رواية عوف الانتقام الفصل الثاني عشر 12 بقلم الهام رفعت
((الفصــل الثاني عشر))
بكت "سوار" أمام والدتها وهي تتوسل بعدم العودة للمنزل، حيث جمعت السيدة "راجية" أغراضها هي وابنتها مستعدة للرحيل ولم تستمع حتى لحديث السيدة "حوراء"، في تلك الاثناء عاد "أسيد" من الخارج صاعدًا الدرج بكل خفة ليرى ماذا؟...
ولج بعدما استأذن غرفة السيدة مستفهمًا بترقب:
-ما الذي يحدث هنا؟
رأته "سوار" فتحركت نحوه وهي تبكي لتستجديه:
-أمي سترحل، أخبرها ألا تفعل!
انزعج "أسيد" من رؤيتها تنتحب بهذا الشكل، عفويًا مسد على رأسها بلطف قائلاً بإصرار:
-لا لن يحدث ذلك، لا تبكي فقط
ثم وجه بصره للسيدة "راجية" متابعًا بهوادة:
-من فضلك ظلي معنا، لقد تحدثنا أنك ستمكثين معنا فترة بسيطة، لما تراجعت الآن؟، رجوعك لمنزلك في هذا التوقيت خطر عليك!!
تكهنت "سوار" بشغف أن تمتثل والدتها له، فكرت السيدة "راجية" في نفسها بفطنة لتجد بعودتها أن هذا اللعين ربما سينتقم منها، كما أنها تجد النفور من والده، تحيرت كثيرًا لترد أخيرًا بموافقة:
-حسنًا، سأظل فترة قليلة، من أجل "سوار" فقط
ركضت "سوار" نحوها لتحتضنها بقوة، ربتت الأخيرة على ظهرها قائلة بحنوٍ:
-كُفي عن البكاء عزيزتي لن أرحل
ابتسمت "سوار" بفرحة كالأطفال أسعدت "أسيد" وهو يتطلع عليها، انتبهت والدته لنظراته نحوها لتحتار في أمره، لم تتحدث معه عن سر زواجه من أخت زوجته التي يعشقها، لم تجد الجواب لتنتظر القادم من تلك العلاقة........!!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
انتبهت لرنين هاتفه المتواصل على الكومود ثم بحذر اقتربت منه لترى من؟، ترددت "دانة" كثيرًا في إمساكه والتطفل على ما يخصه، اذعنت أخيرًا لفضولها السافر ثم التقط الهاتف لتجد هوية فتاة على شاشته، زوت بين حاجبيها ممتعضة ثم فكرت في تدوين هاتفه عندها، ربما تذيقه من مقالبها ذات يوم فابتسمت بمكر، دونته سريعًا ثم سرعان ما وضعته مرتبكة حين انتبهت لعودته من الخارج، لكن رآها "معاذ" وهي تمسك به فاستشف أنها كانت تتجسس عليه، تحرك نحوها وهو يحدقها بدجنة البكتها أكثر، وقف في مقابلها قائلاً بخبث:
-لما تتطلعي على ما يخصني؟!
رسمت الثبات لترد باحتجاج مدافعة عن نفسها:
-وما شأني بأشيائك، كنت فقط أرى هاتفك ويا له من قديم!، ربما تحتاج لآخر أحدث منه
بدا في تلميحها هذا التقليل منه مقارنةً بها، ابتسم في تهكم ثم مد يده ليجلبه، رد بعدم اكتراث وهو يتحرك مبتعدًا عنها:
-يعجبني، ليس لك شأن
ثم بدأ في تفحصه لينصدم من وجود العديد من المكالمات الواردة من أخته، تساءل متحيرًا ماذا حدث؟ فكان معها ولم تخبره بشيء فراقبته "دانة" بحذر لتعرف ماذا حدث ليبدو عليه الاهتمام؟، دلف "معاذ" للخارج دون النظر إليها فاغتاظت ثم غمغمت بضيق:
-خادم!
تحركت هي لتبدل ثيابها فوجدت هاتفها يبعث لها برسالة ما فذهبت لتتفقدها، قرأت "دانة" ما دون فيها فاستحوذ عليها قلق ما ممتزج بتخوف من عواقب ما يطلبه منها الأخير بأنه تشوق لرؤياها ويريدها أن تأتي إليه في شقتهما السابقة للتحدث معًا، ازدردت "دانة" ريقها باعتياصٍ متحيرة في ردها عليه، لكن بداخلها اشتاقت هي الأخرى لوجودها معه، ابتسمت ليرسم شيطانيها لقاءًا يجمعهما معطر بورود المحبة في مخيلتها الرعناء، بنزق ردت بتلهف أظهرته لتعلن موافقتها الفورية، لم يندهش "حاتم" الذي يجلس على الناحية الأخرى ينتظر أن ترى رسالته، ابتسم باستهزاء من سذاجتها ليبعث لها بموعد ذاك اللقاء الوخيم، مرفق بكلمة حفزتها أكثر للمجيء:
-اشتاقت لكِ كثيرًا حبيبتي!
تهللت "دانة" بصورة ظاهرة وكادت أن ترقص موضعها، کتبت له بعشق:
-أنا أكثر حبيبي
أنهى معها الحديث فذهبت هي لتحضر نفسها لرؤيته لتضحى متهورة ينقصها الكثير من التفكير العقلاني في موازنة الأمور........!!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
جلست مربعة قدميها على الأريكة وبعض من مذكراتها حولها وأخرى تحملها بيدها ومندمجة بشدة في الاستذكار، حتى لم تنتبه لـ "أسيد" الذي جاء ثم دلف للمرحاض ليبدل ثيابه، أو بالأحرى تعمدت تجاهله وفقط اهتمت بدراستها فامتحانات نهاية العام على الأبواب، زفر "أسيد" بضيق وهو ينتصف الغرفة ويتطلع عليها بإعجاب، ندم في ما قاله لها لبعض الوقت ثم تراجع ليجد بأنه الصواب ليلوم نفسه على تناسيه زوجته وحبيبته بتلك السرعة، تنفس بإطراق ثم بخطواتٍ هادئة تحرك نحوها ليسألها مبتسمًا بزيف:
-ماذا تفعلين؟
خطفت نظرة له لتعاود النظر لكتابها قائلة باقتضاب:
-أذاكر!
تردد "أسيد" في التكملة لكنه قال بتوتر:
-كنت أريد التحدث معكِ قليلاً!
نظرت له لتسأل بجبين معقود:
-في ماذا، هل يوجد بيننا ما سنتحدث عنه؟
زاد توتر "أسيد" من تقفيلها جميع الابواب لوجود تودد بينهما، رد بامتعاض داخلي:
-لا يوجد، أعتذر منك!
لم تبالي به لتكمل مذاكرتها فحدق فيها بتجهم، تنهد بعُمقٍ وهو ينفجر بداخله من سماجتها في ردها عليه، لمح كوب القهوة على الأريكة أمامها فردد بعقلانية:
-القهوة ليست جيدة وأنتِ بهذا السن!
انتبهت "سوار" الآن بأن الخادمة قد جلبتها وهو بالمرحاض، قال متذكرة:
-أنا لا اشربها، ظننت الخادمة جلبتها لك
هز رأسه بتفهم ليجد نفسه بحاجة إليها بالفعل، انحنى بجزعه ليمسك بالكوب ثم تحرك ليجلس على المقعد المواجه للشرفة فتعقبته "سوار" بمكر بطرف عينيها، جلس "أسيد" يرتشف القهوة بمزاجٍ حاضر ولم يشيح نظراته من عليها ليفوح الإبهام فيهن، كانت "سوار" مرتبكة وهي جالسة مدركة مراقبته لها ولهذا تلاشى تركيزها عن السابق، أخرجها هو من حالتها تلك متسائلاً بمغزي:
-هل تحبين السفر سوار؟!.........
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
وضع والدته بإحدى المشافي لمتابعة حالتها التي تدهورت، لم يذق "معاذ" طعم النوم أو الراحة منذ جاء بها لتمر عليه الساعات ولم ينتبه بأنه اليوم التالي حيث غلبه الوسن ليغفو موضعه على أريكة المشفى الصلبة، تيقظ من نومته على صوت الممرضة تخاطبه بروتينية:
-من فضلك
نظر لها "معاذ" باندهاش فكيف غفا فجأة؟، تابعت بنفس نبرتها:
-السيدة تحتاج لنوع من الدواء غير متواجد هنا، ارجو جلبه في الحال!
وجد نفسه يحرك رأسه بطاعة لينهض بتقاعس ثم سألها باهتمام:
-كيف حالها الآن؟
-كما هي، وضعها ليس بجيد وربما تحتاج لعملية ما، ظل هنا فهي تحتاج لأدوية غير موجودة!
اكترب "معاذ" كثيرًا ثم أخفض رأسه بحزن ليتحرك نحو الخارج ليجلب الدواء، صدح هاتفه فأخرجه ليرد بكمد جم:
-ماذا "سحر"؟
ردت مستفهمة باغتمام:
-كيف حال أمي الآن؟
لم يُرد "معاذ" أن يقلقها لذا رد بتعقل:
-الحمد لله بخير، فقط اهتمي بأخوتك وأنا هنا معها
اقترحت بتلهف:
-هل آتي لأكون بجانبك؟
رد بحزمٍ وهو يسرع بخطواته للخارج:
-قلت لكِ ظلي مع إخوتك ولا تتركيهم مهما حدث، أنا هنا ولن أتركها حتى تتحسن حالتها ........!!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
اعتزمت الترفيه عن نفسها في يوم عطلتها ولهذا امتطت جواد المرة السابقة، تعمقت "سوار" به شيئًا فشيء داخل المزرعة ليركض الجواد على الطريق بين الأشجار الطويلة، تسلل لداخل رئتيها رائحة الهواء المنعش فذاك الجو مُغاير لتلك المنطقة التي تربّت فيها، اخترق لحظتها السابحة في بحر الانتعاش صوت سمعته قبل مرة يردد مناديًا علیها:
-آنسة "سوار"
التفتت "سوار" للصوت حين جعلت الجواد يغيّر مساره باتجاه الشخص، أسرع "بسام" بجواده ليبلغها فاستغربت "سوار" من تذكره لها، انحرجت قليلاً ثم توقفت موضعها منتظرة إياه، دنا منها مبتسمًا ببشاشة قائلاً:
-الآن فقط عرفت لما أرى اليوم جميل
ابتسمت بخجل واحمرت وجنتيها، ردت برقة:
-أشكرك
ردد بمعنى وهو يقف أمامها وعينيه تجوب قسماتها الجذابة:
-المرة القادمة لم تسنح لي الفرصة للتحدث معكِ
تذكرت "سوار" تحفّظ "أسيد" حينها لتتفهم، سألته بحرج:
-هل كنت تريد التحدث معي في شيء؟
-أشياء!
رد عليها بطريقة اربكتها فسألته:
-وماذا تريد؟
رد بجراءة ونظرات أخجلتها:
-منذ رؤيتي لك أول مرة ولقد شغلتي فكري، طباعك بريئة بعكس من يعيشوا هنا
عضت على شفتيها بقوة فابتسم لنعومتها، تابع بنماقة:
-أنا طبيب وأنتِ؟
ردت بعفوية:
-ما زلت بالسنة الأخيرة من الثانوية العامة!
ظهرت بسمة خفيفة على ثغره غير مفهومة، هي صغيرة كالقطة الأليفة وسط عالم الوحوش وها هي تستلم مكان أختها البائسة التي كان يقسو زوجها عليها ولا يعلم السبب سوى أنه يحبها، تنهد ليرد بجدية:
-أنت مثل "مهيرة" ولكنك أكثر، أحيانًا أشفق عليها فـ "أسيد" عصبي جدًا!
ذُهلت "سوار" من حديثه الغامض فهي تعلم مدى حب "أسيد" العظيم لأختها وتفضيله لها فما الذي هذي به هذا الرجل، ردت باعتراض:
-"أسيد" يعشق "مهيرة"
رد بإنكار:
-أنا لم أقل أنه يكرهها، "أسيد" متملك إلى حدٍ ما ويغار.....
ألجم لسانه عن التكملة حين صرخ فيهما، انفزع كلاهما ثم نظرا له بدهشة، بهيئته الغاضبة تحرك "أسيد" نحوهما سيرًا على قدميه بعدما تخلى عن سيارته فور رؤيته لهما، خشي "بسام" الدخول معه في عراكٍ سينتهي حتمًا بتحقير هيبته لذا بدا هادئًا، على النقيض "سوار" التي انتظرت أن تفهم لما ينزعج هكذا، هتف "أسيد" بحدة وهو يسحبها بقسوة لتترجل من على الجواد لكن كرها:
-تعالي معي
لم يعطي "بسام" أهمية كأنه لم يره ثم أنزلها رغمًا عنها لتتذمر مرددة:
-"أسيد"، ماذا تفعل؟
هيهات من حديثها العائب فقد سحبها بيد والأخرى بلجام الجواد ليتحرك بهما بخطوات طائشة، كانت نظرات "بسام" المشفقة عليها حتى ابتعدت، قال وهو يهم بالرحيل:
-لقد صدمني خبر زواجه منكِ، فلتستعدي لتجدي الكثير من صفاته الحازمة............!!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
اتسعت بسمته الماكرة حين فتح باب شقته ليجدها أمامه بأناقتها المعتادة، مرر "حاتم" انظاره المباحة على ما ترتديه بنظرات جعلتها تسعد بالأكيد فهي تتمنى حبه لها، بوقاحة منه قام بسحبها من يدها لتلج الشقة ثم اوصد الباب، تجولت "دانة" بأنظارها على محتويات عش زوجيتها السابق باشتياق، من خلفها قام "حاتم" بلف ذراعيها حولها فتوترت، لقلة خبرتها في أمور الدين تركته، همس بالقُرب من اذنها ببذائة:
-هل لمسك هذا الخادم؟
فاحت رائحة الخمر من فمه كالمعتاد لتتأفف في نفسها، لكنها نفت هازة رأسها:
-لم استطع أن أجعل شخص غيرك يلمسني!
سخر في نفسه ليستغل قلة خبرتها قائلاً بمكر:
-هل اشتقت لبيتكِ؟
ابتسمت باستحياء لتعلن توقها مرددة:
-كثيرًا!
-إذن متى ستعودين إليّ عزيزتي؟
سأل مدعي الحزن، جاوبت حين تملصت من تطويقه لها الذي اربكها قائلة:
-لن اجعله يقترب مني، سأقول أنه تم لأتخلص عاجلاً منه
جذبها ثانية من يدها ليتعمق بها نحو الداخل قائلاً:
-جلبت لكِ هدية بغرفة نومنا، هيا لتريها!
هنا اضطربت "دانة" لتتيبس موضعها رافضة، قام عقلها هنا بوظيفته لتحتج:
-لا يجوز، اريني إياها هنا
بدجنةٍ جمة تصلبت نظراته الماكرة عليها، اقترب منها قائلاً بمخادعة:
-ولما لا؟، أنا حبيبك وسوف تعودي إليّ، أما هو فلا!
ثم بسفاهة وضع يده على عنقها فطاشت "دانة" بفكرها المحدود في القبول، تابع هو مبتسمًا بخبث:
-فقط ستري هديتك!!
وافقت على غير رغبة كي لا يتضايق منها فهي يهمها أمره عن الآخر، مرة أخرى امسك بيدها ليلج بها غرفة النوم وهي ما زالت متوجسة من تلك الخطوة.....
بالداخل أخرج هديته لها فمدت يدها لتتناولها، لكنه أبعدها قائلاً بمساومة رخيصة:
-قبليني أولاً
انعقد جبينها بانزعاج لتهتف:
-هل جننت؟، أنا متزوجة من غيرك، وأنت لا حق لك عندي لأفعل ذلك!
تجاهل "حاتم" حديثها الفضيل قائلاً بعدم اكتراث وهو يقترب ليقبلها باستباحة:
-ما هذا الهراء، أنت تحبينني أنا
دفعته "دانة" للخلف فهو ثمل، رفضت بشدة:
-لا تقترب مني
استخدم قوته في التملك منها فتملصت لتردعه لتدرك بأنه كان يستغل حضورها ويحلل ما حرم الله، رسم له ضميره الدنيء أن ذلك لا غبار عليه، ارتعبت "دانة" ثم شحذت قواها لتبعده حتى استطاعت ليتراجع عدة خطوات نتيجة ثمالته التي ظهرت عليه، بادرت بالركض نحو الخارج ثم حانت اللحظة لتفتح الباب، لكنها وجدته موصود بالمفتاح فتعثر عليها الهرب، استدارت بجسدها مذعورة فوجدته يبتسم بثمالة وهو يستند بكتفه على الباب، ردد بوقاحة:
-لا مفر اليوم لكِ عزيزتي، أعرف أنك تريديني، هيا اقتربي
-أيها الحقير، كيف تفعل ذلك بي؟، عليك اللعنة ليوم الدين
عنفته بقساوة فضحك ساخرًا ليهتف:
-هل بديت لك الآن إبليس؟، هيا حبيبتي هيا!
ثم بتقاعس تحرك نحوها فكزت على اسنانها بقوة مزعوجة مما يفعله معها، وجدت "دانة" أنها تساهلت معه وتحيرت في كيفية الخروج من هذه المعضلة، توارت خلف الأريكة لتحتمي بها ثم انتبهت لحقيبة يدها الصغيرة والتي تحوي هاتفها الجوال، طرأت فكرة محنكة على ذهنها لتعجل بتنفيذها، سريعًا قامت بتشغيله لتهاتف أخيها فوجدته مشغولاً، زفرت بضيق لتجد رقم "معاذ" أمامها لذا بدون تفكير في العواقب، رددت باستغاثة:
- "معاذ"، تعالى انقذني!! .........
بكت "سوار" أمام والدتها وهي تتوسل بعدم العودة للمنزل، حيث جمعت السيدة "راجية" أغراضها هي وابنتها مستعدة للرحيل ولم تستمع حتى لحديث السيدة "حوراء"، في تلك الاثناء عاد "أسيد" من الخارج صاعدًا الدرج بكل خفة ليرى ماذا؟...
ولج بعدما استأذن غرفة السيدة مستفهمًا بترقب:
-ما الذي يحدث هنا؟
رأته "سوار" فتحركت نحوه وهي تبكي لتستجديه:
-أمي سترحل، أخبرها ألا تفعل!
انزعج "أسيد" من رؤيتها تنتحب بهذا الشكل، عفويًا مسد على رأسها بلطف قائلاً بإصرار:
-لا لن يحدث ذلك، لا تبكي فقط
ثم وجه بصره للسيدة "راجية" متابعًا بهوادة:
-من فضلك ظلي معنا، لقد تحدثنا أنك ستمكثين معنا فترة بسيطة، لما تراجعت الآن؟، رجوعك لمنزلك في هذا التوقيت خطر عليك!!
تكهنت "سوار" بشغف أن تمتثل والدتها له، فكرت السيدة "راجية" في نفسها بفطنة لتجد بعودتها أن هذا اللعين ربما سينتقم منها، كما أنها تجد النفور من والده، تحيرت كثيرًا لترد أخيرًا بموافقة:
-حسنًا، سأظل فترة قليلة، من أجل "سوار" فقط
ركضت "سوار" نحوها لتحتضنها بقوة، ربتت الأخيرة على ظهرها قائلة بحنوٍ:
-كُفي عن البكاء عزيزتي لن أرحل
ابتسمت "سوار" بفرحة كالأطفال أسعدت "أسيد" وهو يتطلع عليها، انتبهت والدته لنظراته نحوها لتحتار في أمره، لم تتحدث معه عن سر زواجه من أخت زوجته التي يعشقها، لم تجد الجواب لتنتظر القادم من تلك العلاقة........!!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
انتبهت لرنين هاتفه المتواصل على الكومود ثم بحذر اقتربت منه لترى من؟، ترددت "دانة" كثيرًا في إمساكه والتطفل على ما يخصه، اذعنت أخيرًا لفضولها السافر ثم التقط الهاتف لتجد هوية فتاة على شاشته، زوت بين حاجبيها ممتعضة ثم فكرت في تدوين هاتفه عندها، ربما تذيقه من مقالبها ذات يوم فابتسمت بمكر، دونته سريعًا ثم سرعان ما وضعته مرتبكة حين انتبهت لعودته من الخارج، لكن رآها "معاذ" وهي تمسك به فاستشف أنها كانت تتجسس عليه، تحرك نحوها وهو يحدقها بدجنة البكتها أكثر، وقف في مقابلها قائلاً بخبث:
-لما تتطلعي على ما يخصني؟!
رسمت الثبات لترد باحتجاج مدافعة عن نفسها:
-وما شأني بأشيائك، كنت فقط أرى هاتفك ويا له من قديم!، ربما تحتاج لآخر أحدث منه
بدا في تلميحها هذا التقليل منه مقارنةً بها، ابتسم في تهكم ثم مد يده ليجلبه، رد بعدم اكتراث وهو يتحرك مبتعدًا عنها:
-يعجبني، ليس لك شأن
ثم بدأ في تفحصه لينصدم من وجود العديد من المكالمات الواردة من أخته، تساءل متحيرًا ماذا حدث؟ فكان معها ولم تخبره بشيء فراقبته "دانة" بحذر لتعرف ماذا حدث ليبدو عليه الاهتمام؟، دلف "معاذ" للخارج دون النظر إليها فاغتاظت ثم غمغمت بضيق:
-خادم!
تحركت هي لتبدل ثيابها فوجدت هاتفها يبعث لها برسالة ما فذهبت لتتفقدها، قرأت "دانة" ما دون فيها فاستحوذ عليها قلق ما ممتزج بتخوف من عواقب ما يطلبه منها الأخير بأنه تشوق لرؤياها ويريدها أن تأتي إليه في شقتهما السابقة للتحدث معًا، ازدردت "دانة" ريقها باعتياصٍ متحيرة في ردها عليه، لكن بداخلها اشتاقت هي الأخرى لوجودها معه، ابتسمت ليرسم شيطانيها لقاءًا يجمعهما معطر بورود المحبة في مخيلتها الرعناء، بنزق ردت بتلهف أظهرته لتعلن موافقتها الفورية، لم يندهش "حاتم" الذي يجلس على الناحية الأخرى ينتظر أن ترى رسالته، ابتسم باستهزاء من سذاجتها ليبعث لها بموعد ذاك اللقاء الوخيم، مرفق بكلمة حفزتها أكثر للمجيء:
-اشتاقت لكِ كثيرًا حبيبتي!
تهللت "دانة" بصورة ظاهرة وكادت أن ترقص موضعها، کتبت له بعشق:
-أنا أكثر حبيبي
أنهى معها الحديث فذهبت هي لتحضر نفسها لرؤيته لتضحى متهورة ينقصها الكثير من التفكير العقلاني في موازنة الأمور........!!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
جلست مربعة قدميها على الأريكة وبعض من مذكراتها حولها وأخرى تحملها بيدها ومندمجة بشدة في الاستذكار، حتى لم تنتبه لـ "أسيد" الذي جاء ثم دلف للمرحاض ليبدل ثيابه، أو بالأحرى تعمدت تجاهله وفقط اهتمت بدراستها فامتحانات نهاية العام على الأبواب، زفر "أسيد" بضيق وهو ينتصف الغرفة ويتطلع عليها بإعجاب، ندم في ما قاله لها لبعض الوقت ثم تراجع ليجد بأنه الصواب ليلوم نفسه على تناسيه زوجته وحبيبته بتلك السرعة، تنفس بإطراق ثم بخطواتٍ هادئة تحرك نحوها ليسألها مبتسمًا بزيف:
-ماذا تفعلين؟
خطفت نظرة له لتعاود النظر لكتابها قائلة باقتضاب:
-أذاكر!
تردد "أسيد" في التكملة لكنه قال بتوتر:
-كنت أريد التحدث معكِ قليلاً!
نظرت له لتسأل بجبين معقود:
-في ماذا، هل يوجد بيننا ما سنتحدث عنه؟
زاد توتر "أسيد" من تقفيلها جميع الابواب لوجود تودد بينهما، رد بامتعاض داخلي:
-لا يوجد، أعتذر منك!
لم تبالي به لتكمل مذاكرتها فحدق فيها بتجهم، تنهد بعُمقٍ وهو ينفجر بداخله من سماجتها في ردها عليه، لمح كوب القهوة على الأريكة أمامها فردد بعقلانية:
-القهوة ليست جيدة وأنتِ بهذا السن!
انتبهت "سوار" الآن بأن الخادمة قد جلبتها وهو بالمرحاض، قال متذكرة:
-أنا لا اشربها، ظننت الخادمة جلبتها لك
هز رأسه بتفهم ليجد نفسه بحاجة إليها بالفعل، انحنى بجزعه ليمسك بالكوب ثم تحرك ليجلس على المقعد المواجه للشرفة فتعقبته "سوار" بمكر بطرف عينيها، جلس "أسيد" يرتشف القهوة بمزاجٍ حاضر ولم يشيح نظراته من عليها ليفوح الإبهام فيهن، كانت "سوار" مرتبكة وهي جالسة مدركة مراقبته لها ولهذا تلاشى تركيزها عن السابق، أخرجها هو من حالتها تلك متسائلاً بمغزي:
-هل تحبين السفر سوار؟!.........
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
وضع والدته بإحدى المشافي لمتابعة حالتها التي تدهورت، لم يذق "معاذ" طعم النوم أو الراحة منذ جاء بها لتمر عليه الساعات ولم ينتبه بأنه اليوم التالي حيث غلبه الوسن ليغفو موضعه على أريكة المشفى الصلبة، تيقظ من نومته على صوت الممرضة تخاطبه بروتينية:
-من فضلك
نظر لها "معاذ" باندهاش فكيف غفا فجأة؟، تابعت بنفس نبرتها:
-السيدة تحتاج لنوع من الدواء غير متواجد هنا، ارجو جلبه في الحال!
وجد نفسه يحرك رأسه بطاعة لينهض بتقاعس ثم سألها باهتمام:
-كيف حالها الآن؟
-كما هي، وضعها ليس بجيد وربما تحتاج لعملية ما، ظل هنا فهي تحتاج لأدوية غير موجودة!
اكترب "معاذ" كثيرًا ثم أخفض رأسه بحزن ليتحرك نحو الخارج ليجلب الدواء، صدح هاتفه فأخرجه ليرد بكمد جم:
-ماذا "سحر"؟
ردت مستفهمة باغتمام:
-كيف حال أمي الآن؟
لم يُرد "معاذ" أن يقلقها لذا رد بتعقل:
-الحمد لله بخير، فقط اهتمي بأخوتك وأنا هنا معها
اقترحت بتلهف:
-هل آتي لأكون بجانبك؟
رد بحزمٍ وهو يسرع بخطواته للخارج:
-قلت لكِ ظلي مع إخوتك ولا تتركيهم مهما حدث، أنا هنا ولن أتركها حتى تتحسن حالتها ........!!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
اعتزمت الترفيه عن نفسها في يوم عطلتها ولهذا امتطت جواد المرة السابقة، تعمقت "سوار" به شيئًا فشيء داخل المزرعة ليركض الجواد على الطريق بين الأشجار الطويلة، تسلل لداخل رئتيها رائحة الهواء المنعش فذاك الجو مُغاير لتلك المنطقة التي تربّت فيها، اخترق لحظتها السابحة في بحر الانتعاش صوت سمعته قبل مرة يردد مناديًا علیها:
-آنسة "سوار"
التفتت "سوار" للصوت حين جعلت الجواد يغيّر مساره باتجاه الشخص، أسرع "بسام" بجواده ليبلغها فاستغربت "سوار" من تذكره لها، انحرجت قليلاً ثم توقفت موضعها منتظرة إياه، دنا منها مبتسمًا ببشاشة قائلاً:
-الآن فقط عرفت لما أرى اليوم جميل
ابتسمت بخجل واحمرت وجنتيها، ردت برقة:
-أشكرك
ردد بمعنى وهو يقف أمامها وعينيه تجوب قسماتها الجذابة:
-المرة القادمة لم تسنح لي الفرصة للتحدث معكِ
تذكرت "سوار" تحفّظ "أسيد" حينها لتتفهم، سألته بحرج:
-هل كنت تريد التحدث معي في شيء؟
-أشياء!
رد عليها بطريقة اربكتها فسألته:
-وماذا تريد؟
رد بجراءة ونظرات أخجلتها:
-منذ رؤيتي لك أول مرة ولقد شغلتي فكري، طباعك بريئة بعكس من يعيشوا هنا
عضت على شفتيها بقوة فابتسم لنعومتها، تابع بنماقة:
-أنا طبيب وأنتِ؟
ردت بعفوية:
-ما زلت بالسنة الأخيرة من الثانوية العامة!
ظهرت بسمة خفيفة على ثغره غير مفهومة، هي صغيرة كالقطة الأليفة وسط عالم الوحوش وها هي تستلم مكان أختها البائسة التي كان يقسو زوجها عليها ولا يعلم السبب سوى أنه يحبها، تنهد ليرد بجدية:
-أنت مثل "مهيرة" ولكنك أكثر، أحيانًا أشفق عليها فـ "أسيد" عصبي جدًا!
ذُهلت "سوار" من حديثه الغامض فهي تعلم مدى حب "أسيد" العظيم لأختها وتفضيله لها فما الذي هذي به هذا الرجل، ردت باعتراض:
-"أسيد" يعشق "مهيرة"
رد بإنكار:
-أنا لم أقل أنه يكرهها، "أسيد" متملك إلى حدٍ ما ويغار.....
ألجم لسانه عن التكملة حين صرخ فيهما، انفزع كلاهما ثم نظرا له بدهشة، بهيئته الغاضبة تحرك "أسيد" نحوهما سيرًا على قدميه بعدما تخلى عن سيارته فور رؤيته لهما، خشي "بسام" الدخول معه في عراكٍ سينتهي حتمًا بتحقير هيبته لذا بدا هادئًا، على النقيض "سوار" التي انتظرت أن تفهم لما ينزعج هكذا، هتف "أسيد" بحدة وهو يسحبها بقسوة لتترجل من على الجواد لكن كرها:
-تعالي معي
لم يعطي "بسام" أهمية كأنه لم يره ثم أنزلها رغمًا عنها لتتذمر مرددة:
-"أسيد"، ماذا تفعل؟
هيهات من حديثها العائب فقد سحبها بيد والأخرى بلجام الجواد ليتحرك بهما بخطوات طائشة، كانت نظرات "بسام" المشفقة عليها حتى ابتعدت، قال وهو يهم بالرحيل:
-لقد صدمني خبر زواجه منكِ، فلتستعدي لتجدي الكثير من صفاته الحازمة............!!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
اتسعت بسمته الماكرة حين فتح باب شقته ليجدها أمامه بأناقتها المعتادة، مرر "حاتم" انظاره المباحة على ما ترتديه بنظرات جعلتها تسعد بالأكيد فهي تتمنى حبه لها، بوقاحة منه قام بسحبها من يدها لتلج الشقة ثم اوصد الباب، تجولت "دانة" بأنظارها على محتويات عش زوجيتها السابق باشتياق، من خلفها قام "حاتم" بلف ذراعيها حولها فتوترت، لقلة خبرتها في أمور الدين تركته، همس بالقُرب من اذنها ببذائة:
-هل لمسك هذا الخادم؟
فاحت رائحة الخمر من فمه كالمعتاد لتتأفف في نفسها، لكنها نفت هازة رأسها:
-لم استطع أن أجعل شخص غيرك يلمسني!
سخر في نفسه ليستغل قلة خبرتها قائلاً بمكر:
-هل اشتقت لبيتكِ؟
ابتسمت باستحياء لتعلن توقها مرددة:
-كثيرًا!
-إذن متى ستعودين إليّ عزيزتي؟
سأل مدعي الحزن، جاوبت حين تملصت من تطويقه لها الذي اربكها قائلة:
-لن اجعله يقترب مني، سأقول أنه تم لأتخلص عاجلاً منه
جذبها ثانية من يدها ليتعمق بها نحو الداخل قائلاً:
-جلبت لكِ هدية بغرفة نومنا، هيا لتريها!
هنا اضطربت "دانة" لتتيبس موضعها رافضة، قام عقلها هنا بوظيفته لتحتج:
-لا يجوز، اريني إياها هنا
بدجنةٍ جمة تصلبت نظراته الماكرة عليها، اقترب منها قائلاً بمخادعة:
-ولما لا؟، أنا حبيبك وسوف تعودي إليّ، أما هو فلا!
ثم بسفاهة وضع يده على عنقها فطاشت "دانة" بفكرها المحدود في القبول، تابع هو مبتسمًا بخبث:
-فقط ستري هديتك!!
وافقت على غير رغبة كي لا يتضايق منها فهي يهمها أمره عن الآخر، مرة أخرى امسك بيدها ليلج بها غرفة النوم وهي ما زالت متوجسة من تلك الخطوة.....
بالداخل أخرج هديته لها فمدت يدها لتتناولها، لكنه أبعدها قائلاً بمساومة رخيصة:
-قبليني أولاً
انعقد جبينها بانزعاج لتهتف:
-هل جننت؟، أنا متزوجة من غيرك، وأنت لا حق لك عندي لأفعل ذلك!
تجاهل "حاتم" حديثها الفضيل قائلاً بعدم اكتراث وهو يقترب ليقبلها باستباحة:
-ما هذا الهراء، أنت تحبينني أنا
دفعته "دانة" للخلف فهو ثمل، رفضت بشدة:
-لا تقترب مني
استخدم قوته في التملك منها فتملصت لتردعه لتدرك بأنه كان يستغل حضورها ويحلل ما حرم الله، رسم له ضميره الدنيء أن ذلك لا غبار عليه، ارتعبت "دانة" ثم شحذت قواها لتبعده حتى استطاعت ليتراجع عدة خطوات نتيجة ثمالته التي ظهرت عليه، بادرت بالركض نحو الخارج ثم حانت اللحظة لتفتح الباب، لكنها وجدته موصود بالمفتاح فتعثر عليها الهرب، استدارت بجسدها مذعورة فوجدته يبتسم بثمالة وهو يستند بكتفه على الباب، ردد بوقاحة:
-لا مفر اليوم لكِ عزيزتي، أعرف أنك تريديني، هيا اقتربي
-أيها الحقير، كيف تفعل ذلك بي؟، عليك اللعنة ليوم الدين
عنفته بقساوة فضحك ساخرًا ليهتف:
-هل بديت لك الآن إبليس؟، هيا حبيبتي هيا!
ثم بتقاعس تحرك نحوها فكزت على اسنانها بقوة مزعوجة مما يفعله معها، وجدت "دانة" أنها تساهلت معه وتحيرت في كيفية الخروج من هذه المعضلة، توارت خلف الأريكة لتحتمي بها ثم انتبهت لحقيبة يدها الصغيرة والتي تحوي هاتفها الجوال، طرأت فكرة محنكة على ذهنها لتعجل بتنفيذها، سريعًا قامت بتشغيله لتهاتف أخيها فوجدته مشغولاً، زفرت بضيق لتجد رقم "معاذ" أمامها لذا بدون تفكير في العواقب، رددت باستغاثة:
- "معاذ"، تعالى انقذني!! .........
