رواية في شباك العنكبوت الفصل الحادي عشر 11 بقلم رحاب حلمي
الفصل الحادي عشر
ليس في الحسبان
سافر الجميع إلى العزبة, واجتمت الأسر الثلاث هناك يقضون نهارهم معا بين لهو ومزاح وفي الليل تنام النساء في المبنى الرئيس للفيلا بينما الرجال في مبنى الاستراحة بحديقتها كما رتب عمر, وقد استمتع كل بوقته, وفي أحدى الليالي لاتعلم ما الذي كان يؤرق نومها, فظلت ساهرة إلى أن أدت فريضة الفجر, ثم نظرت من شرفتها ووجدت أن الشمس تقارب على الشروق, لذا أبدلت ثيابها وقررت أن تخرج للتنزه في تلك الأراضي الخضراء قبل أن يستيقظ الجميع, ظلت تسير شاردة وهي تفكر فيما آل إليه حالها من زواج مزيف وابن ليس ابنها, ثم تصبح أرملة لرجل عاشت معه بضعة شهور دون أن تعرفه وهي الآن تجهل مصيرها القادم, أستظل على تلك الحال تلعب دورا في مسرحية لا تروق لها, أم تعترف بالحقيقة وهي تجهل نتيجة اعترافها ذلك, أم تهرب إلى حيث لا يستطيع أحد الوصول إليها لتقضي سنين عمرها هاربة إما من زواج لا تريده أو إناس ربما يتهمونها بالنصب والاحتيال ما إن يعلموا بحقيقتها؟
قادتها قدماها إلى اسطبل الخيول تلك الحيوانات التي ما ان رأتها في ذلك المكان حتى هابتها وهي تجهل كيف يتعامل معها الناس بتلك السهولة التي رأتها في رفاقها رغم ضخامة أجسامهم وما يمتازون به من قوة وسرعة؟ إلا أنها في ذلك الوقت تبدو في منهى الوداعة والبراءة حين تراها في محبسها.
وقفت عند أحدهم وقد كان يسمى رعد وهو الحصان المفضل لعمر وكان يفوق جميع الخيول التي في الاسطبل ضخامة وسرعة, ربما لتلك الصفات فقط قد اختاره عمر حيث بدا أنه يتناسب تماما مع شخصيته المنطوية والتي تخفي الكثير من الالصلابة والعناد وهو ما لا يحاول إظهاره في الوقت الحالي ربما لم يحن الوقت لهذا بعد.
: صباح الخير.
أجفلت ملك حين سمعت ذلك الصوت الرجولي خلفها, ثم التفتت لتجده زياد الصياد, وقد أدهشها استيقاظه في ذلك الوقت المبكر ولكن اختفت تلك الدهشة حين رأته يرتدي الزي الخاص بركوب الخيل, وتذكرت أنه قد ألقى عليها التحية لذا ردت بابتسامة خفيفة: صباح النور.
فقال زياد مازحا: لو حابة تتعلمي أنا جاهز.
نظرت إليه بحيرة, ثم تذكرت أنها قد أخبرتهم سابقا, حين عرضوا عليها مرافقتهم في ركوب الخيل, أنها لا تجيد تلك الهواية, فقالت ردا على عرضه: لا, شكرا.
بينما زياد لم يكتف برفضها بل قال محاولا إقناعها وهو يتلمس وجه ذلك الحصان ذو الملامح العنيدة: ليه بس؟ على فكرة الخيول كائنات رقيقة جدا ما يغركيش ضخامتها يعني.
فقالت ملك مصرة على رأيها وهي تشير إلى ذلك الحصان الذي اعتاد أن يمتطيه منذ قدومه: بردو لا, اتفضل انت.
قال زياد رافضا الفكرة: مليش مزاج دلوقت, وبعدين مش معقولة أمشي يعني وأسيبك لوحدك, بقولك ايه ما تيجي نتمشى شوية عقبال ما الجماعة يصحوا.
وعندما رأى في عينيها بوادر الرفض, أكمل مغريا إياها: وكمان عشان أوريكي مكان أنا متأكد انه هيعجبك أوي.
ملك بابتسامة متعجبة: وانت ايه اللي خلاك متأكد أوي كدة.
فأجاب زياد بابتسامة خاصة: لأني تقريبا بدأت أفهم شخصيتك.
وبالفعل استطاع زياد أن يقنعها برفقته, وطوال الطريق إلى ذلك المكان المجهول بالنسبة لملك ظل يثرثران في بعض المواضيع التي حرصت ملك أن تكون بعيدة عن أي أمور شخصية إلى أن وصلا لمبتغاهم.
فقالت ملك مبدية إعجابها: الله! حقيقي تحفة.
قال زياد بفخر وهو يشير إلى أبراج الحمام التي أمامهما: مش قولتلك؟
ثم أكمل شارحا: أبراج الحمام دي اللي عملها عمرو وعمر بنفسهم والمفروض اننا كل ما بنيجي هنا لازم ييجوا يطمنوا عليها, عشان كدة انا مستغرب ان عمر ما جبش سيرتها من ساعة ما وصلنا.
ولكن لم يكن الأمر غريبا على ملك كما كان الحال مع زياد, فقد أرجعته لذلك الخلاف الذي نشأ بين الاثنين ولا يعلم أحد له سببا حتى الآن.
مكثت ملك بصحبة زياد في ذلك المكان بعض الوقت تتأمل في أسراب الحمام التي أمامها دون أن يحاول زياد أن يقطع تأملاتها إلى أن قالت أخيرا وهي تنظر ناحية قرص الشمس التي بدأت تلقي بأشعتها على المكان بكثافة: يااااه! دة احنا الوقت سرقنا, ياللا بين نرجع بقا أحسن يقلقوا علينا.
فاستجاب زياد لها هذه المرة وعادا معا, ومن حسن الحظ فلم يجدا أي من رفاقهم قد استيقظ بعد.
*********************************
وفي مساء ذلك اليوم قد اجتمع الرجال الثلاث يلعبون معا ما يسمى(البلاي ستيشن) و ميار في نفس الحجرة تتابعهم في صمت وهي تقلم أظافرها وقد بدأ يصيبها الملل من تلك اللعبة السخيفة التي لم تجعل أي منهم يعيرها أدنى اهتمام, بينما تجلس المسنات في شرفة الفيلا يتحدثن سويا في الذكريات القديمة, أما ملك فقد تطوعت تلك الليلة للذهاب إلى المطبخ كي تصنع بعض الحلويات و أعجبت الفكرة مرام فعرضت عليها المساعدة.
وما ان انتهت ملك حتى أحضرت أطباق الحلوى وفي إثرها مرام, ذهبتا أولا إلى نجوان ورفيقتيها لتقدم لهن بعضا منها, فقالت فيريال بامتعاض: عادية يعني, أي حد من الخدامين كان يقدر يعملها.
شعرت ملك ببعض الضيق, ولكن ما لبثت أن استبدلت ذلك الحزن بالفرح حين استمعت رأي نجوان التي هدفت إلى استرضائها بعد أن رمقت فيريال بنظرة لائمة: جميلة يا ملك.
وهكذا فعلت سوسن: تسلم ايديكم يا بنات.
وذهبت إلى الحجرة التي يجتمع بها الآخرون وهي منشرحة الوجه, وبدأت بميار: اتفضلي يا ميار.
فنظرت إليها ميار بنظرة متعالية وهي تقول رافضة: ميرسي, أصلي عاملة رجيم.
واتجهت ملك إلى الثلاثة الآخرون, وكان عمر و حازم منشغلان في اللعب بينما جلس زياد بجوارهم يتابع النتيجة ثم تحول انتباهه فور دخول ملك ومرام, فقالت ملك لهم: اتفضلوا شوية حلويات.
فقال حازم دون أن يلتفت نحوهما: معلش يا ملك, حطيهم ع الترابيزة عقبال ما نخلص الشوط دة.
وكان استخدامه لاسمها مجردا هو بالأمر الطبيعي حيث اتفقا معا على ذلك من قبل دون مما نعة منها, فحازم لم يكن بالشخص الذي ترتاب منه.
أما زياد فقال وهو يمد لها يده: هاتي طبقي أنا.
فقدمت له ملك الطبق وسرعان ما تذوق محتوياته ليقول معلقا وهو يتلذذ بمضغ الطعام: امممم, تسلم ايدك يا مدام ملك, واضح انك ست بيت شاطرة.
فقالت ملك بتواضع: يعني على أدي كدة.
وتدخلت مرام لتهتف مشيدة بنفسها بفخر: وأنا ساعدتها.
فقال زياد هازئا: آه, مانا عارف طبعا, أكيد انتي اللي ولعتي الفرن.
أخرجت له مرام لسانها مغيظة, ثم هرولت لتخرج من الغرفة وكأنه سيلاحقها, مما جعل ابتسامة ملك تتسع لتزيد من سحرها, ثم استأذنت لتلحق بها.
فقال زياد وقد أعاد انتباهه إلى رفيقيه: عمر! بعد ما تخلص الماتش عاوزك في كلمتين.
*****************************
دخل عمر غرفة المكتب ثم ضغط على زر الإضاءة لينير المكان, وفي إثره دخل زياد الذي أغلق الباب خلفهما, فجلس عمر على الأريكة داعيا صديقه إلى الجلوس بجانبه وهو يقول: خير يا سيدي! ايه هو الموضوع المهم دة اللي كنت عاوزني فيه؟
وما ان استراح زياد في جلسته بجواره حتى قال ببعض الارتباك: بصراحة بقا كدة يا عمر, انا طالب القرب منك.
كان رد فعله ابتسامة واسعة ليبدأ كلامه بالمزاح: أكتر من كدة! بالشكل دة احنا ممكن نتفهم غلط.
لكن لم يبد أن مزاحه قد أثر في زياد الذي قال بملامحه الجادة: أنا مش بهزر يا عمر, أنا بتكلم جد, فعلا عاوز أناسبك, احنا أصحاب من زمان وأكيد انت عارف أخلاقي كويس.
انتقلت جديته إلى عمر الذي قال: طبعا يا زياد.
ثم أكمل مازحا من جديد: إلا بقا إذا كانت بلد الفرنجة على رأي مرام تكون غيرت أخلاقك.
فقال زياد معلقا على كلامه: مرام دي لسة عيلة وهي بتحب تغيظني كدة على طول, مانت عارف.
فقال عمر وهو يربت على ذراعه: معلش بقا يا سيدي, ماهو لما تتجوزوا أكيد كل دة هيتغير, وتعرف تتعامل معاها.
فتغيرت ملامح زياد فجأة ليقول بارتباك: نتجوز! لا, واضح انك فهمت غلط يا عمر, انا ما كنتش أقصد مرام.
فعلت وجه عمر ابتسامة دهشة وهو يسأله: وهو أنا عندي أخوات بنات تاني غيرها, ولا ما تكونش تقصد ماما؟
ثم تذكر أمرا ليضيف هاتفا: آه, أكيد بتتكلم عن ميار بنت عمي, بس ليه جتلي أنا, ما عندك حازم أهو أخوها وصاحبك في نفس الوقت.
فقال زياد موضحا الأمر: بردو ما فهمتنيش يا عمر, أنا كنت أقصد مدام ملك.
عمر بشك: ملك! ملك مين؟ مراة أخوية!
فصحح له زياد قائلا: قصدك أرملة أخوك الله يرحمه.
*********************************
هبت نجوان من مكانها تقول بفزع: ملك! معقول!
فقال عمر الذي يجلس خلف المكتب وهو لا يزال يشعر بالحنق: انا دلوقت بس عرفت انتي كنتي تقصدي ايه لما قولتي انه يمكن يبقا واحد مننا.
فقالت نجوان نافية: بس انا ما كنتش أقصد ملك.
فسأل عمر وقد ضاقت عيناه في ترقب: أمال كنتي تقصدي مين؟
أجابت نجوان: مرام.
وهنا بدا أن عمر على وشك الخروج عن شعوره وهو يقول من بين أسنانه: ومن امتى يا نجوان هانم واحنا بندلل على عرسان لبناتنا؟
فقالت نجوان مدافعة عن نفسها وهي تعود لتجلس في مكانها على مهل: أنا ما كنتش بدلل يا عمر, انا لقيت انه شاب كويس واحنا عارفينه من زمان, فقولت لنفسي ليه لا؟ وعشان كدة عزمته هو ومامته انهم يقضوا يومين معانا في العزبة على أمل ان هو ومرام يقربوا من بعض.
فقال عمر بتهكم: واهو راح وقرب من مراة أخوها.
ثم استدرك يقول: قصدي أرملته على رأي زياد, واضح يا نجوان هانم ان حساباتك المرة دي كانت غلط.
ابتلعت نجوان غصة في حلقها وهي تعترف في نفسها أنه محق, لذا سألته: طب وايه العمل دلوقت؟ وانت رديت عليه بإيه؟
عمر: طلبت منه انه يدينا مهلة نفكر.
فهتفت نجوان وهي تقولمعترضة: طب وليه ما رفضتش على طول؟
فسأل عمر بثبات: بأي صفة؟
لم تفهم نجوان قصده في البداية لذا طالبته بالتوضيح: قصدك ايه؟
فقال عمر بمنطقية: قصدي ان زياد جالي أنا في الأول احتراما للصداقة اللي بينا, ولولا كدة كان راح لصاحبة الشأن نفسها وعرض عليها الجواز, وهي حرة بقا توافق أو ترفض, يعني أنا موافقتي أو عدمها في الحالة دي ملهاش أي لازمة وهتتوقف في الآخر على رأيها هي.
نجوان وقد بدأت تشعر بقلة الحيلة: طب واحنا هنسيب الموضوع عايم كدة, وافرض انها وافقت, هيكون مصير يوسف ايه ساعتها؟
فقال عمر باندفاع: والله هي لو عاوزة تتجوز فاحنا ملناش سلطة عليها أما يوسف فدة ابننا و محدش هيربيه غيرنا.
نجوان بحزن: يعني هيتحكم عليه انه يعيش يتيم الاب والام؟
فسألها عمر : عندك حل تاني؟
صمتها كان هو الرد الذي أكد له أن ليس هناك حل بديل لما قاله, أما نجوان فقد أسرت في نفسها أنها لن تسمح بذلك أبدا مهما كانت الوسائل التي ستستخدمها في سبيل إيقاف تلك الزيجة.
******************************
أما في شقة زياد الصياد فقد كان هناك خلاف من نوع آخر, حيث بعد أن عاد هو ووالدته من العزبة, وكان والده قد عاد أيضا من لندن ثم أخبرهم زياد بنيته للزواج من ملك, وقد بدأ الجدال بينه وبين سوسن بينما ل عامر الأب يتابع في صمت.
سوسن بفزع: انت بتقول مين؟ ملك؟
فقال زياد بثبات مؤكدا ما كان قد قاله مسبقا: أيوة يا ماما, ملك.
فسألت الأم باستهجان: وما لقتش غير ملك دي وتفكر تتجوزها؟
لم يخرج زياد عن ثباته وهو يقول: أولا, أنا مش بفكر, انا بدأت فعلا في التنفيذ وروحت طلبتها من عمر, وثانيا, أنا مش شايف ان ملك فيها أي عيب يمنعني اني أتجوزها.
فقالت الأم متهكمة: فعلا هي مفيهاش غير عيب واحد انها أرملة وعندها ابن.
زياد بلا مبالاة: ودي فيها ايه يعني؟ هو في البلد هنا ممنوع ع الارملة انها تتجوز؟
فأجابت سوسن نافية: لا, بس لما تفكر انها تعملها بتدورلها على واحد في نفس ظروفها.
فعلق زياد بشيء من المزاح: يعني عشان اتجوز ملك المفروض اني اروح اتجوز غيرها في الأول وأقتل مراتي عشان أبقا أرمل زيها؟
فلوت سوسن شفتيها في امتعاض حيث لم يرق لها استخفاف ابنها برأيها, وقد لاحظ زياد ذلك, لذا ذهب إليها وجثا أمامها على ركبتيه وهو يمسك بيدها مقبلا إياها في محاولة لاسترضائها: ماما يا حبيبتي, انتي مش كل اللي يهمك اني أبقا سعيد؟
فتساءلت سوسن باستنكار: وهو انت مش هتبقا سعيد يعني غير مع الأرملة دي؟
فأومأ بالايجاب وهو يقول: دة حقيقي, ملك هي اللي قلبي وعقلي اختاروها, وانا واثق إنها أنسب انسانة ليا.
ثم أكمل وهو يشير إليها باصبعه وكأنه يوجه إليها اتهاما: وانتي بنفسك يا ماما شهدتلها ان أخلاقها عالية وست بيت شاطرة.
فقالت سوسن معترفة: أنا مانكرش انها فعلا كدة.
ثم استدركت وهي تضيف: بس دة مش معناه اني أوافق على جوازها من ابني الوحيد اللي لسة ما دخلش دنيا.
وانتهز زياد الفرصة ليقول فيما يشبه التهديد: و ممكن ما ادخلهاش خالص لو ما وافقتيش على جوازي من ملك.
لم تجد سوسن مفرا من ذلك الحصار الذي يمارسه عليها, فقررت الاستعانة بزوجها الذي تظاهر بقراءة الصحيفة وهو يجلس على الطرف الآخر من الأريكة: ما تسيب اللي في ايدك دة يا عامر وتشوف ابنك قوله كلمتين يمكن يعقل ويرجع عن اللي في راسه دة.
وبالفعل وضع عامر الصحيفة على المنضدة أمامه وهو يقول لها بهدوء: ابنك عاقل لوحده يا سوسن, وهو كبير كفاية بإنه يعرف مصلحته فين؟ واذا كان شايف ان جوازه من الست دي مناسب ليه يبقا خلاص سيبيه يتجوزها.
فلوت سوسن شفتيها وهي تعلق على كلامه: هو دة اللي قدرك عليه ربنا؟ قال جبتك يا عبدالمعين.
وهنا بدأ زياد يضيق عليها الخناق أكثر ليقول: أرجوكي يا ماما, بلاش تخليني أعمل حاجة انتي مش راضية عنها.
كادت سوسن تبدي موافقتها لولا أن تمسكت بآخر أمل لديها وهي تقول: وانت يعني ضامن ان نجوان ولا ابنها هيوافقوا على الموضوع دة؟
وهنا لاحست شبه ابتسامة على شفتيه وهو يقول لها: عشان كدة يا ست الحبايب انا كنت عاوز منك خدمة.
