اخر الروايات

رواية للقدر طرقه الغامضة الفصل الثاني عشر 12 بقلم حنين احمد

رواية للقدر طرقه الغامضة الفصل الثاني عشر 12 بقلم حنين احمد


(الفصل الثاني عشر)
لم يصدّق عينيه عندما شاهدها تدلف من باب الفيلا الخارجي بسيارتها,
هل ارتدت الحجاب حقا؟
لم يرها منذ فترة طويلة منذ انتهاء الدراسة ولم تجمعهما صدفة واحدة,
هو كان يتحاشى لقائها ويبدو أنها كانت تتحاشى لقائه أيضا, ولكنه كان يعلم كل
أخبارها من عمته.
عقد حاجبيه وهو يتساءل لِمَ لم تخبره عمته أنها ارتدت الحجاب؟
ولِمَ لم تخبره أنها ستحضر حتى ينتظرها ويقابلها قبل مغادرته؟
هل شعرت عمّته أنه كان يتحاشى لقائها طوال الفترة الماضية؟
وهل تشجّع ذلك؟حسنا يبدو أنها أيضا تعلم أن وجد لا أمل لها معه,
فهو ليس من النوع الذي يرتبط جديا خاصة بفتاة مثل وجد, فتاة ينبض قلبه بجنون
بمجرد رؤيتها.
أوقف السيارة بجانب الفيلا وهو يلعن قلبه الذي يصيبه الضعف لدى رؤيتها,
شعر بالضعف يجتاحه وهو يقاوم رغبته بالعودة مرة أخرى لرؤيتها والحديث معها
ولو للحظات..
ظل لفترة يقاوم ذلك الشعور حتى انتصر شعوره بالاشتياق لها فأدار السيارة وتوجه
لداخل الفيلا وهو يحاول البحث عن حجّة لعمته لعودته الغريبة.
وضع السيارة في المكان المخصص لها وتوجه ليدلف إلى داخل الفيلا ليسمع صوت
نحيب يصدر بالقرب منه بمكان ما بالحديقة..
عقد حاجبيه وهو يتوجه إلى الحديقة معتقدا أن رويدا هي من تبكي وتساءل بدهشة
عن سبب بكائها ليفجع بالمشهد أمامه وهو يرى وجد جالسة على الأرجوحة تضم
ساقيها بيديها وترتكز بوجهها عليهم وهي تبكي وصوت شهقاتها يتعالى.
شعر بالارتباك فهو لم يعرف كيف يواسي أحدهم من قبل بل لم يقترب من فتاة يوما
إلى الحد الذى يجعله يواسيها,كل علاقاته عابرة لا شعور فيها, حتى خطبته كانت
تحت إلحاح عمّته فقط ولم يكن هناك رغبة حقيقة منه في الخطبة.
اقترب منها ببطء حتى لا يفزعها ولكنه وجدها لم تشعر به,جلس بجانبها فرفعت
وجهها عندما شعرت بالثقل جانبها معتقدة أنها جيهان أو والدها لتفاجأ بغيث يجلس
بجانبها ينظر لها باهتمام قلق أثار مزيدا من الدموع والشهقات..
مدّ يده إليها بتردد ثم أعادها بجانبه وهو يقبضها بقوة ثم سألها عمّا بها لتجيبه
بخفوت لا شيء..
نظر لها وهي تمسح دموعها بيدها كالأطفال مما جعل قلبه يخفق بألم من أجلها.
همس لها:"مبارك الحجاب وجد"
رفعت بصرها إليه لتراه ينظر إليها بابتسامة خطفت أنفاسها انتقلت لشفتيها تدريجيا
وهي تجيبه:"شكرا لك,اليوم أول مرة أرتديه"
هتف غيث برقة:"يليق بكِ كثيرا بل زادك جمالها فوق جمالك"
عضت شفتيها بخجل وخفق قلبها بعنف وهي تهمس:"ِشكرا لك"
سألها غيث بهدوء:"ما الذي يضايقك؟"
ابتلعت الغصة التي تكونت بحلقها وهي تستعيد رد فعل خالتها وغادة ولامبالاة
رمزي وكبحت الدموع التي تدافعت لعينيها مرة أخرى وهي تخبره عمّا حدث..
لم تدرك لِمَ أخبرته بكل ذلك؟ هل هي حاجتها لشخص تفشي إليه بما يعتمل بداخلها؟
أم حاجتها له هو خاصة ما جعلتها تخبره بكل شيء دون تردد؟!
انزعج بشدة من غادة ووئام فهو قد فهم لِمَ يتعاملان معها بتلك الطريقة ولكنه وجدها
أنانية منهما, فهما تريان أنها تتعلق بوالدها وعائلتها وذلك أصابهما بالغيرة..
فهي معهم منذ سنوات وليس لها سواهم كما أنها بدأت بعقد صداقات والانفتاح أكثر
مما قبل وزادهم ذلك غيرة عليها فهي تخرج من الطوق الذي أحاطوها به طوال
حياتها, ولكنهما مخطأتان.. فوجد لن تنساهما أبدا حتى لو استقرت بمنزل والدها,
سيظلان هم الأسرة الأولى التي عرفتها.
زفر بضيق من تلك الأنانية خاصتهما والتي جعلت فرحتها بالحجاب لا تكتمل.
نظر إليها مبتسما وهو يخبرها بلطف أنهما تغاران عليها من أسرة والدها والتي
من الواضح تعلقها بها..
زمّت شفتيها برقة جعلته يعض على شفتيه بقوة حتى لا يتهوّر ويفعل ما أراده منذ
شاهدها تبكي كطفلة صغيرة وحيدة..
وفجأة وجد عمّته تقاطع حديثهما وهي تنظر له بنظرة ذات مغزى وهي تسأله ألم
يغادر منذ فترة؟
غمغم بكلمات غير مفهومة وهو يستأذن بالذهاب وفرّ هاربا من نظرات عمّته
المتسائلة..
كان رد فعل جيهان ورويدا وعبد الرحمن مختلفا تماما عن رد فعل وئام وغادة,
فقد ضمّتها جيهان بقوة وهي تتحدث عن ضرورة الذهاب إلى السوق حتى يشتروا
ملابس خاصة بالمحجبات من كل الأنواع..
أما رويدا فقد أشرق وجهها وهي تهتف أنها تريد ارتداء الحجاب أيضا قبل بداية
السنة الجديدة فوعدتها جيهان أن ترافقهما سويا لشراء ملابس مناسبة للحجاب
أما عبد الرحمن فقد دمعت عيناه وهو يمسك بها برقة كأنها مصنوعة من زجاج وهو
يهتف لها مبارك حبيبتي ثم ضمّها إليه بقوة وهو يهمس لها مخبرا إياها كم هو
فخورا بها,شعرت بالسعادة تجتاحها وهي ترى رد فعلهم على ارتدائها الحجاب حتى
أنها نست كل ما حدث معها قبل حضورها لمنزل والدها وعزمت على قضاء
ليلتها معهم.
في تلك الليلة أخبرها والدها عن رغبته في استقرارها معهم ولها الحرية في زيارة
خالتها بأي وقت تريده أو حتى المبيت لديها,شعرت بالحيرة وهي لا تعلم هل تنتقل
نهائيا لمنزل والدها أم أن ذلك سيجرح خالتها؟
أخبرت والدها أنها ستفكر وتخبر خالتها بالتدريج حتى لا تحزن,وفي اليوم التالي
رافقتها جيهان ورويدا ليبتاعوا ملابس مناسبة للحجاب, لم تترك جيهان شيئا إلا
وابتاعته من أجل وجد,كانت فرحة كثيرا وهي تتحسّر على السنوات التي حرمت
نفسها فيها بالتمتع بصحبة فتاة كوجد,فتاة تنشر السعادة والحب أينما وُجِدَت.
توالت الأيام ووجد تحاول التلميح لخالتها عن انتقالها لمنزل والدها قبل بداية
الفصل الدراسي الثاني والأخير لها في الجامعة وبنهاية الأمر عزمت على إخبار
عبد الله وهو يساعدها في نقل الخبر إليها.
................
أما غيث.. فمنذ ذلك اليوم الذي شاهد به وجد وهو يحاول الهرب من كل
ما يتعلق بها,لذا فقد انغمس أكثر في علاقاته يحاول أن يتناسى تلك التي قلبت
حياته رأسا على عقب.
كان يتحاشى لقاءها خارج الجامعة ولكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من معرفة
أخبارها من عمته جيهان أو الصغيرة رويدا..
سَعِدَ كثيرا لارتدائها الحجاب وأحضر لها هدية يومها بالفعل ولكنه لم يقدمها لها
بل احتفظ بها داخل خزانته التي أصبحت تضم كل هدية أراد اهدائها لوجد ومنع
نفسه باللحظة الأخيرة.
لم يستطع منع نفسه من اختلاس النظر إليها في المحاضرة التي يدرسها لفرقتها
رغم مقاومته الشديدة لذلك,تلك الحورية استحوذت على تفكيره تماما فمنعته من
التمتع بكل ما كان يتمتع به من قبل,حتى أنه ترك فيفي خطيبته منذ شهر فترة,
فمنذ شغلت وجد تفكيره وهو لم يعد يستسيغ صحبة النساء وخاصة فيفي,
فهو لم يستطع نسيان يوم اصطحابها لمنزل عمّته بعد إلحاح منها لتقابله نظرت
وجد المكسورة اللائمة وكأنها تخبره أنها تعلم جيدا أنه ليس ملكها فلا يوجد داع
ليحضر خطيبته ليؤكد لها ذلك.
وآآآآآآه لو تعلمين حوريتي أنني ملكك وحدك ولن أكون ملكا لأخرى ما حييت
حتى ولو لم أعترف بذلك فقلبي لم ينبض إلا من أجلك وحدك.
ورغم كل ذلك تحاشى لقائها منفردة منذ ذلك اليوم على الأرجوحة وكما تحاشاها
تحاشته وكأنهما اتفقا على أن يبتعدا عن بعضهما ويقيما الحواجز أكثر من ذي قبل.
كلاهما يهرب من الآخر ولا سبيل للقاء فهل سيستطيعا الهرب من قدرهما؟!
....................
تتابعت لقاءات غادة ورمزي في النادي أيام العطلة وما زال كل منهما لم يصرّح
للآخر بدواخله,كانت لقاءاتهما تتسم بخفة الدم التي كانت عاملا مشتركا بينهما
وتارة كان يصاحبهما غدير وعلاء وتارة يكونان بمفردهما وهذا كان سببا كبيرا
للخلاف بين غادة ووجد التي كانت ترفض لقاءاتهما دون أن يكون هناك رابط
رسمي بينهما وغالبا ما كانت تحتدم المناقشة بينهما بسبب ذلك وتأثرت علاقتهما
كثيرا بسبب ذلك فابتعدت غادة عن وجد ولم تعد تحكي لها شيئا يخصها ولكن وجد
لم تيأس بل قابلت رمزي وعاتبته وأخبرته أنها ليست راضية عن لقاءاتهما دون
علم أسرتيهما فهذا خيانة للأسرتين معا كما أنه لا يوجد ما يمنع ارتباطهما فلم
يؤجلان الأمر؟
يومها اعترف لها رمزي أنه يحبها وأنه ينوي التقدم لخطبتها بعد انتهاء ذلك الفصل
الدراسي فأخبرته أن يمتنع عن تلك اللقاءات حتى تحدث الخطبة الرسمية
لأنه بذلك يسيئ لغادة ولأسرتيهما معا وأن عبد الله لو علم بما يحدث سيثور على
غادة كثيرا وستسقط من نظره ويفقد ثقته بها ووعدها رمزي بذلك حتى انتهاء
الاختبارات ولكن ذلك لم يلقَ قبولا لدى غادة التي ثارت على وجد لتدخلها
فيما لا يعينها.
عادت إلى المنزل لتجد وجد بمفردها لتصيح بها قائلة:"للمرة الأخيرة لا تتدخلي
بحياتي..ما أفعله لا يعنيكِ هل فهمتِ؟"
ارتدت وجد للخلف وكأن غادة قد صفعتها بالفعل وهي تثور عليها للمرة الأولى
بحياتهما معا وهي تهتف:"كيف لا يعنيني الأمر غادة؟ أنتِ أختي وهو أخي
وقد نبهتك مرارا أن هذا الأمر لا يصح ولكنك لم ترتدعِ فكان لابد أن أتدخل
وأخبر رمزي بمغبة أفعالكما..هل تعملين ماذا سيحدث لو علم أبي بما يحدث؟
سيفقد ثقته بك وأنا لا أريد أن يحدث ذلك أبدا"
هتفت غادة بغضب:"لن يحدث ذلك إلا لو أخبرتيه أنتِ وجد,أم أنه أصابتك الغيرة
لأن رمزي يحبني ويريد لقائي بل وخطبتي وغيث لا يراكِ من الأساس؟
لم أعرفك حقودة وجد"
شعرت بغصة تخنقها وهي تنظر إلى غادة دامعة العينين, كيف تجرحها غادة بتلك
الطريقة؟
غادة التي هي بمثابة شقيقتها التي لم تلدها والدتها هي من ألقت بتلك الكلمات
الجارحة بوجهها؟؟!لا تصدق ذلك,شعرت بجرح عميق يسكن قلبها وهي تجيبها
بهدوء هي أبعد ماتكون عنه:"أنا حقودة وأشعر بالغيرة منكِ غادة؟ أنا من تقولين
لها هذا؟أنا لم أفعل ذلك إلا من أجلك غادة,لم أرد أن تفقدي ثقة والدك في هذا
الوقت ولا أن تتشوه صورتكما بأعينهما لقد تفهمني رمزي الذي لم يعرفني سوى
من سنة واحدة وأنتِ... من عشت معها عمري بأكمله تقولين عني حقودة وأغار!!
افعلي ما ترينه صوابا غادة,هذه حياتك ولكن فكري في العواقب التي ستتحمليها أولا"
قالت غادة بمكابرة وقد بدأت تشعر بالذنب لجرحها وجد بتلك الطريقة:
"لن يحدث شيء وأنا ناضجة كفاية لأعلم الصواب من الخطأ وجد,فلا تتدخلي
بحياتي مرة أخرى ولا تمثلي دور "الداعية" لأنك قد ارتديتِ الحجاب"
قالت باختناق:"حسنا غادة آسفة ,لن أتدخل بحياتك مرة أخرى"
غادرت وجد مسرعة وهي تتناول مفاتيح سيارتها والدموع تغشى عينيها وذهبت إلى
المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالراحة,دلفت إلى المقابر وجلست أمام قبر والدتها
ودموعها تنهمر على وجنتيها وشهقاتها تتعالى وهي تترك العنان لألمها أن يطفو
بعيدا عن الأعين التي تلاحقها على الدوام, ظلت تبكي لفترة طويلة حتى فقدت
الوعي مكانها.
على الجانب الآخر شعرت غادة بالذنب الشديد لجرحها لوجد بتلك الطريقة ولم
تعرف كيف تتصرف,ظلت تهاتفها ولا رد حتى عاد عبد الله ووئام من الخارج
ليتعقد الوضع أكثر وكلاهما يسألها أين ذهبت وجد في ذلك الوقت؟
ظل الأمل يغمرهم أن تعود وجد حتى حل منتصف الليل وقتها هاتف عبد الله
صديقه عبد الرحمن ليسأله عن وجد والتي كان واثقا أنها لابد وأن تكون عزمت
على قضاء الليل لدى والدها رغم أنها لم تفعلها من قبل دون أن تعلمه قبلها
وجاء رد عبد الرحمن ليقضي على كل أمل بقلب عبد الله ويبدأ القلق على مصير
وجد التي لا يعرف أحدا عنها شيئا.
كان غيث على وشك توديع جيهان عندما اندفع عبد الرحمن من غرفة المكتب وهو
على وشك السقوط أرضا, ليندفع إليه غيث وتصرخ جيهان تنادي رمزي ليرى
ما حلّ بوالده..
ليقص عليهم عبد الرحمن ما حدث وأنه سيذهب للبحث عن وجد
رفض غيث أن يفعل وهتف:"أين ستذهب عمي؟ أنا ورمزي سنذهب للبحث عنها
وأنتم انتظروا هنا علّها تحضر وسنكون على اتصال"
وقبل ان يعترض أحدهم كان ورمزي يندفعان للخارج ورمزي يهاتف علاء ليخرج
للبحث معهما..
اتجه كل منهم لمكان ليبحث به حتى طرأت فكرة ما لغيث ووضعها قيد التنفيذ رغم
استحالة الفكرة من وجهة نظره..
دلف إلى المقابر ليجد الجسد المكوم بجانب القبر لينتفض قلبه بين ضلوعه وهو
يسرع إليها يحاول إفاقتها ولا تستجيب له.



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close