اخر الروايات

رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل الحادي عشر 11 بقلم نورهان ابراهيم

رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل الحادي عشر 11 بقلم نورهان ابراهيم


مثنية ساقيها و جالسة عليهما فوق الفراش تبدل أغطية الوسائد ، و تهمهم بألحنان غناءة ، انتفضت فى مكانها ، و انقبض قلبها ، و تثاقلت أنفاسها مع صوت الصرخات المتألمة النابعة من المطبخ.
همت إيناس" ناهضة على عجالة لتنكفأ على وجهها و تقع بثقلها على الأرضية الصلبة ، أخرجت آهاتها بخفوتٍ و استندت بمرفقيها على الأرضية ثم براحتي يديها لتنهض ببطئ ، و عكس نهوضها البطئ كان جريها سريعًا و متلهفًا ، لتغيث ابنة عمها من مأذقها و التى لا تعلمه و لكن حدثها يثير فى نفسها القلق.
و مع تزايد الصرخات المستغيثة حل ب"صفية" الهلع هى الأخرى ، و قد هرولت خارجة من غرفتها فتقابل طريقها مع طريق ابنتها الراكضة نحو المطبخ و بغير طرح الأسئلة لحقت بها و هى تردد مهدئة أحاسيسها التشاؤمية :
_ جيب العواقب سليمة يارب!
رمت "إيناس" بجسدها على أرض المطبخ جنب تغريد الباكية بلا توقف من شدة آلامها الداخلية ، و بكل خوف مطل من حدقتيها محفوف بفطرة حب أصلية بلا تزييف سألتها بلهفتها :
_ إيه يا حبيبتي؟! إيه إللى جرالك؟! تغريد جاوبيني ..... إيه بيوجعك يا قلبي؟!
صمتت "إيناس" تتهافت على ردها و سلطت بصرها على شفتيها لتقرأ الكلمات قبل صدوحها فى الوسط الهوائي.
حركت "تغريد" شفتيها الملسوعة من البطاس ، و حملت أنفاسها الساخنة كلامها بقولها المشحون بتقلصات الألم المطوى بين حروفها و قطرات الدموع المتهاوية من جفونها :
_ آآآآي بطني وجعاني مووووت ، قربعت(شربت) نص الكلور إللى فى الإزازة ، هو أنا كدة هموت يا نوسة؟! أنا لسة صغيرة على الموت ، اتصرفي ، آآآآي اعملي أى حاجة ، بطنى بتتقطع.
ضمت "إيناس" شفاهها للداخل محاربة ابتسامة عفوية تسعي للظهور من الطريقة التعبيرية المضحكة التى تتحدث بها ابنة عمها و كأنها ترى الموت أمامها ، ثم مسحت دموعها من على وجنتها بابهامها قائلة بنبرة متفهمة :
_ بس متعيطيش ، مش هيجرالك حاجة بإذن الله .
و نهضت "إيناس" أولاً ثم جذبتها من كفها المتراخي كسائر جسدها ، لتوقفها جنبها محيطة كتفيها بذراعها و سائرة معها تشد من أزرها و تعينها على السير لخارج المطبخ.
حينها ظهرت "صفية" بالصورة بعد أن تفقدت المطبخ و وقع نظرها على القنينة المنسكب بعض ما فيها و لم تكن فى عوز لتفقد السائل فشكل القنينة التى خصصتها هى لسائل الغسيل بين لها كل شئ.
سارت "صفية" قصدهما لتقول بعد أن وصلن ثلاثتهن للصالة الفاصلة بين المطبخ و الحمام و باقي الغرف :
_ إيناس اطلعي وقفي توكتوك و أنا هجيبلها لبس من جوا ، هناخدها على المستشفى القريبة .
و بعد أن لاحظت جمودها حثتها ب :
_ يلا شهلي (يلا بسرعة) !
أراحتها "إيناس" على أقرب مقعد صادفته ، و أردفت هاتفة مع جريها المتسارع نحو غرفتها مجدداً :
_ حاضر يا ماما هلبس حجاب طويل قوام و هظبت هدومي ( لبسي) و هخرج حالاً !
و من بعدها "صفية" المتجهة خلفها لتجلب لإبنة أخ زوجها ثوبًا لائقًا تلبسه عوضًا عن "التى شيرت البيتي ذو النصف كم و البنطال المصنوع من خامة الجل" .
أحاطت "تغريد" بطنها بكلا ساعديها و هى تتلوى ألمًا ، و احنت جذعها لتصير عيناها للأسفل نحو عقل أصابعها الظاهرة من نعلها المنزلي ، و عبراتها لازالت ساقطة و منزلقة على وجنتيها و وجهها المتقلص موحى بصعوبة ما تشعر به.
......................................................
فى الاسكندرية
فى فرع شركة المنسي
كانوا الأربعة يجلسون يتحاورن و يتناقشون فى أمور أعمالهم المزدهرة ، فبادر "راغب" مدير هذا الفرع الذى عينه طلال لكفاءته و مصداقيته ، يرحب بحضورهما :
_ و أنا أقول اسكندرية زادت نور ليه! طلع عشان انتو جيتوها!
شاكسه "باسل" ضاحكًا :
_ من يومك و إنت فشار يا راغب!
ابتسم "طلال" بهدوء و راحة ، الأن يدرك أكثر من السابق أن قراره فى جلب ابن خاله إلى هنا كان أفضل من صائب ، و اكتفى بكلماته القليلة الودودة :
_ تسلم يا راغب! اسكندرية منورة بأهلها!
رجع "راغب" مستريحًا أكثر فى جلسته و قال شاكراً بمرح و صدق :
_ و الله يا طلال إنت إللى ناصفني! ربنا يجبر بخاطرك!
واصل "باسل" مشاكسته بقوله ذو السخرية المصتنعة :
_ مبلاش جو الشحاتة ده!
و قبل أن ينطق راغب ، سارعت "إيفا" بالتدخل فى الحوار بعد مدة من الصمت و المراقبة :
_ طلال باشا ، فى شوية إجراءات قانونية لازم تتعمل بوجود حضرتك عشان المشروع و كدة!
أومأ "طلال" متفهمًا فهذا هو عملها هنا كمحامية خاصة بجميع أمور شركاته و مشاريعه ، و رد عليها و هو يغض بصره عنها و يكلمها بنبرة احترام :
_ تمام ، قبل ما أمشى هطّلِع عليها.
و أبلغها بجدية تامة و يفكر فيما هو آتٍ و ماذا سيطرئ على الأحداث من متغيرات لا يعلمها إلا الله :
_ كويس إنك فكرتيني ، عشان هرجع القاهرة النهاردة بعد ساعات!
تفاجأ كلاً من "راغب" و "إيفا" فهما توقعا أن يقضى وقتًا أطول من هذا ، عادت "إيفا" إلى صمتها ، بينما لم يتحكم "راغب" فى زمام لسانه و ناقشه بقليل من ضيق :
_ هتمشي بالسرعة دي؟! مش كفاية إني بشوفك صدف؟! كلّمه "طلال" يحاول أن يسترضيه بمراوغة و لازالت ابتسامته الرائعة على شفتيه :
_ و الله مقدر إللى بتعمله لوحدك يا راغب ، عارف إن الحمل تقيل عليك و أ
قاطعه "راغب" نافيًا بحنق شديد :
_ شوف أنا بكلمك فى إيه و إنت بتتكلم فى إيه!
و للمرة الأولى منذ جلوسه ضحك "طلال" و نظر إليه بحنو و غمره شعور لا يوصف بالسرور ، فهما أصدقاء ليس مجرد رئيس عمل و مرؤوس ، و أخبره بكل هدوء :
_ فاهمك يا راغب و كلامك على عيني و على راسي لكن ضروري جدا أرجع ، الشركة هناك مين هيديرها غيري؟!
تراخت عضلات "راغب" المشدودة و اعتذر تلقائيًا :
_ بعتذر على سوء تصرفي ، لكنى بقول كدة من حبي فيك!
و بقول رزين أردف "طلال" باسهاب :
_ عارف يا راغب ، مش محتاج تبرر ، أنا فعلاً مبقضيش معاك وقت كافي ، و الظروف كلها إنت عارفها ... و أعدائي مراقبين كل حاجة بتحصل فى حياتي ، مش عايز أديهم فرصة يخربوا إللى بناه والدي و خالي الله يرحمهم و كمان عمي ربنا يديه الصحة ليه دور كبير قوى فى الأرباح و النجاح إللى حققه للشركات ، و إللى تعبنا كلنا عشان نحافظ عليه!
و أثناء هذا الحوار كان "باسل" يشاهدهما و هو ضائق من طريقة "طلال" اللينة و الهادئة مع "راغب" على عكس طريقته معه هو ، و التى إما أن تكون جافة أو صارمة و فى قليل من الأحيان فقط يكون متفهمًا.
و كم شعر بالغيرة من راغب الذي يُعامل بهذه المعاملة الاستثنائية التى حُرِمَ منها هو ،
فتدخل فيما بينهما قائلاً بسخط :
_ الفيلم الهندي ده مش هيخلص؟!
أنزل "طلال" مستوى حاجبيه و ضيق عينيه عليه سائله باستغراب :
_ إيه إللى بتقوله ده يا باسل؟!
تلاعب "راغب" بحاجبيه ليغيظ باسل موجهًا له عبارته المستفزة :
_ مش عارف ليه شامم ريحة غيرة فى نبرة صوتك يا أبو البسالة؟
تأرجت عينا "باسل" بحمم غاضبة ، و تأفف واقفًا من مكانه فقد ضاقت نفسه من هذه الأجواء التى لم تعد تروق له ، و أستأذن للمغادرة بنبرته الساخرة و التى تفوح غيرة :
_ أنا رايح المكتب إللى جهزتوه ليا! عايزين أجيبلكم كوبايتين لامون؟
قهقه "طلال" بانطلاق ، و ترجم شعوره المستمتع بكلماته :
_ أه ياريت ، و يكونو مظبوطين.
تلافي "باسل" النظر إلى "راغب" و الذي يكتم ضحكاته بصعوبة فائقة فتلون وجهه كله باللون الأحمر المُركز ، و قد أوشك على الإفجار ضحكًا.
و كل هذا زاد من ضيق "باسل" و قد حول أنظاره إلى "إيفا" ليطلب منها بصوت جاهد ليخرج مهذبًا من غيظه و لكنه لم يمنع لمحة السخرية فى حروفه :
_ إيفا ، لو سمحتى تعالي ورايا على المكتب نراجع الأوراق المهمة إللى بتقولي عليها عشان جناب البيه طلال يوقع على طول!
_ تمام يا باسل ، جاية وراك!
قالتها "إيفا" و هى الأخرى تقضم شفاهها كى لا تبتسم من النيران المنبعثة من عيونه ، و هى تتخيل أنه سينفخ النار من فمه كالتنين!
لملمت أوراقها المهمة من الطاولة الممتدة فى منتصف غرفة الإجتماعات لتلحق به فوراً.
لم يكادا يخرجان حتى أنفلتت ضحكات "راغب" الصاخبة و أفصح بانتشاء :
_ يستاهل! عشان يبطل رخامة و تتريقة عليا!
استقام "طلال" ليخلع سترته و يلقيها على الطاولة ليشير إلى أريكة فى آخر الغرفة ، و سار نحوها يتبعه "راغب" بجهل لما ينتويه ، جلسا سويًا يستريحان بلجسات مسترخية .
طالعه "طلال" بتركيز بالغ و همس يهيؤه لسملع أموره المصيرية :
_ كويس إنهم خرجو ، فى كلام عايزك تحطه حلقة فى ودنك!
بدا الاهتمام على "راغب" و فاح من حروفه بنبرة فضولية :
_ أنا معاك و مطقطق وداني ، قول إنت بس!
شمر "طلال" عن ساعديه ليكون على راحته أكثر و أخذ يبوح بكل شكوكه التى تصل حد اليقين :
_ أعداءنا حاطين فى كل مكان جاسوس ، و أنا عارفهم واحد واحد و بالإسم كمان!
تحدث "راغب" مقاطعًا :
_ طيب ماكدا تمام .
هز "طلال" رأسه و قال نافيًا يشرح له ما هو مقنع به :
_ لأ ، مش تمام خالص ، أنا متأكد إن الظل عايزني أعرفهم يبقى أكيد فى خطة فى دماغه و أنا مش عارفها هى إيه بالظبط ، و فى جواسيس هنا .
اتسع فم "راغب" مصعوقًا قائلاً بذهول :
_ هنا ؟!!! مش المفروض يحطوهم قريبين منك؟!
و بشئ من المرارة المبطنة فى لهجة "طلال" الآتية :
_ و مين قالك إنهم معملوش كدة؟ بقولك مافيش خرم إبرة مافيهش واحد من رجالة الظل .
تنفس ببعض الإختناق و استأنف بإطناب :
_ رجالته فى فيلتي و فى كل فرع من فروع شركاتي و معايا فى كل مكان بروحه! بس القليل منهم موجود هنا ، بالأخص فى موقع المشروع الجديد .
فرك "راغب" جبينه بحيرة و تسائل تائهًا وسط كل هذه الأشياء المرعبة التى يسمعها و المنذرة بأخطار قريبة منهم للغاية :
_ مادام عارف كل ده جايب باسل هنا ليه لأ و كمان هتسيبه ليا بدال ما يكون تحت حمايتك؟!
جاءت إجابة "طلال" واثقة و متزنة بقوله :
_ مهو ده سبب من ضمن الأسباب إللى خليتني أجيبه ، عشان أحسسه إنى لسة مكشفتش رجالته .
سكت يدير الأفكار فى رأسه و أكمل ب:
_ ده غير إن حالته النفسية مدمرة خالص ، و أنا خايف عليه لحالته تتدهور أكتر.
_ بردو حكايته مع والدته؟!نبس بها "راغب" بتخمين فأكد "طلال" بهزة إيجابية من رأسه و استرسل يوصيه عليه :
_ و عشان كدة عايزك تحط عينك عليه و تخلي بالك منه كويس ، الفون متخليهش معاه لفترة طويلة بالذات الصبح من بدري و بالليل.
استفسر "راغب" عن التوقيت قائلاً باستغراب :
_ إشمعنا فى الأوقات دي؟!
تنهد "طلال" بارهاق و تشدق باشفاق على ابن خاله :
_ عشان والدته بتتصل عليه عادة فى الوقت ده.
و أردف يستأنف وصلة وصاياه بالغة الأهمية :
_ متسيبوش ثانية واحدة ، عايزك زي ضله ، مكان مايروح وراه ، و يا إما تاخده فيلتك يا إما تسكن معاه فى الفيلا بتاعتنا إللى هنا ، المهم ميكونش لواحده عشان سلامته ، و لو لاقيت فونه رن برقم غريب أو وصلته رسالة متخليهوش يرد أو يشوف الرسالة تمسحها فوراً عشان غالبًا هتكون والدته .
اختلج "راغب" شعور بالانتصار فها هى الفرصة تأتيه على طبق من ذهب ليشاكس باسل فى أي وقت و كما يشاء ، فهما تمامًا كالقط و الفأر يضايقان بعضهما و يحرق كلاً منهما دم الآخر.
و لم تخفى تلك التعابير عن عيني "طلال" الذى حذره بيأس :
_ و بلاش مناكفة مع بعض ، و ركزوا فى شغلكم أولى ! كلامي واضح يا راغب؟!
ابتسم "راغب" بعفوية على إنفضاح نواياه الصبيانية و قال بنبرة متشوقة للقادم :
_ أيوة طبعًا ، إنت هتوصيني على باسل ؟ ده حبيبي!
......................................
أكلهما وحش القلق ، و استنزف جزءاً من تفكيرهم حول مصير تلك الطائشة بتصرفاتها الرعناء ، و أفقها الضيق و الذي لم يسعفها حتى تفرق بين الماء و سائل الغسيل (مُبيض الملابس) و ها هى نتيجة عدم تركيزها جلية أمامهما ، رغم جهلهما بمدى تطور الأمور.
خرج إليهما "الطبيب" بعد أن قام بما ينبغي لمعالجة "تغريد" و قد أخبرتاه مسبقًا عن سبب حالتها الصحية ، تقدم نحوهما مع بسمة صغيرة بشوشة و بادر بالحوار الهادئ يشرح لهما وضعها الصحي حتى قبل أن تسألانه :
_ هى تمام دلوقتي ، عملنالها اللازم ، لكن هتكون عندها مشكلة مؤقتة فى البلع بسبب البطاس إللى مضاف للكلور بس هتتحسن مع الوقت.
تنفست "إيناس" بشئ من الراحة ، ثم سألته حتى تطمئن أكثر :
_ يعنى معندهاش مشكلة تانية فى المعدة أو أى حاجة خطيرة؟
و بوجهه البشوش و بسمته المريحة أجابها إجابة لم تشفى فضولها المتخوف :
_ بصي ، الكلور ملحقش يأثر كتير لإنكم اسعفتوها بسرعة ، بس بردو مقدرش أقول إنه مأثرش.
و من هنا تسائلت "صفية" بنبرة محتارة و قلقة :
_ يعنى إيه يا دكتور؟! حيرتنا! هى كويسة و لا لأ؟
فسر "الطبيب" لهما جملته الطبية صعبة الفهم عليهما و جعلها أكثر بساطة بقوله اللطيف و العملي :
_ إللى عايزكم تعرفوه إنها أحسن من الأول ، كمان هيبقى ليها أكل معين لحد ما تخف .
و فجأة ضحك ضحكة خفيفة مُضيفًا بملامح مرتخية ، و مستعجبًا بعبارته الطويلة :
_ الغريب إنها شربت الكمية دي من غير ما تشك إنها مش ماية ، بالعادة بيجيلنا حالات كتير زي دي ، بس بيكونو أطفال صغيرين ، أول مرة تجيلنا آنسة شاربة كلور.
شاركته "إيناس" ضاحكة فى خفوت ، بينما "صفية" مبتسمة الثغر ، تردد بينها و بين نفسها بيقين :
_ هى فعلاً مخها مخ طفلة ، ربنا يصبرنا على ما بلانا!
جذب "الطبيب" انتباههما إليه لما قال بصوته الجاد :
_ تقدروا تاخدوها دلوقتي لو حبيتو .
ثم أردف مستأذنًا بتهذيب :
_ استأذن أنا بقى ، ورايا مرضى تانيين.
حدثته "صفية" بخالص الشكر :
_ متشكرين يا دكتور ، تعبناك معانا.
رد عليها "الطبيب" بالكلام الذى إعتاده فى نفس تلك المواقف مع أهالى مرضاه :
_ على إيه؟ ده واجبي إللى بتمليه عليا مهنتي.
.....................................................
عودة مرة أخرى إلى القاهرة
تلفت هنا و هناك متخوفًا من والده ، و باديًا كلص آتٍ للسرقة و يخشى الإمساك به أثناء سرقته المشينة ، و عزم على فتح قفل باب منزله لولا إختراق صوت ما لطبلتا أذنيه مناديًا باسمه:
_ عرفه! ، محدش جوا يا بني.
ضيق "عرفه" ما بين حاجبيه ، و مط شفته السفلية ، ثم دار فى استدارة كاملة و رمق ذلك الرجل الثلاثيني ذى اللباس الأزرق الملوث بشحوم سوداء و زيوت محركات معتادة من طبيعة عمله كصنايعي.
تكلم "عرفه" بنبرة أشبه بالسؤال :
_ عمو علي ! ... لو صلحت الغسالة خليها عندك ، و بابا بكرة ياخدها و يدفعلك الفلو...
تحدث "علي" مقاطعًا بإشارة من كفه ، و قائلاً بحركة من لسانه :
_ لا يا بني ، أنا مش جاي عشان كدة ، الفلوس آخر حاجة ممكن اتكلم عنها ، بس يعني الحكاية آآ
و صمت تاركًا جملته ناقصة لا يعرف كيف يكملها!
تولد الزعر فى روح "عرفه" متسربًا إلى فؤاده و مؤديًا إلى رجفة خفيفة فى بدنه سائله باندفاع و قلق طبيعيان :
_ حكاية إيه يا عمو ؟ فى حاجة وحشة حصلت لحد من عيلتي؟ ابوس ايدك ريح قلبي و قولي إيه إللى حصل؟
تردد "علي" فى إكمال جملته ، و تنهد مستأنفًا برفق و حذر :
_ هدى نفسك يا عرفه ، كل إللى حصل إن بنت عمك شربت حاجة كدة زي ال.....
و بعيون متسعة و نبرة خائفة سارع "عرفه" بقوله ذو النبرة المرتفعة :
_ إياك تقولي سم!!!!!!
و سرعان ما أوضح له "علي" مصلحًا خطئه بحرجٍ :_ لا يابني كفانا الشر ، موصلتش لكدة ، بيتهيئلي شربت كلور على كلام الناس.
طالعه "عرفه" بنظرات ملؤها الحنق و زفر براحة مخلوطة بقنوط و هو يهتف :
_ مش تقول كدة من الأول؟ الله يسامحك نشفت دمي!
و بمزيد من الحرج برر "علي" مردفًا :
_ معلش يا بني مكانش قصدي اقلقك ، كنت بس متردد أقولك .
حدق فيه "عرفه" مكملاً تأنيبه :
_ دانتا سيبت مفاصلي ، روح ياشيخ ربنا يجازيك ... كل خير.
و استدرك شيئًا ما من حديثه السابق فقال فى تعجب :
_ إنت قولت كلام الناس ، هو فى حد غيرك يعرف؟
و بكل تلقائية رد عليه "علي" بحسن نية :
_ دي الحارة كلها عرفت ، ما انت مشوفتهاش ، دي كانت عاملة مناحة و هما واخدينها للمستشفى الحكومي!
أنصت "عرفه" إليه ، ليقول عازمًا :
_ أنا رايحلهم حالاً !
عاجله "علي" بقوله الجاد و الحانى فى نفس الوقت :
_ زمانه راجعين ، فمفيش داعي لمرواحك.
سأله "عرفه" بتردد و عدم إقتناع :
_ إنت شايف كدة؟!
أومأ "علي" ناصحًا إياه بلطفٍ :
_ أه ، أدخل إنت بس و ريح جتتك و مهتلاقيهمش غير واصلين بالسلامة.
ألقى إليه "عرفه" نظرة أخيره و لازال متردداً فى هذا الأمر ، و لكنه فى النهاية قبل النصيحة و ولج منزله و قلبه قلق على ابنة عمه الهوجاء التى تلحقها المصائب أينما حلت.
.....................................................
فى المساء ، الساعة السابعة.
حضر "فراس" إلى فيلا شريكه بأقرب فرصة سانحة له راغبًا فى حل الخلاف قبل أن يندل بينهما ، و ليصلح ما تم إفساده على يد البواب عويس و الذى وضعه للمرة الثانية على التوالي فى موقف شديد الحرج ، و لا ينكر أنه رغم ذلك قليل الصعوبة.
قرع الجرس و انتظر حتى يؤذن له مجمعًا كل نظراته على نقطة ما فى الباب المصنوع من خشب الزان المتين ، و ربع ساعديه مدبدبًا على (العتبة) بتوتر بالغ ، لا إراديًا إلتفت بجسده كاملاً إلى الخضرة الواسعة و المنبسطة فى فساح الحديقة و استنشق روائح الرحيق العطرة و المتداخلة مع بعضها بمزيج زكي يلاطف خياشيمه.
لمح عن جنبه بعض عيدان الريحان المغروسة فى أصائص فخارية و تحكمت به رغبة مُلحة فى اشتمام شذاه و ما منع ذلك هو انفتاح الباب ، فعدل رابطة عنقه يحركها للجانبين برفقٍ ، و حمحم مع التفاته ، ليرى فى مرمى بصره إحدى الخادمات ترمقه بنظراتها المُمعنة فى هندامه تقيمه و منه إلى ملامحه المألوفة لها.
و بعد أن عرفت هويته حيته فى ترحابٍ بدا من منظوره مبالغًا فيه :
_ يادي النور يادي النور! فراس بيه! أهلاً و سهلاً بحضرتك.
حك "فراس" طرف شاربه _المخفف بالمقص_ بأنملة سبابته و من ثم سألها بغير تمهلٍ :
_ طلال موجود و لا أروحله الشركة؟!
احتلت الجدية التامة تعابير الخادمة و هى تجيب بصوت مُهذبٍ :
_ الباشا لا هنا و لا فى الشركة.
خاب رجاؤه و تبعثرت أفكاره بعد أن كانت منتظمة ، تزامنًا مع تلاشى الجُمل الودودة الرزينة و التى ظل يرتبها فى عقله قبل مجيئه ليقولها لشريكه ، لينطق بخفوتٍ حائر :
_ معقول يكون لسة عند باسل فى شقته؟!
حلل عقلها ما قاله فراس لوجود درجة صوته فى المستوى المسموع رغم خفوتها ، ف أفشت بما لديها من معرفة محدودة حول الأمر بقولها الموضِّح :
_ هو مش فى القاهرة كلها ، البشوات الاتنين مسافرين اسكندرية.
استنكر متفاجئًا من سفرهما السري ، و علق فى استعجاب :
_ ها ! اسكندرية ؟!!
و لم يلبث "فراس" على شروده طويلاً فقد محى ما يعتريه من سرحان ليستوضح منها أسباب غدوهما لتلك المدينة الساحلية :
_ طيب مقالوش رايحين ليه؟!
عجلت الخادمة فى الإجابة محسنة انتقاء الكلمات :
_ أه ، الباشا طلال قال إنه رايح عشان شوية اجراءات تبع الشغل هناك.
تابع "فراس" استجوابه لها نابسًا بما جال فى رأسه لحظتئذ من تخمينات منها أنهما ربما قررا تفقد فرع الشركة هناك :
_ يعني هيقعد هناك كتير؟!
لم تبخل عليه بما فى ذاكرتها من معلومات مخزنة حين ردت فى سرعةٍ :
_ لأ ، على كلامه كدة إنه هييجي قبل اليوم ما يخلص ، يعنى صد رد.
لم يعد "فراس" فى حاجة إلى البقاء فى الأرجاء ليقرر الإنصراف بذهن يعج بالأفكار الحيارى ، قرأت "الخادمة" ذلك فى عينيه ، لتتصدر انتباهه بسؤالها الهادئ الروتيني :
_ مش هتاخد ضيافتك يا باشا؟!
_ هاخدها وقت تاني ، لما الباشا يرجع.
أجابها "فراس" بعدما استدار موجهًا قدميه شطر الأصائص ، و أختار أصيصًا بعينه ، ليميل و يقطف منه عوداً ريحانيًا مطابقًا لكل العيدان الأخرى ، ساقه تحيطها أوراق خضراء و تعلوها زهوره الصغيرة البنفسجية.
استقام منتصبًا بقامته الطويلة و من ثم قرب الزهرات الريحانية من أنفه مستنشقًا عطرها الطبيعي ، و احتفظ بالرائحة بجوفه لأطول فترة ثم أخرجها فى زفير بطئ مستمتع ، لف العود بين إصبعيه يلهو به و سار مغادراً......



الثاني عشر من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close