظر له "غيث" بمكر الثعالب و هو يقول بتلميح بين :
_ أه ، ما أنا عارف و إنت طبعًا مش هتكسرلي كلمة!
بلغ إرتباكه حدوده القصوى و هو يستشعر الإتهام الخفى فى نبرة ابيه ، فإزداد تلعثمه عندما رد ب :
_ ط .. طبعًا يا بابا .
و كنوعٍ من التطوع قررت "إيناس" أن تنقذ أخيها من مأذقه فتدخلت بقولها الذى ظهر فيه الإهتمام جليًا :
_ بابا ! خلاص النتيجة على وشك تظهر ، يا ترى لسة على وعدك ليا و هتشغلني؟!
و بالفعل جنت كلماتها ثمارها فقد تحول تركيز "غيث" ناحيتها ناطقًا بسخطٍ و ملل :
_ هو إنتي مش هتبطلي تزنى عليا فى الموضوع ده ؟! مش قولت موافق أما النتيجة تظهر؟! هو لعب عيال و لا إيه عشان أرجع عن قراري؟!
عضت "إيناس" صدغها من الداخل تمنع ابتسامتها المنتصرة فمخططها يسير كما أرادت و بحذافيره ، فتراجعت فى جملتها المطيعة ذات النبرات الخافتة :
_ أنا بس كنت بشوف فاكر واعدك ليا و لا لأ ، بس الحمد لله طلعت فاكر ، و خلاص مش هصدع دماغك تاني.
يا لها من أختٍ ماكرة ! استطاعت أن تدير دفعة الحديث بطريقة تجعله يخرس تمامًا و لا يستطيع الإعتراض على عملها الذى يضايقه.
كانت تلك مجمل أفكار "عرفه" المغتاظ منها فإن تدخل سيلفت الأنظار إليه من جديد و سيجعل والده يحاصره بالأسئلة ..... سيصمت الآن حتى ينجو من هذا المأزق ثم بعدها سيعترض كيفما يشاء.
و من هنا حدثها عمها "فداء" بنبرته الحنونة المهتمة :
_ عايزة تشتغلي إيه يا حبيبتي؟!
إلتفتت إليه لتشبك أصابعها معًا و تجيبه بلا تفكير فهى قد حددت أهدافها منذ زمن :
_ عايزة اشتغل مهندسة فى مجال التشييد و البناء.
غزت علامات الفهم و الإدراك ملامحه و هو يسألها موقنًا من الإجابة :
_ أه ، المهندسين الجيولوجيين دول اللى بيدرسوا الأرض قبل ما يتم البناء؟
ارتاحت لأن عمها يهتم بأمرها بشأن العمل أكثر من والدها و سريعًا ما قالت متحمسة :
_ أيوة يا عمو ، طلعت مركز معايا و عارف هتشتغل فى إيه.
ابتسم "فداء" فى مقابلتها ، ليردف بكلٍ تواطفه الثرية :
_ لو مكنتش هركز معاكي إنتى و عرفه و تغريد الأشقيا هركز مع مين؟
و بحبٍ خالص عقبت "إيناس" بعينان دامعتان تأثراً :
_ ربنا يديمك لينا يا عمو.
_ و يبارك فى عمرك يا حبية قلب عمو.
اتت لهم "فريال" بصحبة "صفية" تحمل كلاً منهما صينية إحداهما للمشروبات و إحداهما للحلوى و التى يستمتعون بمذاقها أثناء أحاديثهم المشوقة.
و استمر بهما الحديث فى شؤون أخرى مختلفة ، حتى إذا ما جاء موعد الرحيل ودعت "إيناس" عمها و زوجته و ابنته ، لتغادر بصحبة والديها و أخوها ، و هى تتأبط ذراع والدها الذى ضمهما فى سيرهما.
..................................
طريق القاهرة _ اسكندرية الصحراوي
قلبوا فى جميع الأغراض ، مخربين كل ما تطال أياديهم ، بحثوا فى الأرضية و فى الكابينة و فى صندوق السيارة بلا فائدة يحصدونها من بحثهم الدؤوب و إنما فقط يخلفوا وراءهم حطامًا يعقبه حطام ، لم يدعوا فى السيارة موطأ قدم إلا و قلبوه رأسًا على عقب ، فتبدلت معالم السيارة لمعالم أخرى أكثر فوضوية عن سابقتها.
دلك "طلال" خلفية رأسه من تفاقم عناءه إضافة إلى وقوفه عاقد الحاجبين لا يملك حيلة غير المشاهدة الصامتة ، فالأمر ليس هينًا على الإطلاق ، يبدون خطرين و مؤذيين لأقصى حد ممكن ، و لهذا يتمسك برزانة و تعقل أفعاله حتى لا يقدم على فعل بنتهى بوخائم العواقب ، و التى تتضمن الموت على أقصى تقدير أو الحصول على إصابات يجهل مدى خطورتها ، فلم يعترض على بربريتهم و لو بالكلام خشية أن يتهوروا عليه و لا يستبعد أن يطعنوه بما فى حوزتهم من أسلحة مسنونة حادة.
أولج أنامله فى جيب سترته مخرجًا هاتفه بحذر ليستأنف مكالمته التى لازالت جارية :
_ فراس! إنت معايا؟!
تلهف "فراس" بقوله المتسائل مقلبًا بين صفحات دفتر أرقام الهواتف عن رقمٍ معين :
_ أه معاك ، إيه الأصوات اللى عندك دي؟
أمال "طلال" رأسه للأسفل يطالع الإسفلت المستوى قائلاً فى خفوتٍ يتداخلها نبرة حذرة :
_ أكيد سمعت كل حاجة.
كان الرد شديد السرعة من قبل "فراس" المستغرب بقلقٍ :
_ أيوة سمعت ، حرامية دول و لا إيه؟!
رمى إليهم "طلال" نظرة قصيرة من عينيه المتأججتين بوهج غضبه الساحق ، عكس ملامحه المنبسطة بهدوء فريد لائق به ، ريثما يجيب عليه بنبرة تحليلية :
_ لأ ، معتقدش ، شكلهم بيقول إنهم أغنيا جدا ، بلغ البوليس و أنا هحاول اتعامل معاهم .
أتاه صوت "فراس" على الهاتف :
_ تمام ، أنا بدور على رقم الظابط ده اللى إسمه سفيان.
استحسن "طلال" فعله السليم ، فأكمل مردفًا :
_ بس أوعى..........
و يا لحظه العثر ! لم يستطع أن يكمل تلك الجملة ، و قد تم سحب الهاتف من على أذنه ثم من بين أنامله ، ليلقى بعدها صوتًا متأرجًا ما بين خوفٍ و غضب و لا سيما السخرية السمجة :
_ بتكلم مين يا بابا؟!
قابل "طلال" النظرات الشيطانية المنبعثة من عيون هذا الذى أمسك به كالمتلبس و تاهت الكلمات من على لسانه و تبعثرت حروفه و هو يحدق به مشدوهًا ، و ليت له من نجدةٍ تنتشله من غياهب شرهم!
